خديجة

لم تشعر خديجة بأي حرج حين سألتُها عن سبب وجودها بسجن النساء، فقالت وهي تبتسم بسخرية: قضية قتل. وقال لي أحد الأطباء: إن خديجة تعاني من حالة قلق وأرق، ولا تنام إلا نادرًا. وسألتُ خديجة عن سبب أرقها، فقالت إنها تقضي الليل في مناجاة الله، فهو الوحيد الذي يعرف أنها بريئة وليست مذنبة. وسألتُها كيف جاءت إلى السجن، فقالت: قتلتُ طفلًا. وسكتتْ، وشردت عيناها في السماء، ورأيت في عينيها كمًّا هائلًا من الحزن العميق، ذلك الحزن الذي لا تراه دائمًا إلا في عيون الفقراء الكادحين، ويشبه السحابة الصفراء فوق العينين، وربما يكون مزيجًا من الحزن ونقص التغذية والإرهاق الجسدي والنفسي الشديدين.

ورفضت خديجة أول الأمر أن تحكي لي قصتها، نظرتْ إليَّ بنظرةٍ مليئة بالغضب والكراهية معًا، وقالت بصوتٍ قوي: لا أريد أن أحكي شيئًا، إنكم لا تفهمون شيئًا، أنتم تأكلون وتشربون، وتسكنون البيوت النظيفة، وتُعلِّمون أطفالكم في المدارس، وتركبون العربات، ولا يمكن لكم أن تفهموا شيئًا عن حياتنا، نحن خدم البيوت، خدم بيوتكم، نحن ننظف لكم بيوتكم ونغسل ملابسكم وملابس أطفالكم، ونغسل صحونكم، ولا نأكل إلا ما يبقى منكم، وفي الليل ندفع ضريبة فقرنا وذلِّنا من أجسامنا وشرفنا! ثُمَّ تأتون إلينا تحت ستار العلم لتبحثوا حالنا من أجل مساعدتنا، وأنتم لا تساعدون إلا أنفسكم، والمآسي التي نعيشها ليست إلا حكاياتٍ مسليةً لكم، وبعد كل ذلك نصبح نحن المجرمين والقتلة، وأنتم الشرفاء أسيادنا، أنتم الذين تضعوننا في السجن، وتحكمون علينا، مع أنكم أنتم المجرمون والقتلة!

كان إلى جواري يستمع إلى هذا الكلام أحد الأطباء، والأخصائية الاجتماعية، وأحد المشرفين، ونظر إليَّ الطبيب كأنما يعتذر عما قالته خديجة، وقال ما معناه إن خديجة عصابية أو نصف مجنونة، ويمكن لها أن تهذي بأي كلام، وقلتُ للطبيب إن خديجة لا تهذي، وهي عاقلة، بل ذكية، وإنها تعبر عما في نفسها في شجاعة، ودُهش الطبيب بعض الشيء، وقال وهو يتراجع إلى الوراء: سنتركك وحدك مع خديجة، ربما تستطيعان التفاهم معًا.

وأصبحتُ أنا وخديجة وحدنا، وظلَّت خديجة صامتة طويلًا، واحترمتُ صمتها ولم أسألها عن أي شيء، ثُمَّ رفعتْ إليَّ عينيها المليئتين بالحزن وقالت: إنهم يقولون عني إنني قاتلة، مع أنني لم أقتل، هل هناك أمٌّ تقتل طفلها؟! وصرختْ بصوتٍ عالٍ وهي تسألني: هل هناك أم تقتل طفلها؟! ولم أشأ أن أقول لها رَدِّي على هذا السؤال؛ حتى أتركها تحكي دون أن تتأثر بما سأقوله، لكنها كانت مُصِرَّة على أن تسمع ردي، وسألتني مرة أخرى: هل هناك أم تقتل طفلها؟! وعبَّرت عن رأيي بصدق وقلت لها: نعم، هناك أمهات يقتلن أطفالهن، وليس ذلك بسبب الكراهية وربما بسبب الحب، وإذا كنتِ أنتِ قد قتلتِ طفلك فأنا أستطيع أن أفهم كيف حدث ذلك، لا بد أنك عشتِ مأساة، وأن طفلك كان مُعرَّضًا لمأساةٍ أشد، فرأيتِ أن الموت أرحم له.

قالت بصوتٍ حائر: الموت كان أرحم له ولي، وكنت سأحرق نفسي بعد أن يلفظ طفلي نفسه الأخير، لكني صرخت حين رأيته ميِّتًا، وتجمع الناس على صراخي.

وسألتها: كم كان عمر طفلك؟

قالت: عشرة شهور.

