الفصل التاسع والثلاثون

نجمة وألعاب نارية

قبل عيد الميلاد بقليل سقطت الثلوج مجدَّدًا، وظلت تهطل بلا انقطاع حتى اليوم التالي، وتحت غطاء الثلج الأبيض اختفت ألوان الهضاب المحيطة بدرجاتها القاتمة. كانت الحافلات تنزلق إلى سفح منحدرات اللان ولا تعاود الصعود؛ إذ انهارت شبكة المواصلات العامة تمامًا لوقت قصير، ولأول مرة أخذت فاندا الطريق المار عبر الغابة سيرًا على قدميها صاعدةً أورتينبيرج حتى المستشفى. كانت السماء لا تزال ملبَّدةً بغيوم رمادية مثقلة هطلت منها أيضًا ثلوج كثيفة في الأيام التالية. صارت المدينة أكثر هدوءًا مما جعل فاندا تتساءل إن كان السبب هو سفر معظم الطلبة في وقت عطلة عيد الميلاد، فبدت المدينة وكأنها خاوية على عروشها، أم أن ذلك يرجع إلى أن سقوط الثلوج خفَّف من ضوضائها؟ وحين فتحت ستائر نافذتها في أول يوم جمعة بإجازة عيد الميلاد، نظرت إلى سماء زرقاء فاتح لونها صافية بلا غيوم. انخفضت درجة الحرارة إلى عشر درجات تحت الصفر. خرجت فاندا قُرْب الظهيرة وسارت فقط بمحاذاة النهر، تتبع المشاة المتعطشين لضوء الشمس الذين خرجوا يتنزهون ومعهم المعاطف الجديدة أو الفراء أو الشيلان أو القلنسوات أو حتى كلبهم العجوز. في ضوء الشمس لمعت المروج الناعسة على ضفة نهر اللان، المغطاة بطبقة سميكة من الثلج. كانت تتخير لنفسها في كل يوم طريقًا جديدًا لتكتشف المكان الذي تعيش فيه. أما فترة ما قبل الظهيرة فكانت تكرسها لشقتها: تنظِّف، تصنِّف، ترتِّب وتتخلص مما لا لزوم له. كانت تفكر في شروحات توماس حول العلاقات التجارية بين الفوضى والنظام، وتتساءل عن الثمن الذي تدفعه الآن من أجل التخلص من الفوضى الضاربة في شقتها. ظلتْ تلمِّع خشب مكتب والدها ذي الأرفف بالزيت حتى صار له بريق مائل للحمرة، لكنها حتى اللحظة لم تخطر ببالها فكرة تمكِّنها من فتح قفل الدرج المغلق. ولأول مرة بدأت تشعر بالرضا عندما تعود من نزهاتها إلى الشقة.

بعد ذلك كانت تراجع الأشياء التي أنجزتها في الصباح. لقد كان ترتيبًا رائعًا متوازنًا لساعات اليوم دون إزعاج من أحد. وهكذا مرت أيام العطلة سريعة دون أن تقابل أحدًا كذلك؛ إذ سافرت زابينة إلى عائلتها على الشاطئ، ويوهانيس يتزلج على منحدرات آسبن، أما بيترا فلا يعلم مكانها إلا الله، وأندرياس يمضي أيام الإجازة لدى والدته في ميونخ. إلا أن فاندا لم تكن بمفردها كلية، لقد تركت زابينة جوسي عندها، فكانت تقتسم مع الفأرة البسكويت الذي خبزته سريعًا ليلة عيد الميلاد المجيد، وأخذتها في حضنها لتتفرجا معًا على الأفلام متوسطة القيمة التي يعرضها التليفزيون. لقد نجحت بالفعل أن تركِّب جهاز التليفزيون ذي الشاشة إل سي دي، وأن تضبط درجة الصوت في جهاز استقبال القنوات الفضائية لتختار واحدة من سبعين قناة تستقبلها بصورة واضحة، لكنها لم تتمكن من فعل أكثر من ذلك. أعارها أندرياس بعض أقراص دي في دي، لكن كان يتعين عليها أن تصلها بالكمبيوتر المحمول الخاص بها، وكان ذلك من شأنه أن يكلفها كثيرًا من الوقت للبحث عن منافذ الكمبيوتر التي لن تجدها في النهاية. وكانت تعلم أن كُتَيِّب التعليمات لم يكن لينجح إن قيَّمه تقني متخصص فقررت ألا تعتمد عليه، لهذا كان عليها أن تكتفي بالقدر الذي تقدمه القنوات العامة المفتوحة والخاصة لمشاهديها، خصوصًا أن هذا الأمر لا يمثل مشكلة لجوسي، التي بعد أن تنظف الصحون من بسكويت فاندا تستقر في الوادي ما بين نهديها، راغبةً ألا يزعجها أحد.

