قافية اللام

وقال يمدح جناب «نصر الله أفندي عبدالله دلال»:

ما كان قطُّ فمي ليعصي بالي
بالٌ أبى إلَّا انصلاتَ مقالي
إن كنتُ ذا نطقٍ ورَبَّ فمٍ فلي
قولٌ فهاك من الحجا أقوالي
مالي وما للمنكرين فضائلي
حسبُ الفضيلِ شهادةُ الأجيالِ
جهدي أحبُّ بني الزمان وكلُّهم
هذا حسودٌ لي، وذلكَ قالِ
بشرٌ حذارِ فأمهم أم الدها
وكذاك والدهُم أبو الأهوالِ
ليَ حُسَّدٌ يرجون هدمَ عزائمي
فكأَنَّهم يرجونَ هدمَ جبال
وعواذلٌ حاولن تسليتي وما
أنا بالسميعِ، وما أنا بالسَّالي
وإذا الصبابةُ خامرت قلب الفتى
صَمَّتْ مسامعَهُ عن العذَّالِ
بأبي من الغيد الرباربِ غادةً
تدعو الهوى بشمائل ودلالِ
للهِ أَيَّةُ آيةٍ في وجهها
جُنَّ الشَّجيُّ بها وحنَّ الخالي
ما كنت في الدنيا لأهوى غيرها
أبدًا وما كانت لترحمَ حالي
عاهدتها أني أكون أسيرَها
طولَ الزمانِ على جفًا ووصالِ
فاسترهنتْ قلبي الوفيَّ وللولا
نسيَتْ، وقلبي والولا في بالي
تلكَ المحاجرُ قد سفكنَ دمي فهل
ينسى القتيلُ خناجرَ القتال؟
فبفضةِ النحر العيونُ رشين قا
ضي الحبِّ واستقضينهُ بوبالي
مقَلٌ غَزلنَ ولي بذاك نسجن من
قطن المشيبِ عليَّ ثوبَ خَبال
واللهِ ما كبرًا مشيبيَ إنَّما
غدرُ الزمان مشيبُ الأطفالِ
وكذا اغتيال الصاحبين فإنَّهُ
أمضى وأقتل من ظبا ونبالِ
كلٌّ رمى بالغدر معروفي سوى
ذاك الموافي من بني الدلَّالِ
أعني بنصر اللهِ من هو في الحجا
بدرُ الكمالِ وفي الصبا كهلال
شهمٌ رآهُ الدهرُ أخلق بالعُلى
فهوى عليهِ بها بدون سوالِ
وأمدَّهُ كلَّ الرغائب وهو لم
يمْدُدْ يدًا، فالحرُّ غيرُ مبال
سيان إكثارٌ وإقلالٌ لمن
يعطي ولا يبسط يدًا لنوالِ
من لي بهِ ركن الحجا بيراعهِ
قد قرَّب القاصي وأدنى العالي
جمع العلوم فكان بحر معارفٍ
تطفو عليهِ بوارجُ الآمال
وجرى يمزقُ بالسنا حجبَ الدجى
فاستطلعَ الأيامَ دونَ ليالِ
وحوى المفاخرَ فهو قطبُ كرامةٍ
دارت عليهِ دوائرُ الإجلالِ
ضحكت ثغورُ العلم والعلما بهِ
وبكت عيونُ الجهل والجهالِ
ذو منطقٍ أمضى من الهنديِّ لم
يضرب بهِ إلَّا طلا الأشكالِ
هو من أصول الفخر غصنُ مكارمٍ
ما زال ذا ثمرٍ بغير زوالِ
حسبُ الكريمِ مليح ذكرٍ دائمِ
وكفى اللئيم قبيحُ ذكرٍ بالِ!
يهدي لنا دُرَرَ الكلام وليس ذا
عجبًا؛ فلا بحرٌ بغير لآل
ويهزُّ سيف مقالهِ العالي على
أهل النفار من المقال العالي
قوم لهم ذو العقل خصم سيِّئ
وأخو الحماقة محسنٌ وموالِ
قل ما تشاءُ فإن قولَكَ راهنٌ
واسجع ولا تسمع لذي أقوال
عارٌ على أهل النهى أن يصمتوا
لمقام ظرفٍ أو قرينةِ حال
ومن المعيب على الكُمَاة فرارهم
يوم الكريهة من هجوم قتالِ
يا أيها الشهم الهمامُ العالمُ الـ
ـعالي المقامِ الكاملُ الأفضالِ
ما أنت بالأموال تشري العزَّ بل
هو مذ رآك شراكَ بالأموالِ
أنت الكريم أبًا وجَدًّا محتدًا
شرفٌ من الأعمامِ والأخوالِ
ومتى كريمُ الأصلِ أطلعَ وجههُ
خُسِفَ الحديثُ، وتمَّ كلُّ مقال

وقال:

من لصبٍّ غدا أسير الجَمالِ
هائِمَ الوجدِ، هائج البلبال؟
ما سباهُ سوى ذوات قدودٍ
هزَّهنَّ الدلال هزَّ العوالي
بوجوهٍ كأنهن بدورٌ
وشعورٍ كأَنهن ليالِ
غانياتٌ أطلعن من فلك الإز
رارِ شهبًا بدت على آسال
بأبي غادةً إذا ما تبدَّت
أخجلت بالجمالِ بدرَ الكمالِ
لستُ أدري قتلي أَمن طرفها النَّبـْ
ـبَال أم من قَوَامها العسال؟
إن تثنت فبانةٌ من دلالٍ
أو تجلَّت فنيِّر من جمالِ
خدُّها والجبينُ نارٌ ونورٌ
واللمى والطُلَا ندًى ولآلِ
دأبها الفتكُ والقتالُ بأَلحا
ظٍ جعلن القلوب مرمى النبالِ
إن يكن حبها بقلبيَ داءً
فالدواءُ العناقُ عند الوصالِ
لي فؤادٌ لرشفِ مبسمها اشتا
قَ اشتياقَ الظمآن للجريال
ذاتُ تيهٍ تميلُ في قامةِ الغصـ
ـنِ وترنو بعين خشف الغزالِ
مذ طلبتُ الوصالَ والقربَ قالت:
هل ينال الفتى طلابَ المحال؟
وإذا ما المطلوبُ جاء على الطا
لبِ صعبًا فالفوزُ بالإهمال

