الفصل السادس عشر

«انقسام الأنا خلال عملية الدفاع»

دونالد كامبل

مقدمة

بحلول عيد الميلاد من عام ١٩٣٧، عاد فرويد إلى موضوعات الانقسام والتنصُّل، ومن خلال إضافة مادةٍ تحليلية، كتب بحثًا لم يكتمل وهو «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع» (١٩٣٨ب). كان هذا آخر بحثٍ كتبه في فيينا. كان سترايتشي يعتقد أن مُسوَّدة البحث يمكن اعتبارها تتمةً لبحث فرويد عن «الفتيشية» (١٩٢٧). ورغم أن فرويد نفسه تساءل ما إذا كان هذا البحث تكرارًا ﻟ «شيءٍ واضح ومألوف منذ زمنٍ طويل»، كان يميل للاعتقاد بأنه كان يناقش «شيئًا جديدًا ومُحيرًا تمامًا». لماذا عاد لهذا الموضوع في بحثه الأخير الذي كتبه في فيينا؟ ما الذي اكتشفه ولماذا كان مُحيِّرًا؟

(١) موجز للمفاهيم الأساسية

يبني فرويد هذا البحث القصير المُحكَم حول سردٍ مُوجَز لتطوُّر عقدة الإخصاء لدى صبيٍّ بين الثالثة والرابعة من العمر، التي يدافع عن نفسه تجاهها بتبنِّي ولَعٍ جنسي (فَتِيش). في البداية، يؤكِّد فرويد أن النظر إلى العضو الجنسي الأنثوي أو الإخصاء عقابًا على الاستمناءِ ليس لهما أثرٌ حاسم على الصبي، بل إنه الرابط المشترك بين الأمرين داخل عقله. إن التهديد بالإخصاء يحيي ذكرى النظرة الماضية للحالة الأُنثوية العديمة القضيب التي كانت تُعتبر في الأساس بلا ضرر، لكنها الآن تُستَدعى باعتبارها «تأكيدًا» على أن التهديد يمكن تنفيذُه؛ فقد صار الإخصاء في عقل الطفل «خطرًا شبهَ حقيقيٍّ لا يمكن تحمُّله».

يُعتبر القلق من الإخصاء أحد التعبيرات عن «الصراع» الأساسي والدائر «بين ما تتطلَّبه الغريزة وما يحظره الواقع». وفي إطار التطوُّر الطبيعي، يستسلم الصبي في النهاية للقلقِ الساحقِ الناتج عن الخطَر الذي يُشكِّله الإخصاء ويتخلَّى عن متعة الاستمناء.

غير أن صبي فرويد الصغير يجد مخرجًا آخر من هذا الصراع؛ إذ يتبنى حلًّا مبتكرًا من جزأين؛ فيرفض الواقع وقوته التحريمية من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى، يتقبل الواقع ويتصدَّى للخوف من الخطر بتحويله إلى عَرَض مرضي. غير أن هذا التعارُض لا يمكن الحفاظ عليه إلا بإحداثِ انقسامٍ في الأنا بطريقةٍ تسمح للرؤى المتعارضة بالاستمرار في التعايُش معًا دون أن تُقوِّض إحداها الأخرى. لقد كان العَرَض هو خَلقًا بديلًا، في عقله، للقضيب المفقود؛ أي خلْق فتيش أو ولعٍ جنسي. وبنفي الواقع ومنح الأنثى بديلًا للقضيب المفقود، تغلَّب الصبي على ما كان يعتبره دليلًا على واقعية الإخصاء ومن ثَم حافظ على قضيبه. وطالما لم يُضطَر لإدراك أن أُنثى قد «فقدَت» قضيبها، فقد تجنَّب بذلك فكرة أنه قد يفقد قضيبه. لقد كان عدم الإيمان بخطر الإخصاء ضروريًّا بالنسبة إلى الصبي ليستمر في الاستمناء دونَ قلق.

يشير فرويد إلى أن الهلوسة بشأن القضيب (التي يمثلها الفتيش) حيث لم يكن يُوجد أيُّ قضيب لا تختلف كثيرًا عن الابتعاد عن الواقع في حالة الذُّهان. رغم ذلك، فقد أكَّد أن الصبيَّ قد منح جزءًا آخر من جسده قيمةَ القضيب وظهر عَرَضٌ جديد، تحديدًا القلق من ملامسة أحد لإصبع من أصابع قدمَيه الصغيرة. ورغم أن قضيب الصبي بذلك كان محميًّا من الأب، وساعد في هذا النكوص للمرحلة الفموية من التطوُّر، أصبح الصبي خائفًا من أن يأكله والده.

وسرعان ما أدرك فرويد التوتُّر الذي يفرضه هذا الحل على الوظيفة المُركَّبة للأنا التي، كما أضاف، يمكنها العمل فقَط في ظروفٍ خاصة. وكما سنرى لاحقًا، عاد كُتَّاب التحليل النفسي لهذا الموضوع.

(٢) جذور الأفكار في كتابات فرويد الأولى

أشار لاستمان (١٩٧٧) إلى أن فرويد قد استخدم مصطلح «انقسام» بأربعِ طرقٍ مختلفة أثناء تطويره لأفكاره بشأن هذا الموضوع: (١) ظاهرة الانفصال كما يظهر في «انقسام الوعي» لدى المُصاب بالهستيريا (بروير وفرويد، ١٨٩٣–١٨٩٥). (٢) لوم الذات المستمر لدى المُصاب بالسوداوية (فرويد، ١٩١٧). (٣) التوجُّه النفسي المتزامن والمتناقض للشخص الفتيشي الذي يُعدُّ بحث «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع» (١٩٣٨) هو الشرح التام والواضح له. (٤) «المُشاهد» التقليدي المختفي داخل المصاب بالذُّهان الذي يعود إليه في آخرِ أعمالِه الكبرى «الموجز في التحليل النفسي» (١٩٣٨أ). يُشير لاستمان إلى أن فرويد دائمًا ما كان «يبحث عن عمليةٍ ضمنية (نمطٍ قابل للتحديد والنسخ لتنظيم المحتويات العقلية) يَسَّرَت غرضًا مُهيمنًا (الدفاع في الأساس) ونتج عنه بالتبعية سلوكٌ يمكن توفيقه فقط إذا عُرِض إنشاء مجموعاتٍ متفرقةٍ متعارضة من التمثيلات العقلية داخل الجهاز النفسي» (١٩٧٧، صفحة ١١٩).