الاسترخاء أمام التليفزيون بصحبة ضيفتها الجذابة كانت المكافأة التي تهديها فاندا لنفسها لقاء أعمال تنظيف الشقة التي تجريها يومًا بعد يوم، وبهذا الإيقاع عاد إليها هدوؤها الداخلي، وبدأت ذكرى الأحداث المهددة تذهب بالتدريج. أما الهجوم الذي تعرضت له بجوار القصر فاعتبرته عملَ مجنونٍ تصادف أن اعترضت طريقه، كما اعتبرت القبر الرقمي دعابة مروعة أرسلها شخص لا تعرفه. لم تستطع أن تتصور أن شخصًا يمكن أن يكرهها إلى الحد الذي يجعله يتمنى لها الموت. فكرت أن تسأل في مركز البيانات بالجامعة، لكنها تراجعت لما وجدت المسألة ثقيلة على نفسها. شيء واحد فقط كان يغضبها، ألا وهو أن النتائج المنتظرة من خبير الفيروسات لم تصل بعدُ.

اتصل بها الدكتور كانتيرات — الزميل العالم المختص بعلم الفيروسات — قبل عيد الميلاد بمدة قصيرة، واعتذر لأنه لم يتمكن من إجراء التحاليل من أجلها، لكنه وعدها في نهاية الأمر بعد أن تلعثم قليلًا أمام إلحاحها في الطلب، أن يعاود الاتصال بها في العام الجديد.

ما الذي أغراها بالمضي قدمًا في هذه المسألة؟ بدلًا من التجول في المدينة لتسأل في محال الأنتيكات على كيفية فتح الأقفال القديمة دون إتلاف قطعة الأثاث، كان يمكنها أن تجمع الأرقام، وترسم أشكالًا بيانية وتعد للخطوات القادمة. أو حتى ترتب خططها الشخصية الخاصة. في هذه الأثناء صارت مقتنعة أن عليها أن تجري فحصًا شاملًا، وكانت تريد أولًا أن تعرف ماذا أصاب جونتر هيلبيرج وتتمنى أن تستفيد من هذه المعرفة في تشخيص حالتها؛ إذ لم يكن بها أي رغبة في بدء فحوصات طويلة الأمد لا تعرف عمَّا تبحث تحديدًا، فتفضي بها كالعادة لا إلى معرفة الجديد وإنما إلى مزيد من تحطيم الأعصاب. لقد كانت تحتاج نتائج تحليل أنسجة مخ جونتر هيلبيرج ليكون دليلًا تسير على هَدْيه الفحوصات الطبية الخاصة بها.