وقال:

مهما تشنُّ الليالي
فإنني لا أبالي
يا ويل جيش البلايا
من حملتي باحتمالي
إن كان درعي صبري
فما سيوف النكالِ؟
عارٌ عليَّ انثنائي
تحت الخطوب الثقالِ
فالخطب كالريح عزمي
أمامهُ كالجبالِ
لا أشتكي فعل دهري
مهما جنى بالفعالِ
فالدهرُ خيرُ دليلٍ
يهدي سُرَاةَ الضلالِ
الدهرُ شيخٌ كبيرٌ
مؤَدبٌ للرجالِ
يغنى ويفقر لكن
يأبى دوامًا لحالِ
كل الأنام سكارى
فيهِ بخمر المحالِ
حياتهم كمنامٍ
وطيبها كالخيالِ
وكل شيءٍ عليها
مصيرُهُ للزوالِ

وقال يهنيءُ سيادة المطران «بولس حاتم» رئيس أساقفة الروم الكاثوليكيين في حلب بقدوم علامة الشرف لهُ:

رأَى الفخارُ محلًّا عاليَ الكللِ
فحلَّ فيهِ حلول الشمس في الحملِ
والدهرُ قد أطلعَ المجدَ الوطيدَ على
أحبابهِ فأتاهم طالبَ القبلِ
فعاد يهتزُّ عطفُ الفوزِ عن مرحٍ
وراح يفترُّ ثغرُ العزِّ عن جذلِ
وقد غدا هاتفُ البشرى يقول لنا:
طابَ الهناءُ ولذَّ النيلُ للأملِ
فلم يعدْ من فوآدٍ غير مبتهجٍ
إلَّا الحسود، فدعهُ في يدِ الخجلِ
كنْ بالغَ البشرِ يا ذا الحبرُ «بولس» في
وسامِ فخرٍ أتى من أفخرِ الدولِ
فأنتَ يا أيها الراعي الذي لمعت
أنوارُ آلائهِ الغراءِ في الملَلِ
قد ازدهيتَ بما أوتيتَ من شرف
مثل ازدهاءِ الرُّبى بالنرجسِ الخضل
لا بدعَ إن نالَ شعبُ اللهِ منك هدًى
فأنت «بولسُ» في علمٍ وفي عملِ
فمن شفاتكَ شمسُ الرشدِ مشرقةٌ
وفوقَ صدركَ نجمُ المجد لم يفلِ
رنَّت بوعظك أعماقُ القلوبِ وها
تكسرت بقواهُ شوكةُ الزللِ
وكيف ذا القول لا يشجي النفوس وقد
كادت تخر لديهِ هامةُ الجبلِ؟
روموا الهنا أيها الروم الذين رقوا
شأْو المفاخر منذُ الأعصر الأوَل
فقد أتى شرف من ذي الجلال إلى
راعٍ لكم يرعى ساهرَ المقلِ
وكلما ازداد ربُّ القوم رفعتهُ
تجري على القوم رفعًا صيغةُ البدل
حبرٌ أخو هممٍ تحكي الصفاح وذو
فعائلٍ لم تشبها ريبةُ العللِ
على صفاتٍ إليها مال كُلُّ فتًى
من التشوُّق ميل الشارب الثملِ
ومذ رأَت رُتَبُ العلياءِ ليس لها
أهلٌ سواهُ فوافتهُ على عجلِ
أرضى المليكين في أرضٍ وفي فلكٍ
فليهن بالأطولين: الباع والأجلِ
وحين خال سواهُ أن يماثلهُ
بين الورى وهو فردٌ فاقد المثل
نادى السنا والسنا أرِّخْ أضاءَ بنا
ليس التكحُّلُ في العينين كالكحلِ
سنة ١٨٦٤

وقال:

بدتْ فلاحَ هلال السعد من أسلِ
وغازلت فانتضت سيفًا من الكحلِ
غيداء تجدح كاس السحر مقلتها
وقدها يفضح الأغصانَ بالميلِ
تسبي النهى بخدودٍ زانها خفرٌ
منهنَّ أضحتْ خدود الورد في خجلِ
بي غادةٌ جفنها خمرَ العقول غدا
وأصبَح الوجهُ منها سكر المقلِ
عاتبتها وعتاب الحب ألطفُ من
ريحِ الصبا، فانثنت كالسمرِ والذبلِ
من قاس يومًا بغصنِ البان قامتها
أخطا؛ فما لغصونِ البانِ من كفلِ
ألذُّ لي من عبير المسكِ نكهتها
وريقها بفمي أحلى من العَسلِ
فتَّانةُ الطرف لا ترنو مغازلةً
إلَّا تغادرُني كالشاربِ الثملِ
تلوح إن أسفرت شمسًا حرارتها
تأتي من الخدِّ عند اللثم والقبل
بلي بنار الهوى قلبي الكئيبُ، وكم
قلبٍ قضى بالهوى؟ وا حيرتي وبلي!
كل المحاسن في أطوارها جمعتْ
فليسَ من عوضٍ عنها ولا بدلِ
لا كنتُ معجزةَ العشاق إن نظرت
عينى إلى الغير حتى ينتهى أجلي