(٢-١) الانفصال: انقسام الوعي لدى مريض الهستيريا

استخدم فرويد مصطلح الانقسام لأول مرة في بحثه «دراسات في الهستيريا» (بروير وفرويد، ١٨٩٣–١٨٩٥) كشيءٍ «موجودٍ بدرجةٍ أساسية في كلِّ حالةِ هستيريا، وأن الميل لمثل هذا الانفصال، وما يصحبه من ظهورِ حالاتٍ غيرِ طبيعية للوعي (التي سنجمعها معًا تحت اسم «شبه نومي») هو الظاهرة الأساسية لهذا العُصاب» (المصدر السابق، صفحة ١٢). وقد شكَّلَت آنا أو مثالًا تحليليًّا مُدهشًا لمريض «انقسم إلى شخصيتَين إحداهما طبيعية عقليًّا والأخرى مُختلَّة» (المصدر السابق، صفحة ٤٥). استمرت حالة الوعي الثنائية لدى آنا أو في التواجُد جنبًا إلى جنب دون تأثُّرِ الحالة العقلية الأساسية الطبيعية بالثانوية إلا لو «تصرَّفَت الأخيرة كحافز «داخل اللاوعي»» (المصدر السابق، صفحة ٤٥). مثالٌ آخر عن الانقسام يتمثل في تعليقِ آنا أو عن أنه حتى عندما تطفَّلَت الحالة الثانية عَنوةً على الحالة الأُولى، «كان ثَمَّةَ مراقبٌ هادئ حصيف، على حد تعبيرها، يجلس في ركنٍ في عقلها وينظر إلى كل ما يحدُث من جنون» (المصدر السابق، صفحة ٤٦). يُشير فرويد إلى هذه الظاهرة لاحقًا (١٩٣٨أ) كحضورٍ «لمُشاهد» في العقل خلال حالة الذُّهان.

أشار فرويد كذلك إلى التشابُه بين الانقسام الذي يحدث في المرض العقلي وذلك الذي يحدث في الأحلام (بروير وفرويد، ١٨٩٣–١٨٩٥، صفحة ١٣؛ فرويد، ١٩٠٠، صفحة ٩١).

تُحدِّد نظريات ورؤى فرويد المنبثقة من تحليله للوسي آر الصراع بين الأنا وبين فكرةٍ غيرِ مقبولة. «يتضح أن الشرط اللازم للإصابة بالهستيريا أن ينشأ تعارُض بين الأنا وفكرةٍ مُقدَّمة له» (بروير وفرويد، ١٨٩٣–١٨٩٥، صفحة ١٢٢). وقد كان الدفاع الهستيري؛ أي تحويل هذا الصراع إلى أعراضٍ جسدية عن طريق كبت الفكرة المرفوضة، مثالًا آخر للاستخدام الدفاعي للانقسام. هنا يُوضِّح فرويد أن هذا الانقسام في الوعي في الهستيريا كان غالبًا ما «يُعرف» من خلال فعلٍ واعٍ ومُتعمَّد، يُكبَت بعد ذلك ويُدفَن تحت أعراضٍ لاحقة.

في حالة كاثرينا، أوضح فرويد الرابط بين الصدمة المتعلقة بسفاح القربى لدى فتاةٍ مراهقة مع والدها وانقسام الوعي خلال حالةِ دفاعٍ هستيري. إن أيَّ صدمةٍ خلال المُراهَقة تكون كافيةً لإثارةِ دفاعٍ هستيري، وأحيانًا يحدث هذا بعد فترةِ «حضانة». غير أن أحداثًا مُثيرة للاضطراب من فترةِ ما قبل التطوُّر الجنسي ربما لا تُخلِّف أَثرًا صادمًا لدى الضحية حتى يكتسب الطفل معرفةً جنسية أو يمر بمراحلِ تطوُّرٍ لاحقة. يُشير فرويد كذلك إلى عملية الانقسام «الطبيعية» في المراهقة.

أدَّت كلُّ دراسةِ حالةٍ إلى مزيدٍ من التطوُّرات في فهم فرويد للانقسام؛ ففي حالةِ الآنسة إليزابيث فون آر، أدَّى كبت الفكرة المرفوضة بوقوعها في حبِّ زوج شقيقتها الراحلة لحدوثِ زيادةٍ في الألم الهستيري، وهو ما أكَّد رؤية فرويد لانقسام الوعي كآليةٍ دفاعية. وكانت مجهوداته لإدخال هذه الأفكار غير المتسقة إلى وعيها تُقابَل بمقاومةٍ متزايدة، وقاد هذا فرويد للنظر إلى هذه الزيادة في الألم النفسي بوصفه الدافعَ لانقسام الوعي. وقد مكَّنَت آليةُ التحويل هذه الآنسة إليزابيث فون آر من استبدالِ ألمٍ عقلي بالألم المادي، الذي أثارته فكرةٌ غيرُ مقبولة. وكما يُوضِّح فرويد: «كان الدافع لانقسام الوعي هو الدفاع» (١٨٩٣–١٨٩٥، صفحة ١٦٦). حدَّد فرويد كذلك هذا النوع من الانقسام لدى الأفراد الذين يعانون من صدماتٍ منذ الطفولة (١٩٣٩ [١٩٣٤–١٩٣٨]، الصفحات ٧٧-٧٨).

عزَّز فرويد هذه الرؤية الديناميكية للانقسام لاحقًا، في كتابه «خمس محاضرات عن التحليل النفسي» (١٩١٠) كحلٍّ للصراع بين الأفكار المتضاربة وليس كنتيجةٍ لقدرة الأنا الضعيفة بطبيعتها على التخليق.