رغم أن تقرير الأرصاد قد أعلن عن ذلك، فإن ذوبان الجليد جاء أسرع من المتوقع. لقد تغيَّر اتجاه الريح في ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر، وفي اليوم التالي صارت الشوارع مبتلَّة بماء الجليد الذائب، وأخذ الماء يقطر من الأسقف ومن الأشجار. خلت الجراجات المنتشرة على ضفة نهر اللان من السيارات، في حين أغرقت المياه الجسور وبعض مسارات الدراجات. لكن تغيُّرَ الجو لم يغيِّر شيئًا من التوتر المبتهج الذي كانت تشعر به فاندا كلما فكرت في ليلة رأس السنة، ورغم ذلك لم تكن تملك ملابس مناسبة ترتديها في حفل توماس. ليس في مقدورها أن تصرف الكثير على مظهرها، فجزء من تكاليف الانتقال وتأثيث الشقة لم تكن قد سددته بعدُ، كما أن جهاز التليفزيون الفاخر — الذي أقنعها بشرائه بائع جذاب في متجر كاوفبارك — كلَّفها مبلغًا كبيرًا، وبالنظر لمتوسط استهلاكها السنوي القليل فلا ضير من اعتبارها واحدة من الطبقة الوسطى بجدارة. صحيح أنها تجني الآن أموالًا أكثر من تلك التي كانت تكسبها في أمريكا عقب حصولها على الدكتوراه، لكن لا يزال راتبها أقل من زملائها الأمريكيين. لكني أحب عملي، هذا ما داومت على قوله لنفسها كلما راجعت كشف حسابها البنكي. سيكفي ما سحبته منه لشراء بنطال جينز جديد وبلوزة أنيقة.

وفي ليلة رأس السنة، استقلت سيارة أجرة متوجهة إلى شقة توماس التي تقع بالقرب من فيلا شتورم، في الطابق الثاني من عمارة حديثة.

«هل بكرت في الحضور؟» تعجبت فاندا أن الوضع عنده لا يزال هادئًا.

كان توماس يرتدي مريلة مطبخ سوداء، عليها رسوم طباشيرية لرجال صغار الحجم يرقصون. ورغم أنها لم تكن تفهم في الفن كثيرًا، فإنها تعرَّفت على أسلوب كيث هارينج الذي لا تخطئه العين. شابت ابتسامة الزميل بعض التوتر وهو يساعدها على خلع معطفها، ثم اختفى عبر باب ربما يؤدي إلى المطبخ. سمعت همسًا وهمهمة، فأخذت تتفحص مرآة الحائط المعلَّقة عاليًا في الغرفة. كانت البلوزة الملتصقة بجسدها التي يطرز حافتها الخرز اللامع وتحلي الدانتيلا أكمامها، تبدو مثالية تمامًا عليها، ورغم ذلك شعرت أنها عارية؛ فهي ليست معتادةً أن تظهر بهذا الشكل. على الأقل كانت راضية عن مظهرها من رأسها حتى الرقبة. شعرها الذي لم تقصه إلا بالأمس أضفى رقة على مظهرها، وتلألأت عيناها الداكنتان ببريق. ورغم أنها كانت متعرقة من إبطيها، فإن يديها كانتا متجمدتين، وحين دخلت إلى المطبخ كان توماس يشوح اللحم في الطاسة ويسقيه بالنبيذ، فيما اشتعلت شمعة على طاولة عالية تشبه طاولات الحانات الصغيرة. بدت الطاولة معدَّة لاثنين.

قال توماس وهو يناولها كأسًا من النبيذ الأحمر: «بل أتيت في الوقت المناسب تمامًا. اجلسي.» ثم أضاف ووجهه متوهج: «هيا تذوقيه.» ثم عاد للوقوف أمام الموقد، في حين جلست فاندا على أحد الكراسي العالية.

«نحن الاثنان فقط؟» ورشفت رشفة، كان النبيذ الأحمر ناعمًا وجافًّا، يلائم ذوقها تمامًا.

