الفصل السادس

الليبرالية الجديدة الفاشلة وإرثها الهزيل

لماذا برز مفهوم ضار وهيمن فترة مؤقتة في نصف العالم، وما الذي يمكن فعله حيال ذلك

حتى في الأوقات الطيبة تؤتي الأفكار التافهة ثمارًا فاسدة.

لولا موجة الليبرالية الجديدة التي اجتاحت العالم خلال الجيل السابق لصار العالم أفضل بكثير، وأكثر تطورًا، وأقل ظلمًا، وفوق هذا، لتفتحت أمامه آفاق مستقبلية واعدة. كيف أمكن لفكر اقتصادي وسياسي يخدم مصلحة قلة قليلة من الناس على حساب غالبيتهم أن يحظى بهذه المكانة وبهذه القوة التفاوضية؟

ثمة قدر كبير من الالتباس في علم الاقتصاد، لأنه على الرغم من التقدم الواضح الذي أُحرز في هذا التخصص على مدى العقود القليلة الماضية، لا يزال هناك خلط وخطأ فيما يتعلق بالمفاهيم والظواهر والعمليات. ففي بعض الأحيان، تستخدم مصطلحات تبادلية للدلالة على نفس الأشياء، أو يستخدم نفس المصطلح للتعبير عن ظواهر وعمليات مختلفة. الدقة في استخدام المصطلحات أمر ضروري لإدارة المناقشات ووضوح وجهات النظر؛ لكن تعقد المفاهيم واختلافها يجعل ذلك أمرًا يصعب تحقيقه في بعض الأحيان.

ما «اقتصاد السوق الاجتماعي» هذا الذي يشير إليه العديد من المؤلفين؟ أو، ما «الليبرالية الجديدة» التي يعتبرها بعضهم مخطئًا الاقتصاد الكلاسيكي (أو الاقتصاد الكلاسيكي الجديد)؟ وعندما يحدث هذا الخلط، يستحيل أن نقتنع بالرأي القائل إن الاقتصاد الكلاسيكي الجديد نجح في الاختبار وأثبت صحته وصوابه لأن السياسة الاقتصادية القائمة على فرضياته النظرية أثبتت صحتها عمليًّا على مر التاريخ، خصوصًا خلال العقود القليلة الأخيرة.1 وإذا تناولنا الرؤية المنهجية والعلمية الصائبة التي توجب التمييز بين الاقتصاد الكلاسيكي الجديد وبين الانحراف الاقتصادي المعروف بالليبرالية الجديدة، فسيتبين فشل نظرية الليبرالية الجديدة الاقتصادية على أرض الواقع، لأن انتهاجها لم يسفر عن نمو متوازن وطويل الأجل من النواحي المالية والاجتماعية والبيئية ولم يؤد إلى تنمية اقتصادية. ومن ثم، فهي نظرية اقتصادية خاطئة.
في جميع بلدان العالم تقريبًا، اتسمت فترت السبعينيات — لا سيما بعد صدمة ارتفاع أسعار البترول في عامي ١٩٧٣–١٩٧٤ — والثمانينيات بارتفاع معدلات التضخم. واليوم من الصعب أن نصدق أنه كانت توجد فترة — تحديدًا في منتصف هذين العقدين — تضاعفت فيها أرقام معدلات التضخم، وفقًا لمعدل النمو السنوي في سعر السلع الاستهلاكية، حتى في أكثر الدول تقدمًا. وفي أكثر السنوات سوءًا، عام ١٩٨٠، بلغ معدل التضخم ١٨٪ في بريطانيا العظمى، و١٣٫٥٪ في الولايات المتحدة. وتفشى التضخم في البلدان الأقل نموًّا، لا سيما في أمريكا اللاتينية. وفي الوقت نفسه، تراكمت قيود أخرى على الطلب؛ مما عرقل النمو الاقتصادي نسبيًّا. هذا أنهى حالة الازدهار التي استمرت نحو ربع قرن بعد الحرب العالمية الثانية، وأذن ببدء مرحلة «الركود التضخمي»2 في الرأسمالية المتطورة؛ وهي مرحلة سادها ازدياد التضخم المصحوب بارتفاع متزايد في معدلات البطالة، وانخفاض متزايد في معدل الإنتاج، وفي الحالات القصوى حدث تراجع وتوقف الإنتاج؛ لذلك أطلق عليه الركود التضخمي. وثمة مصطلح آخر، «التدهور التضخمي»، كان يشير إلى التضخم المصحوب بانخفاض في مستوى الإنتاج المطلق، أي تراجع.

وقد احتمت البلدان الاشتراكية من آثار الركود التضخمي بحزمة من آليات التحكم في الأسعار، لكنها على الرغم من ذلك بدأت تشعر بنقص متزايد في المعروض. وتفاقمت آثار الضربة الموجهة من الخارج نتيجة لهشاشة النظام الرسمي، لا سيما عدم وجود آليات قوية لتخصيص رءوس الأموال ولمواجهة الصعوبات الدائمة، لموازنة العرض والطلب، نتيجة لقيود الميزانية المخففة. بعبارة أخرى: عمل النظام هناك بحيث يتحدد المعروض من الأموال وفقًا لحجم الطلب عليها، وليس العكس، كما يحدث في النظام الرأسمالي؛ حيث يتحدد الطلب على الأموال وفقًا للمعروض منها، نتيجة للقيود الصارمة على الميزانية. بعد صدمة ارتفاع أسعار النفط بين عامي ١٩٧٣ و١٩٧٤ — التي بدا ظاهريًّا أن البلدان الاشتراكية تمكنت من تفاديها — بدأت عملية الانحلال البطيء للاقتصاد الشمولي، على الرغم من تطبيق إصلاحات تتوافق مع السوق هنا وهناك. وكان أهم أسباب هذا الانحلال عجز هذه الاقتصادات عن مجاراة التقدم التكنولوجي التنافسي وعدم انفتاحها بالقدر الكافي على تدفق الأفكار والأشخاص والبضائع. ولم تفلح الآليات الرسمية للتحكم في الأسعار في كبح جماح التضخم، بقدر ما أخفت آثاره وأجلت ظهوره.

لقد عمل التضخم الصريح المستمر — الذي يتجلى في زيادة الأسعار، وتفريغ السوق على الرغم من ذلك — على تدمير اقتصادات السوق الرأسمالية. وفي الوقت نفسه، أدى التضخم المكبوت — الذي يظهر من خلال النقص الكبير في العرض — إلى تآكل الاقتصادات الاشتراكية الموجهة. وبناءً على ملاحظة هذه الظاهرة وضع جانوس كورني نظرية رفيعة المستوى لاقتصاد النقص في العرض أو ما يعرف باقتصاد العجز.3 يرى جانوس أن اقتصاد العجز فئة رئيسية لا يمكن إغفالها من فئات الاقتصادات الشمولية التي تعتمد على امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج، وهيمنتها البيروقراطية على العمليات الاقتصادية. وأثناء المناقشة التي دارت في ذلك الوقت حول اتجاهات وأساليب الإصلاحات الداعمة للسوق والحد من غياب العدالة في الاقتصاد، ابتدعت أنا مفهوم «تضخم نقص العرض».4 وقد استُخدم هذا المصطلح في أدبيات الاقتصاد لكنه لم يحظ بالشهرة الواسعة التي حظي بها مصطلح «الركود التضخمي».
أبرزت حالة تضخم نقص العرض التناقضات الجوهرية للخيارات التي وجدت الاقتصادات الاشتراكية والرأسمالية نفسها تواجهها فجأة. ففي حالة الاقتصادات الاشتراكية، كانت الإشكالية هي: هل نختار التضخم (السعري) المفتوح الذي يتسم بارتفاع الأسعار وانخفاض معدلات نقص العرض (أحد أعراض التضخم مكبوت)، أو التضخم الذي يتسم بانخفاض الأسعار وارتفاع معدلات نقص العرض. من ناحية أخرى، وجد الاقتصاد الرأسمالي نفسه — بعد فترة قصيرة على الأقل — في مواجهة الخيار الذي يعبر عنه ما يطلق عليه منحنى فيليبس كما يلي: معدل تضخم مرتفع مع معدل بطالة منخفض، أو معدل تضخم منخفض مع معدل بطالة مرتفع.5 وبعد ثلاثين عامًا من تناول إدموند فيليبس6 النظري لهذه المسائل فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام ٢٠٠٦. لكن قبل أن يصبح هذا ممكنًا، كان على الفكر الاقتصادي الذي ساد في السبعينيات والثمانينيات أن يحقق هيمنة سياسية، وقد حققها فعلًا. لكن لسوء الحظ، كان التطبيق العملي لهذه النظرية الاقتصادية مشوهًا، واستُغلَّتْ بطرق لا تتفق بالضرورة مع نوايا من وضعوها. أمور كهذه تحدث، لا سيما عندما تتدخل السياسة في الاقتصاد.

شعر العمال والمستثمرون (الذين يعملون بجد) بازدياد حدة تأثيرات التضخم أكثر فأكثر. على المدى البعيد، لا أحد يحب التضخم، ولا حتى السياسيون. لقد قلل التضخم من الفعالية الاقتصادية بوجه عام من خلال تقليص الحافز للعمل، وتزييف المعلومات، التي تعبر عنها الأسعار، والتي تفيد المنتجين والمستثمرين إفادة كبرى. لقد كان التضخم قويًّا قوة لم تفلح معها الوصفات الكينزية للتلاعب بالطلب الكلي باعتباره وسيلة لتحفيز مناخ الأعمال. وعلى الرغم من أن التضخم كان في معظمه ناجمًا عن عوامل تتعلق بالعرض (زيادة تكاليف الإنتاج، لا سيما أسعار المواد الخام)، فإن التدخل المتمثل في توفير دفعة إضافية من الطلب (غالبًا تمول من العجز في الميزانية) لن يؤدي إلا إلى زيادة معدل التضخم وإذكاء تصاعد الأسعار. كان هذا محظورًا، فبدأ البحث عن طريق آخر. حينئذٍ، كان في الانتظار بالاقتراحات الاقتصادية كلٌّ من اقتصاديات جانب العرض والنظرية النقدية، اللتين أصبحتا رائجتين بنفس رواج الكينزية على مدى ثُلث سنوات القرن العشرين، بداية من وقت الكساد الكبير وحتى السبعينيات.

تعاملت المدرسة الفكرية الجديدة مع التضخم بوصفه ظاهرة نقدية خالصة. دعت إلى تطبيق سياسة نقدية تقييدية، وإلى تخفيض الطلب عن طريق خفض الإنفاق العام؛ فجذبت الأتباع والأنصار، وسرعان ما حظيت برعاية سياسية. ففي بريطانيا، تولى المحافظون السلطة بقيادة مارجريت ثاتشر عام ١٩٧٩. ثم فاز الجمهوريون بقيادة رونالد ريجان بالبيت الأبيض. وعلاوة على الشعارات الجذابة، والوهمية أيضًا، كشعار ثاتشر «ليس هناك خيار آخر»، راقت الخطب والحجج لكل مَن يرغب في رؤية عودة الاستقرار والنمو الملموس على نحو معقول. ولم تكن هذه رغبة رأس المال والتمويل ومجال الأعمال فحسب، بل أيضًا رغبة العمال (على الأقل لبعض الوقت). وحالما أدرك العمال لاحقًا ما كانوا يفقدونه، كانت اتحاداتهم قد جرت تهدئتها باقتدار فصارت تفاوض من موقع ضعف، وكأنه لا يوجد خيار آخر بالفعل.

بالطبع ثمة خيار آخر دومًا. ولم يكن هذا الخيار هو الخيار الصيني، نظرًا لأن أحدًا لم يكن يتحدث بعد عن المعجزة الاقتصادية الصينية. ولم يكن أيضًا خيار الاتحاد السوفييتي والمعجزة الاقتصادية لأوروبا الشرقية، لأن الأمور كانت تتدهور هناك على نحو مضطرد. إن أيًّا من هذين الخيارين لم يكن قريبًا على الإطلاق من أن يكون بديلًا واقعيًّا عن رأسمالية السوق في الدول بالغة التقدم. وكانت الأوضاع مختلفة في دول العالم النامي، حيث كانت الاشتراكية والرأسمالية في نزاع على الهيمنة بينما كانت الحرب الباردة دائرة. لقد رفض الغرب كلا هذين الخيارين الاشتراكيين، وللأسف، لم يتسن له الالتفات إلى نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في دول أوروبا الغربية، لا سيما الدول الاسكندنافية. كما لم يحظ النموذج الياباني بأي فرصة للهيمنة، لأسباب تتعلق بثقافة اليابان وأزمتها الهيكلية الخاصة، فقد كانت «المعجزة» اليابانية تتجه نحو نهايتها ببطء. وهكذا كانت اليد العليا لليبرالية الجديدة العنيدة التي نمت من تربة الركود التضخمي والأزمة الكينزية. وتزايد تأثيرها حول العالم أكثر فأكثر، حتى في البلدان الأقل نموًّا، حيث تزايدت ضرورة تلقين الفكر الليبرالي الجديد بعد انهيار الاشتراكية الفعلية.

دعا الاتجاه الليبرالي الجديد في الاقتصاد إلى سيادة غير مشروطة للسوق الحرة والمشاريع الخاصة على الدولة، والسياسة الاجتماعية، وسرعان ما أدى ذلك إلى ظهور سياسات ليبرالية جديدة قلصت دور الدولة في العملية الاقتصادية. ودعم كلٌّ من النظرية والتطبيق الآخر، خصوصًا في البلدان التي تتحدث الإنجليزية؛ أولًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، ثم بعد ذلك في نيوزيلندا وأستراليا، وفي أوقات أخرى في كندا وأيرلندا. وحققت سياسات رونالد ريجان ومارجريت ثاتشر نجاحات باهرة. فقد نجحا في تحويل مسار الليبرالية الجديدة، التي كانت في السابق أحد الاتجاهات الأيديولوجية والفكرية العديدة، إلى تيار سياسي سائد. ويعقب ديفيد هارفي باقتدار على ذلك قائلًا: «إن تحالف القوى الذي وطدوا أواصره، والأغلبية التي قادوها باتا إرثًا راسخًا، حتى إن أجيالًا لاحقة من القادة السياسيين وجدت مشقة في الإفلات من هذا الاتجاه. ربما يكمن أوضح دليل على نجاحهم في أن كلينتون وبلير كانا في موقف لم يجدا فيه مساحة للمناورة، بحيث لم يسعهما إلا القبول — شاءا أم أبيا — باستمرار عملية استعادة سلطة النخبة الثرية، ضد غريزتيهما اللتين كانتا أفضل من ذلك.»7

بدأت الليبرالية الجديدة بمواجهة تحد، ثم تلقت هدية. كان التحدي هو وقوع الأزمة الكبيرة في اقتصاد أمريكا اللاتينية، وكانت الهدية هي انهيار النظام الاشتراكي.

كانت بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى في خضم دوامة الانحدار الناجم عن التضخم والعجز، والركود والتراجع، وتنامي الدين العام، لا سيما الدين الخارجي، وما يصاحب كل هذا من ألم اجتماعي واضطراب سياسي. ولم يكن هذا الألم الاجتماعي هو السبب في أرق قلة من أبناء الدول الغنية، بل كان السبب في ذلك إمكانية المخاطرة السياسية، لا سيما عدم تمكنها من تحصيل ديونها. ولم تكن المخاطرة السياسية تتمثل في إمكانية اختيار بلدان أمريكا اللاتينية للاشتراكية — فهو خيار تراجعت جاذبيته كثيرًا، إلى أن انهار بسقوط الاتحاد السوفييتي — بل في إمكانية تولي الأنظمة غير الديمقراطية زمام السلطة؛ إذ ربما ترفض هذه الأنظمة سداد الديون، بدعوى أن بلدانها عانت كثيرًا على أيدي البنوك والدول الغنية في السابق. وكانت تجربة حكومة سلفادور الليندي الاشتراكية في تشيلي محبطة ومقلقة بما فيه الكفاية. كانت هذه الحكومة قد انتخبت على نحو ديمقراطي في عام ١٩٧٠، وبعد ثلاث سنوات أطاح المجلس العسكري بقيادة بينوشيه — المدعوم من قبل المخابرات الأمريكية — بالليندي على نحو وحشي. ولم تكن الحكومات لتشرع بالضرورة في خصخصة شاملة وسريعة، فقد كان بإمكانها أيضًا أن تختار بدء التأميم. وكان هذا تحد لا يمكن إغفال مواجهته، فلا أحد يمكن أن يستفيد من تكرار النموذج التشيلي. لكن العالم تغير، فقد وُلد «توافق واشنطن».

في الواقع، لم يكن هناك أي توافق في الآراء بالمعنى الحقيقي للكلمة، حتى في واشنطن خلال السنوات الأخيرة من رئاسة ريجان والسنوات الأولى من ولاية جورج بوش الأب، التي بدأت في عام ١٩٨٩. ويشير مصطلح «استراتيجيات ريجان الاقتصادية — ريجانوميكس» إلى السياسات الاقتصادية التي بدأت في عام ١٩٨١، ونالت شعبية كبيرة في العديد من الدوائر داخل المؤسسة الرئاسية وخارجها، لكن الخلافات والمجادلات ظلت مستمرة. مع ذلك، حدث توافق واسع النطاق إلى حد ما بين ذوي النفوذ من رجال الاقتصاد والسياسة بشأن العلاجات التي ينبغي تطبيقها للتأكد من أن اقتصادات أمريكا اللاتينية أنتجت فائضًا يكفي لسداد ديونها. صحيح أنه ظهرت حاجة إلى النمو الاقتصادي، لكن كان ينبغي أيضًا مراعاة تقسيم الغنائم الناجمة عن هذا النمو على نحو ملائم. إذ ينبغي أن تحظى شركات الدول الدائنة ورءوس أموالها بالوصول الحر إلى أسواق البلدان المدينة. وكانت الدول المدينة تشكل عالة من الناحية الاقتصادية؛ وكانت بحاجة لأن «تنشأ» أولًا، بحيث يمكن اختراق أسواقها على نحو أفضل. وشكل هذا أساسًا لظهور مصطلح آخر حظي باستخدام واسع النطاق على مدى العقدين الأخيرين هو مصطلح «الأسواق الناشئة».

توجد وفرة من المؤلفات التي تتحدث عما يطلق عليه توافق واشنطن، الذي كان عدد ناقديه مساويًا لمؤيديه،8 على الرغم من أن المؤيدين تراجعوا في الآونة الأخيرة. فخلافًا لإرادة أولئك الذين صاغوا هذا المصطلح،9 صار أحدَ الأمثلة الرئيسية على الترهات الاقتصادية في هذه الفترة، وهذا يعزى إلى مرونة تفسيره، والطريقة الخاطئة التي استخدم بها هذا المصطلح عندما مُطَّ ليستخدم في وصف حالات ليس بينها في أغلب الأحوال الكثير من الأشياء المشتركة. وتظل الحقيقة هي أنه في ظل وجود جرعة كبيرة من تأثير النظرية النقدية؛ انبثق مفهوم السياسة الاقتصادية المدعوم بقوة الذي يحظى بقبول عالمي كبير من نظرية الليبرالية الجديدة الاقتصادية في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات. وأسفر عن خصخصة سريعة وشاملة، وتحرير للأسعار والتجارة وتحويلات رأس المال، وسياسة التقشف المالي التي تغطي ميزانية الحكومة والنشاط النقدي للبنك المركزي. لكن نقطة الضعف الأساسية لهذا المفهوم تكمن في عدم إيلاء الجانبين المؤسسي والاجتماعي للنمو الاقتصادي اهتمامًا كافيًا، وفي تجاهل أهمية التكيف الثقافي للتنمية.
ساد هذا المفهوم على نطاق واسع، وسرعان ما حظي بالصدارة في تحليلات الدوائر الرئيسية في الإدارة الأمريكية وبرامجها، وكذلك في المراكز التي تبحث تشكيل الرأي العام، والشركات الاستشارية، ووسائل الإعلام في واشنطن والمؤسسات المالية الدولية الموجودة هناك، مثل: بنك التنمية الأمريكي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، الذي يخضع في واقع الأمر للسيطرة الأمريكية. ونتيجة لذلك وضعت معايير وانتُهجت سياسات خاصة كانت الحكومة الأمريكية أو أي منظمة دولية تقترحها، أو حتى تفرضها، على الدول التي تعتمد في اقتصادها عليها، أو تلك التي تتقدم بطلب المساعدة. وفي حالات محدودة، ترددت همسات بأن البلدان الغنية، لا سيما الولايات المتحدة، تعمدت توريط الدول الفقيرة في الديون، لتبقيها تحت السيطرة وتستغل اقتصاداتها بما يخدم المصالح الأمريكية.10 ولا ينبغي أن نرفض هذه المزاعم كليًّا بدعوى أنها ليست سوى هراء، طالما أنه يوجد بعض الحجج المقنعة التي تدعمها. صحيح أنه لا يمكن إثباتها في الوقت الحاضر، لكن قد يكون للتاريخ رأي آخر.

كان وقوع أزمة ديون أمريكا اللاتينية هو المعضلة التي لم تتمكن المنطقة من حلها بمساعدة مدرسة الليبرالية الجديدة الفكرية الناشئة التي تمخض عنها توافق واشنطن. وبوصفي خبيرًا زائرًا لدى صندوق النقد الدولي، حظيت بفرصة في أوائل التسعينيات لأن أرى عن كثب كيف ساد هذا الاتجاه الفكري، وكيف تأتى له أن يؤثر على جزء آخر مختلف تمامًا من العالم. كان هذا حين تلقت واشنطن هدية هيمنة الليبرالية الجديدة؛ فقد انهار النظام الاشتراكي وسقط الاتحاد السوفييتي، وثبت فشل أفكار التخطيط الاقتصادي المركزي وممارساته وهيمنة الدولة في كل دول العالم، ربما باستثناء كوبا وكوريا الشمالية. لكن ما فاجأ الجميع هو ظهور ذلك العدد الكبير من المتقدمين للحصول على المشورة والمال، باستثناء الصين، التي لم تسقط. وهذا أمر له عواقب طويلة الأجل على الاقتصاد العالمي بأسره.

ثم ظهرت بلدان ما بعد الاشتراكية. في البداية كانت بضع بلدان، ثم صارت دستة، حتى تجاوز عددها الثلاثين بلدًا في الآونة الأخيرة. ولم يكن لدى الغرب شيء جاهز لهذه البلدان، سوى تجربته الخاصة في مجال اقتصاد السوق بالغ التطور، الذي لا يلائم هذه المناسبة تمامًا، وتوافق واشنطن، الذي كان قد وُضع لظروف مختلفة تمامًا. وكانت الحاجة إلى فعل شيء ما بمنزلة فرصة العمر لليبراليين الجدد. وأنى لهم أن يفوتوا فرصة كهذه؟ لقد استطاعت الليبرالية الجديدة الآن، بما فيها توافق واشنطن، أن تسيطر على جانب كبير من العالم. لم تذهب الفرصة سدى؛ وشهدت التسعينيات أوج ازدهار الليبرالية الجديدة.