كان لحالة السيدة كاسيلي إم دورها في إعادة فرويد إلى رؤيةِ دارون عن أن أيَّ ردودِ فعلٍ فسيولوجية ربما تكون، إلى حدٍّ بعيد، مصدر الآلام الجسدية لدى مريض الهستيريا. في كتابه «التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان» (١٨٧٢)، زعم دارون أن الأحاسيس والمُحفِّزات العصبية تُمثِّل أفعالًا كان لها في الأساس معنًى أو غرض. على سبيل المثال، تعبير «يبتلع شيئًا ما»، الذي يعني تقبُّل الإهانة دون رد، يُعبِّر عن رد الفعل الفسيولوجي الذي يحدث في البلعوم عند الامتناع عن الكلام، مثلما نفعل عندما نمتنع عن الرد على الإهانة؛ لذا، وبدلًا من اعتبار ردود الفعل الجسدية لدى المصاب بالهستيريا ناتجةً عن ترميز، يُخمِّن فرويد أن اختيار التعبير الجسدي لدى المصاب بالهستيريا يمثل رد الفعل الفسيولوجي الذي يحدث استجابةً لصدمةٍ ما.

سيكون الانفصال الحاضر في الهستيريا خلال الحالات الشبه التنويمية مثالًا لانقسام نواة الأنا أو فصل مجموعاتٍ نفسيةٍ متفرقة عن بقية النفس، التي تبقى مُوحدةً ومتكاملة. وهذا النوع من الانقسام، الذي يُعد نتيجة للكبت، كان ظاهرةً لا واعيةً مرتبطة أيضًا بإيحاءِ ما بعد التنويم وحالات الشرود، وتعدُّد الشخصيات، وانقسام الوعي لدى مريض الهستيريا.

(٢-٢) انقسام تمثيلات الموضوعات

في كتابه «الغرائز وتقلُّباتها» (١٩١٥)، يبني فرويد نموذجًا للحياة العقلية يتضمن الانقسام. في البداية، تكون الأنا، إلى مدًى محدودٍ للغاية، قادرةً على إشباع حاجاتها. خلال هذه المرحلة من التطوُّر، تتساوى الأنا مع ما هو ممتعٌ ومُرضٍ ولا يمثل العالم الخارجي أيَّ أهمية. غير أن الإشباع الذاتي وتأخر الألم عن طريق الهلوسة سرعان ما ينهاران ولا تستطيع الأنا الهروب من الشعور بأن الحافز الداخلي غيرُ باعثٍ على المتعة. يحدث تطوُّرٌ إضافي الآن بإدراك الأنا أنه رغم كل مجهوداتها، لا يمكنها البقاء دون ردودِ فعلٍ مناسبةٍ من موضوعات في العالم الخارجي. عندما تستجيب الموضوعات لحاجات الطفل بطرقٍ مُشبِعة، لا يعود العالم الخارجي مُهمَلًا بل مصدرًا للمتعة.

بقدر ما تُمثل الموضوعات المقدمة لها [أي الأنا] مصادر للمتعة، فإنها تستحوذ عليها بداخلها و«تدمجها» [حسب تعبير فرينزي ١٩٠٩]؛ وعلى الجانب الآخر، تطرد كل ما يصير مصدرًا للألم داخلها … وهكذا يصبح العالم الخارجي مقسَّمًا إلى جزء باعث على المتعة وهو الجزء الذي دمجته الأنا بداخلها، وما تبقى منه وهو دخيل بالنسبة لها. وقد فصلت جزءًا من نفسها، وهو ذلك الذي تسقطه على العالم الخارجي وتشعر بأنه عدائي. وبعد هذا التنظيم الجديد، يتطابق كلا النقيضان مرة أخرى: فيتطابق موضوع الأنا مع المتعة، والعالم الخارجي مع الألم (مع ما كان في السابق عدم اهتمام). (فرويد، ١٩١٥ب، صفحة ١٣٦)

ورغم أن فرويد لا يذكر الانقسام في وصفه لانبثاق أنا الواقع من أنا المتعة، فإن ظاهرة الانقسام تُمثل من خلال انقسام العالم الخارجي إلى ما يبعث على المتعة وما لا يبعث على المتعة، ويمثل أيضًا بالانفصال عن جزء من الذات باعث على الاستياء؛ إذ يسبق الانقسام كلًّا من الاستدماج والإسقاط. في هذه الفقرة، يقدم فرويد عملية يقسِّم بها الطفل كل التجارب في البداية إلى ذكرياتٍ طيبة، يتم استدخالها، وذكرياتٍ سيئة، تُسقَط على موضوعات خارج الذات. وقد استخدم فيربيرن (١٩٤١، ١٩٥٤) وكلاين (١٩٤٦) ملاحظة فرويد كأساس لوضع نظريات عن التطور الطفولي وعلاقات الموضوع. وتنظر سيجال (١٩٦٤)، متبعة في ذلك خطى كلاين، إلى الانقسام كمرحلة تسبق الكبت تطوريًّا، كما أنها العملية التي تجعل الكبت، أو «الانقسام الأفقي» (كوهوت، ١٩٧١)، ممكنًا.

يظهر انقسام تمثيل الموضوع في دراسة فرويد للحزن على شخص محبوب ومكروه في الوقت نفسه. ففي بحث «الحداد والسوداوية» (١٩١٧)، لاحظ فرويد استخدام الشخص السوداوي للانقسام للحفاظ على الجوانب الإيجابية لموضوع محمل بشحنة من الطاقة النفسية على نحو متناقض داخل الآخر، مع تحديد الجوانب السلبية للموضوع نفسه مع ذاته. يواجه الشخص السوداوي مخاوف مرتبطة بالخسارة والانفصال بفصل المشاعر المرفوضة التي يثيرها الموضوع المفقود، وتحدث عملية الفصل هذه داخل الأنا وتعززها التماهيات.

