خيرية

هي امرأة في الأربعين من عمرها، تزوجت منذ عشرين عامًا أستاذها في الجامعة، ولم تشتغل بعد التخرج؛ لأن زوجها كان ثريًّا ولم يكن في حاجة إلى مرتبها، كما أنها فضَّلت التفرغ لخدمة بيتها وزوجها، ثُمَّ طفليها من بعده. كبر طفلاها، وتزوجت الابنةُ الكبرى، أمَّا الابن فقد تخرج في كلية الهندسة وهاجر إلى كندا، أصبحت حياتها خالية بعد أن غاب ابنها وابنتها عن البيت، زوجها مشغول ليل نهار بعمله وبحوثه وقراءاته، وهو يكبرها بحوالي خمسة عشر عامًا.

حياتها الزوجية كانت هادئة، وكل عام يحتفل زوجها بعيد ميلادها، وحين جاء عيد ميلادها الأربعون شعرت بصداعٍ حاد، وبدأت تنتابها حالات غريبة أشبه بالدوخة، وتشعر بدوار في رأسها وانقباض في صدرها، وحين تنظر إلى وجهها في المرآة ترى بعض تجاعيد حول عينيها وحول فمها، بدأت تزيد من طبقة البودرة لتخفي التجاعيد، وبدأت تفقد الثقة في نفسها، وكلما خرجت مع زوجها في زيارة أو حفل راحت تختلس النظر إلى الفتيات الشابات وتشعر برغبة في الاختفاء عن أعين الناس، وبدأتْ تتصور أن زوجها أصبح يرى التجاعيد في وجهها، وأنه أصبح يتطلع إلى الفتيات الشابات، وبدأت تنهشها الغيرة وعدم الثقة في النفس، تراودها فكرة الموت كثيرًا، وتتذكر أمها التي ماتت منذ أكثر من عشر سنوات، وتشعر أنها ستموت قريبًا، وأصبحت تخاف حين تسير وحدها في الشارع، ولا تخرج إلا بموافقة زوجها، تنتابها أحيانًا نوبات أرقٍ حادة، وتظل طول الليل تتخيل أمها التي ماتت، وتشعر بالاختناق. كانت تشعر بلذة مع زوجها قبل هذه الحالة، ولكنها أصبحت لا تشعر بأية لذة، ويُخيَّلُ إليها أن زوجها لم يعد يرضى بها، وأنه يفكر في امرأةٍ أخرى غيرها أصغر منها سنًّا.

أخذها زوجها إلى طبيب نفسي، فقال الطبيب إنها مُصابة بما يُسَمَّى اكتئاب سن اليأس، بسبب بعض الاضطرابات في الهرمونات، وأعطاها بعض الأقراص والحقن، لم تتحسن حالتها، بل زادت سوءًا، وحين تأخذ الأقراص تشعر بالعرق الغزير يتصبب من جسمها، وتحس كأنما ستموت.

إن حالة خيرية ليست نادرة في مجتمعنا، بل هي إحدى الحالات الكثيرة التي نصادفها في النساء اللائي يبلغن الأربعين أو ما حولها. إن هذا الاكتئاب الذي تشعر به المرأة في تلك السن ليس له سبب بيولوجي أو هرموني في معظم الحالات، وإنما سبب اجتماعي؛ فالمجتمع ينظر إلى المرأة في هذه السن كأنما حياتها انتهت، وكأنما هي أدَّت دورها في الحياة (وهي إنجاب الأطفال وتربيتهم حتى التخرج أو الزواج) ولم يعد لها دورٌ آخر، والرجل أيضًا ينظر إلى المرأة كأنما هي انتهت، ويبدأ ينظر إلى الصغيرات، ولا شك أن نظرة المجتمع والرجل تنعكس على المرأة نفسها، فتشعر أنها أصبحت بغير دور، وأنها لم تعد مطلوبة ولا مرغوبة، وتفقد الثقة في نفسها، وتشعر بالعصاب، وقد تفكر في الانتحار كوسيلة لإنهاء حياتها بسرعة.

