خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ

(١) حُلْمُ السُّلْطان

أَمَّا السُّلْطانُ الحائِرُ فَقَدْ حَدَثَ لَهُ مالا يَخْطُرُ بِبالِكَ — أَيُّها الصَّديقُ الْعَزِيزُ — فقَدِ اسْتَوْلَتْ عَلْيهِ الهُمومُ والأحْزانُ، وأَسِفَ لتَسَرُّعِهِ في الاِنْتِقامِ مِنْ وزيرِهِ السَّجين. وأَدْرَكَ أَنَّهُ سَيَعْجِزُ عن سِياسَةِ مَمْلكَتِه، ومُغالَبةِ أَعْدائهِ الْمُحِيطينَ بهِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَ وزِيرَهُ الْمُجَرَّبَ الذَّكِيَّ. فَندِمَ عَلَى ما فَعَلَ، ولَمْ ينَمْ طولَ لَيْلِهِ. فلمَّا لاحَ نورُ الْفَجْرِ، أَخَذتْهُ سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ (نَوْمَةٌ خَفِيفَةٌ)، فرَأى — في مَنامهِ — خُنْفَساءَةً صَغِيرَةً صاعِدَةً إلَى أعْلَى الحائِطِ، وهِيَ مَلْفُوفَةٌ في خُيوطٍ وحِبالٍ طَوِيلَةٍ منَ الْحَرير والْقُطْنِ، وما زالَتْ صاعِدَةً حتَّى اقْترَبَتْ مِن أَعْلَى الحائِطِ. ثُمَّ نَفَضَتِ الْخنْفساءَةُ عَلَى الحائِطِ ما تحمِلُهُ مِنَ الْخُيوطِ والْحِبالِ، فَتَأَلَّفَتْ مِنْها جُمْلَةٌ بَديعَةُ الْخَطِّ، رائعَةُ الْمَعْنى. فقَرَأَها، فإِذا هِيَ: «الْعَدْلُ أَساسُ الْمُلْكِ».

ونَظَرَ أمامهُ. فرَأَى الْوَزيرَ السَّجِينَ جالسًا عَلَى عَرْشِهِ.

(٢) في بُرج الهلاكِ

فاسْتَيْقَظَ الْمَلِكُ خائِفًا، ونادَى حُرَّاسَهُ مَذْعُورًا، وأَمَرَهمُ أنْ يَفْتَحُوا لهُ الْبُرْجَ. وما كادَ بابُهُ يُفْتَحُ حتّى أَسْرَعَ السُّلْطانُ إلَى قِمَّةِ الْبُرْجِ، فرَأَى — في طَريقهِ — الْخُنْفَساءَةَ الَّتِي أَبْصَرَها في مَنامهِ. فارْتاعَ وارْتَبَكَ، ثُمَّ بَحَثَ عَنِ الْوَزِيرِ السَّجِينِ، فلَمْ يَجِدْهُ.

(٣) مَصْرَعُ الطَّاغِية

وَلاحَتْ مِنْهُ الْتِفاتةٌ، فرَأَى حَبْلًا مَرْبوطًا في قِمَّةِ الْبُرْجِ، مُتَدَلِّيًا إلَى أَسْفَلَ، فأَسْرَعَ إلَى شُرْفةِ الْبُرْجِ لِيَرى جَلِيَّةَ الْخَبَرِ — دُونَ أَنْ يَتَبَصَّرَ فِي أَمْرِهِ — فَزَلِقَتْ قَدَمُهُ، وهَوَى جِسْمُهُ مُحَطَّمًا — مِنْ أَعْلَى الْبُرْجِ — إلَى قاعِدَتِهِ.

(٤) أَفْراحُ الشَّعْبِ

وَبَعْدَ قليلٍ ذاعَ الْخَبرُ في أَنْحاءِ الْبِلادِ كُلِّها، وَسَرَى في النَّاسِ سَرَيانَ الْبَرْقِ، وَعَرَفُوا كُلَّ ما حدَثَ. فَهتفُوا بالْوَزيرِ «سِيلا» سُلْطانًا عَلَيْهِم. واجْتَمع أَعْيانُ الْبِلادِ وكُبَراؤُها لِتَنْفِيذِ مَشِيئَةِ الشَّعبِ مَسْرُورِينَ بِخَلاصِهم مِنْ ذلِكَ الْعَهْدِ الْمَشْئومِ. وبَعَثُوا رُسُلَهُم يَبْحَثُونَ عَنْهُ في أَرْجاءِ الْمَدِينةِ، فلَمْ يَعْثُرُوا لهُ على أثرٍ، وعادُوا إلَيْهِم — في الْمَساءِ — خائِبِينَ.

(٥) السُّلْطانُ الْجَديد

أَمَّا الْوَزيرُ «سِيلا»، فَقَدِ انْتَظَرَ حَتَّى مَدَّ الظّلامُ رُواقَهُ، فَخَرَجَ معَ زَوْجَتِهِ — مِنَ الْغارِ — لِيَهْرُبا إلَى بَلَدٍ آمِنٍ يَعيشانِ فيهِ فَرأَيا فَرَحَ الْنَّاسِ، وسَمِعا نِداءَهُمُ الْجَديدَ؛ فَدَهِشا. وسألَتِ الزَّوْجَةُ أَحدَ النَّاسِ عَن جَلِيَّةِ الأَمْرِ، فَحَسِبَها غَرِيبَةً عَنِ الْمَدِينَةِ، وقَصَّ عَليْها كلَ ما حَدَث.

فأَسْرَعَ «سِيلا» إلى قَصْرِ السُّلْطانِ. ولَمْ يَكَدْ أَعْيانُ الدَّوْلَةِ وسَراتُها يُبْصِرُونهُ، حتّى أَقْبلُوا عَلْيهِ يُهَنِّئُونَهُ فَرِحِينَ.

وأَصْبَحَ الْوَزيرُ السَّجينُ — مُنْذُ ذلِكَ الْيَوْمِ — سُلْطانَ الْبِلادِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