تتطور هذه الرؤية على نحو أكثر تحديدًا في بحث «الأنا والهو» (١٩٢٣أ)، حيث ينظر فرويد للانقسام كنتيجة دفاعية للصراعات بين التماهيات العديدة داخل الأنا:

إذا حظيت [التماهيات] باليد العليا وأصبحت عديدةً جدًّا وقويةً على نحوٍ غيرِ مناسب ومتعارضة بعضها مع بعض، فإن عاقبةً مَرَضية لن تكون مستبعدةً تمامًا. وقد يصل الأمر إلى حدوث ارتباكِ للأنا كنتاجٍ لانفصال التماهيات بعضها عن بعض بفعل المقاومات. ربما يكون سر الحالات التي تُوصف بأنها حالة من «اضطراب تعدُّد الشخصيات» أن التماهيات المختلفة تُسيطر بدورها على الوعي. حتى عندما لا تصل الأمور لهذه الدرجة، تظل مسألة الصراعات بين التماهيات المتعددة والتي تتفتت الأنا داخلها، باقية؛ تلك الصراعات التي لا يمكن وصفها في نهايةِ المطاف بأنها صراعاتٌ مَرَضية بالكامل. (فرويد، ١٩٢٣أ، صفحة ٣٠ وما يليها)

كانت نظرة فرويد إلى الكبت في الأساس بوصفه القوة الأساسية في الحفاظ على الانقسامات. ويلفت ليشتنبرج وسلاب (١٩٧٣) إلى أنه مع تقديم فرويد للنموذج البنيوي، تحوَّل اهتمامه من الانقسام الطبوغرافي للوعي، والذي يتمثل في الانفصال الهستيري، إلى انقسام الأنا كما في حالة الفتيش. في كتاب «فقدان الواقع في العُصاب والذُّهان» (١٩٢٤)، لاحظ فرويد أن الأنا تهرب من الكبت بالانقسام: «عن طريق إحداث انشقاقٍ أو انقسامٍ لذاتها. بهذه الطريقة، فإن كل تناقُضات البشر وانحرافاتهم وحماقاتهم ستظهر في ضوءٍ مماثلٍ لانحرافهم الجنسي من خلال تقبُّل ما يمكن أن يُجنِّبها الكبت» (١٩٢٤، الصفحات ١٥٢-١٥٣). تزامن تغيُّر تركيز فرويد مع تحوُّلٍ من الكبت إلى دفاعٍ ثانٍ أسماه «التنصُّل» لوصفِ ردَّة فعلِ الأطفال تجاه ملاحظات الفوارق التشريحية بين الجنسَين.

(٢-٣) التنصُّل

استخدم فرويد مصطلح «إنكار» في طرحه عن الإخصاء في بحثه «النظام التناسُلي للأطفال» (١٩٢٣ب) عندما لفت إلى أنه عندما يواجه الأطفال حقيقةَ افتقاد الإناث للقضيب، فإنهم «يتنصلون من (ينكرون) هذه الحقيقة ويعتقدون أنهم يرون قضيبًا بالفعل» (فرويد، ١٩٢٣ب، الصفحات ١٤٣-١٤٤). أحيانًا يُستخدم مصطلح إنكار لكني أُفضِّل استخدام كلمة «تنصُّل»؛ لأن فرويد يُشير إليه كظاهرةٍ لا واعية في المقام الأول، بينما الإنكار عادةً ما يرتبط بنشاطٍ عقلي واعٍ.

يؤمن الأطفال لاحقًا فقط أن غياب القضيب دليل على الإخصاء. ورغم أن فرويد كان يرى أن التنصُّل ليس شائعًا أو خطرًا لدى الصبية والفتيات الصغار، فقد أشار إلى أن وجوده لدى البالغِين يُمثِّل بداية الذُّهان؛ إذ يحدث تنصُّلٌ من الواقع الخارجي (فرويد، ١٩٢٤). غير أن ما يُتنَصل منه ليس مجرد إدراكِ عدمِ وجود القضيب؛ فالتنصُّل يعمل كحلٍّ للقلق من الإخصاء أو عقدة الإخصاء لدى الطفل. ويُشير لابلانش وبونتاليس (١٩٧٣) إلى أن فعل التنصُّل يُمثِّل نقطةَ التقاء بين حالتَين في نظرية الجنسانية الطفلية: الحاجة لتفسير الفرق التشريحي بين الجنسَين من ناحية، وتأكيد تهديد الإخصاء الذي يُمثِّله الأب من ناحيةٍ أخرى (صفحة ١٢٠).

لم يكتشف فرويد علم الأمراض النفسية لدى البالغِين الذي يُوضِّح ظاهرة التنصُّل الإكلينيكية إلا عند دراسته للفتيش. وقد مثَّل بحث «الفتيشية» (١٩٢٧) طفرةً مهمةً في فهم فرويد لكيفية المحافظة على الانقسامات داخل الأنا. يُكبَت القلق من الإخصاء الذي يُثيره افتقاد الأُنثى للقضيب. مع ذلك، فقد استخدم فرويد مصطلح «تنصُّل» لوصفِ تجربةِ المعرفة وعدم المعرفة؛ أو بمعنًى آخر، حل وسط بين الواقع والتمني. يتم التنصُّل من حقيقة أن الأُنثى تتعرَّض للإخصاء و«يبني الهلع من الإخصاء نصبًا تذكاريًّا لذاته من خلال خلقِ بديل … يظل رمزًا للانتصار على هذا تهديد الإخصاء ودرعًا واقيةً ضده» (فرويد، ١٩٢٧، صفحة ١٥٤). فيستبدل الفتيشي التثبيت على موضوعٍ مُتحرِّك أو جامد «يمد» المرأة بقضيبٍ وهمي، بالانشغال بفكرة غيابِ القضيب.

حدَّد فرويد أسباب ودواعي التنصل من الواقع، لكنه في بحث «الفتيشية» يبدو أكثر اهتمامًا بفهم «كيفية» «الحفاظ» على هذا التنصُّل. وفي سبيل ذلك، نقل فرويد تركيزه من العمليات الواعية إلى اللاواعية. وأدرك فرويد الدور الحيوي الذي يلعبه الفتيش في الحفاظ على أي انقسامٍ داخل الأنا؛ فمن خلال إزاحة القضيب الأُنثوي الذي يتوقع الصبي أن يجده على الفتيش، يُحَافَظ على وهمِ امتلاك الأُنثى لقضيب، رغم كونه وهمًا من صنع الصبي، كما يُحَافَظ على إنكار افتقادها للقضيب.