صادفت تعاليم الليبرالية الجديدة في بلدان ما بعد الاشتراكية في وسط أوروبا الشرقية أرضًا بالغة الخصوبة، تفوق خصوبتها حتى بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأواصر القوية مع الولايات المتحدة. ولبعض الوقت، سادت تعاليم الليبرالية الجديدة حتى في بعض البلدان الآسيوية المتحولة. قبل سقوط الاشتراكية، كانت هذه البلدان تشكل معاقل للفكر الاشتراكي التقليدي الصريح، ولم ينشأ فيها تقريبًا أي نوع من الميول الإصلاحية التي كانت مألوفة في أماكن أخرى من العالم. هكذا كانت الحال في لاوس ومنغوليا. وقد أوكلت واشنطن مهمة السيطرة على اقتصاد هذين البلدين إلى أستراليا ونيوزيلندا على التوالي. لكن المعركة الحقيقية لم تدر رحاها في وادي نهر ميكونج في لاوس أو في السهول المنغولية؛ بل دارت المعركة النهائية التي حسمت الحرب الباردة في بولندا.

وكان في انتظار الغرب مفاجأة إضافية، تمثلت في ظهور فرصة كبيرة للربح من الأسواق التي كانت تبدو في السابق بعيدة المنال كالسهول الروسية، أو محجوبة خلف الستار الحديدي. كان وصول تلك الأسواق إلى سلع البلدان الغنية ورءوس أموالها — سواء في شكل استثمارات مباشرة أو استثمارات قصيرة الأجل في محفظة المضاربة — يعتمد على درجة سرعة انفتاحها أمام اختراق الغرب لها ومدى اتساع هذا الاختراق. وكانت الليبرالية الجديدة — بما لديها من أيديولوجية وخطابة ودوافع — مستعدة بجدارة لهذه المهمة.

لعبت الولايات المتحدة وبريطانيا دورًا نشطًا، ومرة أخرى، حدثت أمور كثيرة في نفس الوقت. فقد كان لدى هذين البلدين كميات كبرى من رأس المال الحر، وكانا يبحثان عن فرص مواتية للاستثمار في الخارج. كانت اليابان قد بدأت أزمة تراجعها، وكانت الصين لا تزال أكثر انغلاقًا أمام العالم، ولم تكن أفريقيا جذابة بالمرة، وكانت أمريكا اللاتينية قد أفلست. هنا فقط (في بلدان ما بعد الاشتراكية) كان ثمة إقليم جديد بحاجة إلى المساعدة لكي «ينشأ» وينفتح. ولم تكن المسألة بسهولة فتح مغارة علي بابا بعبارة بسيطة مثل «افتح يا سمسم»، لكنها كانت على مرمى حجر.

من الناحية السياسية، لا يخفى على أحد أن إضعاف الاتحاد السوفييتي قرب الولايات المتحدة من تحقيق مصالح استراتيجية، وطموحات بالهيمنة العالمية، وكانت بريطانيا حليفًا مخلصًا وليس زاهدًا في المكاسب. في ذلك الوقت، لم تكن الفرصة سانحة فقط لتقويض دعائم ما أطلق عليه ريجان «إمبراطورية الشر»، قاصدًا بذلك الشيوعية، بل لإسقاط السوفييت والتعجيل بنهايتهم.

ومن الجدير بالذكر أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية كان سيستمر وقتًا أطول لو توافرت له الظروف الملائمة، وكان انهياره بمنزلة مفاجأة تامة. وهناك سيناريوهات عدة حول هذا الأمر يمكن تصورها. فحين سألت فرانسيس فوكوياما هل كان من الممكن أن تختلف الأحداث عما آلت إليه، أجاب مؤكدًا أن ذلك كان ممكنًا، وتكهن بأن الأمور كانت ستختلف لو قدر لأحد الزعماء المحافظين مثل يوري أندروبوف (الذي توفي عام ١٩٨٤) أو قسطنطين تشيرنينكو (١٩٨٥) أن يعمر فترة أطول. واعتقدت أن هذا مثير للاهتمام، فقد كانت تكهناتي عكس ذلك، إذ كنت أرى أن الاتحاد السوفييتي كان سينجو مما حدث لو كان ميخائيل جورباتشوف تولى السلطة في وقت مبكر عن الوقت الذي تولاها فيه، ربما بعقد من الزمن. وفي أواخر التسعينيات، سألت جورباتشوف نفسه — وهو رجل دولة مرموق يدين له العالم بالكثير — هل يعتقد أن الاتحاد السوفييتي كان سيستمر فترة أطول لو كان بوريس يلتسين تولى قيادة الحزب والبلاد من جورباتشوف في مطلع التسعينيات، فرد بالإيجاب دون أن يتردد للحظة واحدة. ربما كان من الممكن أن تجري الأمور على هذا النحو. لكن في النهاية، كان أحد الأسباب التي أدت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي هو أن السبيل الوحيد للاستيلاء على السلطة في روسيا كان تفكيك الاتحاد. كان يلتسين عازمًا منذ البداية على الحكم؛ لكنه لم يبدأ في التساؤل عن كيفية الحكم إلا لاحقًا.

ولأسباب عديدة، لم تدخل بلدان أخرى هامة اللعبة، أو ربما دخلت بعضها لكن بفتور. فقد كانت اليابان البعيدة واقعة في براثن أزمتها الخاصة، وكانت على أي حال تعتبر منطقة جنوب شرق آسيا — لا منطقة وسط أوروبا الشرقية — هي هدفها الرئيسي للاختراق الاقتصادي. وألمانيا القريبة جدًّا كانت مشغولة بتنفيذ عملية إعادة التوحيد التي كانت مكلفة على نحو لا يصدق، وكانت ألمانيا ترغب في الانتهاء منها بأسرع وقت ممكن. والأنظمة الديمقراطية الاجتماعية الاسكندنافية كان مجموع سكانها كلها يقل عن عدد السكان في بولندا، فما الذي يمكنها أن تشكله من الناحية الاقتصادية؟ وعلاوة على ذلك، كان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يقعان في واشنطن، وكانت وول ستريت تقع في نيويورك، لا في كوبنهاجن أو ستوكهولم. وكانت فنلندا نفسها تعاني من سقوط الاتحاد السوفييتي، لأنها كانت قد أقامت مع الاتحاد السوفييتي مجموعة من الترتيبات التجارية المدعومة المربحة. وكانت لدى كلٍّ من فرنسا وإيطاليا مشاكلها الخاصة، التي كانت مشاكل داخلية في الأغلب فيما يخص إيطاليا، بينما كانت مشاكل فرنسا أكثر إلحاحًا وأهمية، وتتعلق بتسوية أوضاعها في مستعمراتها الأفريقية السابقة؛ لذا تشاركت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بطولة المشهد، لا سيما وقد تجلى مجد الليبرالية الجديدة في هذين البلدين. وكان من الطبيعي تمامًا أن تُقدَّم الليبرالية الجديدة باعتبارها حلًّا للمشاكل المتلاحقة في أوروبا الشرقية. وكان العرض متاحًا. فتقديم المشورة أسهل من تقديم النقود.

وكان يوجد طلب أيضًا. في بادئ الأمر جاء الطلب من بولندا، حيث كانت أشياء كثيرة تحدث في نفس الوقت. وكانت بولندا، إضافة إلى المجر، ممهدة تمهيدًا جيدًا لتطبيق نظام اقتصاد سوق خالص، وهذا نجم في المقام الأول عن الإصلاحات الشاملة التي طُبقت في وقت سابق تحت مظلة الأحكام العرفية في أوائل الثمانينيات، ثم تطبيق إصلاحات أشمل أثناء المرحلة الثانية من الإصلاح الاقتصادي في نهاية الثمانينيات. وبما أن الاشتراكية سقطت، فقد كانت هناك حاجة ملحة إلى ما يحل محلها. وكان من الواضح وقتئذ أن الاتحاد السوفييتي — الذي كان مستغرقًا في معاناته وغارقًا في مشاكله الخاصة — لن يتدخل. والألمان أيضًا كان لديهم قدر هائل من المشاكل يجعلهم متخوفين من تقديم نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي وطريقة تطبيقه إلى جيرانهم الشرقيين. وفي بولندا، أثار حلم المدينة الفاضلة الذي وعد به اتحاد العمال مشاعر قوية معادية لسيطرة الدولة. وكان يوجد كثير من السياسيين الحريصين على الالتفاف حول نموذج الليبرالية الجديدة الأجنبي والادعاء أنه نتاجهم الفكري؛ حتى إنهم زودوه بشعار شعبي ساذج هو: «العلاج بالصدمة». فقد كان المختبر جاهزًا لتقبل شعارات كهذه.

هذا الطلب الشعبي على تطبيق سياسة الليبرالية الجديدة، التي قلصت دور الدولة ورفعت قدر فئة ضيقة من أصحاب المصالح على حساب الشعب بأسره — تحدى كل عقلانية الاقتصاد الكلي. كما أنه ضرب بعرض الحائط كل ما اتُفق عليه في عام ١٩٨٩ في محادثات المائدة المستديرة، والأهم من ذلك أنه أطاح بكل آمال أغلبية الشعب الصامدة. تلك الآمال التي تجلت أكثر بعد التاسع من نوفمبر عام ١٩٨٩، اليوم الذي سقط فيه حائط برلين أخيرًا بإرادة الجماهير.

على الفور تعرض البرنامج الاقتصادي الأصلي لتحول راديكالي متطرف، وانتشرت شعارات: «الآن، وإلا فلا!» و«كل شيء ممكن!» و«ليس هناك خيار آخر!» وشهد ذلك الخريف منعطفًا حادًّا؛ إذ كان رئيس الوزراء في خطابه الافتتاحي في سبتمبر قد رسم برنامجًا ديمقراطيًّا اجتماعيًّا لبناء اقتصاد سوق اجتماعي (كما انعكس في وقت لاحق في الدستور، بطريقة شكلية بحتة). وفجأة، تحولت الأمور نحو ليبرالية جديدة ذات طابع متطرف للغاية. حدث هذا تحت تأثير ضغط المستشارين الأجانب، الذين استُقدم معظمهم من الولايات المتحدة وبريطانيا. ولم يكن هؤلاء ممن يتمتعون بأي مميزات فكرية عظيمة، لكنهم ببساطة لعبوا دورًا أساسيًّا في دعم مصالح الجماعات التي كانوا يخدمونها، سواء أكانوا على وعي بذلك أم لا. ومن نافلة القول أنهم كانوا يُموَّلون بطرق متعددة من قبل مجموعة كبيرة من المصادر في بلدانهم.

ومن المحير أن أول رئيس وزراء في مرحلة ما بعد الاشتراكية تاديوش مازوفيتسكي، غير قادر حتى الآن، وبعد مرور كل هذه السنوات، على إدراك أن ما حدث في ذلك الخريف كان تحولًا جذريًّا في السياسة. فعندما سألته عن ذلك في صيف عام ٢٠٠٧، قال إنه لا يعتقد أنه كانت هناك أي نقطة تحول؛ لكنه يعتقد أن المسألة ببساطة كانت تتعلق بإعداد رزمة تشريعات تجسد الإصلاحات البنيوية اللازمة. ويرى أن الشيء الوحيد الذي حدث هو الإسراع في التخلص من تسوية المائدة المستديرة، وزعم أنه كان قد أعلن عزمه على تنفيذ ذلك عندما رُشح في أغسطس لتولي مهمة تشكيل الحكومة. ووفقًا لما قاله، كانت هذه اللحظة هي نقطة التحول، والانتقال من اتفاق على تقاسم السلطة، إلى تول كامل للسلطة. وقال إن الأولويات السياسية استلزمت إعادة تقييم الأوضاع. وهكذا حل الاقتصاد الرأسمالي محل الاقتصاد الذي يخضع لمزيج من سلطتي الدولة والقطاع الخاص، الذي أوجدته اتفاقيات المائدة المستديرة، على الرغم من أنه كان من المفترض أن يحل اقتصاد السوق الاجتماعي محل هذا الاقتصاد المختلط. أعتقد أن ذلك بالضبط ما كان يرغب فيه رئيس الوزراء مازوفيتسكي، لكن من الواضح أن هذه لم تكن رغبة آخرين.

كنت عضوًا في هيئة استشارية أُطلق عليها «المجلس الاستشاري الاقتصادي لمجلس الوزراء»، وترأسها البروفيسور فيتولد ترزيكياجوسكي من عام ١٩٨٩ إلى عام ١٩٩١. وشاركت في العديد من المناقشات المهنية هناك، مع أن أعضاء الحكومة أبدوا اهتمامًا كبيرًا بما نقول. وكنت أيضًا مديرًا لمعهد البحوث المالية، الذي أصدر توصيات ومقترحات سياسات بديلة قوبلت بالتجاهل في معظم الأحيان، وقدم آخرون المقترحات التي حازت القبول. والأمر المثير أنه حتى خبراء صندوق النقد الدولي الذين كانوا يعملون بمنتهى الهمة ويتمتعون بدعم الولايات المتحدة ومجموعة السبع فشلوا في تخفيف حدة ما اعتبروه برنامج تحرير اقتصادي واستقرار جذري مبالغ فيه.

تصدرت المواقف المتشددة المشهد. فبعض المستشارين — فيما يبدو — كانوا حريصين على التجريب في نظام اقتصاد حي. وكانت هذه فرصة فريدة من نوعها، وفي هذا الصدد بالذات، كانت المسألة فعليًّا مسألة «الآن، وإلا فلا!» جُربت كل أساليب الخصخصة المعروفة، إضافة إلى عدة أنواع جديدة منها؛ وأخضعت كل آليات سعر الصرف المتاحة للاختبار؛ وقُيِّمت أنماط تحرير التجارة المختلفة، وطُوِّعت بحيث تصبح أكثر تطرفًا، أو أكثر اعتدالًا. وكانت السياسة القائمة على صياغة وارسو لتوافق واشنطن تجربةً مهمة في حد ذاتها، وأسفرت عن قدر كبير من المواد الاقتصادية تفتح المجال أمام بحث أكثر في الفكر الاقتصادي الليبرالي الجديد، وأمام معاناة أكبر للمجتمع البولندي.

وبقدر ما كانت الليبرالية الجديدة القاصرة والساذجة غير ملائمة لبلدان ما بعد الاشتراكية، حازت الفكرة المستوردة المعروفة بالعلاج بالصدمة على القبول. حتى ليزيك بالسيروفيتش، نائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت، الذي كان أيضًا وزيرًا للمالية، والذي قام بتنسيق سياسة الحكومة الاقتصادية، منحها الموافقة على الرغم من أنه سبق وأن نفى ولاءه لأي خيارات من هذا النوع. ولم تكن الحكومة على علم تام بالعواقب التي يمكن أن تترتب على هذه السياسة، فقبلتها تحت ضغط الوقت، وانخدعت بحجج زائفة. وعلى أرض الواقع، تلخصت الفكرة في عدد وافر من الصدمات التي لم يكن لها أي ضرورة (مثل تخفيض قيمة الزووتي على نحو مفرط، أو فرض أسعار فائدة جديدة تقصم الظهر على الأرصدة التجارية التي كانت موجودة قبل فرض هذه الأسعار)، بالإضافة إلى جرعة عديمة الجدوى من العلاج. فمن ناحية، نُفذت خطوات التحرير الاقتصادي تنفيذًا غير صحيح، نتيجة لاعتبار التحرر الاقتصادي والتحول إلى اقتصاد السوق أمرين متطابقين. ومن ناحية أخرى، لم يكن العديد من المعايير المالية والنقدية لسياسة الاستقرار موضوعًا على نحو صحيح، وهذا أدى إلى عدم تحقيق الأهداف، أو تجاوزها على نحو سيئ. ولم يلق البعد المؤسسي لبناء اقتصاد السوق الاهتمام اللازم؛ واستُبعدت الجوانب الاجتماعية على اعتبار أنها ليست مهمة.

صحيح أن بعض التدابير كان صحيحًا، مثل التحرير التام للأسعار، أو إتاحة قابلية تحويل العملة المحلية، لكن هذا لا يغير حقيقة أننا كنا أمام خطأ مركب: فقد أسيء فهم البرنامج، ونُفذ على نحو سيئ.11 وتشير كل الدلائل إلى أن الحكومة — بالرغم من التحذيرات — لم تكن على علم تام بما كانت بصدد توريط نفسها فيه، ووثقت ثقة مفرطة في مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين أعدوا حزمة من التغييرات الهامة، ونتيجة لذلك، وقعت تحت تأثير التوقعات المتفائلة غير العقلانية. وصار من السهل على القادة، واقتصاديي الحكومة ومستشاريهم، والجزء الطيع من وسائل الإعلام أن يقنعوا الناس بأنه ما من خيار آخر، وأن يضللوهم بالنتائج الواعدة، التي سرعان ما شكك خبراء الاقتصاد المستنيرون في صحتها بوصفها ليست واقعية.12 لقد امتزجت ظروف المناخ السياسي المحلي، والضغوط الخارجية بحيث بدا الهراء الاقتصادي — من وجهة نظر مصالح الاقتصاد الوطني والجمهور — وكأنه برنامج سياسة اقتصادية يُنفذ بالفعل.

إن العلاج بالصدمة نوع من الترهات الشائعة. ويوحي تقارب الكلمتين: صدمة، وعلاج، بأن الأولى يجب أن تؤدي حتمًا إلى الثانية. وربما كان الحديث عن «فشل الصدمة» و«العلاج التدريجي» سيبدو منطقيًّا أيضًا بالقدر نفسه. لكن مجموعة من الظروف تضافرت وجعلت بولندا تحديدًا تتقبل هذه الترهات، بالرغم من كل عواقبها السلبية التي لا يزال يشعر بها الكثير من الفئات المهنية الاجتماعية، والكثير من مناطق البلاد حتى الوقت الراهن، بعد مرور ٢٠ عامًا على فشل ذلك المشروع.

•••

هكذا أمكن تطبيق تجربة الليبرالية الجديدة للمرة الأولى في اقتصاد دولة من دول ما بعد الاشتراكية، وكان أكبرَ اقتصاد في هذه المنطقة، مما مهد الطريق للتحول في دول أخرى. وبعد عدة سنوات دخل الاقتصاد بالفعل مرحلة تتسم بالنمو السريع نتيجة لتغييرات مهمة في سياسة التنمية، وإجراء تغييرات منهجية. عندئذ كانت توجد محاولة — نابعة من دوافع نفسية وسياسية مفهومة — للزعم أن هذا النجاح هو نتيجة إيجابية لتجربة الليبرالية الجديدة، وأن كل ما في الأمر هو أن الليبرالية الجديدة بدأت تؤتي ثمارها في وقت متأخر إلى حد ما عن الوقت الذي كان متوقعًا لحدوث ذلك. والواقع أن ذلك النجاح الاقتصادي النسبي — الذي ظهر بوضوح في السنوات من ١٩٩٤ إلى ١٩٩٧، عندما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٢٨٪، وأصبحت بولندا عضوًا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية — تحقق على الرغم من تطبيق نظرية العلاج بالصدمة، لا بسبب تطبيقها. وكل مَن يدعي خلاف ذلك، ويعزو سبب هذا النجاح إلى إجراءات العلاج بالصدمة — لا سيما تلك التي طبقت خلال الفترة من أواخر عام ١٩٨٩ حتى عام ١٩٩١ — متهم بأنه يروج للمغالطة المنطقية التي تذهب إلى أنه: «بما أن هذا الحدث أعقب ذاك، فهو لذا ناتج عنه.» لقد انتهت السياسة المعروفة بالعلاج بالصدمة إلى الفشل. صحيح أن تطبيقها حل بعض المشكلات، لكنه تسبب في مشكلات أخرى بلا داع. وباختصار، لم تكن تكاليف هذه التجربة أعلى بكثير مما كان متوقعًا فحسب، ولم تكن نتائجها أيضًا أقل جدوى بكثير مما كان متوقعًا فحسب، بل أيضًا كانت التكاليف أكبر بكثير مما كان ينبغي، وكانت الفوائد أقل بكثير من التي كان من الممكن تحقيقها. هل هناك أي دليل أفضل من ذلك على انعدام جدوى هذا المشروع وعقلانيته برمته؟

منذ منتصف عام ١٩٨٩ حتى منتصف عام ١٩٩٢، شهدنا الفشل الذي سببته إجراءات الصدمة، مما أسفر عن تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٢٠٪. ثم جاءت مرحلة العلاج التدريجي. وفي وقت لاحق، خلال الفترة من ١٩٩٨ حتى ٢٠٠١ شهدنا السياسات الخاطئة التي هبطت بمعدل النمو إلى صفر٪ بعد أن كان ٧٪. ولولا تجاوزات الليبرالية الجديدة — التي تفاقمت أثناء المرحلة الثانية من خلال تعارضها التام مع شعوبية الجناح اليميني — لأصبح نصيب الفرد البولندي من الناتج المحلي الإجمالي اليوم لا يفوق القدر الذي كان عليه في عام ١٩٨٩ بنحو ٧٠٪ فحسب، بل بنحو ١٧٠٪. وكان كل ما يتطلبه ذلك هو إجراء تغييرات تدريجية أكثر شمولًا وأقل تطرفًا، ورفض المبالغة في تطبيق سياسة الاستقرار في مطلع التسعينيات، وبدلًا من إبطاء الاقتصاد في نهاية التسعينيات، كان ينبغي مواصلة تطبيق السياسة الفعالة التي مزجت بين الإصلاحات الهيكلية والتنمية الاقتصادية الاجتماعية في منتصف التسعينيات.

في الأيام التي سبقت الانتخابات البرلمانية في سبتمبر من عام ١٩٩٧، صرح زعيم الحزب الليبرالي الجديد — الذي حمل اسمًا محببًا هو «اتحاد الحرية» — ببيان رسمي مختصر، دعا فيه إلى مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي في غضون عشر سنوات. فاز في هذه الانتخابات اتحاد الحرية، مع شريكهم في الائتلاف الشعوبي اليميني «حزب التضامن». وربما كان أعضاء حزب اتحاد الحرية وزعماؤه مقتنعين شخصيًّا بأن ما كانوا يدعون إليه ممكنًا. ربما كان ذلك ممكن لو تهيأت ظروف معينة. أو ربما اعتقدوا أن معرفتهم الاقتصادية وحنكتهم السياسية يمكن أن تساعدا على تحقيق ما يقولون. وللأسف، كانوا على خطأ. إن ما كان يهمُّهم حقًّا على أي حال هو تأثير الدعاية قصير الأمد على الناخبين. وهذا يتركنا أمام بديل قاس: إما أنهم كانوا على خطأ، أو أنهم كانوا يتعمدون تضليل الناس. صار هذا جليًّا أكثر من ذي قبل لأن البيان الذي أشرنا إليه كان مسبوقًا بفترة ارتفع خلالها الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة أسرع من أي وقت مضى خلال الخمس والعشرين سنة السابقة. ففي الفترة الواقعة بين عامي ١٩٩٤ إلى ١٩٩٧ تزايد النمو بمعدل سنوي بلغ ٦٫٤٪، وتجلت الزيادة في شكل زيادة في نصيب الفرد. وقتئذ، انتقد اقتصاديو الليبرالية الجديدة هذا المعدل بوصفه معدل نمو بطيء للغاية. وفي عام ١٩٩٧ بلغ معدل النمو ٦٫٨٪، ثم وصل إلى ٧٫٥٪ في ربع السنة الأخير الذي سبق الانتخابات.13

تتطلب مضاعفة الدخل في غضون عشر سنوات معدل نمو سنوي قدره ٧٫٢٪. ومن ثم، تتكفل العمليات الحسابية بالباقي من خلال سحر الفائدة المركبة. وكان الحفاظ على معدل النمو الذي تحقق نتيجة للسياسة الفاعلة التي طُبقت خلال السنوات القليلة السابقة كفيلًا بذلك. لقد كان ذلك ممكنًا، ولم يكن الأمر يتطلب أكثر من اعتراف الليبراليين الجدد بصحة استراتيجية خصومهم السياسيين والأكاديميين ونظريتهم، وبضرورة الاستمرار في تطبيقهما. فالسياسة السليمة لا بد أن تستند إلى نظرية صحيحة. والأخطاء النظرية تؤدي إلى إخفاقات في المجال التطبيقي، مع أن ذلك يكون في بعض الأحيان مصدر ربح للبعض. للأسف، لم تُتخذ الإجراءات التي كان من شأنها أن تخدم المصلحة العامة لأسباب لا علاقة لها بالموضوع مثل: التفضيلات السياسية والمشاحنات الأيديولوجية. بينما كان كل ما يلزم هو أن يعترفوا بأنهم على خطأ، وأن يقروا أن الآخرين كانوا على حق. في مجال السياسة، يعتبر هذا أمرًا صعبًا للغاية، وكثيرًا ما يتكرر حدوثه.