فقال توماس: «فقط انتظري لتري، لن تريدي أن تتقاسمي هذا مع أي أحد.» ثم غمز بعينه. ما الذي يدفع الرجال لإثارة كل هذه الزوابع حين يطهون؟ هل أخطأت في فهمه؟ لا يهم، فلن يشهد عليهما أحد. لاحظت كيف أن توتُّرَ الساعات الأخيرة يغادرها. بعد البابايا بلحم الخنزير، جاء الدور على شرائح الديك الرومي، مع صلصة لذيذة بجوز الهند، مع الفطر الذي قدَّمه مع الأرز البسمتي. كيف عرف توماس مأكولاتها المفضَّلة؟ بينما في الخلفية غنى صوت برازيلي على نغمات موسيقى الجاز. ترنحت فاندا واستمتعت بالدغدغة التي تنشرها نظراته العميقة في جسدها. كان توماس يتحدث عن الفن والموسيقى، لكنها لم تكن مصغية إليه تمام الإصغاء، وإنما تكتفي بالابتسام حتى يواصل الحديث. كان من الرائع ألا تضطر إلى التفكير في تعليقات تتصنع بها الذكاء كي تبقيه على حالته المزاجية تلك. كان صوته الأجش يمس عنقها، فيما لفَّ جسدها دفء لطيف، فبدأت تتراقص وتتمايل بنعومة على أنغام الموسيقى دون أن يبدو عليها.

«هل تفضلين الحلوى الآن مباشرة، أم تشربين قهوة إسبريسو أولًا؟»

أطلقت فاندا تنهيدة مستمتعة، وقررت أن تأخذ القهوة. نهض وتوجَّه نحو منطقة العمل بالمطبخ. كان قميصه الواسع يتهدل بحرية فوق بنطاله الجينز. إنه أيضًا مغرور. ماذا كنتِ تنتظرين؟

قالت فاندا متفاخرة: «بالمناسبة لقد نجحتُ في تشغيل جهاز التليفزيون الخاص بي بمفردي تمامًا.»

فسمعته يقول: «يا للخسارة! إذن تقلِّلين حججي لزيارتك.»

«صحيح أني أمتلك جهازًا عالي التقنية، لكني لم أتمكن إلا من تشغيل التليفزيون. لم أتمكن من تشغيل الدي في دي ولا عمل أي تسجيلات.»

«هذا مؤسف.»

واصلت فاندا حديثها: «لو أني أردت أن أفهم كتيب التعليمات لربما تعين عليَّ حضور دورة تعليمية في اللغة. تُرَى هل هي مكتوبة بسوء هذه الترجمة في اللغة الكورية أيضًا؟»

«المشكلة برأيي تكمن في شيء آخر.» وصب القهوة في فنجانين صغيرين وهو يقول: «أزعم أن الرجل الآسيوي العادي أكثر تمكُّنًا في التعامل مع التكنولوجيا من الرجل الأوروبي العادي.»

وقعت عينا فاندا على الكاميرا الرقمية الموضوعة على حافة النافذة.

«صحيح. لقد نسيت تمامًا أن الكاميرا ترى نور العالم من خلال جهاز تصوير متكامل.» وضعت سبابتها أسفل إحدى عينيها وشدت الجلد قليلًا إلى أسفل. «في الوقت الذي نسجِّل نحن فيه عيد ميلادنا على الورق، تومض أسفل جفنها إشارة ضوئية.» انزلقت فاندا وهي تتحدث من على الكرسي العالي وتوجهت نحو النافذة. أمسكت الكاميرا بين يديها بحذر، كانت من نفس ماركة الجهاز الذي افتُقِد قبل عدة أسابيع من غرفة الميكروسكوب. «هل عندك نفس الجهاز؟» سألت متعجبة، وغضبت من نفسها على طرح السؤال بلا تفكير.

«ماذا؟» التفت توماس نحوها ونظر إلى يديها. «قام والدي بإعارتي إياها.» جاءت إجابته هادئة جدًّا. تمنت فاندا لو أنها ضربت نفسها على أصابعها. لماذا عليك أن تمسِّي كل شيء؟ وأعادت الكاميرا.