كيف يعمل التنصُّل والفتيش على تمكين الصبي من تجاوُز الصدمة العاطفية عند رؤيته لافتقاد الأُنثى للقضيب واستعادةِ توازنِه النفسي؟ تتوقف استعادة التوازن النفسي على قدرة الصبي على العودة إلى استثارته الجنسية قبل الصدمة فيما يتعلق بالوَهْم ما قبل الأوديبي الخاص بالمرأة ذات القضيب.

الخطوة الأولى هي التنصُّل الذي يُعد، في البداية، إجراءً طارئًا وردَّ فعلٍ مؤقتًا للصدمة. غير أن التنصُّل يُعتبر دفاعًا غيرَ حصين؛ لأن الإدراك الواعي لطبيعة الأعضاء التناسُلية للمرأة موجود، ويكون موازيًا للرفض اللاواعي لهذا الواقع لكنه لا يتأثر به. ويظهر تكوين الفتيش كضرورةٍ حتمية لنقل الطاقة النفسية من التنصُّل من الواقع إلى استثمارها في موضوعٍ جديد؛ الفتيش كبديلٍ لقضيب الأنثى.

الخطوة الثانية، وهي صنعُ فتيش (كامبل، ١٩٨٩) يُمكِّن الصبي من القيام بدورٍ فعَّال ردًّا على التجربة السلبية للإدراك الصادم. يُوضِّح كاتان (١٩٦٤) نقطةً مهمة، وهي أن وجود الفتيش هو الدلالة على نجاح الصبي في العودة للحالة الطبيعية التي لم تتعرَّض فيها وظيفته الجنسية للتهديد بعدُ (صفحة ٢٤٠). وبمجرد صناعة الفتيش، وهي الخطوة الثالثة، تُساعِد طاقته النفسية المستمرة في الحفاظ على التنصُّل.

لكن هذا لم يكن آخر ما قاله فرويد بشأنِ موضوعِ انقسام الأنا.

(٣) مصير الأفكار في كتابات فرويد اللاحقة

عقب وصوله إلى لندن في يونيو من عام ١٩٣٨ مباشرة، وكان هذا بعد مرورِ ستةِ أَشهُر على تخلِّيه عن مُسوَّدةٍ غيرِ مكتملة لبحث «انقسام الأنا في عملية الدفاع»، بدأ فرويد في كتابه «المُوجَز في التحليل النفسي» (١٩٣٨أ). ولكن توقَّفَت هذه المراجعة البارعة لمشروع التحليل النفسي الذي صنعه، وهي التي أشار سترايتشي لها «ﮐ «دورة تنشيطية» لطلاب الدراسات العليا» (سترايتشي، ١٩٤٠، صفحة ١٤٣)؛ بسبب عمليةٍ خطرة في فكِّه الذي كان مُصابًا بالسرطان. ولم يعُد فرويد إليها مرةً أخرى.

(٣-١) «المُشاهد» الطبيعي المختبئ داخل المصاب بالذُّهان

في الفصل الثامن من كتاب «المُوجَز في التحليل النفسي» (١٩٣٨أ)، عاد فرويد إلى صعوبةٍ شائعة تُواجهنا في فهمِ انقسامِ الأنا وتنصُّلها من جوانب الواقع في الفتيشية؛ فبينما قد تستجيب الأنا للمطالب الداخلية عن طريق الكبت، إلا أنها قد تُحاوِل الدفاع عن نفسها ضد الضغوط الواقعة من العالم الخارجي بالتهرُّب من المُدرَكات التي تنقل جانبًا مُزعجًا من الواقع. في الحالة الأخيرة، إذا أصبح الانفصال عن الواقع هو النمط المسيطر في الاستجابة للصراع، «يوجد شرطٌ مُسبَق ضروري لحدوث الذُّهان». يُوجد لدى صاحب الفتيش دفقٌ مستمر للمُدركات المتناقضة، يتمثل تحديدًا في التنصُّل من فكرةِ افتقادِ الأُنثى للقضيب من ناحية، وإدراكِ حقيقةِ أنَّ الأُنثى لا تملك قضيبًا من ناحيةٍ أخرى. ويُدرِك فرويد أن هذه المُدرَكات المتضاربة يمكنها الاستمرار جنبًا إلى جنب دون التأثير بعضها في بعض كدليلٍ على وجود انقسام في الأنا. مع ذلك، فإن التنصُّل دائمًا ما يُعتبر تدبيرًا مُؤقتًا وهو في النهاية انفصالٌ فاشل عن الواقع.

توسَّع فرويد في كتابه «المُوجَز في التحليل النفسي» (١٩٣٨أ) في استخدام الانقسام لفهمِ وجودِ مجموعاتٍ نفسيةٍ متعارضة من الفتيشية إلى العُصاب والذُّهان. في حالة الفتيش، يُسهِم الانفصال عن الإدراك المرفوض لافتقاد الأُنثى للقضيب والتنصُّل منه في صد المَخاوِف المُتعلِّقة بالإخصاء. وفي العُصاب، وصف فرويد «سلوكَين مختلفَين؛ أحدهما ينتمي للأنا، والآخر المضاد، والمكبوت، ينتمي إلى الهُو» (فرويد، ١٩٣٨أ، صفحة ٢٠٤). أمَّا في الذُّهان، فقد زعَم فرويد أن الانسحاب من الواقع لا يكتملُ قط. وكانت آنا أو (بروير وفرويد، ١٨٩٣–١٨٩٥) هي أَوَّل من نبَّه فرويد إلى وجود جزءٍ في العقل يُراقب في هدوء «كل ما يحدث من جنون» (صفحة ٤٥). وتَعلَّم من المرضى بعد تعافيهم من انهيارٍ عصبي أنه «في تلك اللحظة، يُوجد شخصٌ طبيعي يجلس في ركنٍ ما في العقل يُشاهد الصخب والهرج المصاحب للمرض، كمُشاهدٍ منفصل، وهو يتجاوزه» (فرويد، ١٩٣٨أ، صفحة ٢٠٢). وقد أدرك فرويد هذا كدليلٍ آخر على وجودِ انقسام النفس كمبدأ منظِّم للحياة العقلية.