لكن الليبراليين الجدد لم يعترفوا بالخطأ، وبدلًا من ذلك اتبعوا منطقًا سياسيًّا مدمرًا، لا يمت للحكمة الاقتصادية بأي صلة، ويذهب إلى أن الأولوية الأولى للتغيير، حتى لو كان التغيير يحيل الأمور إلى الأسوأ، وهذا ما حدث بالفعل. لقد أبطئوا وتيرة النمو الاقتصادي، وتسببوا في كل ما أسفر عنه ذلك من عواقب اقتصادية واجتماعية؛ وفرضوا قيودًا مالية مجحفة، وأهملوا السياستين الصناعية والتجارية، مما أسفر عن انخفاض معدل النمو حتى وصل إلى ٠٫٢٪ في الربع الأخير من عام ٢٠٠١. والمثير أن متوسط النمو في الفترة من ١٩٩٨ إلى ٢٠٠١ لم يكن ٧٫٢٪، كما ألمحوا من قبل، بل كان ٣٫٥٪ فقط. في الواقع، كانت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي التي كان يمكن تحقيقها ١٧٪، لكنها لم تتحقق خلال تلك الفترة، وضاعت الفرصة، وهي خسارة كبيرة جدًّا مقارنة بفترة قصيرة قوامها أربع سنوات فحسب.

كان لهذا تأثير تلقائي على حياة الناس، فقد انتشرت البطالة، على الرغم من التوقعات المتفائلة وتهليل بعض وسائل الإعلام. ولم يكن من الضروري أن تسوء الأمور إلى هذا الحد. وكان من الممكن أن يواصل معدل البطالة انخفاضه، تمامًا مثلما انخفض من قبل وتجاوز انخفاضه مليون شخص بين عامي ١٩٩٤ و١٩٩٧، لكن أجهزة دعاية الليبرالية الجديدة البولندية الساذجة ادعت قائلة: «إننا إذا لم نتمكن من توفير ثلاثة إلى أربعة ملايين فرصة عمل جديدة خلال السنوات القليلة القادمة باعتبار ذلك وسيلة «لاستغلال» الزيادة السكانية والقضاء على البطالة الخفية في الريف البولندي، فسوف تنفجر هذه القنبلة الموقوتة، وهذا يمكن أن يدمر ما أنجزناه حتى الآن في عملية التحول الاقتصادي لبولندا.» في الواقع، لقد أدت حالة الاستهتار الاقتصادي إلى ارتفاع معدل البطالة من ١٫٨ مليون، في ظل سياسة أخرى غير الليبرالية الجديدة، إلى مستوى محزن وصل إلى ٣٫٢ مليون بحلول نهاية عام ٢٠٠١، نتيجة لتلك الشطحة لليبرالية الجديدة.

كانت هناك الكثير من العناصر الإيجابية في هذه الفترة؛ إذ طُبقت تغييرات تتوافق مع السوق، وواصلت المشاريع الخاصة ازدهارها، ولم تكن الظروف الخارجية أسوأ بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة. ومع ذلك تبين أن قدرًا كبيرًا مما كان ساسة الليبرالية الجديدة يعدون الناس به غير صحيح، الأمر الذي أدى إلى عودة الإشكالية الملحة: هل كانت تصريحاتهم خاطئة، أم إنهم كانوا يكذبون بهدف تضليل الجمهور؟ هذه المعضلة ليست فكرية فحسب، بل أخلاقية أيضًا، لا سيما عندما تسفر عن عواقب اقتصادية سلبية تؤثر على البلاد كلها تقريبًا. أقول تقريبًا؛ لأن قلة قليلة من الأشخاص استفادوا من هذا الوضع، والبعض جرت أحوالهم على خير ما يرام. وفيما يخص الباقين، ولت تلك السنوات الضائعة بلا رجعة، وفقد أشخاص كثيرون الأمل بفقدان وظائفهم.

وحتى في ظل هذه العواقب الوخيمة، لم تلق معضلة «هل كانوا على خطأ، أم يكذبون؟» الاهتمام الكافي من الجمهور أو تنتهي إلى حل. وهناك أسباب لذلك؛ فآلة الدعاية الضخمة والممولة بسخاء مهمتها الوحيدة هي أن تثبت أن الأبيض أسود، أو العكس، وهذا يتحدد حسبما يقتضي الموقف. وتتمثل مهمتها في التغطية على المسئولين عن الأخطاء أو الأكاذيب، وطمس حقيقة أن المصالح الخاصة هي الغاية الأساسية، على الرغم من أن الرغبة المعلنة هي خدمة المصلحة العامة. ومن الجدير أن نتذكر هذا دائمًا، لأنه حدث من قبل، وسوف يحدث مرة أخرى.

غالبًا تنتهي النقاشات العامة — حتى تلك التي تبدو ذات طابع أكاديمي — إلى طريق مسدود وردود غامضة. فهناك أشخاص يقولون أشياء على العكس تمامًا مما قالوه منذ وقت قريب، ويرفضون مناقشة تلك التصريحات السابقة. وما الذي يمكنهم أن يفعلوه سوى ذلك، طالما كان هدفهم الرئيسي هو تجنب الاعتراف بأنهم قد أخطئوا في أي وقت مضى؟ وإذا كانوا قد أخطئوا في الماضي، فإن آخر ما يمكن أن يرغبوا فيه هو أن يعترفوا بأنهم قد يكونون مخطئين الآن أيضًا. وهكذا، عندما يقع الضرر، يشرعون في الحديث عن أهمية العوامل الثقافية والمؤسسية في مجال التنمية، وأهمية اعتماد سياسة عامة فعالة، مع أن كل ما كانوا يرغبون في التحدث عنه — منذ وقت ليس ببعيد — هو عزمهم عدم الدخول في لعبة السياسة. إن التأكيد على أن سياسة الليبرالية الجديدة هي وسيلة فعالة لتعويض النقص في التنمية نوع من التناقض الصارخ مع حقائق كثيرة واضحة للعين المجردة، لا سيما وقد تبين بجلاء أن أحدًا لم يتمكن قط من علاج النقص في التنمية بواسطة سياسة الليبرالية الجديدة.

والأسوأ من ذلك هو تحريف الحقائق والتأكيد على أهمية آليات لم يستخدموها من قبل قط. إنهم يحاولون إقناع أنفسهم والآخرين بأن سياساتهم كانت تشمل جوانب معينة، بينما لم يطبقوا هم هذه الجوانب على الإطلاق، مثل الاستثمار في رأس المال البشري، أو تشجيع تنافسية الأعمال التجارية. ويناقضون الحجج التي استعانوا بها من قبل. ربما يكون هذا تعويض اللاوعي عن عدم قدرتهم على أن يصرحوا بأن خصومهم كانوا على حق. أو ربما تكون هذه مجرد طريقة يحاولون بها أن يخرجوا من المأزق الحرج الذي ورطوا أنفسهم فيه بمذاهبهم الخاطئة المضللة. وفي الوقت نفسه، يحاولون ربط كل تنمية إيجابية — فلا بد يوجد أمر ما إيجابي — بمسببات لم تكن بأيديهم في واقع الأمر، بل ربما كانوا يحاولون منعها.

بين عامي ١٩٨٩ و٢٠٠٨ نما الناتج المحلي الإجمالي لبولندا بمعدل سنوي بلغ ٣٪. ولو كان نما بمعدل سنوي ٥٫٥٪، لكان الناتج المحلي الإجمالي في نهاية تلك الفترة وصل إلى ٢٧٠٪ مما كان عليه في بادئ الأمر. لكن بعض البلدان التي تجيد الاستفادة من العولمة، نمت بمعدل سنوي قدره ٥٫٥٪. وأثناء سنوات تطبيق استراتيجية بولندا بين عامي ١٩٩٤ و١٩٩٧، كان معدل النمو يتجاوز المعدل المنشود (٥٫٥٪) بنحو نقطة مئوية كاملة؛ لكن بعد بدء برنامج تحسين الشئون المالية في بولندا منتصف عام ٢٠٠٢ قبيل تكامل الاتحاد الأوروبي، صار يقل عن تلك النسبة بأقل من نقطة مئوية. وهكذا، كان معدل النمو مقبولًا تمامًا أثناء ما يقرب من نصف فترة التحول، عندما لم ترضخ السياسة الاقتصادية لإملاءات الليبرالية الجديدة.

إن مقدار النمو الذي لم يتحقق — على الرغم من إمكانية تحقيقه — وكل ما ترتب على ذلك من عواقب اجتماعية، يبين لنا الثمن الذي دفعته بولندا وسكانها كلهم مقابل الامتثال لأحد التنويعات المحلية الساذجة لسياسة الليبرالية الجديدة. وقد أسفر جزء من هذه الخسارة عن مزيد من الدخل لشركائنا في الأجزاء الأخرى من الاقتصاد المعولم. فالكثير منهم استفاد من وراء هذا في إخراج الشركات البولندية المتنافسة من السوق، مما يعني هجرة العديد من فرص العمل إلى بلدان أخرى. وانعكس هذا الوضع في العجز التجاري الهيكلي الذي حدث، وفي تحويل الأرباح الناجمة عن التصنيع والمضاربة إلى خارج بولندا بدلًا من استثمارها داخلها. ولم نتمكن على الإطلاق من تحقيق أرباح أخرى كان من الممكن تحقيقها.

وينبغي أن أضيف أيضًا أن الليبرالية الجديدة قادت السياسة النقدية للبنك الوطني لبولندا خلال فترة التحول، حتى عندما كانت الحكومة تطبق سياسة إصلاحية وتنموية رشيدة من خلال محاولة بناء مؤسسات اقتصاد السوق مع الإبقاء على التماسك الاجتماعي، ووضعت سياسات الاقتصاد الجزئي التي شجعت روح المبادرة التجارية. لكن للأسف، لم يرغب البنك المركزي أيضًا في تأييد هذه السياسات، أو لم يستطع ذلك. فقد سمح لنفسه بأن ينساق وراء مجريات الأسواق المالية الدولية على حساب مراعاة احتياجات التنمية المحلية. إن الليبرالية الجديدة هي القانون المتعارف عليه في الأسواق المالية العالمية، طالما لا شيء أفضل منها ومن السياسات التي تنبثق منها لتحقيق مصالحها.

كانت تجربة بولندا في المزج غير المجدي بين سياستي التحول والتنمية على نحو متواتر فشلًا ذريعًا لسياسة الليبرالية الجديدة في المجالات الجديدة المفتوحة من اقتصادات مرحلة ما بعد الاشتراكية. ومن ثم، لا عجب من رفض الليبراليين الجدد مواجهة هذه الهزيمة، وسيظل هؤلاء يحملون هذا الرفض إلى قبورهم، لكن الحياة قصيرة، والإخفاقات تتراكم، والمدافعون عن الليبرالية الجديدة بات عددهم يقل شيئًا فشيئًا.

يرجع ذلك إلى أن الليبرالية الجديدة تفشل في مناطق أخرى؛ في بلدان غنية وأخرى فقيرة. فيما يخص البلدان الغنية، أفضل الأمثلة على ذلك هو مهد الليبرالية الجديدة ذاته؛ الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك ما لا يقل عن سبعة جوانب لهذه الحالة ينبغي النظر فيها:
  • (١)

    تمويل النمو الاقتصادي، وآثار ذلك على مستوى الدين العام وعلى اختلال التوازن المالي.

  • (٢)

    الاختيار بين وقت العمل ومستوى الدخل.

  • (٣)

    التفاوت المتزايد في الدخل والثروة.

  • (٤)

    سيناريوهات تنمية بديلة ناجمة عن سياسات أخرى غير الليبرالية الجديدة.

  • (٥)

    فقدان الزعامة السياسية العالمية.

  • (٦)

    تنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم.

  • (٧)

    ارتفاع مستوى الشعور بالإحباط في الولايات المتحدة.

النقطة الأولى: إن التوسع الأمريكي ناجم بدرجة كبيرة عن الوضع المميز لهذا البلد، بوصفه البلد الذي يصدر الدولار، العملة الأساسية للاحتياطي في العالم. لكن هذا الوضع يتغير ببطء، ويتغير الموقفان المالي والتجاري بسرعة، ونحو الأسوأ، إلى درجة تهدد بخطر الانهيار الكامل. فالعجز في الحساب الجاري الأمريكي يبلغ نحو ٨٠٠ مليار دولار، وهذا يساوي ضعف مجموع أرقام العجز للبلدان العشرين التالية لأمريكا في القائمة. الاتحاد الأوروبي يعيش في حدود إمكانياته على الدخل الحالي، لكن الولايات المتحدة، وما يطلق عليه عجزها المزدوج الذي يقترب من ١٠٪ سنويًّا من الناتج المحلي الإجمالي، تعيش إلى حد كبير على الاستدانة. وكما هو معروف، ميعاد تسديد الدين يأتي لا محالة. وهذا يعني ضرورة توسيع الإطار الزمني للتحليل، بحيث لا يقتصر فقط على الرجوع ثلاثين سنة إلى الماضي، عندما كان الإنتاج في أمريكا ينمو بوتيرة أسرع من نموه في أوروبا الغربية، بل يتسع إلى ثلاثين سنة نحو المستقبل، حيث يمكن أن نتوقع أن تتفوق سرعة نمو الإنتاج في أوروبا.

ثانيًا: يحب أنصار الليبرالية الجديدة أن يقارنوا بين الولايات المتحدة وبلدان أقل نموًّا إلى حد ما، منها بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، التي يقال إنها متخلفة بعشرين سنة عن أمريكا. هذا التباين يستند إلى مقارنة مباشرة لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يظهر أن المستوى في أوروبا يبلغ نحو ٣٠٠٠٠ دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية، وهذا يعادل المستوى الذي كان في أمريكا منذ عشرين عامًا. الآن ارتفع الرقم الأمريكي بنحو ٥٠٪، واقترب من ٤٥٠٠٠ دولار. هذا صحيح، لكنه لا ينطبق إلا على فئة مفردة من مستويات الدخل، وعلى المعدل الذي تتغير به هذه المستويات. ومع ذلك هناك ما هو أكثر لتكتمل الصورة، إنها الاختلافات في القيم والتفضيلات التي تُحدد على أساسها كيفية تخصيص الأرباح الناجمة عن النمو في الإنتاجية. فالأمريكيون يفضلون زيادة مستويات الدخل، بينما الأوروبيون يفضلون التمتع بقضاء المزيد من وقت الراحة.

والحقيقة أن الناتج الأمريكي نما بسرعة في السنوات الأخيرة، لكن ذلك لم يكن نتيجة لأن النظام فيها أكثر ليبرالية (مما يجعله أكثر فعالية، كما يدعي الليبراليون الجدد). فقد نمت الفعالية الاقتصادية وزادت الإنتاجية بمعدل مماثل على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي (في أوروبا).14 وفي الواقع كان السبب في تفوق سرعة نمو الإنتاج في أمريكا، هو أنه لم يحدث تقريبًا أي تقليل لساعات العمل هناك. أما في البلدان الأوروبية — ومنها تلك التي لا تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي — تقل الزيادة في الإنتاجية نتيجة لتقليل ساعات العمل، لأن هذه هي رغبة الناس. إن الليبرالية الحقيقية تقوم على السماح بحرية الاختيار بحق، التي لا تتحقق بإتاحة حرية الاختيار لرأس المال، بل للناس أيضًا، وللفقراء منهم في المقام الأول. وهكذا، إذا فضل المجتمع أن تقل الزيادة في دخله بمقدار زهيد بينما يقل الوقت اللازم لاكتساب هذا الدخل — مما يعني إتاحة مزيد من الوقت للاستهلاك وإنفاق هذا الدخل — فهو حر في ذلك.

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المتوسط السنوي لعدد ساعات العمل لكل موظف أمريكي قد انخفضت بنسبة ٥٫٣٪ (من ١٩٠٠ إلى ١٨٠٠ ساعة) منذ عام ١٩٧٠. وفي ألمانيا، التي تفضل اقتصاد السوق الاجتماعي، انخفضت ساعات العمل بنسبة ٢٦٫٥٪ خلال نفس الفترة (من ١٩٦٠ إلى ١٤٤٠ ساعة). والأرقام الواردة في حالة فرنسا مشابهة. وبالنسبة للعمال البريطانيين، بلغت نسبة الانخفاض ١٣٫٤٪ (من ١٩٤٠ إلى ١٦٨٠ ساعة)، وبلغت نسبة الانخفاض في إيطاليا ١٥٪ (من ١٨٧٠ إلى ١٥٩٠ ساعة). بعبارة أخرى، لو كان العمال الألمان أو الفرنسيون اتبعوا النموذج الأمريكي وركزوا كل جهودهم على ترجمة الزيادات في إنتاجيتهم إلى زيادة في دخولهم، ومن ثم في رقم نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، لكانت دخولهم الآن تساوي دخول الأمريكيين. لكنهم فضلوا اختيار مزيد من وقت الفراغ. بحيث يعملون ساعات أقل في عدد أيام أقل من الأسبوع، وأن يستمتعوا بوقت أطول من الإجازات، ويتقاعدوا في سن أصغر. وهم يقضون أوقات فراغهم على نحو جيد، ويستمتعون بالحياة خارج نطاق العمل، لكن هذا ليس مثل نوع آخر سيئ من وقت الفراغ، ذلك الذي تقضيه عندما تكون عاطلًا.

ثالثًا: من الواضح بجلاء أن الذين يستفيدون من وراء نمو الاقتصاد في أمريكا مجموعة صغيرة نسبيًّا. هذا لأن السياسات الاقتصادية عُدلت لتواكب الخطوط العريضة لمدرسة الليبرالية الجديدة التي تحد دور الدولة في عمليتي توزيع الدخل والتدخل الاجتماعي، مما يسهل حصول مجموعة محدودة مميزة على نصيب الأسد من فوائد زيادة الإنتاج. وتشمل هذه المجموعة الطبقتين العليا والمتوسطة العليا. أما بالنسبة لقطاع عريض من السكان، فلم يرتفع الدخل الحقيقي على الإطلاق خلال العقود الأخيرة، بل انخفض انخفاضًا ملحوظًا. فقد ظل الحد الأدنى للأجر دون أن يطرأ عليه أي زيادة على مدى عقد كامل، بالرغم من الزيادات الملموسة في مستوى الرخاء بوجه عام، إلى أن فرض الديمقراطيون زيادة هزيلة قدرها ٠٫٧٠ سنتًا على أجرة الساعة، فصارت ٥٫٨٥ دولارات في عام ٢٠٠٧. نتيجة لذلك، يتساوى الحد الأدنى للأجر الشهري في الولايات المتحدة الذي يبلغ ١٤٠٠ دولار مع متوسط الأجور في بولندا من حيث القيمة الاسمية ويقل عنه بكثير من حيث القيمة الحقيقية، فنصيب الفرد البولندي من الناتج المحلي ليس سوى ثلث نصيب الفرد في أمريكا، ومتوسط الأجور الاسمية في بولندا يبلغ نحو ٣٢٠٠ زووتي، أي نحو ١٠٢٠ دولارًا، لكنها تعادل نحو ١٦٧٠ دولارًا وفقًا لمعدل قوة شرائية قدره ١٫٦٤.

بعبارة أخرى، يتقاضى العديد من مواطني أغنى بلد في العالم أجورًا أقل الآن — من حيث القيمة الحقيقية — مما كانت عليه الأجور في السبعينيات والثمانينيات. وهذا ليس لأن هؤلاء المواطنين أقل إنتاجية الآن، بل هم في الواقع أكثر إنتاجية نظرًا لأنهم أفضل تأهيلًا، فضلًا عن توافر التقدم التقني والتنظيمي. لكن كيف لهم أن يتقاضوا دخولًا أكبر وقد طبقت آليات توزيع الدخل على نحو يحرمهم من أي فرصة للاستفادة من النمو الاقتصادي. هذا ناجم عمَّا يطلق عليه مرونة سوق العمل، وهو شيء يود الليبراليون الجدد أن يشهدوا ظهوره في بلدان الاتحاد الأوروبي والأسواق الناشئة. إن عدم عدالة هذا الوضع شأن لا يقلق إلا القليلين. لكن التفاوت الزائد عن حده يؤثر سلبًا على نمو الاقتصاد،15 وهذا هو الأثر الذي ينبغي أن يقلق منه الكثيرون. لقد باتت التأثيرات واضحة الآن بالفعل في الولايات المتحدة. فقد كان النمو الاقتصادي سيصبح أعلى لولا ازدياد التفاوت الهائل بين مصادر الدخل والأصول. وهذا هو أحد الأسباب في أن متوسط معدل النمو لكلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال الفترة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ كان متطابقًا تقريبًا، إذ قدر كل منهما بما يتراوح بين ٢٫٢ و٢٫٣٪.

إن حصة الدخل التي يحصل عليها أكثر واحد بالمائة من الأمريكيين ثراء من إجمالي دخل السكان تضاعفت بين عامي ١٩٨٠ و٢٠٠٤ من ٨ إلى ١٦٪. وتضاعف دخل أعلى ١ بالألف من الموطنين دخلًا ثلاث مرات، من ٢ إلى ٧٪، أما أعلى ١ من عشرة آلاف من السكان دخلًا — وهي مجموعة مؤلفة من ١٤ ألف دافع للضرائب — فقد شهدت دخولهم زيادة بمقدار أربعة أضعاف، من ٠٫٦٤ إلى ٢٫٨٧٪ من إجمالي الدخل العام. أي إن ١ من عشرة آلاف من السكان يحصلون على ١ على أربعين من الدخل القومي. ومن ثم، ليس من الغريب أن أكبر عدد من الأشخاص الذين يملكون أصولًا سائلة تتجاوز المليون دولار (مع استثناء الممتلكات والعقارات) موجودون في الولايات المتحدة. وتقدر ميريل لينش أن إجمالي ٨٫٧ مليون شخص من هؤلاء في العالم، ويصل إجمالي أصولهم السائلة إلى ٣٣٫٣ تريليون دولار، منهم ٢٫٩ مليون شخص من الأمريكيين. وفي حين يبلغ إجمالي عدد سكان أوروبا ضعف عدد سكان أمريكا، فإن ٢٫٨ مليون أوروبي فقط هم من ينتمون إلى شريحة أغنى سكان العالم. وهناك ٢٫٤ مليون شخص في آسيا ممن ينتمون إلى هذه الشريحة.