الإقرار

أذنت بالمغيبِ شمسُ الجمالِ
فإلى كم تبدينَ تيه الدلال؟
وسيوف الألحاظ فُلَّتْ فلم يبـ
ـقَ بقلبي صليل تلك النصال
وخبتْ نارُ وجنتيكِ التي كم
غادرت مهجتي على تشعالِ
وغدا نورُ ذلك الوجهِ يحكي
بهقَ الأرض تحت قوس الهلالِ
لا تلومي إن قلتُ: حسنُكِ ولَّى
كل شيءٍ مصيرُهُ للزوالِ
لم يدُم منك غيرُ قلة ودٍّ
قلةُ الودِّ شرُّ كلِّ الخصال
لو يدومُ الودادُ منكِ لما كنـ
ـتُ تركتُ الهوى على كلِّ حالِ
لكِ نفسٌ تهوى الجميعَ فسيَّا
نِ جهولٌ وأعقلُ العقَّالِ
قد بحثتِ بالظلف جهلًا على الحتـ
ـفِ وهذا من عادة الجهالِ
لا تظني أني سأرجعُ للحُبـْ
ـبِ ولو كنتِ كوكبًا في الأعالي
فرجوعُ الكريمِ عن قصدهِ عا
رٌ عظيم يعزَى إلى الأنذالِ
كيفَ أهواكِ بعدما لاحَ لي منـ
ـك خداعٌ وذاك طبع الثعالِ؟
أين تلكَ العهودُ؟ أين الوفا؟ أيـ
ـن الهوى؟ أين صفوُ تلك الليالي؟
هل جميعُ الذي بدا منكِ لي مرَّ
كبرقٍ في السلك أو كالخيالِ؟
إن يكن فخرةً لك الغدرُ أضحى
وهو نقصٌ، ففخرتي بكمالي
ليَ نفسٌ عزيزةٌ ليسَ ترضى
بهوانٍ في حبِّ ذاتِ جمالِ
إن تكوني بلا وفاءِ ولا ودٍّ
فكيف الهوى يمرُّ ببالي؟
وأنا لم أزلْ وفيًّا ودودًا
دمثَ الخلق، طاهر الأذيالِ
لكِ إن كنتُ قد خضعتُ فكم يخـ
ـضعُ ذو ثروةٍ لذي إقلالِ؟
وعلى القلب إن سطوتِ فقد يسـ
ـطو جبان الوغى على الأبطالِ
قد كفاني ما قد لقيت من الحُبـْ
ـبِ وما قد قاسيتُ من بلبال
كم سفحتُ الدموعَ من حرِّ ذيَّا
كَ الهوى في الغدوِّ والآصالِ
إنما الآن لم يعدْ في فؤَادي
من غرامٍ وحقِ صدقِ مقالي
ومن الممكناتِ إن تكُ نفسي
دافعت قوَّة الهوى بالملالِ
كلُّ شيءٍ فيهِ التناقضُ لم يو
جدْ، فذا ممكنٌ وغيرُ محالِ
فاغتنم من دنياك يا قلبُ ما طا
بَ ولا تصغينَّ للعذَّالِ
كن بما أنت في قضاهُ مجدًّا
ودعِ الناسَ بينَ قيلٍ وقالِ

وقال:

كل امرئٍ خُصَّتْ بهِ أفعالُ
ولكلِّ فعلٍ نسبةٌ ومقالُ
لولا رجالُ الغوث ما بين الورى
لعرا الضعيفَ تشتتٌ ووبالُ
ذو الفضل إن ينهض لعونٍ لم يعد
للغاصبين من الأنام مجالُ
من يفرقُ الشهم الغيورَ من الذي
يبغي الأذى لو لم تقم أعمالُ؟
والعقلُ أخفى ما يكونُ من الفتى
ذاتًا وعنهُ تظهرُ الأشكالُ
لا يَجني بالأموالِ عقلٌ لامرئٍ
لكنَّما بالعقل يُجنى المالُ
لم يخلُ دهرٌ من رجال مكارمٍ
ولكلِّ دهرٍ دولةٌ ورجالُ

وقال إلى الخواجا «جبرائيل دلال»:

لا كنت صبًّا صبا للخدِّ والخالِ
إن كنتُ أسمعُ عذل العاذل الخالي
يا من مددتم إلى لوم المحبِّ يدًا
لا تعذلوا فأنا راضٍ بذي الحالِ
خيالُ «لبنى» بعيني دافعٌ بقوى
شوقي إليها عنِ اُذْنِي صوت عذالي
يلذُّ لي شغلُ قلبي في محبتها
كما يلذُّ لصادٍ نهلُ جريال
ما لي اقتناء سوى حبي لها أبدًا
حسبي هواها غدا بين الورى مالي
الكسرُ والنصرُ في أجفانها اتفقا
فاعجبْ لضدين وفقًا أتلفا حالي
قوامها يسلبُ الألبابَ إن خطرت
تميسُ تيهًا ويثنيهِ كعسَّالِ
الخصرُ كالماءِ منها قد غدا رخصًا
والقلبُ كالنار مني في الهوى غالي
غصنُ اصطباري ذوى تفدي معاطفها
بنار حبٍ ذكتها ريحُ بلبالِ
بالسمر والبيض لما أعرضت حجبت
هذا الحجابُ بأحشائي، فبشرى لي
مذ سربلتنيَ ثوبَ السقم أجفنها
وجدتهُ في هواها خيرَ سربالِ
الصبُّ يسلو بمرآها الربوعَ وقد
يغنَى عن المسعفين الأهل والمالِ
أعطافها ثملت من خمر مقلتها
فتهنَ سكرًا، وملنَ ميلَ آسالِ
زادت محاسنَ حتى خلتها اقتبست
من حسن طلعة «جبرائيل دلال»
فرعُ الأصائلِ بل أصل الفضائل مَن
قد حاز كل مقامٍ زاهرٍ عالِ
ظلَّت عيونُ السنا والمجد ترمقهُ
وراحةُ الحبِّ عنهُ تدفعُ القالي
صدرُ المجالس نبراسُ الدوامسِ مظـ
ـهار النفائسِ ندبٌ خيرُ مفضال
ربُّ الجمائل محمود الفضائل ممـ
ـدوح الفعائل فخرُ الصحبِ والآلِ
قد جئتك اليوم يا بادي الشهامة في
عقيلةِ الفكرِ، فانظرْ جيدها الحالي
خودٌ بدت لك من خدر النُهى وزهت
بلؤلؤٍ قد أتى من أبحر البالِ

وقال:

أميلي عودَ قامتكِ أميلي
وعودي مغرَمَ الوجه الجميلِ
قتلتِ الصبَّ بالهجران عمدًا
وقاكِ الله، ما ذنبُ القتيلِ؟
أدرتِ كئوس بينٍ يا حياتي
فملتُ وما لسكريَ من مثيلِ
إذا ما كنت ظاعنةً فقلبي
خذيهِ حاديَ الناقِ الذلولِ
ببعدكِ قد غدا جسمي نحيلًا
وطرفي راعيَ النجم الضئيلِ
فهل من عطفةٍ يا هندُ يومًا
على المسلوب بالطرف الكحيلِ
سباني نرجسٌ يعلو شقيقًا
على رمانتَيْ غصنٍ نحيلِ
فتنتِ بخدك الورديِّ عقلي
بروحي نضرةَ الخد الأسيلِ!
سكرتُ بخمر عينيكِ وفيهِ
أريتكِ كيفَ عربدة الثمول
على جذب العقول عمدت حتى
كأنك كهرباءٌ للعقول