(٤) مساهمات منذ زمن فرويد

منذ ظهور رؤى فرويد الرائدة عن طبيعة الانقسام في الأنا والتنصُّل، اتجه كُتَّاب التحليل النفسي إلى جوانبَ من المراحلِ ما قبل التناسُلية من التطوُّر لتوسيعِ نطاقِ رؤى فرويد عن طبيعةِ ووظيفة الفتيش؛ فيؤكد باك (١٩٥٣) دور التماهي ما قبل التناسُلي مع الأم ذات القضيب في ظهور الفتيش. «يُنظَر إلى الانفصال عن الأم كخطر مساوٍ، إن لم يكن أعظم، من فقدان القضيب» (صفحة ٢٨٦). وقد أكَّد فرويد أن غياب القضيب لدى الأم هو ما يُمثِّل صدمةً للطفل، ما يعني ضمنًا، كما يشير آرونز (١٩٧٥)، إلى أن عدم اكتمال الأُم يعزز عدم موثوقية العلاقة مع الموضوع. «بمعنًى آخر، فإن الطبيعة المتزعزعة للعلاقة مع الأُم هي الشرط المُسبَق لحدوث الصدمة لاحقًا في وقتِ تأثير القلق من الإخصاء» (١٩٧٥، صفحة ٢٠١). ووفقًا لباك، يكون التغلُّب على القلق من الانفصال والقلق من الإخصاء من خلال حلٍّ وسط فتيشي ثنائي الجنس؛ فيُحافظ الصبي على والدته دون الاستسلام لتهديد الإخصاء بمنحها قضيبًا؛ فمنح العضو التناسُلي الذَّكَري للجنسَين هو الواقع الوحيد المقبول بالنسبة إليه.

لاحَظَت جرين إيكر (١٩٥٣، ١٩٥٥، ١٩٦٠، ١٩٦٨) فترتَين مسئولتَين عن تشكيل الفتيش: ما قبل التناسُلية (مثلما قال باك)، والتناسلية. خلال الفترة الأُولى، وهي الثمانية عشر شهرًا الأُولى من العمر، قد تُؤثِّر الاضطرابات في علاقة الابن بالأُم على قدرته على التفريق بين الذات واللاذات، وتقوِّض التماهيات الأَوَّلية وتُعطِّل تطوُّر الأنا؛ فالانفصال العاطفي أو الجسدي ما قبل التناسُلي عن الأُم يُقوِّض قدرة الطفل على استعادة الأنا؛ ما يُؤدِّي بدوره إلى تعزيز الدافع للتماهي معها. وسيُساهم الضعف المُترتِّب على ذلك في الأنا في ضخامةِ حجمِ صدمة الإخصاء اللاحقة خلال الفترة الثانية الخطِرة بين سن الثالثة والرابعة؛ فالتماهي المُبكِّر يَتضمَّن الآن قضيبها الوَهْمي الذي يزيد من مخاوفه من فقدان قضيبه مثلما تَحمَّل مخاوفَ سابقةً من فقدانه للأم. أشار آرونز (١٩٧٥) إلى أن التماهيات المُبكِّرة واللاحقة مع أُمٍّ بلا قضيبٍ تُضعِف توظيف الطفل للطاقة النفسية في قضيبه، وقدرته على دمجه داخل صورةٍ ذهنية لديه لجسده الذكوري. وقد يكون إدراكه لفقدانها لجهازها التناسُلي سببًا في إحياء ذكرى فقدانه المُبكِّر لها. «لقد أصبح قضيبه، إن جاز التعبير، بالنسبة له الأُم التي يتعذر الوصول إليها وعُرضةً لفقدانه» (١٩٧٥، صفحة ٢٠٣).

تحافظ الوظيفة المزدوجة للفتيش، وهي الدفاع ضد فقدان الأم من ناحية، والقلق من الإخصاء من ناحية، على وجودِ وَحدةٍ بين الأم والابن. «إن التخلي عن الإيمان بوهمِ وجودِ قضيبٍ لدى الأم، بالنسبة للفتيشي، يعني تعريضَ هُويته للخطر، المُدمَجة بالفعل مع هُويتها؛ وربما يكون هذا هو السبب في اعتبارِ بعضِ حالات الفتيشية بمثابة آليةِ دفاعٍ ضد الذُّهان» (آرونز، ١٩٧٥، صفحة ٢٠٢).

سيُلاحظ القارئ أن فرويد لم يتناول الفتيش في سياقِ تطوُّر الفتاة؛ فقد ركَّز معظم كُتَّاب التحليل النفسي على دور الفتيش ووظيفته بالنسبة إلى الصبي، غير أن ثَمَّةَ استثناءاتٍ بارزة. على سبيل المثال، في بحثه «الخوف من الإخصاء لدى النساء»، زعم رادو (١٩٣٣) أن النساء اللاتي تضُم صورتهن الذهنية عن أجسادهن قضيبًا وهميًّا يمكن أن ينتابهن القلقُ من الإخصاء. وكُتِب بحث جروسمان «امرأة بفتيش الحلمة» (١٩٩٥) كتوضيحٍ لقلق الإخصاءِ فيما يتعلق بإزاحة قضيب المرأة الوهمي على حلَمة ثَديها. غير أن سبيجل (١٩٦٧) لم تكن متأكدةً بشأنِ ما ساقَته من أدلَّة على وجود فتيش لدى إحدى المريضات؛ فقد أشارت إلى أن تقريرها السريري لاستخدام إحدى مريضاتها الفتيشي لرباط الحذاء اختلَف عن تعريف فرويد (١٩٢٧) للفتيش من ناحيتَين: «على عكسِ ما هو مُفترَض ومُعتاد من الوصول لذروة النشوة الجنسية من خلال الفتيش، لم يكن مؤكَّدًا إن كانت المريضة قد وَصلَت إلى ذروة النشوة الجنسية من خلال الفتيش الخاص بها. ثانيًا، يبدو أن قدْرًا غير معتادٍ من الضغط على الجانب الدفاعي للفتيش — بمعنى إبطاله — يجعله مختلفًا عن الفتيش التقليدي» (صفحة ٤٠٢). كما أوضحت دراسة ويتس (١٩٨٢) لفتيش يرجع إلى طفولةِ مريضةٍ سحاقية، وكان هذا الفتيش فوطةً صحيةً مُلطخةً بدم الحيض تخُص الأُم، نشأة فتيش من موضوعٍ انتقالي.