قال توماس: «تعالَيْ. دعينا نشرب القهوة في غرفة المعيشة.»

كانت الغرفة تنتهي بواجهة زجاجية عريضة، ربما كانت الغرفة توحي بأنها كبيرة الحجم لما فيها من عدد قليل مُنتقَى من قطع الأثاث. رجل آخَر عنده أريكة من الجلد الأسود، أم تراه أزرق داكنًا؟

وضع توماس الفنجانين على سطح المكتب الزجاجي الذي عُلِّق فوقه رفٌّ حُشِرتْ فيه الكتب حشرًا. كان جهاز الكمبيوتر مفتوحًا. تأملت فاندا نقشة قماش الأريكة بانتباه.

«هل تعرفين ماذا قال كاندينسكي مرة عن اللون الأزرق؟» سمعت توماس يسألها، لكنه لم ينتظر أن تجيبه وأكمل: «كلما دكن لونه، نادى الإنسان نحو اللامتناهي، وأيقظ داخله الحنين إلى النقاء، وأخيرًا إلى ما لا يُدرَك بالحواس.» لاذت فاندا بالصمت. كان الوضع أشبه بتلك اللحظة في حفل موسيقي حين تصمت الموسيقى لبعض الوقت، لكن القطعة الموسيقية لم تنتهِ بعدُ. في تلك اللحظات كان الجَهَلة فقط يبادرون بالتصفيق، هي نفسها كان يحدث معها ذلك من آنٍ لآخر؛ ولهذا عوَّدت نفسها ألا تبدأ التصفيق إلا عندما يبلغ تصفيق الجماهير قوةً تقنعها أن الوقت المناسب قد حان. أصغت إلى وقفة توماس الموسيقية، لكنه لم يتحدث بعدها.

قالت أخيرًا: «أنا لا أفهم كثيرًا في الفن، أحيانًا أرجح أن السبب يرجع إلى الأهل. ما طبيعة عمل والديك؟»

«أبي تاجر فنون.»

«حقًّا؟»

«لااااا.» سمعت ضحكته المبحوحة، «إنه تاجر سيارات مفلس، يسمونه اليوم مُعسرًا، لعل في ذلك أملًا، ويتلقى بموجب ذلك استشارة للمعسر. أما مفلس فتذكر بالخردة. والدي حالة ميئوس منها.» ألقى نظرة طويلة على النقش بالجدار ثم قال: «الشيء الوحيد الذي لا يزال يربطنا هو الولع باللون الأزرق.» نظرت إليه فاندا متسائلة.

«لقد تم سحب رخصة القيادة منه. تصوري تاجر سيارات دون رخصة قيادة! هذا أمر يثير الضحك. منذ ذلك الحين وهو يراهن على الخيول.»

«ووالدتك؟»

«هربت بعد حصولي على الشهادة الثانوية، أعتقد أنها تتبع نزواتها الآن. يأتيني منها بطاقة معايدة بين الحين والآخر. مرة من إسبانيا، وأخرى من فرنسا، ومالطة، وإيطاليا. تصنع مشغولات خزفية، تمارس شعائر التانترا الهندية، وتعقد دورات في أشياء لناس.» كانت ضحكته توحي بالمرارة. «مثل دورة كيف تصنع الفخار في توسكانا وأنت عارٍ.»

«هل لك إخوة؟»

هز توماس رأسه. سحب كرسيًّا ثانيًا أمام المكتب وأشار إلى فاندا بيده كي تجلس إلى جواره. رأت مجموعةً من فأرات الكمبيوتر متكومة على أحد الأرفف، تمثِّل موديلات قديمة قذرة ومتآكلة، يلتف حولها سلكها كأنه ذيل.

«هذه حيواناتي المنزلية.» قال توماس موضحًا حين لاحظ نظراتها، «صحيح أنها تتكاثر خارج حدود السيطرة، إلا أنها مع ذلك في غاية القناعة.» في أثناء ذلك كان يضرب الغبار فيتشكل في سحابة، فأضاف: «أعتقد أنه سيتعين عليَّ أن أنظف المكان ذات مرة.»