وقال مقرظًا كتاب مجموعة أشعار إلى الخواجا «إلياس فرج اللبناني»:

لكلِّ مجدٍّ في الورى نفعُ فاضلِ
وليس يفيدُ العلم من دون عاملِ
يسابقُ بعضُ الناس بعضًا بجهدهم
وما كلُّ كرٍّ بالهوى كرُّ باسلِ
إذا لم يكن نفعٌ لذي العلم والحجا
فما هوَ بينَ الناس إلَّا كجاهلِ
كذاك إذا لم ينفعِ المرءُ غيرهُ
يُعَدُّ كشوكٍ بين زهرِ الخمائلِ
ولا يحسبن المرءُ أن اجتهادهُ
يحاشيهِ من طاري صروف الغوائل
فكلُّ امرئٍ بين الصروف موقَّعٌ
وقوعَ صريفِ الإسم بين العواملِ
حذارِ فتركُ الجهد عارٌ على الفتى
ولو كان مغلولًا بكلِّ السلاسلِ
أضاقَ انتشار العلم حبلُ جهالةٍ
ومن فرجٍ كان انفراجُ الحبائلِ
أديبٌ جنينا اليوم من ثمراتهِ
نواضجَ تحلو في غصون المسائل
أتانا بما للعقلِ ينهجُ مسلكًا
إلى الرشد والتهذيب بين الأفاضل
بتحفةِ أبكار القرائحِ والنُّهى
زرينَ بأقمار السماءِ الكواملِ
أرانا مقامَ الخال في كلِّ حالةٍ
وأظهرَ بطلانَ الحسودِ المقاتلِ
وجاء بترصيعِ الحقائقِ بالهُدَى
بمحموعةٍ ترنو إلى كلِّ سائلِ
فمن غُرَرٍ غرَّاء تحلو لدى الذكا
ومن حِكَمٍ يصبو لها كلُّ عاقلِ
أحبَّ انبثاثَ العلم في الناسِ فانبرى
يُطَارحُ أربابَ النُّهى بالمشاكل
وما الحبُّ إلَّا خصلةٌ إن تغَلَّبتْ
على المرءِ كانت فيهِ خيرَ الفضائلِ

وقال إلى «محمد عاقل كاشف زاده» في الإسكندرية جوابًا له عن قصيدةٍ بعث بها إليهِ:

بدت فقلبي بذاك الحسن مشغولُ
وغازلت، فجميلُ الصبرِ مقتولُ
خودٌ إذا ما أماطت برقعًا نظرت
عيناي غصنًا عليهِ البدرُ محمولُ
ترنو إليَّ فكم للوجدِ يجذبني
طرفٌ بإثمد ذاك الحسن مكحولُ!
فإن رنت وانثنت لم أستطْع جلَدًا
فالرمحُ يهتزُّ، والهنديُّ مسلولُ
ضللتُ في صبح ذيَّاك الجبين ولا
هدًى بصبحٍ عليهِ الليلُ مسبولُ
ومذ دجى ليلُ ذاك الفرع لاح بهِ
بدرٌ لهُ من صفات الحسنِ تكميلُ
من لي بها ذاتَ دَلٍّ في محبتها
صبري وشوقيَ مقطوعٌ وموصولُ
أبكي فيضحكُ بي ظلمًا مُقبَّلُها
فهل لظُلمِكَ يا ضحَّاكُ تعديلُ؟
صبا إلى قدِّها قلبي فأتلفهُ
فراحَ للطرفِ يشكو وهو مذهولُ
ولحظها بقوى الإدلالِ جاذبني
إلى الهوى، ففؤادي اليومَ متبولُ
دبَّت بقلبي شمولُ الوجد حينَ أتت
تُبدي شمائلَ فيها الظرفُ مشمولُ
شهيَّةُ الظَّلم وا ظُلمي! ومبسمها
لهُ على نفحات العطر تفضيلُ
كفي دلالكِ يا ذات الجمال فقد
حمَّلتِ قلبيَ ما لا يحملُ الفيلُ
يا قلبُ، صبرًا على جور الحبيب عسى
يوليكَ رفقًا وصبرُ الصبِّ مقبولُ
فالحسنُ يقتادُ نحو الحبِّ كلَّ أخي
ذوقٍ، وما الحبُّ ممن ذاقَ مملولُ
كم بتُّ والليلُ يغريني بنيِّرهِ
والعقلُ منِّيَ بالآمالِ معقولُ
إن الغرَامَ لمن لم يصطبر محنٌ
لكن لذي الصبر منحاتٌ وتجميلُ
وراحةُ المرءِ بالصبر الجميلِ على
أكدارهِ فاجتلاءُ الصفوِ مأمولُ
لكلِّ حالٍ بهذا الدهرِ مُنقَلبٌ
وعادةُ الدهر تغييرٌ وتبديلُ
يرجو البقاءَ على السراءِ كلُّ فتًى
هيهات ما ذاكَ للإنسان مبذولُ
وكم شقا لنعيمٍ قد غدا سببًا
وربَّ بؤْسٍ عن النعماءِ معلولُ
ذو العقل في معرك الأقدار مقتدرٌ
لكنَّ ذا الجهلِ مغلوبٌ ومغلولُ
وعقلُ ذي الحزمِ مرآة الأمور بها
يرى الحقائق، والمجهولُ مجهولُ
وقيمةُ المرءِ علمٌ زانهُ عملٌ
وحكمةٌ لا كما قيل المثاقيلُ
من يطلبِ العلمَ لا يهوَ الثراءَ فلا
يباعُ في سوقهِ إلَّا الأباطيلُ
أخو الدرايةِ بالإقلالِ مُنتدَبٌ
وذو الجهالةِ بالأموال مرذولُ
والجهلُ إن مدَّ بين الناس شوكتهُ
فالعاقلُ الفردُ سيفٌ سلهُ الجيل
شهمٌ، حزومٌ، لبيبٌ، فاضلٌ، فطنٌ
ندبٌ، أديبٌ، بماءِ اللطف مجبولُ
من يلقهُ يأَلف البشرى فطلعتهُ
روضٌ بظل الصفا والبشر مطلول
تركَّبَ الحسنُ والحسنى بهِ فسما
فخرًا وليس لذا التركيبِ تحليلُ
هوَ الأديبُ الذي شاعت براعتهُ
فينا فتاهت بذكراهُ البهاليلُ
لكلٍّ معنًى دقيقٍ شعرُهُ مَلِكٌ
عليهِ من رقة الألفاظِ إكليلُ
ورقَّةُ الشعر للحوباءِ كاسُ طلًا
وللمسامعِ تهليلٌ وترتيلُ
فذٌّ بمصر تسامى بالعلوم فيا
سكَّانَ مصر على حُسَّادكم صولوا
إذا رأى فهناك الحزمُ قامَ وما
لثابت الرأي منهُ قطُّ تحويلُ
أبدى التواضعَ إذ حاز العلا فلكم
لهُ من الناس شكرانٌ وتبجيلُ
بمن تمثَّلَ ذا الشخص الفريد أيا
قلبي؟ فقد جُمِعَتْ فيكَ التماثيلُ
يا أيها العَلَمُ المهتزُّ جانبهُ
بالفضل كم ليَ منكَ اليوم تخجيلُ!
بعثتَ نحوي بضيف المدح وا خجلي
فلا قرًى غيرُ قلبي وهوَ مهزولُ
لم أدرِ هل ذاك مدحٌ أم هجًا لي إذ
لا أستحقُّ وللأشكال تأويلُ؟
منظومةٌ منك قد جاءَت تتيهُ على
درٍّ تحلَّت بهِ عذراءُ عُطبُولُ
فقمتُ أبسطُ أعذاري لها وأنا
نضوَ السقامِ وفيها البرءُ محمولُ
ورحتُ أهديكَ شكرًا قد غدا شغلى
ما صاح فوق رُءوس الأيك زغلول