ووفقًا للإحصاءات الصادرة عن مكتب الإحصاء في الولايات المتحدة، هناك أيضًا ٣٦ مليون شخص يعيشون حياة الفقر. وهذا يفوق عدد سكان كندا. وعلى الرغم من معدل النمو السنوي السريع الذي يزيد على ٣٪ بين عامي ٢٠٠٢ و٢٠٠٦، كان عدد الفقراء يتزايد بمقدار نحو ١٫٥ مليون شخص سنويًّا. واليوم، بات الفقراء يشكلون ١٣٪ من عدد السكان. وتبلغ هذه النسبة ٢٥٪ بين الأمريكيين الأفارقة. وبعبارة أخرى، يعيش شخص واحد من كل ثمانية أمريكيين، وواحد من كل أربعة أمريكيين أفارقة في الفقر.

في عام ٢٠٠٤، كان متوسط دخل الأسرة الأمريكية التي تنتمي إلى شريحة أقل عشرة بالمائة من السكان دخلًا ١٥٦٠٠ دولار، والرقم الحالي لا يتجاوز هذا بكثير. وهذا يمثل انخفاضًا في الدخل نسبته ١٢٪ منذ عام ١٩٦٩. وهذا لا يعزى إلى أن هؤلاء — كما يدعي بعض الليبراليين الجدد — لا يريدون العمل؛ لأنه على مدار هذه السنوات الأربعين نفسها، ارتفعت نسبة الأسر الفقيرة التي تضم ما لا يقل عن عضو واحد من أعضائها يعمل بدوام كامل من ١٢٪ إلى ٣٠٪.

كان معامل جيني يتزايد على نحو مطرد في الولايات المتحدة منذ عام ١٩٨٠ تقريبًا، وهو ما يعكس زيادة الفوارق في الدخل. فعندما فاز رونالد ريجان بالرئاسة، كانت نسبة معامل جيني هي ٠٫٤٠٣ فقط. وبعد مرور عقد من الزمن، صارت النسبة ٠٫٤٢٨. وبحلول عام ٢٠٠٠، صارت ٠٫٤٦٢ وفي عام ٢٠٠٥، بلغت زيادة تاريخية وصارت ٠٫٤٦٩؛ وهي نسبة مشابهة للنسب الموجودة في الفلبين أو مدغشقر.

قد يقول أحد المحافظين الجدد الأمريكيين أو أحد الليبراليين الجدد الأوروبيين: «وماذا في ذلك؟ هذا هو الوضع الطبيعي للأمور. هذا ما يريده السوق، والسوق يحكم ويكافئ عنصري الإنتاج — رأس المال والعمالة — على نحو يتوافق مع كفاءتهما.» لكن بالدليل والبرهان، هذا غير صحيح. فالأدوات الاقتصادية والسياسية في أمريكا — بما في ذلك الضرائب والنظم الانتخابية — قائمة بحيث يزداد الجزء الأكبر من نمو أمريكا المثير للإعجاب على حساب أولئك الذين دفع بهم هذا النمو إلى الفقر. إن الثروة لا تتحقق نتيجة للابتكار والإنتاجية فقط — مع كل التقدير لهما — لكنها تتحقق أيضًا نتيجة للجشع ولإعادة توزيع الأرباح على نحو يخدم مصالح البعض. والأسوأ من ذلك أن هذا يؤدي إلى تراكم ما يطلق عليه الاختلال الهيكلي، الذي لا يمكن الحد منه دون تعديل أسس النظام. وهذا يعني تدخل الدولة في طريقة توزيع الدخل بحيث تجرى وفقًا لمنطق السوق الحرة، وهو ما يتنافى كليًّا مع مبادئ الليبرالية الجديدة.

أين تكمن الحقيقة؟ وما هي الأسباب؟ ينبغي ألا يوجد أحد بحاجة إلى الإقناع بأن المخرج من حالة الركود إلى عملية تنمية حضارية يعتمد بقدر هائل على نوعية رأس المال البشري، التي ترتفع بارتفاع مستويات التعليم العالي بين أبناء المجتمع. وهذا أمر يسهل تحقيقه عندما يكون الطلاب أكثر ذكاءً. كل المعلمين والأساتذة يدركون هذا، وكذلك أعداد متزايدة من الطلاب. ويمكن أن نترك الأمور للطبيعة ولليد الخفية. لكن يمكننا أيضًا أن نتخذ نهجًا أكثر جدية. فقد انتهى علماء النفس بعد سنوات من المناقشات إلى أن مستوى الذكاء يعتمد على عاملي الوراثة والبيئة على نحو متساو. ومن ثم، يمكن لسياسة حكومية مناسبة أن تطور إلى حد ما العوامل المسئولة عن التنمية الفكرية للشباب بحيث ترفع مستوى ذكائهم. ومن أجل ذلك يجب على الحكومة نفسها أن تكون ذكية وقادرة على تخصيص النفقات العامة اللازمة في المجال التعليمي الثقافي، بعد أن تُحصَّل الضرائب أولًا ممن هم قادرون على دفعها.

ومن الجدير أن نقارن بين تجربة اقتصاد السوق الاجتماعي في بلدان الشمال الأوروبي من فنلندا ومرورًا بالبلدان الاسكندنافية وصولًا إلى أيسلندا بتجربة البلدان الناطقة بالإنجليزية؛ إذ يمكن مشاهدة الفرق بين التجربتين من ناحية الحراك الاجتماعي في مجال التعليم بلمحة واحدة. صنفت مجموعة بحثية16 البلدان على أساس أن الرقم واحد يدل على انعدام الحراك كليًّا، والرقم صفر يعني حراكًا مثاليًّا. عندما يساوي التقدير الرقم ١، فهذا يعني أن دخل الأطفال يماثل تمامًا دخل الآباء والأمهات، وعندما يساوي الرقم الصفر، فهذا يعني أنه ليس هناك ارتباط بين دخل الآباء والأمهات ودخل الأبناء. بلغ المعامل في بلدان الشمال الأوروبي ٠٫٢. وفي بريطانيا العظمى ٠٫٣٦، وفي الولايات المتحدة ٠٫٥٤. هذا يعني أن مستوى دخل كل جيل جديد في الولايات المتحدة وبريطانيا يعتمد أكثر بكثير على دخل الجيل الذي سبقه (دخل الأبوين) على نحو يفوق ذلك في بلدان الشمال الأوروبي. ففي البلدين الأولين، تمكن نصف الأطفال فقط (الذكور منهم في الواقع) الذين ولدوا في براثن الفقر في أواخر الخمسينيات من إخراج أنفسهم منه ببلوغهم سن الأربعين، في حين تمكن ٧٥٪ من أولئك الذين ولدوا فقراء في بلدان الشمال الأوروبي من ذلك. صحيح أن البلدان ذات اقتصادات السوق الاجتماعي، وتلك التي تطبق سياسات عامة مماثلة فرضت ضرائب أعلى إلى حد ما، لكنها نجحت أيضًا في قطع الارتباط بين دخل الآباء ودخل الأبناء. أما الولايات المتحدة ذات نظام اقتصاد السوق المتشدد والسياسات الاجتماعية ذات النزعة المحافظة الجديدة، فقد فشلت في تحقيق ذلك. والأمور ليست بهذا السوء في بريطانيا. وها قد تحطمت أسطورة أخرى؛ أسطورة «الفرصة السانحة» في بلد يعاني اختلالًا هيكليًّا عميقًا.

كل هذه الأمور حدثت في الولايات المتحدة على الرغم من النمو في العمالة والإنتاجية، وعلى الرغم من عدم تقليل ساعات العمل. لقد حدث ذلك نتيجة لمرونة سوق العمل، وتخفيض نفقات الضمان الاجتماعي. إن الليبرالية الجديدة «المنتصرة» لديها ما تفخر به، لكن لديها أيضًا ما تخجل منه.

رابعًا: إذا تحدثنا عن دينامية الاقتصاد الحقيقي في السنوات الأخيرة، فالحقائق معروفة. فقد ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي في الولايات المتحدة بمعدل ٢٪ سنويًّا منذ عام ١٩٨٠. ومع ذلك نحن لا نعرف ما هو السيناريو البديل الذي كان من الممكن أن يحدث «لو أن …» ماذا كان من الممكن أن يحدث لو أن «المؤسسية الجديدة» كانت هي الفكر الذي ساد الولايات المتحدة بدلًا من الليبرالية الجديدة، ونشأ فيها اقتصاد مؤسسي جديد، ولو أن فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي قد ترسخت بدلًا من الرأسمالية العدوانية الجامحة؟ هل كانت ستتحول إلى «الفردوس الأمريكي»؟ لم يكن هذا خيارًا واقعيًّا، لأن هناك عوامل أساسية لم تكن متوافرة. ومع ذلك ما كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في ظل هذا السيناريو ليقل بأي حال من الأحوال، بل ربما كان سيصبح أعلى بكثير من معدله في الواقع. وكان الأمريكيون سيحظون بالمزيد من الوقت لسد احتياجاتهم الاستهلاكية، وتطوير ثقافتهم. وكان التفاوت بين الدخل والممتلكات سيقل على نحو ملحوظ، وكذلك نطاق الاستبعاد الاجتماعي. وستقل بالتأكيد المشاعر المعادية للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم. وهذا من شأنه أن يسهل على الولايات المتحدة الحفاظ على ريادتها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، والقيام بدور أكبر وأكثر إيجابية في عملية نحن في أمس الحاجة إليها، هي عملية إضفاء طابع المؤسسية الجديدة على العولمة.

خامسًا: لو كان أي شخص لا يزال يعتقد أن الليبرالية الجديدة قد ساهمت في تحقيق تحسن مطلق ونسبي في الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة — التي انخفض إنتاجها إلى ما دون خُمس الناتج العالمي في عام ٢٠٠٨ — فمن السهل أن نرى أن أمريكا، من الناحية السياسية، تفقد على نحو سريع مكانة الزعامة العالمية. فالتشبث بالنموذج الليبرالي الجديد لا يزيد الأمور إلا سوءًا. ويتضح ذلك من خلال العديد من المشاهد، فحتى الاتحاد الأوروبي الذي لم يعتنق فكر الليبرالية الجديدة — رغم تباطؤ معدل نموه — يحتل اليوم وضعًا أقوى نسبيًّا، فقد ارتفعت العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، واكتسبت قوة كبيرة في مواجهة الدولار. أما الصين، فلا تبعد سوى خطوات قليلة عن بلوغ تعادل حصتها مع حصة أمريكا من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم. لقد بات الترحيب بالأمريكيين ونصائحهم يقل شيئًا فشيئًا في العديد من بقاع العالم، وانخفض نفوذهم في المنظمات الدولية.

سادسًا: تتنامى المشاعر المعادية للولايات المتحدة إثر تفشي موجة الليبرالية الجديدة في شكلها التوسعي، الذي يحاول فرض النموذج الأمريكي على البلدان الأخرى، وإجبار هذه البلدان على اعتماد سياسات اقتصادية تتجاهل القيم والثقافات المحلية. هذه المشاعر المعادية واضحة جدًّا لا سيما في البلدان التي عانت من اضطراب داخلي نتيجة لتطبيق الليبرالية الجديدة، ولا تزال غير قادرة على التوصل إلى نموذج مقنع وفعال للتنمية. وهذا هو السبب في أن هذه المشاعر المعادية أكثر اعتدالًا في الصين أو الدول الاسكندنافية على سبيل المثال، بينما هي أكثر وضوحًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو أمريكا اللاتينية. فقد نمت المشاعر المناهضة للولايات المتحدة نموًّا ملحوظًا في البلدان الإسلامية على مدى السنوات الماضية، لكن بدرجات متفاوتة. ففي المملكة العربية السعودية الصديقة، حيث يسيطر النظام غير الديمقراطي على الصحافة تمامًا، زادت الآراء المناهضة من ٦٤٪ إلى ٧٩٪ بين عامي ٢٠٠١-٢٠٠٢ وعامي ٢٠٠٥-٢٠٠٦. وفي تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، زادت هذه الآراء من ٣٣٪ إلى ٦٢٪، وفي المغرب، ذات السياسة السلمية والمستقرة نسبيًّا، زادت من ٤١٪ إلى ٤٩٪. ومما يثير الاهتمام والفضول أن البلد الإسلامي الوحيد الذي خرج عن هذا الاتجاه كان بلدًا ينتمي إلى محور الشر الذي اخترعه جورج دابليو بوش؛ إنه إيران، حيث انخفضت مشاعر كراهية ورفض الأمريكيين من ٦٣٪ إلى ٥٢٪.17
من الجدير هنا أن نلاحظ كيف يجري التلاعب بسهولة بالرأي العام في العالم الحر من جانب السياسيين ووسائل الإعلام، التي تصور بشكل تعسفي بلدانًا أخرى كإيران على أنها شريرة. للأسف هذا يحدث، كما يتضح من هذه الصفات الخطيرة والمؤثرة التي وردت في افتتاحية مجلة الإيكونوميست البريطانية بتاريخ ١٩ يوليو ٢٠٠٧ تحت عنوان «لغز إيران»، بدأت الافتتاحية كالتالي: «النظام الإيراني أساسًا ما هو إلا مجموعة تبشيرية تؤمن بنهاية العالم وتمهد لهذه النهاية»، هذا ما يقوله رئيس وزراء إسرائيل السابق بنيامين نتنياهو. وإن كان على حق فيما يقول، فالعالم يترنح على حافة أزمة مرعبة.18 لكن تبدو الأمور أفضل قليلًا على جبهة الرأي العام في أمريكا اللاتينية، حيث ٦٤٪ من الأرجنتينيين، و٥٧٪ من البرازيليين، و٥٣٪ من المكسيكيين، و٥١٪ من التشيليين لديهم رأي سلبي في جارتهم الشمالية (أمريكا).19
سابعًا: تتنامى داخل الولايات المتحدة حالة من عدم الرضا عن الوضع الراهن، وتتزايد الانتقادات الحادة للتجاوزات الاقتصادية والسياسية على الصعيدين المحلي والخارجي، وتجاوزات المحافظين الأمريكيين الجدد المحلية والعالمية. ويرى بعض المعلقين المؤثرين أن هذا البلد القوي الذي ازدهر على مدى سنوات طوال، قد وصل إلى مفترق طرق خطير.20 وما كان هذا ليحدث لولا التحيز المفرط الذي استمر فترات طويلة للسياسات التي فرضتها أيديولوجية المحافظين الجدد، والتي بدأت تتراجع، وإن كانت لا تزال مؤثرة.

لكن ليست الولايات المتحدة والبلدان الأخرى الناطقة بالإنجليزية، والأجزاء الأكثر تقدمًا من أوروبا هي البلدان الغنية الوحيدة على هذا الكوكب، فهناك أيضًا اليابان، حيث لم تهيمن الليبرالية الجديدة، لا أثناء فترة الازدهار التي دفعت بالبلاد إلى طليعة الاقتصاد العالمي في السبعينيات والثمانينيات، ولا أثناء صراعها في وقت لاحق مع مشاكلها الهيكلية الكبيرة وحالة الركود. ففي كلتا هاتين المرحلتين، صمَّت اليابان أذنها عن مشورة الليبرالية الجديدة، ومضت بطريقتها الخاصة، وخلقت مشاركة قوية للدولة في التنمية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي الذي كان حقيقيًّا وليس إعلانيًّا فقط. وللظروف الثقافية الآتية أهمية كبيرة في عملية التنمية هناك: التقاليد الأسرية القوية، والالتحاق بالأعمال التجارية الصغيرة، والاستقرار الوظيفي الدائم مدى الحياة (نظام الشوشين كويو الشهير)، وشعور الولاء المتبادل بين الموظفين وأرباب العمل، وهي أفكار غير واردة في أي مكان آخر.

عندما بات واضحًا في عام ١٩٩٠ أن أحدث معجزة اقتصادية كانت تقترب من النهاية، كانت اليابان تخضع لاقتراحات وضغوط خارجية متزايدة تحضها على اختيار طريق الليبرالية الجديدة للخروج من الأزمة. ورد اليابانيون بأنهم متشككون في صحة هذه النصائح ثم واصلوا المضي في طريقهم الخاص، فقد أدركوا أنه طالما لم تفلح الليبرالية الجديدة في أي مكان آخر، فليس من المرجح أن تنجح في الاختبار في بلد مزج بين الأصالة والمعاصرة على نحو فريد. ووسعت الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة مجال حرية المشروعات الخاصة والعمل الحر، وجعلت الاقتصاد أكثر انطلاقًا بوجه عام، لكن ليس على طريقة الليبرالية الجديدة. لقد أثبتت اليابان إمكانية ازدهار الرأسمالية الحديثة في الأوقات الجيدة والأوقات العصيبة على حد سواء، من خلال أخذ السمات والقيم الوطنية في الاعتبار، في الوقت الذي تجنبت فيه وصفة الليبرالية الجديدة. وفي سوق عمل يقل مرونة عن نظيره الأمريكي، سرعان ما بدأت اليابان تزدهر من جديد مع الحفاظ على القدرة التنافسية العالية لشركاتها. ولا شيء يوضح هذا أفضل من تفوق تويوتا على جنرال موتورز باعتبارها أكبر شركات صناعة سيارات في العالم. فجميع رحالة العالم، وحتى قائدو السيارات على طرق الضواحي؛ أكثر ميلًا للجلوس وراء عجلة القيادة في سيارة لاند كروزر من الجلوس في سيارة جيب. وظل الاقتصاد الياباني يواكب الاقتصاد الأمريكي من عام ٢٠٠٦ حتى عام ٢٠٠٨، محققًا نموًّا سنويًّا في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو ٢٫٣٪.

يختلف الوضع في البلدان الفقيرة، فهي في مأزق صعب، لأن النمط السوفييتي لم يعد خيارًا واقعيًّا، هذا إن كان كذلك في أي وقت مضى. وبخصوص الرأسمالية، يمكن لهذه البلدان أن ترى بنفسها أن اتجاه الليبرالية الجديدة نحو نبذ الكينزية والتدخلية يبدو بضاعة عاطبة. لقد فشلت الليبرالية الجديدة في البلدان المتقدمة والبلدان النامية، والبلدان التي ترغب في النمو. والأدلة على ذلك كثيرة في اقتصادات كلٍّ من بلدان مرحلة ما بعد الاشتراكية وبلدان أمريكا اللاتينية، حيث ثبت أن توافق واشنطن، الذي صمم خصوصًا لتلك القارة، لم يكن ملائمًا على نحو صحيح. فقد بدأت المديونية ترتفع مرة أخرى — بعد حدوث بعض التأثيرات الإيجابية المؤقتة — دون أن يقابلها أي تسارع كبير أو دائم في معدل النمو. وظهرت العلامة الإيجابية الوحيدة من خلال السيطرة على التضخم، وهو أمر كان من الممكن تحقيقه على أي حال من خلال إصلاحات هيكلية بديلة أقل إيلامًا وأقل كلفة اجتماعية، أو من خلال اتباع سياسات اقتصادية غير تقليدية. وهذا ما نجحت ماليزيا في فعله، باتباعها الجريء مسارًا مضادًا لليبرالية الجديدة.

لاحظت بلدان أمريكا اللاتينية كل هذا، ولكن ليس على الفور؛ إذ لم يزدد عدد بلدان أمريكا اللاتينية التي تتبرأ من تجارب الليبرالية الجديدة، ولم تبدأ تلك البلدان البحث عن طرق أخرى للتخلص من الركود وتسريع التنمية إلا بعد عام ٢٠٠٠. وانعطفت الكثير منها صراحة نحو اليسار في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، مما أغضب الأخ الكبير في الشمال. كان هذا مفهومًا، لأنه كان من المفترض أن تجري الأمور على عكس ذلك. فقد كانت لهم في هذه البلدان أنظمة ديمقراطية وبرلمانات وقيادات منتخبة ديمقراطيًّا، ومع ذلك خرجوا عن طاعة الأمريكيين وتحدثوا عن الاشتراكية اللاتينية. كان أكثر الأشخاص نشاطًا في هذا المضمار الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز، لكن رؤساء دول مثل الإكوادور وبوليفيا ونيكاراجوا انضموا إلى هذا التوجه أيضًا. ورفضت الأرجنتين ضغط واشنطن الذي خيرها بين القبول بتوافق واشنطن أو رفضه. ثم انضمت البرازيل وأوروجواي، وتشيلي إلى جبهة الرفض هذه. وهذا يمثل تحديًا سياسيًّا هامًّا عجزت الليبرالية الجديدة عن مواجهته. لقد فات الأوان. طالب الليبراليون الجدد الآخرين بأن يلعبوا وفقًا لقواعدهم هم وأن يتكيفوا مع العولمة ومع النظام الاقتصادي الجديد الناشئ، لكن هم أنفسهم لم يتمكنوا من التكيف مع البيئة المتغيرة. وكما نعرف من قصة انقراض الديناصورات الحزينة، أولئك الذين لا يستطيعون التكيف، ينقرضون.

•••

ثم جاءت أعنف الضربات الموجهة لليبرالية الجديدة من حيث لا تتوقع على الإطلاق، فقد حذر الرئيس ماو بالفعل من أن الصين ستتفوق على بريطانيا اقتصاديًّا. ولم يأخذ أي أحد خارج الصين هذا الكلام على محمل الجد، بل وأشك أن أحدًا في «المدينة المحرمة» أخذه على محمل الجد. لقد بدا الأمر كما لو أن الكونغو على حالها اليوم زعمت أنها سوف تتفوق قريبًا على فرنسا. واليوم، يبلغ نصيب الفرد الصيني من الناتج المحلي الإجمالي نسبة ٧٥٪ من المعدل العالمي، لكن عدد السكان هائل جدًّا بحيث تحتل الصين الآن المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة بلا منازع. لقد تحققت نبوءة ماو في عام ٢٠٠٦، عندما ارتفع إجمالي الناتج المحلى الصيني بنسبة ٧٪، متفوقة بذلك على المملكة المتحدة وفقًا لأسعار الصرف في السوق، وبمبلغ ٢٫٥١ تريليون دولار مقابل ٢٫٣٤ تريليون دولار. وإذا استخدمنا مقياس تعادل القوة الشرائية، الأكثر دقة، فسيساوي إجمالي الناتج المحلي الصيني، البالغ ١٠ تريليونات دولار، أكثر بخمس مرات من إجمالي الناتج المحلي البريطاني البالغ ١٫٩ تريليون دولار.21

سوف تصبح الصين أكبر قوة اقتصادية في العالم في غضون نحو ٢٠ سنة وفقًا لأسعار الصرف، وبحلول عام ٢٠١١ وفقًا لتعادل القوة الشرائية. وفي هذا العام نفسه، سيتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين نظيره لستة بلدان غير أمريكية من أعضاء مجموعة السبع، وهي مجموعة تضم أغني البلدان الرأسمالية (فرنسا واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا). ولن يحول أي شيء دون حدوث ذلك سوى قيام حرب عالمية ثالثة، وهو ما لن يحدث، أو جنوح الصين نحو اتجاه ليبرالي جديد على غرار السياسات التي اتخذتها روسيا في التسعينيات، أو السياسات البولندية في بداية فترة العلاج بالصدمة، أو فترة إبطاء وتيرة الاقتصاد — التي لم يكن لها أي داع — في نهاية التسعينيات. وهذا احتمال مستبعد أكثر من احتمال وقوع حرب عالمية ثالثة.

من وجهة نظر التنمية الاقتصادية، اختارت الصين الاختيار الصحيح ثلاث مرات على التوالي، ولم يوفق في الاختيار على هذا النحو أي من بلدان ما بعد الاشتراكية أو البلدان الناشئة الأخرى حاليًّا.