حدَّدَت جرين إيكر (١٩٦٩) فوارقَ مهمة بين الموضوع الانتقالي لدى وينيكوت (١٩٥٣) وفتيش الطفولة. ينظر وينيكوت للموضوع الانتقالي كأولِ صنائع الطفل الذي يملك صفات الأم والطفل، لكنه موضوعٌ خارجي بالنسبة لهما؛ فالقلَق من الانفصال يُحفِّز الطفل لخلقِ موضوعٍ بكل حرية يخضع لسيطرته الكاملة و«يرافق» الطفل خلال رحلةِ انفصاله عن والدته. يُعتبر الموضوع الانتقالي ظاهرةً طبيعية وينشأ أينما وُجِدَت رعايةٌ أمومية «جيدة بما يكفي»، وهو لا يُمثِّل فقط ثدي الأم وجسدها، بل البيئة الأمومية بأكملها. نظر وينيكوت إلى الموضوع الانتقالي كدعمٍ وهميٍّ مُتعدِّد الجوانب لمجموعةٍ مُتنوِّعة من التجارِب الجديدةِ بسببِ ارتباط الموضوع بتجاربَ سابقة. يميل الموضوع الانتقالي إلى الخبوِّ خلال فترةِ كمونٍ أو يُختزل إلى تذكار، أو يتحول إلى لُعبة، أو وَهمٍ متماسكٍ قابلٍ للتطبيق، كبطانية أو لُعبةٍ لجلب الأمان النفسي وقت النوم، أو جزءٍ من اللعِب خلال فترة النهار.

على الجانب الآخر، يكون الفتيش الطفولي، مدفوعًا بمخاوِفَ حادةٍ من الإخصاء ويُمثِّل قضيبًا وهميًّا لمواجهة الخوف من الأعضاء التناسُلية الأُنثوية. إنه نتاجٌ لحاجةٍ إلى الإصلاح والترميم بسبب استمرارِ وَهْم وجودِ عيبٍ أو نقصٍ في جسَد الأم. ورغم أن الفتيش الطفولي قد ينشأ من موضوعٍ انتقالي، تُشير جرين إيكر إلى أن الفتيش ليس مُتعدِّد الجوانب، على عكس الموضوع الانتقالي، بل شكلٌ ملموس من الدفاع يعتمد على التنصُّل والسحر والأوهام السادية، ويميل إلى الاندماجِ على نحوٍ دائم. وتَلفِت إلى أن الفتيش ينشأ في سياقٍ يتضمَّن أمًّا غيرَ «جيدة بما يكفي»، غيرَ قادرةٍ على مُعالَجة غضبِ طفلها، وحيث يتأخر ظهور الصفات الشخصية المُتفرِّدة لدى الطفل أو لا يتحقق على نحوٍ كامل. يُمثِّل الفتيش الطفولي، الذي قد تفرضه الأم أو حتى القائم على استخدامها لفتيش، وظيفةَ تغذية؛ أي بديلًا لثنائية الثدي/القضيب التي يُهيمن فيها الثدي.

إن الموضوع الانتقالي وَهمٌ ويظل كذلك. والفتيش الطفولي ضلالٌ ثابت. وبينما يساعد الموضوع الانتقالي الطفل في التغلُّب على مَخاوِف الانفصال لكي يستمر تطوُّره، فإن الفتيش الطفولي يُعزِّز النكوص والتثبيت الفموي كحلٍّ لقلقِ الإخصاء. إن تبنِّي الفتيش يُمكِّن التطوُّر من الاستمرار، لكن على حساب الاعتماد على التنصُّل وعلى موضوعٍ وهمي.

فهِم فرويد الانقسام كدفاعٍ يحدُث في التطوُّر الطبيعي، بينما يضع المُنظِّرون الآخرون الانقسام في قلب الأنا الناشئة للطفل؛ فقد نَظرَت كلاين إلى الانقسام والتماهي الإسقاطي باعتبارها الدفاعاتِ الأساسية التي تدعم الوضع الفصامي البارانويدي في بداية العمر. واعتبر فيربيرن الأنا فصاميةً في الأساس كونَها تحوي انقساماتٍ طبيعيةً ومَرَضية. كذلك تُعد الذات «الحقيقية» و«المُزيَّفة» لدى وينيكوت مثالَين على الانقسام المُبكِّر في الشخصية.

غير أن فرويد في البحث قيد النقاش قد ربَط الانقسام بالتنصُّل على وجه الخصوص كردِّ فعلٍ دفاعي لاحقٍ تجاه القلق من الإخصاء، أو نتيجةً لمعنًى ارتجاعيٍّ نُسِب إلى حالة الأُنثى المفتقدة للقضيب. لاحظ ستيوارت (١٩٧٠) معنًى إضافيًّا غالبًا ما يُغفَل، وهو نظرة الصبي لغيابِ القضيب كنتيجةٍ للعدوان التدميري أي الإخصاء. من المُرجَّح أن يُثير هذا الإدراك مخاوفَ داخل الصبي، ليس فقط بشأن عُدوان الآخر (الأب)، بل بشأن عدوانه وتدمير الموضوع الأُنثوي. وفي هذا الإطار، يُعتبر صنع الفتيش فعلًا إصلاحيًّا ويقف ضد إحساسِ الذنب المُتعلِّق بعدوان الرجل.