وقال:

يا للصبابة، كلُّ السحر في الكحلِ
هذا الذي قد رمى «هاروتَ» بالخجلِ
هُوَ الهوى فخذوا حذرًا فكم مهجٌ
بهِ على مُقَلٍ سالت من المقلِ
للأعين السود بيضٌ لا تقلُّ فإن
يضربن قلبًا فماذا ضربة البطل؟
ينفثنَ سحرًا على لوح الفؤَادِ لهُ
طلاسمٌ تنجلي والسرُّ غيرُ جلي
تلك العيونُ التي ما ملَّ قلب فتًى
من وقعها أصبحت تشكو من المللِ
ضعيفةُ الحيل تزري الأسد قوتها
في فتكها الصبُّ أضحى فاقد الحيلِ
ولا مغازلةُ الألحاظ ناعسةً
ما بت أسهرُ طول الليل في الغزلِ
لي في الهوى نفثاتٌ لا تزول ولوْ
زال الهوى حيث لا شيءٌ بلا أجلِ
ولا يزولُ سوى الأعراض حادثةً
لكنَّما جوهر الأشياءِ لم يَزُلِ
ذي حكمة اللهِ تحتار العقولُ بها
كما تحارُ بأصل الشيءِ والأزلِ
خذ العجيبة ما يسمو العقول إذن
ذا الحدُّ يشملُ أدنى الشي فانذهلِ
خُذ البعوضة وانقدْها عساك ترى
عجائبًا لا ترى في خلقةِ الجملِ
واصمت إذا لم تجد رأيًا على سندٍ
فالصمتُ أولى من التبكيتِ للرَّجل
وكلما اتجهت آراء معترضٍ
إلى السدادِ استردَّتها يدُ الخطلِ
الحقُّ حقٌّ، فمن يقصدْ رمايَتهُ
بأسهم الزور لا يلقى سوى الفشلِ
لمَّا رأَى الزورُ هذى الأرض هام بها
كالغمر والزُّورُ أن يعشق فلم يحلِ
قالوا: تمدَّنَت الدنيا؟ فقلتُ: نعم
توحشت وغدت وحشًا بلا مثلِ
بئس التمدن إن كانت قواعدهُ
تُبنى على النارِ والبتَّارِ والأسلِ
تمدُّنٌ ما رأَينا في حماهُ سوى
حصد الأمانِ وزرع الزعر والوجلِ
هذا الذي اجتلبَ البلوى وأثبتها
على الملا، وأتى بالبؤْسِ والعِللِ
لولاهُ لم يكُنِ الإنسان منحنيًا
تحتَ المصائبِ نِضو الكد والعمل
لولاهُ ما طمعت نفسٌ ولا طمحت
عينٌ ولا زلقت رجل إلى الزللِ
ولا رأَيتُ قلوبًا لا تُعَدُّ غدت
بلا نياط، فقد ذابت على الغللِ
قال الكثيرون: هذي هيئةٌ صلحت
فقلتُ: بل قَبُحَت كفُّوا عن الجدلِ
قالوا: ألم ترَ جيد العقل أصبح ذا
حَلْيٍ؟ فقلتُ: وما أحلاهُ في العطلِ!
لا يُقْلِقُ المرءَ إلَّا عقلهُ فبهِ
يبدو لهُ كلُّ أمرٍ غيرَ محتملِ
ما أسعد المرءَ لما كان منعزلًا
في البيدِ يرتعُ بين السهل والجبلِ!
ويأكل الصيد والأثمار دانيةً
والأرض تغذيهِ بالألبانِ والعسلِ
ما كان يودى بهِ همٌّ ولا نكدٌ
ولم يكن قلبهُ يدري سوى الجذلِ
كانت شريعتُهُ ناموسَ فطرتهِ
يُهدَى بها غيرَ هيَّابٍ ولا وَجل
ما كان يخشى أميرًا لا ولا ملكًا
ولا يهابُ صروف الدهر والدول
ولا يبيت طوالَ الليلِ مفتكرًا
بالنهب والسلب والتدليس والختلِ
عساهُ يرضي أخا حكمٍ بلا حكَمٍ
أو رُبَّ مالٍ رماهُ اللهُ بالبَهَلِ
ويلاهُ ويلاهُ من هذا التمدُّنِ كم
أردى الفتى، وأعاد العيشَ في ثقَلِ
فسوف تسترجع الدنيا توحشها
والضدُّ بالضدِّ متبوع على البدلِ
وسوفَ يبلغ هذا الحكم غايتهُ
لكنَّهُ لم يسِرْ إلَّا على مهلِ
أما ترى نملةً تسعى على مهلٍ
قد سابقت جحفلًا يسعى على عجلِ؟
وفي الطبيعةِ ما لم يدرهِ بشرٌ
وبالدرايةِ دعوى الناس لم تزلِ
من قالَ: إنِّيَ لا أدري، فذلك ذو
علمٍ، ومن قال: أدري، فهو منهُ خلي