  • المرة الأولى: في عام ١٩٧٧، عندما قرر دينج شياو بينج أن يبدأ استراتيجية للتحول عن الفكر الشيوعي، وأن يصلح الاقتصاد الاشتراكي بتطبيق إصلاحات موائمة للسوق.

  • المرة الثانية: في عام ١٩٨٩، عندما لجأت البلاد إلى الخيار بالغ الصعوبة فيما يتعلق بالأحداث المأساوية التي وقعت في ساحة الميدان السماوي لقمع القوى الديمقراطية التي كانت تحاول تقويض الدولة المركزية ونظام الحزب الواحد مع تكثيف التغييرات الاقتصادية التي كانت جارية.

  • المرة الثالثة: عندما التزمت الصين بنظام اقتصاد السوق كليًّا من خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في عام ٢٠٠١، بعد سنوات من الحملات والإصلاحات الناجحة.

وعلى الرغم من استمرار الإلحاح، لم تنتهج الصين أبدًا طريق الليبرالية الجديدة. ولم تلتفت أبدًا إلى هؤلاء المستشارين أو تأخذ نظرياتهم على محمل الجد، لأن الإصلاحيين الصينيين من السياسيين والاقتصاديين كانوا على دراية بنظامهم الخاص وثقافتهم المحلية أفضل من أي شخص آخر. وكانوا أيضًا أكثر قدرة على مقاومة الفساد الفكري من كثير من الناس في أنحاء أخرى من العالم.

لقد انتهجت الصين الطريقة الصينية، التي تبين فيما بعد أنها كانت الخيار الصحيح لتحقيق التنمية. تتسم هذه الطريقة بعدة سمات محددة، لكن أكثر الأمور إثارة لاهتمامنا هو الطريقة التي مكنت البلاد من الخروج من مأزق مزدوج: فمن جهة، هناك ذلك التراث المعقد من الاشتراكية والتخطيط المركزي، اللذين أحدثا مشكلات بقدر ما حلا من مشكلات أخرى. ومن جهة أخرى، حدثت أزمة انخفاض التنمية المألوفة لبلدان العالم الثالث. لقد كانت قدما الصين واحدة في العالم الاشتراكي والأخرى في العالم الثالث. لكن أيًّا من بلدان هذين العالمين لم يضارع الصين في قوة عزمها على الانتقال إلى العالم الأول، ولكن بشروطها. فقد نبذت الصين فكرها الشيوعي السابق وعقيدة الليبرالية الجديدة الأجنبية على حد سواء.

ومع ذلك بدأت مؤخرًا تتزايد أعداد الاقتصاديين وعلماء الاجتماع الذين يقدمون الحجج الملتوية لتفسير التحول الصيني على أنه نوع من الليبرالية الجديدة، كما لو كانت إصلاحات السوق واستراتيجيات التنمية المنسقة للاقتصاد الكلي الخاضعة لتوجيه ودعم الدولة يمكن أن تتشابه في أي ملمح مع فلسفة الليبرالية الجديدة. إن استخدام الدولة الواعي والمسيطر والمدروس لمؤسسات السوق بوصفها أدوات لتحقيق الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لا علاقة له على الإطلاق بوهم الليبرالية الجديدة. ودور الدولة النشط في السياسة الاقتصادية الصينية يتنافى تمامًا مع مبادئ الليبرالية الجديدة، والمحللون الذين يدعون خلاف ذلك يتشبثون بالمحال.

وسرعان ما امتد النموذج الصيني إلى الدول المجاورة التي قررت هي الأخرى نبذ التخطيط المركزي وانتهاج إصلاحات تتوجه نحو السوق. ورغم نجاح الاقتصادات الصغيرة لبلدان مناطق الهند الصينية مثل كمبوديا ولاوس، تظل الحالة المهمة في هذا الصدد هي قصة نجاح فيتنام، التي يبلغ عدد سكانها ما يقرب من ٩٠ مليون نسمة. فعلى الرغم من الظروف الخارجية التي لم تكن مواتية لها في كثير من الأحيان، كانت تنمو بمعدل سنوي قدره ٧٫٨٪، وتضاعف ناتجها المحلي الإجمالي كل عشر سنوات. واليوم وصل الناتج المحلي الإجمالي إلى ٤ أضعاف قدره حينما بدأت فيتنام تطبيق إصلاحات السوق. لقد تحقق هذا في ظل توجيه الدولة وسيطرتها، مع استلهام الإنجازات الصينية والفكر الروسي لعهد جورباتشوف، كما استفادت من الدرس البولندي أيضًا. بدأت الإصلاحات الفيتنامية في عام ١٩٨٦، تحت شعار «دوي موي» الذي يعني: التعمير أو إعادة البناء.

وإليك خصائص المسار الصيني:
  • يختلف عن المسار الذي اتبعه الاتحاد السوفييتي، الذي ارتكب الأخطاء واحدًا تلو الآخر عندما كانت العولمة تزداد نجاحًا، بينما كانت جهود جورباتشوف الإصلاحية — التي عرفت عالميًّا باسم «الجلاسنوست» و«البريسترويكا» — قليلة جدًّا، ومتأخرة جدًّا.

  • يختلف نوعيًّا عن مسار بلدان أوروبا الشرقية، التي بدأ بعضها بالفعل، مثل يوغوسلافيا وبولندا والمجر جهودًا مبكرة في إصلاح السوق، وقلصت انفتاحها على العالم الخارجي، بينما ظلت بلدان أخرى، مثل ألبانيا وبلغاريا ورومانيا، دون إصلاحات حتى عام ١٩٨٩ عندما وقعت كل هذه البلدان، عاجلًا أو آجلًا، في فخ الليبرالية الجديدة فترات طالت أو قصرت.

  • يختلف عن جهود أمريكا اللاتينية التي باءت بالفشل، بعد توافق واشنطن، إذ فشلت في تحقيق النمو السريع المتوقع، بل على العكس، أدت إلى إحياء الأفكار الاشتراكية التي لم تكن ذات طابع روسي ولا صيني، بل طابع أمريكي جنوبي.

  • يختلف عن المسار الأفريقي المأساوي، حيث لم يزد نصيب الفرد من الناتج الإجمالي في جنوب الصحراء الكبرى على الإطلاق في التسعينيات، لكنه سجل في الصين ارتفاعًا تزيد نسبته على ١٧٦٪. إلا أن الصين دفعت الثمن الباهظ من خلال فرض سياسة سكانية ديكتاتورية، إذ حددت الإنجاب بطفل واحد في المدن وطفلين في المناطق الريفية. وهذا أدى إلى إبقاء معدل النمو السكاني عند ٠٫٩٪ بين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٧، في الوقت الذي كان معدل النمو السكاني في جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا هو ٢٫٥٪. ولو كانت النساء الصينيات منحن حرية الاختيار، لأنجبن عددًا أكبر من الأطفال؛ ربما ليس سبعة أطفال، كما الحال في أفقر البلدان الأفريقية مثل النيجر ومالي، حيث يصل معدل الإنجاب للمرأة الواحدة إلى ٧٫٤٦ و٧٫٤٢ طفلًا على التوالي. وكان من الممكن أيضًا أن تنجب النساء الصينيات بنفس هذا المعدل تقريبًا، لكن في هذه الحالة، كان سيموت واحد من كل أربعة أطفال قبل سن الخامسة.22 وكان غالبية أولئك الذين سينجون من الموت سيعيشون حياتهم في فقر مدقع.

لقد كان تجنب سياسة الليبرالية الجديدة سببًا وراء النجاح الصيني، لكن كلفة النجاح كانت باهظة. فقد دفعت البلاد ثمن التقدم الاقتصادي في صورة انعدام الديمقراطية؛ أو بتعبير أدق، تقدم متعثر نحو الديمقراطية، مما جعلها تتراجع كثيرًا فيما يخص الديمقراطية عن مواكبة التقدم الاقتصادي، الذي دام ٣٠ عامًا. ومع ذلك فإن الصين من الناحية النوعية أكثر ديمقراطية مما كانت عليه في عام ١٩٧٧، ناهيك عن عام ١٩٥٧ عندما حلمت الصين بالتفوق على بريطانيا من خلال مجموعة من الكوميونات، والإجراءات الاقتصادية القسرية المباشرة. ومع الأسف، لا تختلف الديمقراطية الصينية من الناحية النوعية أيضًا عن المعايير المقبولة في الغرب فحسب، بل أيضًا عن المعايير السائدة في الديمقراطيات الموجودة في أعداد متزايدة من بلدان الأسواق الناشئة.

كنت قد حظيت بعدة مناسبات للتحدث مع هنري كيسينجر، وهو مفكر، ونموذج لرجل الدولة الأمريكي، ومؤيد قوي لليبرالية الاقتصادية والسياسية المستنيرة. مع ذلك، هو يتفق مع الرؤية التي تذهب إلى أنه لو كانت الصين قد انتهجت عملية تحرير سياسي شامل في عام ١٩٨٩ لتحقيق ديمقراطية مثل تلك الموجودة في أوروبا الغربية أو دول ما بعد الاتحاد السوفييتي، لما حققت نموها الاقتصادي غير المسبوق. وبعد ذلك، واتتني الفرصة للتحدث مع وين جياباو، رئيس وزراء الصين، الذي تتفق رؤاه مع رؤى كيسينجر، ولا ينبغي لأحد أن يُفاجأ بهذا. فلو كانت الصين قد انتهجت طريق الليبرالية الجديدة الذي انتهجته بلدان مرحلة ما بعد الشيوعية، لآلت الأمور إلى أسوأ مما حدث في روسيا التي فقدت نحو ٦٠٪ من دخلها القومي منذ عام ١٩٩٢ نتيجة لتخبط التجارب. وأخيرًا، أعتقد أن الحِمل الصيني الناجم عن الانعطاف عن فكر ماو، وعن الثورة الثقافية، كان يشكل عبئًا على إصلاحات السوق ومدى سرعة تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية أكثر من عبء الإرث الناجم عن انهيار الاشتراكية السوفييتية على روسيا وأوكرانيا وغيرها من أعضاء رابطة كومنولث الدول المستقلة.

لنلق الضوء على جانب آخر: في عام ١٩٦٩ كان الزعيم الروسي نيكيتا خروشوف يعطي وعودًا للشعب، زاعمًا أن الاتحاد السوفييتي سيتفوق على الولايات المتحدة من الناحية الاقتصادية بحلول عام ٢٠٠٠. لكن ما حدث هو أن روسيا ظلت حتى عام ٢٠٠٧ تحاول العودة إلى مستوى إنتاجها الذي كان في عام ١٩٨٩. وفي عام ١٩٨٩ كان مستوى إنتاج الصين يساوي مستوى إنتاج الاتحاد السوفييتي. لكن لاحقًا، تضاعف إجمالي الدخل القومي للصين بمقدار ٦٫٢ أضعاف. يشكل معدل الناتج المحلي الإجمالي لروسيا الآن ١٤٪ من معدل الناتج المحلي للولايات المتحدة، و١٧٫٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي للصين.

لقد نجحت الصين نجاحًا كبيرًا في تبني الاختيارات الجيدة لدول أخرى، مع عزوفها عن الاختيارات السيئة. فقد أخذت الجوانب الجيدة من الليبرالية — ومعظم الليبرالية حسن — باختيارها خيار الحرية الاقتصادية. لكن من خلال الإبقاء على أهم العناصر الاجتماعية للنظام القديم، تجنبت الصين الوقوع في خطأ نسف كل التقاليد القديمة بغية تحقيق عملية التحديث على الوجه الأكمل. لكن هذا للأسف كان أمرًا مستحيلًا فيما يتعلق بضرورة التزام الدولة بتوفير الوظائف للجميع، لكنه كان ممكنًا فيما يتعلق بالاستثمار في رأس المال البشري وتطوير البنية التحتية، وبناء المؤسسات التي تتيح إمكانية الجمع بين سياسة الدولة الاجتماعية وخلق اقتصاد سوق أكثر تنافسية.

وقد نجحت الصين أكثر من أي بلد في المزج بين التغيير المنهجي (التحول) وسياسات التنمية. وأحدث الخطاب الرسمي تضافرًا بين هاتين العمليتين اللتين تلعبان دورًا حاسمًا في نجاح التغييرات الكبيرة، كما استفاد الخطاب الرسمي منهما استفادة عملية، دون التضحية بأحد الأمرين على مذبح الآخر ودون تشدد، ولم تفوت الإصلاحات الصينية قطار العولمة في مرحلته الحالية. وتمكنت هذه الدولة ذات عدد السكان الهائل من تطويع العولمة لصالح الاقتصاد الوطني والشركات الصينية وعموم الشعب. وعظمت مكاسبها الخاصة إلى الحد الأقصى عن طريق الاجتراء على المخاطر الحتمية الناجمة عن مشاركتها في اللعبة الاقتصادية العالمية، واستعدادها لتحمل التكاليف المترتبة على ذلك. واتخذت الموقع الملائم فيما يتعلق بحاجة بقية بلدان العالم إلى الموارد الصينية، لا سيما رأس المال البشري، والإنتاج الذي ينتجه الشعب الصيني. واستغلت بامتياز ما يدخره الآخرون، موجهة إياهم إلى الاستثمار المباشر اللازم باعتباره وسيلة لتحقيق التقدم التكنولوجي، وفي الوقت نفسه كانت تراكم احتياطيات مالية ضخمة. وبدلًا من أن تقبل دون قيد أو شرط بهيمنة رأس المال الأجنبي على سوق التجزئة المحلي المربح، طبقت سياسات تؤدي إلى تشجيع الاستثمار في مجال التصنيع. وقريبًا ستستغل الصين ما راكمته من احتياطيات لتشرع في شراء أجزاء من قطاعات التجزئة والقطاعات المالية في أغنى البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة. وحينئذ، لن نشهد فقط فروعًا للبنوك الغربية في الصين، بل سنشهد أيضًا فروعًا للبنوك الصينية في بلدان الغرب. ولن يكون أفضل أنواع أحذية الجري الرياضية هو تلك الأمريكية التي تصنع في الصين، بل سيصبح أفضل أنواع الأحذية هو الصينية التي تصنع في أمريكا. لقد ادخرت الصين ما يزيد عن التريليون دولار، لا لتواجه اليوم الأسود بالقرش الأبيض، بل لاقتناص هذه الفرص. فاليوم الأسود يحل على أولئك الذين يخضعون لسذاجات الليبرالية الجديدة، ولا يحل على أولئك الذين يملكون استراتيجية حكيمة للتنمية، والذين يخططون لمستقبل بلادهم أربعين سنة مقبلة، على سبيل المثال، لا أربع سنوات فحسب.

وأكرر مرة أخرى: تحدث الأمور بالطريقة التي تحدث بها لأن أحداثًا كثيرة أخرى تحدث في الوقت نفسه:
  • أولًا: العولمة. لم تكن العولمة من اختراع الصين، لكن الصين أدركت بالضبط كيف يتكيفون معها ويستفيدون منها.

  • ثانيًا: إصلاح السوق. طبق الصينيون إصلاح السوق على نحو شامل وتدريجي، دون صدمات لا حاجة لها، لكن مع جرعة ناجعة من العلاج.

  • ثالثًا: استراتيجية تنمية طويلة الأجل، بدلًا من الاعتقاد في القوى السحرية لتحرير السوق وإقصاء الدولة خارج العملية الاقتصادية.

  • رابعًا: نظام سياسي مستنير وإن كان غير ديمقراطي، أو يشبه الاستبداد المستنير، غير أنه هذه المرة مبني على قاعدة ثقافية تشمل الكونفوشيوسية والطاوية، والإرث الإيجابي للاشتراكية الذي يحترم حقوق الشعب، والمسئولية الجماعية.

  • خامسًا: تعبئة أعداد مهولة من البشر وتنسيقها وتوجيهها. فكل شيء هناك مضروب في ١٫٣ مليار نسمة.

إن الصينيين محظوظون، لا لأن عددهم مهول، لكن لأنهم في المكان والزمان الصحيحين. فالزمان هو زمن العولمة، والمكان هو قارة آسيا، أو لنكون أكثر تحديدًا: «المملكة الوسطى»، وهي الآن وسطى أكثر من أي وقت مضى. وهم محظوظون لأنهم يعيشون في بلد تخضع فيه عمليات التنمية بدرجة متزايدة لتحكم عمليات اقتصادية واقعية وموضوعية. فحكومتهم تتمتع بالحكمة الكافية لتضع ثقتها في افتراضات نظرية موثوقة، وغالبًا تكون هذه النظريات غير مألوفة في أماكن أخرى من العالم، نظرًا لأن عدد الكتب الاقتصادية التي ترجمت إلى الصينية يفوق عدد تلك التي ترجمت من الصينية إلى اللغات الأخرى بمئات المرات. والسياسات الصينية تحدد أوسع الأطر المؤسسية والاجتماعية للنشاط البشري ولمشروعات كلٍّ من الأفراد والجماعات. والسوق، الذي يزداد صلابة كل يوم، يملأ هذا الإطار بالمحتوى المادي، فيوجه الصينيين نحو ما يجب أن ينتجوه، وكيف ينتجونه، وأي الخدمات مطلوبة أكثر، ومن الذي يطلبها، وما الأوجه التي يمكنهم الاستثمار فيها، والمواقع المناسبة لتلك الاستثمارات.

هذه المرة، التجربة الصينية ليست رائعة فحسب، بل ناجحة أيضًا. فكما نعلم، تحولت الصين إلى قوة اقتصادية عالمية في القرن السابع عشر. وهذا يتكرر ثانية اليوم، والأسباب وراء ذلك تبدو بسيطة مثل: رفض الصين وصفة الليبرالية الجديدة — التي كانت سائدة في بلدان أخرى — والأضرار التي لحقت بالاقتصادات والمجتمعات التي وقعت في فخها. وسوف تصل الصين إلى الديمقراطية في الوقت الذي تراه مناسبًا، لكن الآن، السوق يأتي في المقام الأول. فلن يكون هناك دعم متبادل بين الديمقراطية والاقتصاد إلا عندما يتحقق مستوى ملائم من التطور الاقتصادي. وهذا من المرجح أن يحدث في القريب العاجل، ولن يكون ذلك ناجمًا عن ضغوط خارجية، بل لأن الوقت سيكون قد تكفل بإنضاج الأمور بحيث يصبح الوضع مواتيًا للديمقراطية.

ومع أن الصين هي المثال الأروع في مضمار التنمية الاقتصادية، فإننا لا ينبغي أن ننسى نموذج الهند، التي كانت تنمو بسرعة منذ التسعينيات، بمعدل سنوي بلغ ٦٫٤٪. وقد اتبعت الهند طريقتها الخاصة لتحقيق ذلك، ورفضت أيضًا الضغوط التي مارسها معتنقو مبادئ توافق واشنطن، الذين لا يزالون يصرون على أن النتائج السريعة التي حققتها الهند كانت بفضل تطبيقها وصفة الليبرالية الجديدة. وفي الحقيقة، ذلك النجاح المتسارع بدأ في وقت مبكر عن ذلك بكثير، قبل أن تشرع الهند في تحرير التجارة، وبمساعدة تشجيع حكومي قوي لعمليات التنمية. هنا أيضًا كان تجاهل إغواء الليبرالية الجديدة سببًا وراء النجاح. ومع أن الهند لا تزال بلدًا فقيرًا، فإن ناتجها المحلي الإجمالي ٤٫٣ تريليونات دولار، وهذا يفوق ضعف الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا. والإنتاج الهندي يأتي في مرتبة ثاني أكبر إنتاج في قارة آسيا بعد الصين وقبل اليابان.

يمكن أن يعزى نحو خمسي نمو العالم في الوقت الراهن إلى التوسع الاقتصادي الهائل للصين والهند. وبعبارة أخرى، عندما نما الناتج المحلي الإجمالي للعالم بنحو ٣٫٣ تريليونات دولار في عام ٢٠٠٨، كان أكثر من ١٫٣ تريليون دولار من هذا النمو آتيًا من الصين والهند. بعض الناس على الأقل ربما يلاحظون بقدر من الرضا أن أيًّا من هذين البلدين لا ينكر أنه استلهم جوانب معينة من تجربة نجاحه من بولندا، سواء أكانت جوانب إيجابية (مثل: ما الذي ينبغي فعله، وكيفية ذلك)، أم سلبية (ما الذي ينبغي تجنبه، ولماذا). من جانبي، حاولت من خلال العديد من مؤلفاتي التي كان بعضها مترجمًا إلى الصينية، وعشرات الزيارات، والمشاورات المباشرة أن أقدم مشورة فعالة قدر الإمكان. في حالة الصين بالذات، تستحق استراتيجية التنمية أعظم التقدير. ولكم كان مدهشًا كم الذكاء الذي صيغت به أسئلة السياسيين المسئولين عن الأمور الاقتصادية — مقارنة بما يحدث في بلدان أخرى — وكيف كانت تطرح في الوقت المناسب بالضبط. ولكم كان مدهشًا أيضًا أن نرى أنهم — خلافًا لنماذج سياسية لامعة أخرى — قادرون على الاستماع جيدًا، ومن ثم، استخلاص القرارات الصحيحة.

واليوم، الصين والهند هما الدولتان اللتان تغيران وجه العالم. من الناحية الإحصائية، تؤثر حصتهما المتنامية من الإنتاج العالمي على المعدلات الإجمالية، فقد بلغت حصتهما معًا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام ٢٠٠٨ نسبة ٢٠٪، وهذا يعادل تقريبًا حصة الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. كما تؤثر كتلتهما السكانية على الإحصاءات العالمية: يبلغ عدد الصينيين والهنود معا ٢٫٥ مليار نسمة، أي نحو ٣٧٪ من إجمالي سكان العالم. ونتيجة لذلك، تؤثر كل البيانات القادمة من هاتين الدولتين على نحو مباشر في المعدلات العالمية. لكنهما تغيران وجه العالم بطرق أخرى تتجاوز مجرد التأثير على المعدلات الإحصائية. فحضورهما القوي من حيث الأشخاص البارزون، والبضائع والمأكولات، ومؤخرًا، رأس المال، يمكن أن نلحظه أينما ذهبنا، في كل بلدان العالم تقريبًا، مهما بعدت هذه البلدان. والأكثر أهمية أنهما نموذج للاحتذاء والاسترشاد.

•••

ثمة بلد شاسع ثالث هو روسيا، التي تملك تجربة ليبرالية جديدة ذات طابع خاص، لقد كانت تجربة مأساوية. وهذا لا يعزى إلى الإرث السوفييتي، بقدر ما يعزى إلى السياسات الخاطئة التي طُبقت في التسعينيات، والتي أدت إلى انخفاض الإنتاج بنسبة هائلة بلغت ٦٠٪ خلال ذلك العقد. تعتبر هذه نسبة انخفاض صادمة في ظل أوضاع السلم. لكن المذهل أن دعاة الليبرالية الجديدة في بلدان الشرق والغرب على حد سواء يهللون لهذا بوصفه إنجازًا. ويوجد تفسير سيكولوجي لهذا، هو أن الكثير من الاقتصاديين والمحللين والمستشارين والسياسيين الذين لعبوا دورًا في تلك الحقبة يحاولون عبثًا أن يحفظوا ماء وجوههم. لكن يوجد سببان آخران وراء محاولة وضع الأمور في سياقها الصحيح.