لكن هناك نساءً لا يشعرن باكتئاب في هذه السن، وهذا يدل على أن السبب ليس بيولوجيًّا أو هرمونيًّا، هؤلاء النساء هن النساء اللائي أدركن أن دورهن في الحياة ليس الإنجاب، وليس تربية الأطفال، وإنما دورهن في الحياة هو العمل الخلاق والإنتاج والمساهمة في تغيير المجتمع إلى الأفضل، إن المرأة من هؤلاء تظل واثقة من نفسها حتى نهاية عمرها، وتشعر بأنها مطلوبة، وأنها تؤدي دورًا هامًّا للمجتمع.

وحينما سألتني خيرية عن الطريقة التي يمكن أن تشفيها من حالتها قلت لها إنها لا بد أن تخلق لنفسها دورًا في المجتمع، وأن تعمل على تغيير الظروف الاجتماعية التي تعيشها البنات والنساء، والتي جعلتها في البيت للخدمة وغسل الصحون أو شغل الإبرة، أو زيارة الجيران والأقارب، ولم تمارس عملًا خلَّاقًا منتجًا في المجتمع. وقالت خيرية: لقد أخطأت في حق ابنتي وزوَّجتُها قبل أن تستكمل تعليمها، ولا شك أنها ستكرر الحياة الخاوية التي عشتها، وتشعر بأن دورها انتهى بمجرد أن يترك أولادها البيت.

وتساءلت خيرية: ولكن ما العمل الذي يمكن أن أعمله الآن؟

قلت لها: عليك بالانضمام أو إنشاء حركة نسائية أو تنظيم نسائي من أجل رفع وعي النساء، بحيث تتربى البنات في جو يؤهلهن للعمل المنتج وليس للزواج، وتنهدت خيرية في أسًى وقالت: هل أستطيع أنا أن أفعل ذلك؟

وقلت لها: ولِم لا؟ إن أية حركة في التاريخ تبدأ بالأفراد، ثُمَّ تجذب إليها الجماعات.

قالت: إنني لستُ شابة لأبدأ.

قلت لها: أنت شابة، والشباب ليس عدد السنوات التي يعيشها الإنسان، ثُمَّ إن الكبر في العمر ليس عيبًا، بل ميزة، لأنه يُكسب الإنسان خبرة بالحياة والناس.

وإن المرأة الواثقة بنفسها تترك العمر الحقيقي يظهر على وجهها، والعمر الحقيقي لا دخل له بشهادة الميلاد، إن المحافظة على الصحة تجعل المرأة تبدو في شباب دائم وحيوية، لكنها حيوية ناضجة خبيرة بالحياة، والخبرة حين تظهر في العينين تعطي المرأة عمرها الحقيقي، وبعض النساء يرسمن في عيونهن نظرة ساذجة جاهلة «غير خبيرة بالحياة» من أجل التمسك بالشباب وفترة المراهقة.

ولا يمكن لأي إنسان أن يمنع بعض مظاهر التقدم في حياته، إنه قد يؤجل ظهور هذه المظاهر، ولكنها حتمًا ستظهر وبالتدريج على وجهه. إن التجاعيد مثلًا تظهر في أماكن معينة من الوجه، وكثيرٌ من النساء يحاولن إخفاء التجاعيد بالمساحيق، ولكن المرأة الواثقة بنفسها تنظر إلى كل «تجعيدة» في وجهها كجزء من حياتها تعتز به وتفتخر.

إن اعتزاز المرأة بنفسها وحياتها وقيمتها في الحياة يجعلها جميلة في نظر الناس، ويجعل من كل تجعيدة تظهر على وجهها جاذبية خاصة.

فالجمال هو الجاذبية، والجاذبية هي ذلك المعنى الذي ترمز إليه الملامح. حين نقول إن هاتين العينين جذابتان، فنحن نقصد — بوعي أو بغير وعي — أن المعنى الذي يشعُّ من هاتين العينين يجذب أنظارنا إليه؛ وعلى هذا فإن الجمال الخالي من المعنى جمال بغير جاذبية، وبالتالي ليس جمالًا.

ومن هذا المفهوم يمكن لأي امرأة (وأي رجل أيضًا) أن تصنع جمالها الخاص أو جاذبيتها الخاصة، وذلك بقدرتها على إشعاع المعاني المختلفة من ملامح وجهها وملامح جسمها، ومن حركة شخصيتها، ومن حوارها مع الآخرين، ونظرتها إلى الحياة والناس، وتفاعلها مع الحياة، ونشاطها، وعملها، وخبرتها بالحياة.