وقال:

يا راحلين وفي قلبي لكم نزُلُ
ومعرضين وعنكم ليس لي بدَلُ
غبتم فغاب سروري بعدكم ونأَت
عني الأوانسُ إلَّا الذكرُ والأملُ
لا شيءَ والله ينسيني محبتكم
فليس لي غيرها شغلٌ ولا عملُ
عودوا فلا عاد لي صبرٌ ولا جلدٌ
على البعادِ، وقد أعيتنيَ الحيلُ
عودتموني على حفظ الوفاءِ فَلِمْ
هذا الجفاءُ وما في عادكم خللُ؟
يا ليتَ شعري! متى أحظى بقربكمُ
فتنطفي جمرةٌ في القلب تشتعلُ؟
وهل تعودُ ليَ الدنيا بطلعتكم
فيرتوي الظامئان: القلب والمقلُ؟
وهل يعود زمان الوصل يجمعنا
فيرجع المؤنسان: الحظ والجذلُ؟
إني وحقِّ غرامي والجنون بهِ
يمين صدقٍ عليها يشهد الخبلُ
ماغيرتني الليالي بعد بعدهم
عني ولو غيروا عهدي ولو بدلوا
هم الأحبَّةُ لا زال المحب لهم
يجود بالروح إن صدُّوا وإن وصلوا
ما دك قلبي سوى ذاك الصدودِ ولا
عارٌ على جبلٍ قد دكهُ جبلُ
ماذا يريد فؤَادي من أحبَّتهِ
سوى نزولهم فيهِ فها نزلوا
توطنوهُ فلم تبرح شخوصهم
مقيمة فيهِ إن حلوا وإن رحلوا
فما ذكرتهم إلَّا ولي كبدٌ
تذوب أو عبرةٌ كالطلِّ تنهملُ
يهذُّ كل عظامي ذكرهم طربًا
حتى أميلَ كأني شاربٌ ثملُ
من ذا يبلغهم حالي وما فعلت
بمهجتي البيد والأحداج والإبلُ؟
كتْبَ العهود ورسل الودِّ قد قطعوا
دعني فلا كتبٌ تجدي ولا رُسُلُ
إنَّ الهوى دولةٌ دان الجميع لها
فلا تزولُ، وكم زالت بها دُولُ!
فمن يجير ومن يحمي المحبَّ إذا
سطت عليه سيوفٌ سلها الكحِلُ؟

صواب الكلام

لئن ضاق صبري في هوى «هند» كالحجلِ
فقد طاش مثل المرطِ من حصرها عقلي
رداحُ كعابٌ صاغها الله للهوى
كما شاءَ تمثالًا تنزه عن مثلِ
يُذِلُّ نبيلَ القدر عزُّ جمالها
ومقلتها ترمي بأنفذ من نبلِ
إذا خطرت والخصر يقلق متنها
عجبتُ لحزنِ كيف يقلقُ من سهلِ؟
أتتني وقد راض الرضا صخرَ قلبها
تجرُّ ذيولَ العجبِ والتيهِ والدلِّ
ولم يكُ في الحي الذي ضمَّ شملنا
رقيب سوى المنشور والنرجس الخضلِ
فعانقتها ضمَّا وهصرًا كأنني
أعانقُ غصن البانِ فوق نقا رملِ
أقبلُ خديها، وأرشف ريقها
فمن ثغرها خمري، ومن خدها نقلي
وعاذلةٍ قالت: جنيت بلثمها؟
فقلت: نعم، ورد الحيا ساعةَ الوصل
جنيت لذيذ الوصل حلوًا معطرًا
لعمري فهل أهفو إلى حنظل العذلِ؟
ومذ نقلت عيني إلى القلب شكلها
فأدركهُ فهمي وصدقهُ عقلي
جرى الدمع برهان الهوى متسلسلًا
وقامت ضروب الحب من ذلك الشكلِ
فما عدل اللاحي الذي قد نعى الهوى
فقد قل بين الناس من سيم بالعدلِ
أمِلْ يا خليَّ البال سمعًا إلى الملا
فتسمع شكوى الظلم تأتي من الكُلِّ
فقد عاش قبح الجهل والزور والغوى
ومات جمال الرشد والحقِّ والفضلِ
ولم يبقَ في الدنيا سوى ذي تعصبٍ
يودُّ ضياع الفضل حرصًا على الرذلِ
إذا رمتَ يومًا أن تميتَ قبيلةً
فبثَّ بها روحَ التعصبِ والجهلِ
وهل أبطل الإنصاف واستعبد الورى
سوى الجهل؟ إن الجهل مجلبة البطلِ
لقد صال سيف الشرِّ والإثم والخنا
على الأرض حتى عوملَ الشرع بالفعلِ
وغامت سماءُ العلم وانكسف الهدى
وما زال حتى اغرورقَ الناس في الظلِّ
لنا كل يومٍ بدعة من جهنمٍ
بها جاءَ شيطان الخديعة والختلِ
رأتنا العدى كالنحل فاغتلنَ شهدنا
وليت لنا دون العدى إبر النحلِ
فما شأننا نحن العراة عن القوى
سوى شأن نمل ما خلا همة النملِ
أجارتنا، إنَّا ضربنا خيامنا
بمطلولةٍ بالويل لا بندى الوبلِ
فلا تعتبي إلَّا علينا ولا على
من استاقنا في أخشن السبل كالإبلِ
يرأَّس قوم لا رءوس لهم وذا
هو الخارج الجبريُّ من قسمة الأهلِ
لعمر أبي إنَّ الرئاسة ما لها
عيون، فإن تترك تضل عن السبل