أولًا: الليبرالية الجديدة هي أيديولوجية وبرنامج اقتصادي ذو أجندة محددة، فوراء الشعارات المحببة عن الحرية والديمقراطية والعمل الحر، تكمن حقيقة أن الليبرالية الجديدة ليست أداة لفرض الفعالية فحسب، بل أيضًا أداة لإعادة توزيع الدخل بما يخدم مصلحة صفوة الناس، على حساب عامة الشعب. ثانيًا: الليبرالية الجديدة وسيلة لممارسة النهب على نطاق هائل. وفي حدث نادر على مر التاريخ، استنزفت الثروة الوطنية لروسيا على هذا النحو. وبطبيعة الحال، لن يلمِّح أي شخص عاقل بأن الليبرالية الجديدة في جوهرها أداة للنهب والسرقة. ومع ذلك يكون هذا ممكنًا نتيجة للضعف الذي يصيب المؤسسات الاقتصادية. ولهذا السبب، حدث ذلك في روسيا، بينما لم يكن ممكنًا في الصين.

كانت سياسة الليبرالية الجديدة في روسيا من وجهة نظر بعض الناس تجارة مربحة. ويعترف بهذا زبيجنيو بريجنسكي، العالم السياسي المرموق الذي كان مستشارًا للرئيس جيمي كارتر. ويشير — واضعًا الكلمات الرئيسية داخل علامات اقتباس — إلى أن سربًا من المستشارين الغربيين، معظمهم من الأمريكيين، تواطئوا في كثير من الأحيان مع الإصلاحيين الروس في عملية الخصخصة، وحققوا ثروة من وراء ذلك، خصوصًا من وراء خصخصة أصول الطاقة.23 وأنا أعلم أن تحذيرات حول هذا الصدد بلغت رأس المؤسسة السياسية في واشنطن، لكنها قوبلت بالتجاهل. وقد وصفت هذه الخصخصة اللصوصية — والدور الذي لعبه الشركاء الأمريكيون فيها، والتسامح الذي أبدته السلطات الأمريكية — في الدراسات التحليلية والمتخصصة، وفي أماكن أخرى من العالم. ومع ذلك طغى على هذه التحذيرات نشاز دعاية الليبرالية الجديدة والضغوط التي مارستها جماعات المصالح التي استفادت من وراء الخصخصة.24 لكن مسئولين أمريكيين رفيعي المستوى — من داخل البيت الأبيض — دقوا ناقوس خطر العواقب الوخيمة التي ستنجم عن العلاقة المَرَضية بين الروس والأمريكيين فيما يتعلق بمسألة الليبرالية الجديدة. وقد أخبرني فريتز إم إيرماث، وهو ضابط كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية، في مؤتمر لمؤسسة جيمس تاون في واشنطن في صيف عام ١٩٩٩ أن أحد هذه التقرير العاجلة عاد مذيلًا بحاشية تتكون من كلمة واحدة عقب بها نائب الرئيس على محتوى التقرير هي: «هراء». وكان زبيجنيو بريجنسكي حاضرًا في هذا المؤتمر هو الآخر، وانتقد التربيطات السرية بين بعض عناصر المؤسسة الأمريكية والسياسيين الفاسدين من الروس.

لماذا ارتكبت التجاوزات المريبة في روسيا على هذا النطاق الهائل، ولم ترتكب في بولندا مثلًا؟ يرجع ذلك إلى حقيقة أن سياسة الإصلاح الهيكلي نُفذت في بولندا على نحو أفضل بكثير، وخصوصًا خلال فترة منتصف التسعينيات. ومع ذلك كان السبب الرئيسي هو أن روسيا كانت ولا تزال تفوق بولندا من حيث احتواؤها على موارد أكثر بكثير يجعلها مطمعًا للسلب والنهب والسيطرة. وما جعل هذا الأمر في منتهى السهولة هو الاتجاه نحو الليبرالية الجديدة، إلى جانب حالة من الفوضى العامة. كما كانت الشراكة الأمريكية الروسية الفريدة في نوعها على مستوى القطاعين العام والخاص ضمن العوامل التي أدت إلى سهولة ذلك أيضًا. كتب لي إيرماث في خريف عام ١٩٩٩ يقول: «إن الثروات التي يمكن تحقيقها وإخراجها من روسيا كانت ضخمة إلى درجة أنها جذبت أصحاب المصالح الأقوياء من الغرب كما تجذب الجاذبية الأرضية الأجسام الثقيلة. وربما استفادت بولندا، ليس فقط بسبب أن ظروفها السياسية المبدئية كانت أفضل، ولكن أيضًا لأنها ليست غنية جدًّا بالموارد التي يمكن نهبها.» لم يكن إيرماث يحمل أي شكوك، سواء في ذلك الوقت أو الآن — وأنى له أن يشك؟ — في أن حقيقة التحول الروسي كانت معروفة لدى أولئك الذين كانوا في الولايات المتحدة يدعون أنهم بحاجة إلى معرفة الحقيقة. قال: «… إن كل الأشخاص الكبار في الإدارة الأمريكية كانوا يعرفون جيدًا جدًّا الصورة الحقيقية في روسيا طوال الوقت. لا بد أنهم عرفوا — على الأقل في نهاية عام ١٩٩٧ — أن «سوق الأوراق المالية الروسية قصيرة الأجل» يستغلها المسئولون الروس وجميع المضاربين باعتبارها وسيلة لنهب الميزانية الروسية وأموال صندوق النقد الدولي. وإلا، فما الذي كان يتحدث عنه أقطاب الاقتصاد العالميون ورموز الأوليجاركية (القلة المسيطرة على الاقتصاد)؛ تالبوت وسامرز وليبتون وتشوبايس وبيريزوفسكي، عندما التقوا في يوليو ١٩٩٨؟»

ما من شك في أننا لم نكن أمام غباء الليبرالية الجديدة، بل كنا ببساطة أمام ممارسة إجرامية. وينبغي أن أضيف أن هذه كانت جريمة منظمة تنظيمًا بارعًا. اختتم إيرماث خطابه قائلًا: «لقد فهمت بُعدًا آخر لهذا، الذي هو جريمة أكثر منه حماقة. ومن الواضح الآن، وفقًا لما أوردته مختلف المصادر الروسية شديدة الموثوقية، أن الديون الحكومية قصيرة الأجل التي كانت تبتلع الكثير من المال في عامي ١٩٩٧-١٩٩٨، لم تكن وسيلة شديدة التهور ومحفوفة بالمخاطر لجلب الأموال للميزانية، بل كانت وسيلة تمكن من خلالها المسئولون الحكوميون وكهنة البنك المركزي، والمضاربون (الروس والغربيون) من نهب الموازنة العامة للدولة … عن عمد. وكان الغرض الواضح من منحة صندوق النقد الدولي التي منحت في صيف ٩٨ هو الحفاظ على فقاعة الوهم منتفخة؛ مما يتيح جولة أخيرة من التربح، ولتأجيل حدوث الانهيار إلى توقيت جيد يخدم مصلحة المطلعين على بواطن الأمور من الروس والغربيين. لقد بات هذا مفهومًا على نطاق واسع في روسيا الآن؛ إلى حد أنهم أصيبوا بالملل من مناقشة الموضوع. والسؤال المثير للاهتمام حقًّا هو: ما الذي كان يعرفه قادة كلٍّ من الحكومة الأمريكية وصندوق النقد الدولي ويفكرون فيه بخصوص ما كان يجري، وخصوصًا عندما جاء تشوبايس إلى واشنطن في يوليو/تموز لترتيب مسألة المنحة الأخيرة من صندوق النقد الدولي مع كلٍّ من سامرز وليبتون وتالبوت؟ أرى أنه لا يوجد سوى احتمالين: إما أنهم كانوا يجهلون الأنشطة التي شارك فيها عشرات اللاعبين العالِمين ببواطن الأمور، ومئات من المضاربين، وهذه من ثم كانت عملية نهب كبيرة أديرت بمساعدة جهاز الاستخبارات والدهاء السياسي، أو أنهم تعمدوا الاستفادة من هذا المخطط لعدة أسباب تتضمن الجشع أو الضغط. وأنا على اقتناع بأن هذه الصورة هي الصورة الحقيقية.» وكذلك أنا.

أضاف إيرماث: «يمكن أن يؤخذ رأيك في الاعتبار عندما تنعطف المناقشة نحو مسألة السياسة المستقبلية. […] ربما يجب أن تنتظر لترى إذا كان هناك أي نقاش سيثار، ثم تعيد التفكير في الأمر … لكن حاول بكل السبل أن تكتب شيئًا جديدًا، وأن تقدم بدائل لصندوق النقد الدولي. وربما كان باستطاعتنا الدعوة لعقد جلسات استماع في الكونجرس حول هذا الموضوع. […] والشيء الأهم هو أنه من الضروري أن يكون باستطاعتك أنت والآخرين ممن يمكنهم الانخراط في هذا النقاش أن تثقفوا السياسيين حول ما أفلح وما لم يفلح في تجربة التحول الأكثر نجاحًا حتى الآن؛ تجربة بولندا. […] قل إنها فرصة، أو قل إنها مشيئة الله الغيبية؛ لكن من واجبنا الاستفادة من التجربة. […] يجب تذكير الناس مرارًا وتكرارًا بالقصة الحقيقية لبولندا، وكذلك قصة الحماقة التي ارتكبها صندوق النقد الدولي في روسيا.»25

بعد مرور ثمان سنوات على حدوث ذلك، وعندما كنت أعمل على كتابة هذا الكتاب، استأذنت إيرماث للحصول على موافقته على استخدامي مقتطفات من مراسلاتنا، فوافق دون تردد لأنه مقتنع الآن أكثر من أي وقت مضى بأنه كان على حق، وأضاف: «لقد تورطت المصالح السياسية والتجارية الأمريكية مع الفساد الروسي وعمليات النهب منذ البداية، واستمر هذا حتى يومنا هذا.» لكن روسيا نبذت خط الليبرالية الجديدة الساذج الذي انتهجته خلال معظم سنوات التسعينيات، فتمتعت بسبع سنوات خصيبة من عام ٢٠٠١ حتى عام ٢٠٠٧. لقد ضحك الناس عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الناتج المحلي الإجمالي سوف يتضاعف في غضون عقد من الزمن، لكن هذا بدأ يتحقق بالفعل. ولكن، ألا يمكن أن يعزى هذا إلى ارتفاع أسعار السلعتين الرئيسيتين اللتين تصدرهما روسيا، النفط والغاز، أكثر من كونه نتيجة لإجراء إصلاح هيكلي؟ حسنًا، هذا لا يبين سوى أن روسيا قادرة على الاستفادة بكلٍّ من الفرص والظروف، التي تبدو إيجابية بغض النظر عن الخيارات السياسية، والاستفادة من الخيارات التي يمكن أن تنبثق من السياسات الصحيحة. وحتى لو لم تكن تلك السياسات إصلاحية على النحو الكافي، ولم تتمكن من استخلاص كل الفوائد الممكنة من طفرة ازدهار الثروة النفطية التي تبين لاحقًا أنها غير دائمة، فهي رغم ذلك سياسات تختلف من حيث الجوهر، لكنها تتفوق من حيث المحتوى.

خلال العقد الحالي، تحاول روسيا، على طريقتها الخاصة، أن تمزج بين سياساتها الرامية إلى التغيير الشامل، والسياسات التنموية، وفي الوقت ذاته تعزف عن استنفاد ثروتها القومية ومصادرها الطبيعية على نحو أسرع من اللازم، أو على نحو أرخص ثمنًا من اللازم. فهي ترغب في الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من الانطلاق سريعًا في الميدان الاقتصادي بينما تمضي قدمًا في طريق العولمة، بدلًا من السماح للآخرين وحدهم بالاستفادة منها. وهي ترفض أن تتحول إلى إحدى تلك الأسواق الناشئة، لأن ذلك قد يعني مصادرة سيادتها الاقتصادية ورضوخها لضغوط رأس المال الخارجي. ومن غير المستغرب أن هذا السؤال المتغطرس لا يزال يتردد في الغرب: «من الذي أضاع روسيا؟» لقد بدأ الناس يطرحون هذا السؤال عندما بات واضحًا أن روسيا كانت تدير أمورها بطريقتها الخاصة، وأن أكبر بلدان العالم مساحة، وأغناها من حيث الموارد الطبيعية لن تسمح بأن تُستدرج وتُبتلع في دوامة الليبرالية الجديدة. والحقيقة أن بعض الشركات خسرت ما بدا أنه فرصة للحصول على موارد طبيعية هائلة بأسعار متدنية للغاية. لكن أحدًا لم يضع روسيا، لأنها لم تكن يومًا ملكًا لأحد. روسيا تتلمس طريقها ببطء في ظل العولمة بين واقعي ما بعد الاتحاد السوفييتي وما بعد الاشتراكية، وتتبارى لتحدد موقعها المستقبلي في العالم؛ وهذا الموقع سوف يزداد أهمية يومًا بعد يوم.

أود أن أضيف ملاحظة جانبية أقول فيها إنه لأمر محرج أن نرى مطبوعات لليبرالية الجديدة بقامة وحجم فاينانشيال تايمز أو الإيكونوميست تدعو إلى إجازة خرق القانون تحت عباءة قلقها على الديمقراطية. فهم يعترفون مرارًا وتكرارًا أن حكم القلة (الأوليجارشية) ليس أمرًا مقدسًا، وأن بعض الأمور التي حدثت خلال فترة الخصخصة الروسية في التسعينيات تصرخ طالبة بمعاقبة المتورطين. لكن هذه المطبوعات في نفس الوقت تدعو إلى الإبقاء على الوضع الحالي لحيازات تلك القلة دون مساس بها، في مقابل دفعها ضريبة شبه مالية على الأرباح القياسية المفاجئة. وبقدر ما يمكن أن يكون هذا أمرًا مبررًا فيما يخص الشركات الصغيرة التي تتحرك للخروج من منطقة الظل إلى منطقة الاقتصاد الرسمي المسجل الملزم بدفع ضريبة، فإنه في حالة حكم الأقلية يبلغ حد السماح بارتكاب جرائم اقتصادية. وهذا بطبيعة الحال من شأنه حماية مصالح الشركات ذات التوجه المؤيد للغرب. لكن ينبغي أن يكون ولاء الشركات للربح، ولا ينبغي أن تهتم بنقطة توجه البوصلة، شرقية كانت أم غربية. للأسف، يوجد أناس غالبًا لا يتعاملون مع الديمقراطية باعتبارها قيمة في حد ذاتها، بل باعتبارها أداة مفيدة لحماية مصالح خاصة. أو يمكن أن نطرح هنا تساؤلًا آخر: هل بالضرورة تكون الشركات ذات التوجهات المؤيدة للغرب، والعاملة في مجال الطاقة مرتبطة تلقائيًّا ﺑ «الحرية» و«الديمقراطية»، بينما تكون جميع الشركات الأخرى ذات توجهات «استبدادية»؟

إن الضرائب تدفع على الدخل المكتسب بصورة مشروعة، وعلى الأرباح الناجمة عن رأس مال آت من مصادر نزيهة. ويمكن أيضًا أن تفرض أحيانًا على الأصول، عندما تتزايد قيمتها على نحو جذري نتيجة للظروف الجيدة التي لم يكن لأصحاب رءوس الأموال دخل فيها. فعلت الحكومة البريطانية ذلك بالضبط في بعض شركات الطاقة في الماضي القريب، لكن هذه ليست الطريقة الصحيحة للتعامل مع الثروة الناجمة — في جزء كبير منها — عن التحويلات الاحتيالية التي تخدع البلاد ومواطنيها. فالضرائب ليست وسيلة لسداد ثمن ارتكاب الجريمة، وإنما وسيلة لإعادة توزيع الثروة باسم المساواة الاقتصادية والاجتماعية. والتعامل مع المجرمين هو شأن وكلاء النيابة والقضاة، لا شأن جباة الضرائب ومكاتب ضرائب الدخل. والصفقات غير المشروعة على غرار الصفقات التي أجراها بعض أعضاء الأوليجارشيات الروسية التي دافعت عنها الإيكونوميست على نحو مثير للدهشة،26 من شأنها أن تنال أحكامًا قضائية في الولايات المتحدة تصل إلى تسعين عامًا، وليس تسعة، وحينئذ، لن يتهم أحدٌ القضاة بأنهم تأثروا في حكمهم بدوافع سياسية.

تبدو الأمور في أسوأ حالاتها حينما يتحول الأمر الشاذ إلى قاعدة. لكن ما القاعدة، وما الشاذ، ومن الذي لديه الحق ليقرر ذلك؟ التاريخ؟ بالتأكيد، لكننا لا نملك الوقت الكافي لننتظر حكم التاريخ، لأن بعض الأمور يجب تسويتها هنا، والآن، ليس في المستقبل البعيد بعدما تخبو جذوة الجدال الذي ينبع من العواطف ومن الحسابات النقدية ومن اختلافات القيم والصراعات الضارية من أجل المصلحة. وينشأ قدر كبير من الجدل ببساطة جراء تقديم البعض تفسيرات مختلفة اختلافًا جذريًّا عما يجري في الواقع.

هذا هو الاستنتاج الذي انتهى إليه بيتر ماندلسون — المفوض التجاري الأوروبي في ذلك الوقت — بعد ١٥ عامًا من سقوط الاتحاد السوفييتي. فقد أدرك عقب زيارة إلى موسكو، أن الارتياب الروسي من جدوى إرساء الديمقراطية ونظام السوق الحر على النمط الغربي كان قائمًا إلى حد بعيد على التجارب السلبية للتحول الجذري. فما كان يبدو أمرًا طبيعيًّا في الغرب، لم يكن بالضرورة ليبدو بنفس الصورة في روسيا، والعكس صحيح. فبادئ ذي بدء، يقيم الروس الوقائع على نحو يتسم بالمادية والبرود، وفي ضوء «البؤس الذي تسببت فيه عمليتا التحرير والخصخصة خلال فترة التسعينيات» كما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية.27 حدث هذا لقطاع كبير من الشعب الروسي والنخبة السياسية، وللكثير من الاقتصاديين الذين — من خلال انتقاداتهم القاسية — لم يتعاملوا مطلقًا مع الخيارات المضلِلة التي لجأت إليها روسيا خلال فترة التسعينيات باعتبارها أمرًا عاديًّا. فإرساء الديمقراطية ونظام السوق الحر على نحو قسري في روسيا كان أمرًا بعيدًا كل البعد عما يعتبره الغرب ديمقراطية طبيعية، وسوقًا طبيعية.

ولا يزال مبشرو ومناضلو أيديولوجية الليبرالية الجديدة يعتبرون الاقتصاد الروسي اقتصادًا غير سوقي، وأن هذا البلد ليس بلدًا ديمقراطيًّا. لكنهم أقل تدقيقًا عندما يتعلق الأمر بالصين، التي تعلمت كيفية التعامل معهم. فهم يتصرفون كالغزاة الإسبان في القرن السادس عشر، الذين كانوا متحيرين حول إن كان السكان الأصليون الذين وجدوهم في الأراضي الجديدة لهم أرواح حقًّا كباقي البشر، أم أنه سيكون من الأفضل قطع رءوسهم بدلًا من تجشم عناء محاولة هدايتهم. لكن، كما يقول المثل البولندي القديم: «من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا.»

لا نعرف من الذي سيضحك أخيرًا، فالتاريخ ماضٍ، وبمضيه ستظل تتبدل الأدوار عدة مرات، لكن بالتأكيد لن يكون الضحك أخيرًا من نصيب أنصار الليبرالية الجديدة، ولا أولئك المتشددين المحافظين من الغرب، ولا أولئك السذج من الشرق، الذين يعتقدون أن اتباع أيديولوجية غربية هو أفضل وسيلة لتحويل أنفسهم إلى غرب آخر. وهم لن يجدوا الكثير ليضحكوا منه إذا قرءوا أيًّا من الصحف الحزبية التي تستعرض ازدهار الاقتصاد في بكين أو موسكو، أو حتى أي صحيفة هندية تصدر باللغة الإنجليزية؛ وإنما من وكالة المخابرات المركزية التي أوردت في تقرير تصدره عبر الإنترنت أن الإنتاج العالمي قد ارتفع بنسبة ٥٪ في عام ٢٠٠٦، وأن الفضل في هذا النمو يعود إلى نمو كلٍّ من الصين (١٠٫٥) والهند (٨٫٥) وروسيا (٦٫٦).28 فهذه الدول الكبرى الثلاث لا تتبع مبادئ توافق واشنطن، نظرًا لأنها لم ترضخ للضغوط التي مارستها جماعات المصالح الخاصة والأيديولوجيات المرتبطة بالليبرالية الجديدة. يشكل سكان هذه الاقتصادات المتنامية الثلاثة نسبة ٤٠٪ من مجموع سكان العالم، وتبلغ حصتهم من الناتج العالمي نحو الربع. إنها ثلاثة مجتمعات ديناميكية نشطة، ذات رأس مال بشري يتزايد باستمرار، وسوف يكون أول شخص يقف على سطح المريخ أحد أبناء تلك البلدان. من يضحك أخيرًا، سيمضي قدمًا ويحافظ على بقائه.
علاوة على ذلك، أصبح الاقتصادي الصيني البارز جوستين يفو لين — الذي يعمل أستاذًا بجامعة بكين، والذي كان قبل عدة سنوات عضوًا في المجلس الأكاديمي لمعهد بحوث التحول والتكامل وبحوث العولمة الاقتصادية، الذي أرأسه أنا29 — كبيرًا للخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي ونائبًا أول لرئيسه. صحيح أن عصفورًا وحيدًا لا يشكل سربًا، وأننا لا ينبغي أن نتوهم أن تعيينه سيغير كثيرًا من الأمور، لكن هذا على الأقل يمثل فرصة لئلا تظل أيديولوجية الليبرالية الجديدة مهيمنة بنفس القوة بعد الآن، وبأن نهج البنك الدولي فيما يتعلق بالتنمية سوف يصبح أكثر توازنًا.

لذا يمكن أن نتوقع أن تبحث مزيد من الاقتصادات الناشئة التي ظهرت بعد الاستعمار الجديد والدولانية والاشتراكية أو الانعزالية عن وصفات خاصة وملائمة لها للتنمية الاقتصادية. وسوف يتخذ هذا المسعى شكلًا وسطًا ما بين النجاح الصيني غير المسبوق وموقف أمريكا اللاتينية المناهض لليبرالية، وبين النموذج الإيجابي الهندي والتجارب غير المشجعة لا سيما للمكسيك التي ظلت واقعة تحت تأثير فكر المحافظين الجدد في واشنطن، بين منجزات الديمقراطية الاجتماعية للدول الاسكندنافية والتجارب الناجحة لبعض دول أوروبا الشرقية. وسوف تشهد الدول الأكثر تقدمًا اليابان وهي تعود لدورها الحيوي في المشهد العالمي، وسوف تشهد أيضًا الإنجازات المشجعة لاقتصاد السوق الاجتماعي لبلدان شمال أوروبا.

إذا بقينا داخل إطار البراجماتية والعقلانية، فهناك بلا شك الكثير الذي يمكن تعلمه من اقتباس بعض مبادئ الليبرالية الجديدة، وممارسة الأشياء المعقولة منها، وأغلبيتها تتسم بقدر كبير من الحكمة. أهم نقطة في التعامل مع الليبرالية الجديدة أن نحاول الوصول إلى جوهر العناصر العقلانية فيها، وأن نتجاهل الأمور التي تفاقم الركود، وتحدث الاختلال والشقاق، وتسفر عن الوقوع في الأخطاء من خلال الالتفاف حول حقيقة المعلومات. وينبغي استبعاد الأمور التي تؤدي إلى إثراء البعض على حساب إفقار الآخرين، والتي تعمل على إبطاء التقدم الحضاري بوجه عام. وحتى لو تبين أن إعلان موت الليبرالية الجديدة سابق لأوانه، فلن يكون من المبكر جدًّا أن نبدأ في إعداد المسودة المبدئية لنعيها منذ الآن.