(٥) أمرٌ مألوف وأمرٌ جديد

احتار تلامذة فرويد بشأن تعليقه الغامض على هذا البحث، وبالتحديد أنه لم يكن يعرف ما إذا كان وصفه لانقسام الأنا قد كشف «أمرًا مألوفًا وواضحًا منذ وقتٍ طويل … أم أمرًا جديدًا ومُحيِّرًا كليًّا» (١٩٣٨أ، صفحة ٢٧٥). قال فرويد إنه كان يميل للاعتقاد بأنه أمرٌ جديد ومُحيِّرٌ تمامًا لكنه لم يخبرنا بماهية ذلك الأمر.

وصفتُ فيما سبق كيف قادت طريقة فرويد في علاجِ فتياتٍ مصابات بالهستيريا إلى التفكير في الدفاعات بوصفها تستخدم الكبت لصد التصوُّرات والأفكار والمشاعر المرفوضة. ولكن كما نرى في «الغرائز وتقلُّباتها» (١٩١٥) و«الحداد والسوداوية» (١٩١٧) و«الأنا والهو» (١٩٢٣أ)، نظر فرويد إلى الدفاع أكثر كعملية نفسية، وتصور العقل يدافع عن نفسه من خلال العمل على تمثُّلات الذات والموضوع عن طريق الانقسام والإسقاط والاستدماج. أمَّا ما هو مألوفٌ بشأن بحث «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع» هو أن فرويد يُبيِّن أن المُدركاتِ الحالية تكتسب معنًى على أساس الذكريات السابقة، وهو الذي بدوره يجعل التمثيل مَصدرَ تهديدٍ وربما تؤدي إلى كبته. يعمل الكبت بفصل أو إزالة تمثيل الكلمة من الموضوع أو الحدث وترك تصوُّرٍ للشيء. وكما يشير بروك (١٩٩٢) «إن التمثيل ثابت لا يتغير … [لكن] علاقة العقل باللغوية بتمثيله هي ما تخضع للتلاعُب» (صفحة ٣٤٩). لم تكن آلية الانقسام شيئًا جديدًا. ما كان جديدًا في بحث «الفتيشية» (١٩٢٧) ومن خلال دراسته لحالةِ شخصٍ فتيشي في بحث «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع» (١٩٣٨ب) هو توضيح فرويد أن الأنا عزَّزَت انقسامها بتبنِّي «موقفٍ» مُحدَّد تجاه إدراكها تحديدًا عن طريق التنصُّل منه.

كان فرويد يعني بالتنصُّل:

«ليس غيابًا أو تشويهًا لإدراكٍ حقيقي، بل هو بالأحرى فشلٌ في تقديرِ أهمية أو مضمون ما يُدرك.» عندما يُدرَأ إدراك دقيق أو يُعارض، فإن المسئول عن ذلك ليس النفي أو التنصُّل، بل التجنُّب والتعتيم، ورد الفعل في اضطراب التحويل، والإنكار أو أي عمليةٍ دفاعية أخرى؛ فالفتيشي يوافق دون تردُّد على أن المرأة لا تملك قضيبًا، وربما يكون قادرًا على تقديمِ وصفٍ دقيق جدًّا للتشريح الأُنثوي. (ترونيل وهولت، ١٩٧٤، صفحة ٧٨٠)

وكما يشير بروك، كان بحث «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع» أَوَّل تصريح بفكرةِ أن الدفاع مسألةٌ متعلقة بكيفية تلاعُبِ العقل بتوجهاته ومواقفه من التمثيل، وليس شيئًا يفعله بالتمثلات نفسها (بروك، ١٩٩٢، صفحة ٣٤٩)؛ فتزامن الرفض، وهو الذي يكون رفضًا «لا واعيًا»، مع تقبُّل الواقع هو ما يخلق انقسامًا في الأنا.

ورغم أن فرويد قد ناقش مرارًا الانقسام منذ عام ١٨٩٤، يُخمِّن بروك أن تقديمه لمصطلح «انقسام الأنا» قد أشار إلى أنه «في نهاية حياته ربما كان يميل للنظر إليه كأساسٍ لكل الدفاعات» (المصدر السابق، صفحة ٣٤٩). هل كان هذا ما يشير إليه فرويد كشيءٍ «جديد ومُحيِّر»؟

لماذا عاد فرويد إلى موضوع الانقسام والتنصُّل لكتابة بحثه الأخير في فيينا؟ لقد أدرك فرويد من البداية استخدام الأنا للانقسام خلال التطوُّر المعتاد. قد نتساءل ما إذا كان فرويد قد وقَع في حَيرة من أمره في فترة من حياته كان يُعاني خلالها من ألَم السرطان في فكِّه، وكان يعلم أن النازيِّين يُهدِّدون حياته وحياة أقاربه، ما دفعه لاختيار الكتابة عن الانقسام والتنصُّل. قال ماكس شور، طبيب فرويد وزميله في التحليل النفسي وصديقه الذي لازمه كثيرًا خلال سنوات حياته الأخيرة، إن فرويد لم يكن يخشى الموت، بل كانت الشيخوخة والألم هما ما جعلا العمل صعبًا. ولاحظ شور عام ١٩٣٧؛ أي قبل عامَين من وفاة فرويد وثمانية أشهر من كتابته لبحث «انقسام الذات خلال عملية الدفاع»، أنَّ ما كان «يُسيطر عليه الآن ليس الخرافة القديمة، وهي الخوف من الموت، بل الأمنية القديمة ﺑ «الموت أثناء العمل»» (شور، ١٩٧٢، صفحة ٤٨٩).

هل أدرك فرويد أنه، بعيدًا عن الفتيشية والذُّهان، كان لديه اعتمادٌ على الانقسام، وبالتأكيد، على التنصُّل للوقوف ضد مُدركاتٍ واقعية أخرى؛ مثل انتشار السرطان، أو خطر النازيِّين الذين هدَّدوا وجوده تهديدًا مباشرًا، لكي يستمر في العمل ويُواصل الحياة ويكتب بحث «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع»؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