على كل امرأة أن تدرك هذا المفهوم الجديد للجمال، أن تفخر بخبرتها في الحياة، أن تثق بكل تجعيدة تصنعها الحياة على وجهها، وتعتبرها شهادة طبيعية من الحياة بنضجها وخبرتها، وتسجيلًا حيًّا لمرحلة من حياتها.

أمَّا هذه المرأة التي تظنُّ أن الجمال هو إخفاء حقيقتها تحت المساحيق، والظهور الدائم بملامح الساذجات الغريرات (القطط المغمضة)، فهي امرأة لا تعيش العصر الحديث، وإنما عصر الجواري، حينما لم يكن مطلوبًا من المرأة أن تكون إنسانًا له ملامح تعبر عن مخ يفكر ويشع مختلف المعاني، وإنما أن تكون كتلة مدكوكة لا تعبر عن أي معنًى سوى أنها كتلة لحم تؤكل حينما يُراد لها أن تؤكل.

ومن الطبيعي لهذه الكتلة من اللحم أن تشعر بالاكتئاب النفسي حين يتقدم بها العمر وتزحف التجاعيد الطبيعية على وجهها، إن اكتئابها ينبع من خوفها من أن تُلقى من فوق المائدة إلى حيث صفيحة القمامة، فهي لا تعرف لنفسها قيمة سوى أن تؤكل، ومن الطبيعي أن أكلة اللحوم (سواء كانوا من البشر أو من غير البشر) يُفضِّلون اللحم الصغير ليُمضَغ بسرعة ودون جهدٍ كبير.

ويمكن للمرأة أن تقي نفسها من الاكتئاب الذي تُصاب به كثيرٌ من النساء بعد سن الأربعين (يُسَمَّى خطأ في الطب النفسي اكتئاب سن اليأس) بأن تدرك أن حياتها لها قيمة أكثر من أن تؤكل، ولها من المعاني الكثيرة المتعددة التي تزداد تعدُّدًا وعمقًا بازدياد نضجها وتقدمها في العمر.

بهذه الحقيقة وحدها تنجو المرأة من اكتئاب سن اليأس؛ لأنها لن تشعر باليأس في أي مرحلة من مراحل عمرها، ولأنها تدرك أن كل مرحلة لها قيمتها، وهي تصنع قيمة لحياتها ووجودها، بصرف النظر عن رغبة الرجل فيها أو إعراضه عنها.

وبالطبع كنتُ أدرك أن كلامي هذا لن يشفي خيرية من الأعراض التي تشعر بها؛ فهي في حاجة إلى أن تشعر أنها مطلوبة ومرغوبة، ولها دورٌ هام في الحياة، وهذا لن يحدث إلا إذا خلقت لنفسها هذا الدور ومارسته، واستطاعت أن تحقق ذاتها من خلاله.

وقد يقول بعض الناس إن خيرية ومثيلاتها نساء طماعات، وماذا يردن بعد كل الحياة التي عشنها، وبعد أن بلغن من العمر أربعين عامًا؟! لكن هؤلاء الناس لا يعرفون أن سن الأربعين إنما هي سن قمة النضوج الإنساني، وهي السن التي يبدأ فيها الإنسان (رجلًا أو امرأةً) في الاستفادة من خبرات الشباب، وهي السن التي يبدأ فيها الإنسان الاستمتاع الحقيقي بالحياة، بعد فترة الإعداد والتجارب السابقة.

ومعظم النساء لا يبدأن فهم لذة الجنس أو تذوقها إلا في هذه السن، ومعظم النساء والرجال لا يبدءون في النضج العقلي والفكري والإنساني إلا في هذه السن؛ ولهذا تُعتبَر سن الأربعين هي المرحلة الأولى من حياة الإنسان التي يبدأ فيها العطاء، عطاء المجتمع خبرته السابقة ونضوجه. وحينما يحكم المجتمع بالإعدام على النساء في سن الأربعين، فقد حرم المجتمع نفسه من العطاء الفكري لنصف سكانه.

لكن المجتمع لا يعترف بأن للنساء جميعًا عطاءً فكريًّا، إن كل ما يهم المجتمع من معظم النساء هو عطاؤهن البيولوجي الجسدي فقط، وما دامت هذه هي نظرة المجتمع للنساء، فسوف تظل خيرية ومثيلاتها (اللائي ضحين بعملهن من أجل الزواج) مريضات بالاكتئاب، ما لم يسعين لتغيير حياتهن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