«كان عليَّ أن أحضر جوسي معي.»

«قطتك؟»

ضحكت فاندا، وقالت: «جوسي فأرة زابينة.» أدار توماس رأسه سريعًا إلى الجانب، فرأت فجأةً في صورته الجانبية صرامة وتجهُّمًا، كما أن عضلات فكه انقبضت وكأنه يلجم نفسه، ثم عاود النظر إليها وابتسم بخبث: «لقد حضر الآن الضيوف الآخرون، أريد أن أعرفك عليهم.»

لم تكن فاندا قد انتبهت حتى ذلك الوقت لشاشة الكمبيوتر. أخذت سطور مكتوبة تتطاير على الشاشة المسطحة كما الحال في غرف الدردشة، كانت معظمها تعبيرات عن الإعجاب بصلصة جوز الهند بالفطر، كما أن متحدثًا اسمه باستي أراد أن يعرف متى سيتم تقديم الحلوى. في الخلفية كان كنالفروش وبونش يتجادلان حول جدوى وعدم جدوى استخدام الألعاب النارية في ليلة رأس السنة، التي يدَّعون أنها تزيد من توزيع الإندورفينات في الجسم، وتؤدي إلى أرباح وتعمل على إبقاء الأطباء محدودي الدخل مشغولين. كان من رأي كنالفروش أن ارتفاع إجمالي الناتج القومي لا بد له من ضحايا، فما كان من بونش — الذي بدا أنه فقد قدرته على كتابة كلمات كاملة — إلا أن رد عليه ﺑ «بررررررروووم ٢٠٠٦!» إلى جوار ذلك كانت ثمة نجمة تقاوم عددًا كبيرًا من الرجال الذين يدعون أن عليها كتابة اسمها بالطريقة الصحيحة، مما أشعل الحوار وجعل كلام الكل يتداخل بعضه مع بعضٍ. هانزي أعلن عن إعجابه بالصرخات المكتومة، واقترح أن يقوم بلف رقبة مشترِك اسمه تروتهان ببطء شديد. كليوباترا فقدت سوطها أثناء ركوب الخيل، ومادونا تبحث عن مشبك صدرها. كنالفروش وبونش عادا للتواصل، فقط نجمة غادرت، وباستي ألحَّ في طلب الحلوى. نقر توماس تحية على لوحة المفاتيح، فطارت الشاشة سريعًا إلى أعلى جرَّاء الشلال المنهمر من التعليقات التي تنوعت بين «مرحبًا توم»، و«شكرًا» إلى نغمات أخرى من المديح على الانتقاء الموفَّق لوصفات الطعام. ثلاثة عشر شخصًا سجَّل نفسه لحضور دردشة ليلة رأس السنة، وكان جليًّا أن توماس هو المضيف. أما الحفل فكان في أوجه.

«إنهم في انتظار خوارزمية الحلوى.» كان توماس يستمتع بجعل ضيوفه يتململون.

«في انتظار ماذا؟»

«تعليمات التصرف، الوصفة إن شئت استخدام هذه الكلمة، وصفة بيوريه الكاكي مع المارزبان.»