بوق المحبة

هو ذا جمالكِ فاقَ كلَّ جمالِ
فتدلَّلي يا ذاتَ كلِّ دلالِ
وتلفتي وتخطري يا من لها
جيدُ الغزالِ وقامةُ العسالِ
يا صورةً في الذهن قد طُبِعت، ويا
نورًا على طور الحشا متلالي
لم أدرِ من أفعال لحظكِ بي سوى
تمزيق أحشائي بغير نصالِ
لكِ أعينٌ قد حيرت عقلي بما
فتكت وما عدَّت من الأبطالِ
رتع الصباءُ بها فأوقع نورها
في مهجتي فارتدَّ يحرقُ بالي
مُقَلٌ وقاها اللهُ كم قد أثخنت
كبدي بوقعِ ظبًا ورشقِ نبالِ
فكأَنها خُلقت لتعذيبي بلا
حلمٍ وسفكِ دمي بدون سؤَالِ
يا نهجةَ القمر المنير، ومقلة
الظبي الغريرِ، وغرَّةً لهلالِ
لكِ طلعةٌ ما فاجأَتني بغتةً
إلَّا وعدتُ برعدةٍ وخبالِ
عطفًا على سقمي ورفقًا بالذي
شنَّ الغرامُ عليهِ جيش وبالِ
ما ملتُ إلَّا شمتُ حسنكِ ينجلي
لنواظري متردِّيًا بجلالِ
فجميعُ أفكاري عليكِ توصَّلت
بيدِ الهوى وتقطعت أوصالي
وكذا إليكِ جميعُ أفعالي انتمت
وبنشدِ حبكِ قد غدت أقوالي
حتامَ يلهيكِ الجمالُ بعزِّهِ
عن ذلِّ صبٍّ ذابَ في البلبالِ
طفحت كئوسُ هواكِ حتى صرتُ في
سكري بها مثلًا من الأمثالِ
قلبي لقلبكِ قد غدا ضدًّا فذا
يصبو إليكِ، وذاكَ غيرُ مبالِ
ما نابني يا هندُ منكِ سوى القلى
ظلمًا فويحي من حبيبٍ قالِ
فأودُّ أن يسلوكِ قلبي حيثُ لا
يجدُ السلوُّ بهِ مكانَ مجالِ
وكذا أصدُّ الطرفَ عنكِ كأنني
سالٍ وقلبي منكِ في تشعالِ
لكِ نظرةٌ ما لاطمتها نظرتي
إلَّا وترجعُ لي بكلِّ نكالِ
وإليَّ إن ساقَ الهوى النظرات من
عينيكِ عارضها فتورُ دلالِ
نورٌ بحسنكِ قد هُدِيتُ بهِ إلى
حُسنَاكِ لكن فيهِ كان ضلالي
يوحي التشوُّقُ لي بطيفكِ خفيةً
فألذُّ بالنجوى مع التمثالِ
ما زال يجذبني لعشقكِ ناظري
وتصدني عنهُ يدُ الأشغالِ
حتى لزمت العشق في الدنيا وقد
أضربتُ عن شغلي وعن أعمالي
وغدوتُ أقطفُ زهرهُ فيروقني
طربًا وغيري هائِمٌ في المالِ
والظبيُ يرتعُ في الحدائق بينما
يتمرَّغُ الخنزير في الأوحالِ
قد طاب لي الغَزلُ الشجيُّ ولم يطبْ
لو لم يكن معناهُ عند غزالي
يا فتنةً خضعت لها دوَلُ النُّهى
وغزالةً صالت على الرئبالِ
ظنَّ العذول سلوتُ لا بلغ المنى
فدمي يحبكِ لا دمُ العذَّالِ
ولكم طرحتُ على السوى قلبي عسى
يسلو فأخلص من هوًى قتالِ
فيردُّ مندفعًا إليكِ كأنهُ
كرةٌ على صخرٍ هوت من عالِ
أين السلوُّ؟ وكيف يرفع صوتهُ
يومًا على صوت الهوى المتعالِ؟
ما زلتُ أجني في الخفا ثمر الولا
من غصن قدِّكِ ذي الدلال الغالي
حتى ثناكِ الدهرُ عني عنوةً
نحو السوى وأقال عهدَ وصالي
يا ظبيةً كانت تجولُ مع الظبا
ما بالها تمشي مع الأوعالِ
أسفًا على ذاك الزمان وما حوى
من طيب أيامٍ وصفوِ ليالِ
ولَّى وجرَّعني أمرَّ كئوسهِ
وأعادني أبكي على أحوالي
لا عاد لي مما نعمتُ بهِ سوى
ذكرٍ توطَّنَ في فؤَادي البالي
ذِكرٌ أبى إلَّا الرسوخ إلى المدى
وأبى القضا إلَّا فنا آمالِ
أسفًا على ذاك الهنا أسفًا على
تلك الغدوِّ البيض والآصالِ
فكأَنَّما ذا الدهرُ أقسمَ وهو لم
يحنث بشرٍّ أن يديمَ قتالي
يا حسرتي! ضاع الزمان ولم أفزْ
ممَّنْ عشقتُ ولا بطيف خيالِ
فبأيِّ واسطةٍ أداوي علتي
وجميع أدويتي غدت أدوا لي؟
وبيَ الهوى أفضى إلى كلِّ البلا
ورمتنيَ الأهواءُ في الأهوالِ
فالقلب ملَّ جراحهُ وبغى الفنا
والروح ترعى الحبَّ دونَ ملالِ
لا تهوَ يا قلبي سوى من دأبُهُ
يرعى ودادكَ ثابت الأحوال
يكفيك أنك لا ترى بكذا هوًى
وجه المزاحم أو يدَ المحتال
وأذلُّ نذلٍ من يرى قلبَ الذي
يهواهُ منقلبًا ولم يكُ سالي
لا عاد لي شيءٌ سوى نفسٍ ترى
إن الفنا خيرٌ من الإذلالِ
والآن قد سلَّمتُ كلَّ جوارحي
لمليحةِ فاقت بحسن خصالِ
يا طالما أسهرتُ فيها أعيني
وأنا أمدُّ الفكرَ للآزالِ
حيثُ الدجى يمشي الهوينا موحيًا
بالصمتِ كي يصغي لشجو مقالي
ونجومهُ ترنو إليَّ كأنها
تُملي عليَّ حوادث الأجيَالِ
يا أعين الفَلَكِ العظيم تأملي
كيف الهزبرُ عنا لعين غزالِ؟
ما لي أراكِ سواهرًا مثلي؟ فهل
بلغ الغرامُ إلى الشهاب العالي؟
فالحبُّ محراكُ الوجودِ وأصلهُ
وبهِ الدُّنا لبست ثياب كمالِ
وبهِ تجاذبتِ الجواهر فانبرت
كونًا يدورُ بعين تلك الحالِ
وكذاك أجناسُ الحياة حمت بهِ
أنواعها تحت النظام الآلي
لولا المحبةُ لم يقم ذو غيرةٍ
أبدًا ولم يظهر أخو إِفضالِ
للغيرة الحرَّى وللفضل انتمى
ينبوعُ كلِّ عظائِمِ الأفعالِ
كم من بلادٍ بالمحبة عمِّرَت
ولكم بها خضعت رءوس جبالِ!
لو كان في حلبٍ أقلُّ محبةٍ
ما عدَّ ساكنها من الأوغالِ
كلا، ولا كان الخرابُ يعمها
والدهرُ يعدمها من الإقبالِ
كل البلادِ اليوم أملأَها السنا
فلِمَ الظلامُ لذي المدينة مالي؟
ما دام كلٌّ يشتهي لقريبهِ
ضررًا فلا تخلو من الإقلالِ
لا يجهدونَ بغير ملءِ جيوبهم
فهُمُ الذين سبوا جيوبَ المالِ
تركوا المزابل في الأزقة فاغتذى
منهَا الهواءُ فصار ذا إعلال
يضعونَ فوق رُءوسهم أثر الغنى
وتدوس أرجلهم على الصلصالِ
ويرونَ خيرَ الغير شرًّا يقتضي
دفعًا لذا أضحوا بلا آمالِ
فيسوءهم كربًا علوُّ دنيهم
ويسرُّهم طربًا دنوُّ العالي