ما نحتاجه هو حرية اقتصادية ودولة قوية. وهذه القوة، تتمثل من خلال أداء الدولة وظائفها بفعالية، وتوفيرها المرافق العامة والاقتصادية. وحيثما كانت الدولة ضعيفة على مستوى القوانين — كما هي الحال في العديد من البلدان الأفريقية — أو حيث جرى إضعافها بفعل تطبيق سياسات متشددة وقصيرة النظر — كما هي الحال في بعض البلدان الأوروبية المارة بمرحلة ما بعد الاشتراكية — تكون النتائج الاقتصادية أسوأ مما ينبغي بكثير. فبلد أفريقي عملاق بحجم نيجيريا هو خير مثال على ذلك، وكذلك الحال في زيمبابوي، التي كانت مزدهرة حتى وقت ليس ببعيد. وروسيا في ظل قيادة بوريس يلتسين في فترة التسعينيات مثال آخر، وأوكرانيا لا تزال كذلك. ففي هذه البلدان وغيرها، بات عجز الدولة يشكل حاجزًا يعوق اللحاق بركب البلدان الأكثر نموًّا في العالم أكثر من كونه نقصًا في تطور السوق. وهذا دليل آخر على حاجة السوق إلى الدولة.

هناك دومًا حاجة إلى التنظيم متى مثل اختراع (كالديناميت)، أو منتج (كالطائرة)، أو فكرة (كالحرية) تهديدًا لمصالح الآخرين. وهذا دائمًا يثير السؤال التالي: إن لم تكن الدولة هي التي ستضطلع بهذا الدور التنظيمي، فمن إذن؟ إن الليبرالية الجديدة — لا سيما في الأنماط الساذجة منها — لا تقدم أي إجابة عن هذا السؤال. يجب على الدولة أن تكون فعالة وقوية من خلال قوانينها، التي تشكل عناصر ضرورية لبناء اقتصاد سوق رشيد وتطويره. ولا يمكن الاستغناء عن الدولة فيما يتعلق بتلبية الأفضليات الاجتماعية وصياغة أهداف التنمية. فدورها بالغ الأهمية من أجل التوصل إلى توافق للآراء الاجتماعية، وهذا ما يتطلبه نجاح اقتصاد السوق. وتشكل الدولة عاملًا إيجابيًّا في تشجيع المعرفة، لكنها أيضًا تمثل إغراءً مستمرًّا لإثقال كاهل المغامرين والمبدعين — الذين يربحون الكثير من المال — بالضرائب الباهظة. وقد لا تكون إعادة توزيع الميزانية دائمًا في مصلحة التنمية؛ بل أحيانًا تكون مناسبة لإهدار المال العام. وأخيرًا، يمكن أن تتدخل بيروقراطية الدولة في آليات السوق على نحو يعوق تطوره.

وما دامت الدولة، باعتبارها سيادة القانون، تتدخل في آليات السوق — وهذا من وجهة نظرنا، يعني تدخلها إلى الأبد أو على الأقل ما دام هناك أشخاص أحياء يشتركون في المشاريع التجارية — فسيظل حجم الدور الذي تلعبه الدولة أمرًا مثيرًا للجدل، وذلك لسبب بسيط هو أن تدخل الدولة يعني إعادة توزيع الثروة. فالدولة من خلال نظامها المالي، تأخذ جزءًا من الدخل بدءًا من نقطة منشأه (وهو الأمر الذي لا يحبه أحد)، وتنفقه كيفما تستلزم نفقاتها (وهذه النفقات لا نهاية لها). وهنا تكمن المشكلة: هل هي نفقات ملائمة؟ أم مرغوبة؟ أم ضرورية؟ أو ربما ليست ضرورية على الإطلاق؟ لن تحل الاختلافات حول هذه النقطة أبدًا. على الأكثر، يمكن أن تتفاوت ضراوة المجادلات. هذا لأن توزيع الدخل القومي من قبل الدولة قد استمر في التزايد دون انقطاع تقريبًا خلال القرن العشرين، وفي بعض البلدان، بما في ذلك البلدان الغنية جدًّا، تجاوزت النسبة التي توزعها الدولة ٥٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي؛ لذلك نسأل: ما مدى كبر حجم الدور الذي ينبغي أن تلعبه الدولة، أي الحكومة؟

ربما كان الليبراليون الجدد محقين في قولهم إنه كلما صغر الدور الذي تلعبه الدولة، كان ذلك أفضل. لكن هذا ليس صحيحًا بالضرورة. هذا التأكيد خاطئ على نحو جوهري، وهذا الخطأ ليس ناتجًا عن اعتبارات أيديولوجية، بقدر ما هو ناتج عن كونه إجابة عن السؤال الخطأ. فعندما نتحدث عن حجم دور الدولة ونطاق تدخلها في النشاط الاقتصادي، خاصة في عملية توزيع الدخل، فنحن بحاجة إلى التمييز بين الوظائف التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة من جهة، وقوة ونفاذ قوانينها من جهة أخرى.

اليوم، يتطلب الأمر تقليص دور الدولة فيما يخص وظائف بعينها، بسبب وجود حاجة لتعزيز دورها فيما يخص وظائف أخرى. تشمل الوظائف الأولى على سبيل المثال، وظيفتي البحث والتنمية، اللتين نجحت المؤسسات الربحية للقطاع التجاري نجاحًا كبيرًا في القيام بهما. أما الوظائف الأخرى، فتشمل وظيفة الحماية البيئية، التي أظهر القطاع الربحي أنه عاجز عن القيام بها. وفي حالة أكثر الاقتصادات ثراء، تستطيع الدولة أن تخصص موارد أقل نسبيًّا لخدمة الرعاية الصحية، نظرًا لأن الأسر الثرية قادرة على تغطية معظم هذه التكاليف على نحو متزايد من خلال الاشتراك في التأمين الصحي الخاص، وفي الوقت نفسه، يجبر الإرهاب الدولي الدولة على لعب دور أكبر في ضمان أمن مواطنيها. تتعدد اتجاهات التغييرات التي ينبغي أن تطرأ على الدور الذي تلعبه الدولة في هذه المجالات، وتتفاوت شدتها. فنحن بحاجة إلى دور «أصغر» للدولة في بعض المواقع، وفي الوقت نفسه، بحاجة إلى دور «أكبر» لها في مواقع أخرى.

تتشابه الآراء التي تنادي بالحد من دور الدولة، أو الحكومة، مع تلك التي تنادي بتعزيز دورها، في أن كل ما تردده هذه الآراء يدل على أنها ليست على اتصال بالواقعين الاجتماعي والسياسي. فقد أخطأت — على نحو ساذج — الهدف المهم؛ إذ ليس المهم أن يكون دور الدولة صغيرًا أو كبيرًا، بل المهم أن يكون دورًا فعالًا. والشعارات السياسية في بولندا التي تعد الناس بدولة «رخيصة» ساذجة أيضًا. إن وظيفة الدولة هي أن تزود الناس بالمنافع العامة اللازمة للعمل والتطوير بمستوى الجودة المنشود. وهذا يكلف مالًا، تمامًا مثل السيارة الجيدة. لكم هو مدهش عدد الناس المستعدين للتضحية بأموالهم في سبيل شراء سيارة جيدة، بينما يسمحون لأنفسهم بأن ينخدعوا بشعارات متشددة تخبرهم أنهم يستطيعون الحصول على حكومة تؤدي أداءً جيدًا دون أن يكلفهم ذلك الكثير من المال. للجودة ثمنها. فمثلًا، هناك حكومات صغيرة، ورخيصة أيضًا، في بابوا غينيا الجديدة أو في الصومال، لكن لا توجد تنمية.

عندما تتضخم وظائف الدولة، كما هي الحال الآن في بعض بلدان ما بعد الاشتراكية، أو في اقتصادات السوق الاجتماعي التي تعاني سوء التنظيم، يكون لهذا تأثير سيئ على القدرة التنافسية، وإمكانية تحقيق التنمية طويلة الأجل. وبالطبع هناك بعض النقاط الجيدة في وجهة نظر الليبرالية الجديدة فيما يتعلق بدور الحكومة، بما في ذلك الضغط المتواصل الذي تدعو إليه بهدف الحد من البيروقراطية الحكومية، ومن هدر الأموال العامة، وهو الأمر الذي لا يمكن القضاء عليه كليًّا. والهدف الرئيسي هو التصدي بقوة للفساد، لكن عندئذ، يجب أن يكون الجميع ضد الفساد.

الليبراليون الجدد يمارسون ضغطهم من خلال حكومات أقوى الدول للقضاء على الفساد، وهذه الدول بدورها تجعل شكل معاملتها للبلدان الأقل تقدمًا تتوقف على مدى جدية وفعالية الجهود التي تبذلها للحد من الفساد. فالمنظمات الحكومية الدولية مثل البنك الدولي، وبنوك التنمية الإقليمية جادون في حربهم الضارية لمكافحة الفساد في هذه البلدان. وتوفر الشركات والمؤسسات الكبرى تمويلًا سخيًّا للمنظمات العالمية غير الحكومية مثل فريدوم هاوس، التي تعقد مسابقات بغيضة لوصم أكثر البلدان فسادًا. ومن الجدير بالذكر أن أقل الدول فسادًا، التي تحتل قمم قوائم «الحكومات النظيفة»، دائمًا تكون هي الدول التي يكون للحكومة فيها دور كبير نسبيًّا.

ولا ينقطع الحديث حول هذه المشكلة في وسائل الإعلام، فيكون أحيانًا حديثًا عامًّا، وفي أحيان أخرى يتناول حالات محددة. وهو شيء جيد أن تتضافر هذه الضغوط لتساعد على منع هذا النوع من الفساد الذي يُحرِّف تخصيص رأس المال عن مواضع إنفاقه اللازمة، ومن ثم، يقلل الفعالية الاقتصادية بوجه عام، وهو الأمر الذي يتخوف منه رأس المال الكبير أكثر من تخوفه من الجوانب الأخلاقية لمشكلة الفساد. فمن وجهة النظر الأخلاقية وحدها، بالطبع سيكون الفساد أمرًا يستلزم الإدانة. لكن الليبرالية الجديدة تحارب الفساد لأسباب براجماتية بحتة، واثنان من هذه الأسباب لهما أهمية قصوى.

السبب الأول هو أن الفساد يؤدي إلى الحمائية، فهو يسفر عنها ثم يفاقمها؛ إذ تعمل الشركات الفاسدة على إفساد السلطات لكي تفوز بالحماية من المنافسة، وتحظى بالمكانة المتميزة، وبالتسامح بشأن تزييفها الحقائق التي تتعلق بحالة السوق. بعبارة أخرى، يشتري المفسدون «خدمة» تتمثل في الحماية التي توفرها السلطات من خلال إجراءات الحمائية، التي تمثل العدو الرئيسي لليبرالية بجميع أشكالها، بما في ذلك الليبرالية الجديدة. وهذه ليست مسألة أخلاق، بل مسألة تجارة وأعمال.

السبب الثاني: تشكل مكافحة الفساد مبررًا يتيح لرأس المال اختراق مؤسسات الدولة. فهذه الحملات ضد الفساد تسمح لهم بالاطلاع على أداء الحكومات وإداراتها من خلال مراقبة العملية التنظيمية والتشريعات والاستراتيجيات السياسية. لقد بات الوضع الآن على عكس ما كان عليه في السابق. ففي الماضي، كانت الحكومات وهيئاتها تعمل معًا لجمع معلومات حول طبيعة بنية رأس المال وتنظيمه. وكان باستطاعتها الاطلاع على نواياه وتعاملاته، بحيث تتمكن من حماية المصلحة العامة ومنع الأقوياء من التسيد على الضعفاء والتحكم بمصائرهم. أما اليوم، فصارت الشركات الكبرى تجمع المعلومات حول الحكومة لكي تضمن هذه الشركات أن تحظى مصالحها بالأولوية على المصلحة العامة. إن معاينة الميزانية الحكومية من قبل الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات أكثر سهولة من اطلاع الحكومة على سجلات الشركات المحلية، ناهيك عن سجلات الشركات متعددة الجنسيات. علاوة على أن جمع المعلومات من قبل قطاع الأعمال يطرح في المناقشات العامة وفي وسائل الإعلام على اعتبار أنه تعبير عن الحرص على المصلحة العامة، في حين يُنظر إلى جمع المعلومات من قبل الحكومة باعتباره تدخلًا بيروقراطيًّا في شئون المؤسسات الخاصة؛ لذلك، اختل التوازن المؤسسي، وهذا دائمًا يكون أمرًا ضارًّا بالتنمية، حتى إذا كان يدعم المصالح الخاصة لرأس المال.

ينبغي أن نضيف أن أكثر الاقتصادات نموًّا وفعالية من الناحية الاجتماعية، لا تضم بأي حال من الأحوال تلك التي يكون دور الحكومة فيها صغيرًا، أي، تلك التي لا تحصل ميزانيات حكوماتها إلا نسبة منخفضة نسبيًّا من الناتج المحلي الإجمالي. أكثر البلدان من حيث كبر مساحة الدور الحكومي هي بلدان الشمال الأوروبي، حيث يعاد توزيع الميزانية، والتدفقات الناتجة عن عائدات الضرائب، التي تذهب لمصلحة النفقات العامة، ويشكل ما تأخذه الحكومة ما يقدر بنصف الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يفوق النسبة في أي من اقتصادات بلدان ما بعد الاشتراكية.

لكن من السهل تفسير سبب كل هذه الجلبة حول تفوق الحكومات «الصغيرة» أي ذات الدور الصغير أو «الرخيصة»، على الحكومات «الكبيرة» أي ذات الدور الكبير، أو «الباهظة»؛ إذ تشمل أغنى دول العالم التي يقل فيها دور الحكومة: أستراليا واليابان وسويسرا، والولايات المتحدة، حيث تأخذ الدولة ٣٠٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي لتغطية نفقاتها. ويمكن رؤية أمثلة على الحكومات «الكبيرة» في هولندا وإيطاليا وبلدان الشمال الأوروبي، حيث تضطلع الدولة بتوزيع نحو ٥٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي. أما فيما يتعلق بكل المؤشرات الهامة مثل النمو طويل الأجل للإنتاج، ومستويات الدخل، ومستويات التعليم، ووفيات الرضع، وأمد العمر المتوقع، ونسبتي البطالة والتضخم، فنتائجها متساوية عمليًّا في كلتا هاتين المجموعتين من الدول والنظم الاقتصادية.

ما جوهر الموضوع الحقيقي إذن؟ هناك فارق واحد جلي. فالتفاوت في مستويات الدخل أكبر بكثير في الدول التي تؤدي حكوماتها دورًا صغيرًا منه في الدول التي تؤدي حكوماتها دورًا كبيرًا. فنسبة متوسط الدخل لأعلى ربع السكان دخلًا، إلى نسبة متوسط أدنى ربعهم دخلًا في مجموعة البلدان الثانية تبلغ ٥ إلى ١ تقريبًا، بينما تبلغ النسبة في المجموعة الأولى ٨٫٣ إلى ١.30 وقد ظلت هذه النسبة ثابتة في تقارير رصد مجموعات الأجيال في السبعينيات، والثمانينيات، والنصف الأول من التسعينيات. ثم زادت أكثر في السنوات اللاحقة، ولم يقتصر السبب في هذا على تزايد الطبقية في الولايات المتحدة فحسب. ها هو دليل لا يقبل الجدل على أن زيادة العدالة الاجتماعية، أو قلة التفاوت في مستويات الدخل — إذا كان لديك تحفظات أيديولوجية حول مصطلح العدالة الاجتماعية — تتفق كليًّا مع مواصفات الكفاءة العالية للاقتصاد. وها هي خرافة أخرى من خرافات الليبرالية الجديدة تنهار.

ليست المشكلة هي أن الدولة بوصفها مؤسسة أساسية مرغوبة من قبل البعض وليست مرغوبة من قبل البعض الآخر. فالجميع بحاجة إلى الدولة كحاجتهم إلى وجود سقف فوق رءوسهم. ومع ذلك يريد الجميع شكلًا للدولة يشعرون بالارتياح تجاهه. ومنظور صاحب العمل التجاري للارتياح ليس بالضرورة هو نفس منظور منظم الاتحاد الشعبي. فتفضيلات النخبة من المستثمرين والمدراء الذين يديرون الأمور، تختلف عن تفضيلات موظفيهم، الذين تختلف تفضيلاتهم هم أنفسهم بشدة. لكن الجميع يشعرون بأن الدولة تقف في طريقهم، أو على الأقل تلقي بظلالها على حياتهم. وإذا لم تكن تصيح مباشرة في وجوههم، فهم يسمعون صدى صوتها. لكن إذا نظرت نظرة فاحصة لاستراتيجيات مختلف جماعات الضغط واستمعت بحرص إلى ما يقولون، فستدرك كم هم في حاجة إلى الدولة. ففي كثير من الأحيان، لا سيما في الأسواق الناشئة، يكون أصحاب المصالح التجارية أكثر فعالية في مطالباتهم بالمساعدات من الدولة من الموظفين الإداريين والعمال مجتمعين. وقد لا تكون هذه هي الصورة التي تظهر في الصحافة والبرامج التليفزيونية، لكن المراقب السياسي الفطن يستطيع أن يدرك ما يجري.

ليس المهم هو ضيق أو اتساع نطاق مهام الدولة، أو كبر أو صغر دور الحكومة، بل المهم هو قوة وصلاحية القوانين العامة للدولة. ومن السهل القول إنك لا يمكن أبدًا أن تحصل على الكثير جدًّا من القوانين الجيدة، لكن ذلك ليس صحيحًا. فكل أمر يكون جيدًا إذا ما كان بالمقدار المناسب. وهذا ينطبق أيضًا على القوانين التي تُفرض على السوق، وعلى البنى الهيكلية في الاقتصاد، الذي تضطلع الدولة — التي هي نفسها مؤسسة عملاقة — بحمايته.

ما من دولة تتسم مؤسساتها بالمثالية؛ إذ دائمًا تكون هذه المؤسسات بحاجة إلى التطوير، والتطوير ممكن دائمًا. والفضائح المدوية الكبرى التي حدثت في الولايات المتحدة وأبرزت أسماء شركات عملاقة مثل إنرون أظهرت أن أصحاب المصالح لا يلقون الحماية دومًا في موطن المشاريع التجارية الحرة كما يقول الكتاب. وفي الصين، لا تزال الكثير من المؤسسات ضعيفة، لا سيما في مجالات مثل مسئولية ضمان شفافية الصفقات العقارية. وفي البرازيل، تزداد قوة المؤسسات المسئولة عن التعليم وتوزيع الأراضي الزراعية. وفي بولندا، تنجز أجهزة الحكم المحلي الآن مهامها على نحو أفضل من السابق. وفي روسيا، يُكبح جماح اقتصاد الظل.

مع ذلك لا تزال المؤسسات في بلدان ما بعد الاشتراكية تفتقر إلى الجودة المنشودة. فالمؤسسات القديمة إما تعرضت للتدمير، أو أنها تضمحل، بينما لا تزال الجديدة منها تتشكل، لا سيما في البلدان التي انضمت للاتحاد الأوروبي، الذي يتميز بمؤسسات سوق متطورة. وتشكل بلدان ما بعد الاشتراكية نماذج صادمة تبين كيف يمكن أن تؤدي الصراعات الساذجة ضد الدولة إلى التدهور. فعندما قلص هؤلاء دور الدولة — سواء أكان ذلك ناجمًا عن دوافع أيديولوجية، أو بسبب جماعات المصالح — قلصوا أيضًا التنافسية بوجه عام، وألحقوا الضرر بالمصلحة العامة. وهذا يشكل خسارة على المستويين قصير الأجل والاستراتيجي، نظرًا لأن ضعف الدولة يعني تضاؤل فرص النمو للاقتصاد ككل. وهكذا، ليست القضية الرئيسية هي زيادة أو تقليص نطاق مهام الدولة، بل التأكد من أن مؤسسات الدولة تعمل على نحو أفضل.

علاوة على ذلك، لا بد من أخذ السياق التاريخي في الاعتبار عند طرح التساؤلات حول الحجم المناسب لدور الحكومة، فما يبدو كبيرًا اليوم ربما لم يكن كذلك في الماضي، أو ربما لن يبدو كذلك في المستقبل. والحجم الأمثل لدور الحكومة في زمن السلم يختلف عنه في زمن الحرب. وأي حجم سيعتبر جيدًا لجيل شاب في مقتبل العمر وقادر على إعالة نفسه، لكنه لن يكون كذلك لجيل لا يزال في المدرسة، أو جيل يجتر ذكرياته عن مناصب شغلها قبل أن ينضم إلى فئة المتقاعدين.

يجب أن يرتبط حجم دور الدولة بوظائفها، فبعض الوظائف مثل الدفاع والشئون الدبلوماسية لا يمكن اختزال دور الدولة فيه، لكن وظائف أخرى مثل التعليم والبحث، اختيارية وتعتمد على القيم ودرجة التلاحم الاجتماعي الصحيح. وبمرور الوقت، يتطور كل هذا وتتغير اتجاهاته، وتتناقض في بعض الأحيان. فدور الحكومة إذن ضروري من أجل اقتصاد فعال، ونمو مضطرد ومتوازن، على أن يكون هذا النمو متوافقًا مع السوق. والبحث الأبدي عن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه هذا التوافق هو أحد الأسباب وراء وجود الاقتصاد بوصفه علمًا، والسياسة (أحيانًا، للأسف) بوصفها ممارسة عملية.

السوق في حد ذاتها لا تتضمن توازنًا ونموًّا مضطردًا فقط، بل تتضمن أيضًا فوضى وتذبذبًا. ويجب على السوق أن تصحح تجاوزات الحكومة وتسيطر على هذه التجاوزات، والعكس بالعكس. ومن المذهل أن يكون هناك من يمكن أن يفكر في أمر ساذج كإمكانية وجود اقتصاد قوي في وجود حكومة ضعيفة، ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين — لا في عصر سياسة عدم التدخل في القرن التاسع عشر — لا سيما في أعقاب حقبة تاريخية مثقلة بالأزمات، والصراعات والحروب والمصادمات، وحالات الإفلاس؛ لذا نجد أنفسنا نكرر نفس السؤال: هل هذا اختلاف في الرأي، أم صراع مصالح؟ والآراء التي تذهب إلى أن الدولة ينبغي ألا تتدخل في الاقتصاد لا يماثلها سذاجة سوى الرأي الذي يذهب إلى أن الدولة ينبغي أن تدس أنفها في كل تفصيلة، مثلما فعلت بولندا بين عامي ١٩٥٠ و١٩٥٥، عندما كانت خطة الست سنوات لا تحدد فقط عدد أطنان الحديد التي ستنتج، وعدد السفن التي ستُطلق في البحر، بل تحدد أيضًا كمية المخلل المفترض طرحه في الأسواق. وكأنهم كانوا يخشون ألا يجد الناس ما «يلوكونه» بين كأس من الفودكا وأخرى.