لم يكن ليخطر ببال فاندا أنها مدعوة إلى حفلة رقمية، ولو علمت لربما لم تكن لتوافق. وبعد أن قامت بزيارة عدد من غرف الدردشة وصلت إلى نتيجة مفادها أن هذا الشكل من أشكال التواصل مع الناس لا يناسبها. التغيير الرهيب في الموضوعات، التلميحات المغرضة، لم تحب أيًّا من ذلك. كانت الرموز المتداولة مألوفة لها، وكانت تتسلى بها، لكن بالأساس لم تكن أكثر من علامات مكتوبة. كانت تعطي شكلًا للمشاعر، وكانت فاندا تستطيع التعرف عليها وتفسيرها، لكنها لا تشعر بها. كانت تفتقد المباشرة التي تجدها في نبرة صوتٍ تتغيَّر، أو في تعبير للوجه أو في لفتة يد؛ ولهذا قصرت دردشاتها على تبادل المعلومات بين شخصين غيرها لا أكثر في وقت واحد. أي شيء أكثر من ذلك كان يخضع لظاهرة «غرفة النادي»؛ لأن أي جماعة دردشة تنقسم في كل الأحوال إلى مجموعات صغيرة من المدردشين، وكان يضايق فاندا كثيرًا أن كل واحد في النادي الرقمي يستطيع أن يتابع الحديث الدائر على الطاولة التي تجاوره، وفي وسعه أن يتدخل في الكلام متى أحب؛ لذا لزم وجود قائد يلفت انتباههم ليركزوا على شيء بعينه، يكون في مقدوره أن يتغلب على هذا التفرق مثلما يفعل توماس الآن، الذي بدأ أخيرًا في الإفصاح عن وصفة صنف الحلوى. عليهم أن يقشروا ثمار الكاكي، ثم هرس واحدة منها مع الفانيليا، والمارزبان والفلفل هرسًا ناعمًا، ثم يقطعوا شرائح من القراصيا ويخلطوها معها، ويملئوا بها أطباق الحلوى، بعد ذلك ينثرون عليها ثمرة كاكي أخرى مقطَّعةً مكعبات، ويزيِّنوا الطبق بالكريمة المخفوقة ورشات من الفستق. وبالهناء والشفاء. اختفى توماس في المطبخ، فصمتت الشاشة أيضًا، وبعد أن عاد وناولها كوب الحلوى تساءلت إن كان باستي الآن راضيًا، ربما ليس هناك باستي على الإطلاق، ربما كان هو مجرد فكرة يكفيه فقط أن يستمتع بالوهم. فجأةً خطر لها أن كل ذلك مجرد تمثيل. مسرحية تفاعلية. هل دعاني لأنه يحتاج إلى مشاهِد حقيقي؟ رغبت نفسها عن الحلوى.

سألت بحذر: «ماذا يفعلون الآن؟» نظر لها توماس دون أن يفهم ماذا تعني. «أقصد ضيوفك.»

«ربما يأكلون الحلوى الخاصة بهم.»

«من أين تعرفهم؟»

«لقد وضعت الدعوة مع الوصفات في منتدى معين، وأقابلهم اليوم للمرة الأولى.»

«عليَّ أن أعترف أني فكرت أنك ستقيم حفلًا حقيقيًّا.»

علا الاشمئزاز وجه توماس وقال: «أتقصدين حفلًا بأُنَاس يبقِّعون سجادتك بالنبيذ والكاتشاب، ويقلبون غرفتك رأسًا على عقب، ويكبون منافض السجائر، ويتركون صحونًا متسخة؟ أنتِ لا تعرفين ماربورج. ما إن ينتشر خبر الحفل حتى يزورك كل المتطفلين، وعلى أكثر تقدير لن تتعرفي على غرفتك قرب منتصف الليل؛ لأنك ستجدينها تحوَّلت إلى حانةٍ تقدِّمين فيها البيرة مجانًا لأُنَاس لا تعرفينهم أصلًا.»

«وماذا لو دعوت عددًا قليلًا من الأصدقاء؟»

ظهرت تجعيدة طولية بين حاجبيه الكثيفين: «أتعنين أولئك الذين يزعجونك بمكالمات هاتفية ثقيلة الظل أو يحرجونك بالزيارة؟ عندي دائمًا شخص أتحدث إليه إن أردتُ الحديث.»