الثناءُ

رجال الفضل في الدنيا قليلُ
وأهل الجودُ دهرهمُ بخيلُ
سبرت الناس فاسترجعتُ لما
رأَيتُ الغدرَ بينهم يجولُ
جمال المرءِ في الدنيا جميلٌ
فيا ويلاهُ! قد ندر الجميلُ
وقد كثر القئولُ وبئس قولًا
بلا فعلٍ وقد قلَّ الفعولُ
إذا لم يستطع ذو القولِ فعلًا
فليس مقالهُ إلَّا فُضُولُ
أُنادي همةً فأصيبُ همًّا
لعمرُ أبيك أيهما الدخيلُ؟
وها إن همَّ رزقُ اللهِ يومًا
على فعلٍ يتمُ ولا يقولُ
كريمٌ من كريمٍ من كريمٍ
فهذا الفخر والكرمُ الأصيلُ
ألا يا ابن الأفاضل دُمْ فضيلًا
وسدْ وانعمْ ففضلك لا يزولُ
وحزْ رغمَ الحسودِ دوامَ فخرٍ
كنجمٍ مَا لهُ أبدًا أفولُ
أما أنت الذي أرجعت شاني
وكاد يضيعهُ الغمرُ الجهولُ؟
فها أثني عليك مدى حياتي
كما يثني على الشهبِ الضليلُ
وإني عن وفائك ربُّ عجزٍ
ولا عجبٌ إذا عجز الكليلُ
إليك الهمةُ العلياءُ تعزَى
كما يُعزى إلى السيف الصليلُ
وقد أولاك ربُّكَ باعَ فضل
طويلًا دونهُ قَصُرَ الطويلُ
فعانقتَ المكارمَ والعنايا
ورحتَ لكل قلبٍ تستميلُ
فعش يا ابن الوكيل لكل راجٍ
وكيل الخيرِ يا نعمَ الوكيلُ

وقال:

الطرفُ والقد: ذا سيفٌ، وذاك أسلْ
والخال والثغر: ذا مسكٌ، وذاك عسلْ
والصد والوصل: ذا داءٌ، وذاك دوا
والعذر والعذل: ذا أحيا، وذاك قتلْ
أفدي بروحي رداحًا ذات مائسة
كالغصنِ تحمل ليلًا فرق شمس حملْ
ألحظاها أثبتت سحر الصبابة لي
بشاهدين هما غنج حلا وكحلْ
يا للهوى من لصبٍّ صبَّ مدمعهُ
في حب غانيةٍ تسبي النُّهى بمقلْ
غزالةٌ لحظها الفتان يغزلُ لي
ثوبَ الجوى آهِ من لحظٍ غزا وغزلْ!
أصبو إليها بقلبٍ ذائبٍ قلقٍ
وإن بدت لي أَعُدْ من لهفتي بوجلْ
ناديتها: يا مهاةَ البانِ، حسبكِ ما
قاسيتُ من أَلمٍ قد كلَّ عنهُ جبلْ
قالت وأعطافها تهتزُ عن مرحٍ
ووجهها صبغتهُ أعيني بحجلْ
إن كنتَ تعشقُ حسني يا أخا شغفٍ
فاصبر عليهِ وإلَّا لستَ أنت بطلْ
أجبتها وضلوعي من لواحظها
تمضُّ رشقَ نبالٍ ما لهنَّ مثلْ
هيهات أصبر إذ لم يبقَ من جسدي
عضوٌ ليحمل صبرًا فالغرام شعلْ
حليت جيدكِ من دمعي بلؤْلئهِ
وقد كسوتكِ يوم القرب خيرَ حللْ
قد أكثر العاذل اللاحي نصائحهُ
ولو درى بعض وجدي ما لحا وعذلْ
ولو رأَى آيةَ الحسن التي فتنت
لبي لغادرني في فتنتي ورحلْ
يا جمرة الخدِّ هلَّا قبلة لشجٍ
تطفي اللظى باللظى طاب الهوى بقبلْ
ويا نصالَ عيونِ قد فرت كبدي
وأتلفتني ولا عذلٌ لهنَّ نصلْ
ويا معاطفُ تذري بالرماح إذا
مالت وكم طعنت من مهجتي بميلْ؟
ويا ضنا كبدي الجرحى ولا مثلٌ
لجرحها ولها ليتَ الرضاب دملْ
وقلبُ كلِّ شجيٍّ مثخنٌ ولهُ
صبرٌ بهِ كلَّ جرحٍ بالعيون حملْ
والحسن غازٍ ولا عزمٌ يطاردهُ
إذا على قلب صبٍّ بالغرام حملْ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