تشكل الدول واتفاقياتها العالمية، سواء الدائمة أو تلك التي تعقد لغرض مؤقت، عاملين لا غنى عنهما في السياسة بكل أنواعها، بما في ذلك السياستان الوطنية والمحلية، ولا غنى عنهما أيضًا حيثما كان العمل الحر الخاص وعدم القدرة على التنبؤ بأحوال السوق غير كافيين لدفع الناس إلى العمل، وإلى الاستثمار في رأس المال البشري، وإلى وضع الأساس الثقافي للنشاط التجاري. ومع ذلك توجد أماكن في العالم تفتقر إلى ذلك النوع من الرعاة البرجوازيين الذين اشتروا لوحات من متحف رامبرانت بأمستردام، أو المؤسسات الأمريكية المعاصرة التي تدعم بقاء نشاط المعارض الفنية قائمًا. والمسألة ليست مسألة غياب موهبة، فبعض أفقر بلدان العالم، مثل مالي أو بوركينا فاسو، يصنع أفلامًا أفضل من تلك التي يصنعها بعض أغنى بلدان العالم، مثل النرويج أو سويسرا. وهذا دليل آخر على أن المال وحده ليس كل شيء، ولا الموهبة وحدها أيضًا. فالنرويج وسويسرا لا تفتقران إلى أيٍّ من هذين العنصرين، لكن ماذا عن عنصر الطلب؟ إن ارتياد الناس دور السينما لمشاهدة الأفلام في البلدان الغنية يفوق أكثر بكثير ارتياد الناس دور السينما في البلدان الفقيرة؛ فمعظم الناس في مالي وبوركينا فاسو لم يرتادوا السينما أبدًا من قبل، أو حتى شاهدوا فيلمًا على شاشة التليفزيون، نظرًا لقلة عدد أجهزة التليفزيون هناك، وهناك نقص في الطاقة الكهربائية أيضًا في كثير من مناطق الساحل الأفريقي. فما هو العامل الحاسم إذن؟ إنها السياسة. إذا كانت للسوق يد خفية، فللسياسة رأس ظاهر.

ومن الجدير بالذكر أن بعض المصادفات تحدد مثل هذه المسائل، لأن أشياء كثيرة تحدث في نفس الوقت. وسياسة الحكومة ليست كافية وحدها؛ إذ لا بد أن تتوافر الموهبة، التي من المرجح أن تتطور إذا ما حظيت بالرعاية، وكانت فتية بما يكفي لتعليمها وتدريبها. ومن حسن الحظ أن الدولتين الاستعماريتين فرنسا والاتحاد السوفييتي — الذي تملقته بعض هذه البلدان الأفريقية الفقيرة إبان تجربتها مع الاشتراكية الأفريقية — قامتا بتعليم بعض من أفضل المواهب الأفريقية في معاهدهما المرموقة لتدرس صناعة السينما. حتى إن عدد من قامت هاتان الدولتان بتعليمهم صناعة السينما من الأفارقة أكثر ممن علمتهم من أبناء النرويج أو سويسرا، الذين لم يسعدهم الحظ بأن تكون بلدانهم مستعمرات، أو مملوكة لذلك الجزء من العالم الذي يعتقد قادته أن «أمور العالم تجري وفق هواه».

•••

إن المزج بين الشيء والآخر، بين الحكومة والسوق — أي بين السياسة وما هو غير متوقع، وبين التخطيط والعفوية، وبين الأمان والمخاطرة — من شأنه أن يواصل تغيير وجه العالم. وعندما يحدث المزج على النحو الصحيح، سيكون التغيير إلى الأفضل. هل ينبغي أن نفوت فرصة المزج بين فكرين اقتصاديين مختلفين لأن الليبرالية الجديدة انتهت؟ سيكون هذا خطأ تاريخيًّا آخر. لكن للأسف، وعلى الرغم من كل ما تعلمناه حتى الآن، فإن فرص ارتكاب مثل هذا الخطأ ليست ضئيلة على الإطلاق، وهو أمر لا بد أن نفكر فيه مليًّا.

الأمر الحاسم هنا هو تعايش العولمة والليبرالية الجديدة معًا في نفس الزمان والمكان. فحتى الآن، كما نعلم، كانت العولمة في الأغلب عملية عفوية، ولا تزال كذلك. وتتحدد تغيراتها بفعل عامل لا يمكن التنبؤ به، لا بفعل السياسة ولا التخطيط الاستراتيجي. والليبرالية الجديدة، بوصفها وصفة للحياة الاقتصادية، مثالية لشكل العولمة الفوضوي الحالي. وكلما قل التنظيم الحكومي والتدخل، كان ذلك أفضل. لكن يبقى السؤال: أفضل لمن؟ للجميع؟ هل هو أفضل للجميع؟ بالطبع لا. هل هو أفضل للأغلبية؟ كلا، هذا ليس صحيحًا حتى في أغنى البلدان، كما رأينا في حالة الولايات المتحدة، ناهيك عن بقية العالم. هل هو أفضل للبعض؟ بالتأكيد؛ فهو أفضل لأولئك الذين تعني مناصبهم ومواقعهم في لعبة عالم الاقتصاد أنهم سيحققون أكبر استفادة.

إن رأس المال الكبير فائز مطلق. فقد تحرر من إشراف الدول القومية ولم يصبح بلا دولة وإنما أصبح متحررًا منها. وهو لا يخضع لأي سيادة، ويستطيع أن يختار المكان الذي يرغب الذهاب إليه، ويتمتع بفرص متزايدة لأن يحدد المكان الذي سيقيم فيه الاستثمارات، والطريقة التي ستدار بها تلك الاستثمارات لتؤتي ثمارها. وتجد الحكومات والجماهير هذا مقبولًا، لأن خياراتهم محدودة، أو معدومة. ثم إن رأس المال يتصرف بعقلانية ويعمل على تحسين هدفه الوظيفي إلى الحد الأمثل، وهو تعظيم عائدات استثماراته إلى الحد الأقصى. أما الآخرون فلا يتصرفون بعقلانية نظرًا لأنهم لا يمتلكون المعلومات الكافية، ويفتقرون أكثر إلى القوة التي تجعلهم قادرين على رعاية مصالحهم على نحو فعال، سواء أكانت تلك المصالح قومية أم محلية أم فردية.

ومن ثم فالعولمة — بوصفها عملية معقدة — أقل عقلانية، أو غير عقلانية بالمرة. ومن الصعب أيضًا على الدول المنفردة أن تكون عقلانية عندما تكون مشاركة بالفعل في اللعبة العالمية السياسية والاقتصادية. لكن بعضها، لا سيما أغنى الدول الرأسمالية، قوي للغاية بحيث تسمح هذه الدول لنفسها بما هو أكثر من العقلانية، وعندما تمارس اللعبة على النحو الصحيح، تستطيع جني المزيد. فالصين تتصرف بعقلانية، رافضة فكر توافق واشنطن، لكنها على الرغم من ذلك لديها تفاصيل معينة ورسمت مسارًا يكاد يتوافق تمامًا مع العولمة. وهي تفوز في هذه العملية على نحو أفضل من أي بلد آخر، لأنها تمزج بين التحرر والتنظيم، وبين المشاريع الحرة للاقتصاد الجزئي واستراتيجية الاقتصاد الكلي. فهي تدمج هذه العناصر بدلًا من وضع أحدها ضد الآخر، مثلما فعلت الليبرالية الجديدة الأوروبية الشرقية، لا سيما الليبرالية الجديدة الروسية والبولندية.

في الغرب تحديدًا، حيث لا يزال الاقتصاد الكلاسيكي الجديد هو السائد، لا تنفك الأسئلة تتردد عن سر النجاح الصيني. والإجابة بسيطة جدًّا؛ إذ كل ما يتطلبه الأمر هو الخروج من القيد الفكري لليبرالية الجديدة كي نلاحظ أن النجاح الصيني ليس يتيمًا: بل له والدان. فأمه السوق، وأبوه الدولة. ولم يكن من الممكن أن تتحقق نتائج ممتازة من هذا القبيل إلا من خلال دمج تغيرات السوق وعفويته من جهة، مع الإجراءات الاستراتيجية للدولة من جهة أخرى. ولو كانت الصين تركت الأمور للسوق والقطاع الخاص وحدهما، لما تمكنت من تقليل تكاليف العولمة، في الوقت الذي كانت فيه تعظم الفوائد الناجمة عنها إلى الحد الأقصى. وفي الوقت المناسب، كانت الصين قادرة على استغلال حاجة الاقتصاد العالمي للسلع الصينية، من أجل تنشيط تنميتها من جهة، وجذب رءوس الأموال والاستثمارات الخارجية من جهة أخرى.

احتفى العديد من الاقتصاديين بهذا النهج العقلاني، وفيهم أولئك الذين ينتمون إلى منظمات دولية من الواضح أن ليس لها سوى فضل قليل في النجاح الصيني، أو لا فضل لها فيه على الإطلاق. ربما يتعارض هذا النهج مع النصائح التي قدموها، لكنه يبدو جيدًا، ويستطيع أن يدعي هؤلاء أنهم أصحاب الفضل فيه. فعلت بعض المنظمات والحكومات ذلك بالفعل. وتحدد معدلات البيانات العالمية المنظور الذي يمكن أن يُنظَر من خلاله للاقتصاد العالمي، والبيانات الواردة من بكين تُحسِّن المعدلات العالمية بوجه عام. فعلى أي حال، تنطبق هذه البيانات الصينية على قرابة عُشر واردات العالم، وسُبع صادرات العالم (عندما تتضمن البيانات هونج كونج)، بالإضافة إلى سُدس الناتج العالمي (من دون احتساب بيانات هونج كونج)، وخُمس مجموع سكان العالم (ولا تصنع بيانات هونج كونج فارقًا كبيرًا في هذا الصدد).

بعبارة أخرى، العولمة أقل عقلانية نسبيًّا، ويعود الفضل في ذلك بالدرجة الأولي إلى الصين وأيديولوجيتها وسياستها غير التقليديتين، اللتين رفضتا الليبرالية الجديدة. وهذا الدرس ذو تأثيرات هائلة على جزء كبير من الاقتصاد العالمي. وأيًّا كانت نتيجة العولمة، يجب على كل اقتصاد من الاقتصادات الوطنية للدول الأقل تقدمًا أن يكون له استراتيجيته الخاصة لتحقيق التنمية. فالعولمة لا تعفيه من هذا الالتزام، أو تحرمه هذه الفرصة. وكل ما تحتاجه تلك الاقتصادات هو أن تعرف كيفية الاستفادة من العولمة، وأن تكون لديها الرغبة في ذلك؛ كما هي الحال مع أي شيء آخر في الحياة.

وينبغي أن يكون واضحًا للجميع أن العولمة الشاملة، التي يستفيد ويربح من ورائها أكبر شريحة ممكنة من البشرية، هي مجرد حلم خيالي. فالعالم المثالي الذي تنادي به الليبرالية الجديدة، لا سيما في بياناتها السياسية التبشيرية، أمر غير واقعي وغير عملي. وهذا يشمل البيانات التي أقرتها الحكومات، أو التي زُودت بها من قبل الهيئات الدولية الاقتصادية والمالية، التي بدورها، تخدم مصالح بعض الحكومات أكثر من خدمتها مصالح حكومات أخرى. ولا أعتقد أنني بحاجة إلى أن أضيف أن هذه الهيئات تخدم مصالح رأس المال. وحقيقة أن هذه الهيئات تعلن أن هدفها الأسمى هو شن حرب لا هوادة فيها على الفقر، أو وضع استراتيجية تنمية متوازنة هي مسألة «تسويق سياسي» أكثر منها نوايا حقيقية.

سنترك لمناسبة أخرى إجابة السؤال الذي صرنا مستعدين الآن للإجابة عنه من الناحيتين المنهجية والواقعية، والمتعلق بمن المخطئون هنا والذين يؤمنون بسذاجة بحلمهم الخيالي، ومن الذين يتعمدون أن ينادوا به بينما يستخدمونه وسيلةً لتحقيق مصالحهم الخاصة. نسمع أحيانًا عن الرأي الذي يذهب إلى أن الليبرالية الجديدة هي آخر يوتوبيا عظيمة في القرن العشرين. وعندما نلقي نظرة على أنصارها المتشددين، ومدافعيها غير العقلانيين، نستطيع معرفة السبب. لكن المؤيدين والأتباع المتشددين، علاوة على مأجوريها في الإعلام والسياسة، يتصرفون باعتبارهم خدمًا لمصالح معينة يسهل إدراكها لمجموعات محدودة من المستفيدين. وانطلاقًا من هذه الرؤية، لا يمكن النظر لليبرالية الجديدة على أنها يوتوبيا، وإنما على أنها طريقة فعالة لحماية مصالح جماعات على حساب مصالح الآخرين. وهكذا تحولت اليوتوبيا الأيديولوجية إلى استراتيجية براجماتية. ولكي يحدث هذا ويكون فعالًا، فلا بد لها أن تستخدم التزييف والأكاذيب باعتبارهما أدوات لتضليل الرأي العام. ويجب أن نعترف كذلك أنها — في هذا الصدد — كانت أكثر فعالية من يوتوبيات أخرى في القرن العشرين؛ حتى الآن.

وبينما ننتظر وصول هذه اليوتوبيا، تستمر الحياة وتُبرم صفقات الأعمال. ويسمح الناس السذج لأنفسهم بأن يكونوا فريسة للتضليل، فهم لا يعتقدون فقط أن الأمور يجب أن تكون كما هي عليه، بل إنهم في بعض الأحيان يميلون إلى جانب مخطط يضرهم؛ فهم يقدمون دعمهم السياسي للنخب المسئولة عن هذا المخطط من أصحاب السلطة ورأس المال. أتذكر أنني شاهدت مشهدًا ذا مغزى رمزي بينما كنت أركض خارج المنزل في مانهاتن وقت الفجر، ففي ركن منعزل بجانب أبخرة العادم الدافئة المنبعثة من إحدى فتحات تهوية مترو الأنفاق بزاوية الشارع، كان رجل مشرد قد استيقظ لتوه يقرأ أخبار السوق في صحيفة فاينانشيال تايمز. لا شك أنه كان يبحث فيها عن أمل في مستقبل أفضل …

التسويق السياسي والهجوم الإعلامي ينجزان المهمة؛ فهما يبقيان الجماهير في حالة ترقب مثيرة لأسعار البورصة، وكأن الأسعار المتذبذبة على الدوام لها أي تأثير مهم على حياة الناس. وهذا يصرف انتباه الناس عن مسائل أكثر أهمية، كما يجتذب مستثمرين صغارًا يمكن أن يتحولوا، إذا كانوا بأعداد كبيرة، إلى أداة مفيدة في لعبة المضاربة. فالناس مشغولون بتذبذب متأرجح لا ينتهي لأسعار الصرف، حتى عندما تكون التذبذبات طفيفة من الناحية العملية. كما أن أعدادًا هائلة من الناس تعرف — بلا هدف معين من ذلك — أين يقف متوسط مؤشر داو جونز، وبأي قدر يتغير كل يوم. وحفنة صغيرة من السياسيين هم من يدركون وجود أشياء أخرى مهمة مثل مؤشر التنمية البشرية، ومؤشرات أخرى تعبر عن مستوى الرفاهية، تستحق أن يأخذوها في الاعتبار عند وضع استراتيجياتهم.

إن التحالف بين الليبرالية الجديدة ورأس المال — الذي لا يكاد يخضع لأي قيود في عالم اليوم ويملك نفوذًا أكبر من نفوذ الحكومات والمنظمات الدولية أو أي شركاء آخرين — يؤدي إلى سباق نحو القاع. وخفض الضرائب وإضعاف الدولة تحت شعار تقليص دور الحكومة جزء من هذا. والغاية من إضعاف الدولة هي تقويض قدرتها على الوقوف في وجه سلطة رأس المال. وبهذا تمتد التخفيضات إلى التحويلات الاجتماعية، وشبكة الأمان الاجتماعي للفقراء والمهمشين اجتماعيًّا. وتنخفض الرواتب من الناحيتين النسبية والمطلقة. فوضع القيود على عملية التنظيم يضعف مؤسسات السوق الحرة السليمة، لا يقويها.

وتكون هذه العملية مصحوبة بخطب للخانعين من رجال الاقتصاد، والمحللين، ومعلقي وسائل الإعلام، والمراكز البحثية، والسياسيين المتعصبين أو الفاسدين. وهم يتحدثون عن سوق عمالة مرنة، وتنافسية التكلفة، والقضاء على المدفوعات الزائدة التي توجهها الميزانية إلى الضمان الاجتماعي الذي يجعل الناس كسالى، وتيسير النظام الضريبي، وإزالة العقبات البيروقراطية.

يتصرف رأس المال على نحو عقلاني ضمن إطاره المرجعي الخاص، ويجب الاعتراف بأنه حقق الكثير. يظهر هذا في أوضح صوره في اقتصادات ما بعد الاشتراكية، سريعة التأثر بتعاليم الليبرالية الجديدة وجماعات الضغط. وهذا هو السبب في أن اقتصادات السوق الاجتماعي — تلك التي تكفل الحرية الشخصية لإقامة المشاريع، والتنافس في سوق حرة، وفي الوقت نفسه تستعين بالدولة لتراقب تقسيم مكاسب النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي المتوازن — لا تستطيع أن تنشأ في المرحلة الحالية من العولمة، لا في بلدان ما بعد الاشتراكية، ولا في غيرها من الاقتصادات الناشئة. ففي بلدان ما بعد الاشتراكية، ساعد المزيج الخاص من الظروف السائدة في مطلع التسعينيات، التي تحدثنا عنها بالفعل، في الانتصار المؤقت لليبرالية الجديدة بالرغم من كل عيوبها. وفي الاقتصادات الناشئة الأخرى المؤسسات ضعيفة بوجه عام، ويوجد نقص في المعروض من الأموال العامة، وحالة الشد والجذب بين الليبرالية الجديدة والشعوبية تُحدث أثرًا مدمرًا على إمكانيات التنمية. يتطلب اقتصاد السوق الاجتماعي دولة قوية واتفاقًا سياسيًّا راسخًا، وهذان أمران لا يتوافران في بلدان ما بعد الاشتراكية، ولا فيما كان يعرف باسم العالم الثالث، الذي هو في حقيقة الأمر نفس العالم الذي كان موجودًا دائمًا، حتى إذا كان يظهر الآن على المسرح العالمي بمسميات مختلفة.

لا يمكن أن تنشأ اقتصادات السوق الاجتماعي اليوم إلا حيثما كانت مجموعة الظروف السياسية والثقافية والاقتصادية التي تتطلبها هذه الاقتصادات قد تهيأت في وقت ما في الماضي، وتوطدت بما يكفي لأن تصمد. وينبغي أن نضيف أن العديد من القيم الاجتماعية وقيم الرفاهية الاجتماعية للاقتصاد الاشتراكي، وما يصاحبها من جاذبية ثقافية، تمثل أحد هذه الظروف. كان للدعاية، أو العلاقات العامة، كما نطلق عليها اليوم، تأثير أيضًا. لقد تطلب صد الميول الاشتراكية، أو حتى الشيوعية، التي ظهرت هنا وهناك في الغرب بين الأربعينيات والستينيات توسع «حالة الرفاهية»، ومزيدًا من الاهتمام بالأكثرية العاملة، لكن الثقافة انتعشت أيضًا. فليس سرًّا أن إقامة هذا العدد الهائل من المتاحف والمعارض الفنية في ظل إدارة كنيدي كان رد فعل للمشهد الثقافي الحيوي المفعم بالنشاط الذي كان موجودًا في الاتحاد السوفييتي. ويعتبر كثير من الأمريكيين فترة الحرب الباردة حقبة ذهبية للفنون والمعرفة. فقد كانت الحكومة أقل شحًّا في ذلك الوقت، فأنفقت الأموال لتحدث انطباعًا أكثر جاذبية في وقت احتدمت فيه المنافسة بين القوتين العظميين، وبين النظامين الاقتصاديين المتعارضين. وبفضل ذلك، وبحكم الاستمرار والعادة، لا يزال لدينا الكثير من المتاحف الرائعة في الولايات المتحدة، إضافة إلى أكثر من ٤٠٠ فرقة أوركسترا سيمفونية محترفة، ونحو ١٥٠٠ فرقة هواة. ولا تزال الدول الرأسمالية المتقدمة تحصد فوائد أفكار مستمدة من أيديولوجية العالم الاشتراكي البائد، بل حتى من ممارساته. ومع أن الكتلة الشرقية لم تقصد أبدًا المساعدة في دعم اقتصادات السوق الاجتماعي في الغرب، فإن هذا هو ما حدث. التاريخ مليء بالمفارقات؛ وهذه إحدى المفارقات المفيدة.

اليوم، لا تزال آثار هذه الأفكار موجودة في شكل مختزل. فقد قُلص نطاقها، حتى في أغنى الدول، ليس فقط بسبب التكاليف الباهظة التي يمكن أن تنجم عن مخصصات مالية توجه لمجتمع يتقدم أفراده في السن، لكن أيضًا نتيجة لضغوط السوق العالمية ورأس المال الدولي. وحتى في معاقل اقتصاد السوق الاجتماعي مثل كندا وبلدان الشمال الأوروبي، حدث إضعاف الدولة والتدابير التي تتخذها على صعيد الرفاهية الاجتماعية، وازدادت عدوانية الأسواق، واتسع هامش التهميش الاجتماعي، ومع ذلك تحتل بلدان الشمال الأوروبي — فنلندا والسويد والدنمارك والنرويج وأيسلندا — قمة التصنيف العالمي، ليس فقط في مجالات معينة مثل القدرة التنافسية، والنضج المؤسسي، وجودة رأس المال البشري، وحالة البيئة والسلامة العامة، واستخدام شبكة الإنترنت، بل أيضًا في أكثر المعايير عمومية لمستويات التنمية الاقتصادية ومستويات المعيشة. لكن حتى في هذه الدول، للأسف، كان لليبرالية الجديدة، وللجوانب السلبية للعولمة الجامحة تأثير هدام.

لا بد أن ينتهي السباق نحو القاع يومًا ما، لكنها لن تكون نهاية سعيدة للجميع، لا سيما أولئك الذين سيصطدمون بالقاع. سيكون من الأفضل أن يتوقف السباق قبل أن يصبح الخلل الوظيفي للدولة لا يطاق. فكل أزمة تقريبًا — بما فيها تلك التي أدت إلى سباق نحو القاع — تمثل فرصة لإعادة التفكير في الأمر، ولإجراء التغييرات اللازمة. لكن للأسف، لن يحدث هذا حتى تتسبب الأزمة في أضرار بالغة. إننا لا نستطيع اتخاذ التدابير الرشيدة اللازمة قبل حدوث ذلك، لأن هذا يكلف الكثير. فأوهام الليبرالية الجديدة تركت المستفيدين من العولمة الفوضوية غير قادرين حتى على إدراك حجم المخاطر المحيقة بهم، ولا على رؤية إلى أي مدى اجتاحت اللاعقلانية الاقتصاد العالمي بأكمله.

الطمع حافز كبير، إلا أنه عادة يشجع على أفعال لاعقلانية من وجهة نظر الاقتصاد الكلي ومن المنظور الاجتماعي. وينطبق هذا على الاقتصاد العالمي أكثر مما ينطبق على الاقتصادات الوطنية. الطمع يربك الناس. وبينما ينبغي أن يكون اتجاه الليبرالية الجديدة نحو السقوط مصدرًا للارتياح، فمن المستحيل ألا نقلق من هذا الإرث الهزيل الذي ستتركه للعالم ولنا (ليس كلنا في الواقع).

ما أعجب الحماقة التي يمكن أن يرتكبها أشخاص تبدو عليهم أمارات الحكمة، والضرر الذي يمكن أن يتسببوا فيه!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