«أمر واحد لا أفهمه!» قالت وهي تؤرجح كأسها المملوءة بالنبيذ الأحمر. السجادة البيج الممدودة أسفل قدميها بدت غير رخيصة. «لماذا دعوتني أنا إذن؟»

«إنْ شئتِ يمكننا نحن أيضًا الذهاب.» وأمسك بفأرة الكمبيوتر. «إنهم لديهم كل ما يحتاجون إليه، نستطيع أن نغادر الحفل و…» تردَّد توماس.

«… وماذا؟ …» تطلعت إليه فاندا بفضول.

وبدلًا من أن يجيب سحب الفأرة وأخذ في النقر لغلق النوافذ، أصابعه المتمكنة أعادت إليه سيطرته القديمة. إنه يعجبها هكذا أكثر. أشارت ساعة الكمبيوتر إلى الحادية عشرة ليلًا. وضع توماس سي دي جديدًا في الكمبيوتر، «إيزي لسينينج»، لم تكن فاندا تعرف هذه الفرقة. جلسا صامتين لبعض الوقت أمام الحلوى. كانت فاندا تفكِّر بسرعة. إنه لا يسهل عليها الأمر، لكنها أيضًا تستطيع أن تكون عنيدة إن وضعت شيئًا في رأسها. مدت يدها نحو المكعب الأصفر من الورق ذاتي اللصق وكتبت شيئًا عليه، ثم قطعت الورقة وألصقتها على الشاشة. ضحك مستريحًا حين قرأ الملحوظة وقفز.

«في الحقيقة أنا مضيف سيئ.» قال وهو يصدر بعض الضجة في المطبخ، بينما هي تفكر في الكلمات التي كتبتها «أنا عطشانة» عطشانة إلى ماذا؟ إلى الحياة؟ إلى الحب؟ لقد فهم عبارتها بحرفيتها. بالمثل كان يمكنني أن أكتب «بي رغبة» لم يكن ليخطئ فهمها. أنتِ جبانة يا فاندا. عندما عاد توماس كان يحمل في يديه كأسَيْ شامبانيا.

سألها: «شامبانيا؟» فأومأت موافقة وسألت عن مكان التواليت.

لاحقًا بدآ في الرقص. في البداية كانا يتحركان ككائنين منفردين على مذنب بعيد، لكن كان من المستحيل أن يظلَّا متباعدين. تلامست رُكَبهما، وأحاطها بذراعيه برقة. كانت أنفاسه تداعب أذنها. استغرق الأمر زمنًا طويلًا، ثم في وقتٍ ما أحاطت رقبته بذراعيها واحتضنته. نادتها رغبتها الداخلية أن تتشبث به بقوة، لقد كان أقرب ما يكون كما لم يكن من قبلُ. لم تتركه وظلت تبحث عن سبب يجعلها تسقط، لكنها اصطدمت بالخواء. لم تسمع رنين جرس الباب على الإطلاق، لكنها أحسَّتْ به وهو يُبعِد ذراعيها عن رقبته بخفة. وقفت مأخوذة، وحيدة في الغرفة بذراعين معلقتين في الهواء كما لو أنها تقف بَعْد معركة خاسرة، فتوهجت وجنتاها، ورغم ذلك شعرت بالبرد. وقعت عيناها على الصور المعلَّقة على الجدار المقابل لها. تعرَّفت على خطوط وعلامات، مثلثات ومربعات، وحلقات، كانت الحدود حادة بين الفاتح والداكن، ورغم الظلال لم يكن بالصور أي عمق. كان ثمة ضوء يشبه ظهيرة يوم صيف قائظ حين يتخشب كل شيء من الحرارة، حتى الزمن يتوقف ويختنق أي شعور. اتزان ولا عزاء لأن الممل لا يعاني. سمعت أصواتًا رجالية في الطرقة. «صديق ثقيل الظل؟» ثم ظهر وجهه على باب غرفة المعيشة.

قال أندرياس مخاطبًا إياها: «تعالي معي من فضلك. الأمر عاجل!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١