وأدركتُ أن المأساة مختلفة عن المآسي التي رأيتها من قبل، حين كانت الأم تقتل طفلها بمجرد ولادته خوفًا من الفضيحة واكتشاف الناس لكونها أمًّا بغير زواج. وهناك بعض الأمهات ممن يعجزن عن كتم أنفاس الوليد حتى الموت، أو ترك الحبل السري ينزف الدم حتى يشحب الوليد ويموت، أو يتركن الوليد حيًّا بجوار جامع ليلتقطه أي قلبٍ رحيم. ولكن طفل خديجة كان عمره عشرة شهور، إن المسألة لم تكن تتعلق بالشرف أو خوف الأم من الفضيحة، وحاولت أن أفكر في نوع المأساة التي يمكن أن تقود إلى أن تقتل الأم طفلها وهو قد بلغ من العمر عشرة شهور.

وقالت خديجة دون أن أسألها: أنا لم أقصد أن أقتله، لم يكن في نيتي أن أقتله؛ لقد كان هو أمل حياتي، وكنت أشتغل وأشقى من أجله هو، ومن أجل أن أطعمه، فكيف يمكن أن أقتله؟ الله هو الذي قتله، هو الذي أخذه إليه ليرحمه من العذاب، لكن الناس تصوَّروا أنني أنا التي قتلته، وحين قلت لهم إن الله هو الذي قتله لم يصدِّقوني، لا أدري لماذا لا يصدِّقونني، ربما ظنوا أنني أنا الله الذي يأخذ الأرواح من الأجسام، ولكني لستُ الله، أنا امرأةٌ مسكينة، كنت خادمة في بيت كبيرٍ محترم، وكنت أعرف القراءة والكتابة، وكنت أذاكر أحيانًا مع ستي الصغيرة، وأقرأ معها القصص، وعلمتني بعض الكلمات الإنجليزية، وكنت أسمع الراديو وأرى التليفزيون، وعرفت أشياء كثيرة عن الحياة؛ لدرجة أنني تمنيت أن أدخل المدرسة وأتعلم مثل ستي الصغيرة، وكنت أفهم بسرعة عنها؛ لدرجة أن أمها (ستي الكبيرة) كانت تقول لها: «خديجة أذكى منك يا سوسو.» ونجحت الست سوسو في الثانوية ودخلت الجامعة، وكنت أحسدها وأتمنى أن أدخل الجامعة مثلها لأتخرج وأشتغل شغلة محترمة بدلًا من الخدمة في البيوت، ولكني كنت راضية بحياتي في هذا البيت؛ فقد كانت الست سوسو تعاملني كأختها، وكانت تعطيني الكتب لأقرأها، وتدافع عني حين تشخط فيَّ الست الكبيرة، وكانت الست سوسو في نفس عمري؛ أي في حوالي السابعة عشرة، وكان لها أخ يكبرها بعامين هو سيدي الصغير، وكان فاشلًا في الدراسة ويرسب كل عام تقريبًا، وكنتُ أشتغل عند هذه الأسرة منذ كان عمري اثني عشر عامًا، وكان سيدي الصغير هذا يأتي إليَّ في المطبخ كل ليلة ويقول لي لا تقولي لماما أو لسوسو، وكتمتُ الأمر لأني كنت أخاف أن تقول الست الكبيرة لأبي الذي يأتي كل شهر ليأخذ ماهيتي، ولم يحدث أي شيء لمدة سنوات، وتعودت على أن يأتي سيدي الصغير إليَّ، وفي يوم من الأيام أحسست أن بطني بدأ يعلو عمَّا كان، ومضت بضعة شهور، ونظرت إليَّ ستي الكبيرة نظرةً غريبة، وقالت لي: أنتِ حامل يا خديجة؟ وقلت لها: أنا لا أعرف أي شيء يا ستي. لكنها صفعتني على وجهي وقالت إنها رأتني أضحك مع المكوجي، وإنه لا بد ضحك عليَّ وفعل ما فعل، ولكني قلت لها إن المكوجي لم يلمسني، ثُمَّ بُحت بالحقيقة وهي أن سيدي الصغير (ابنها) هو الذي كان يأتيني في المطبخ وظل على ذلك لمدة سنوات، وصفعتني مرة أخرى وقالت لي: لماذا لم تقولي لي؟ طردتني، ولم أذهب إلى أبي لأني خفت أن يقتلني، ودخلت مستشفى القصر العيني لألد طفلي، وقالوا في المستشفى إنني يمكن أن أترك الطفل وأخرج وحدي، ولكني لم أستطع أن أترك طفلي؛ وأخذته معي على كتفي، وصممت على أن أعود إلى الخدمة بالبيوت وأعول طفلي حتى يكبر، وحين كنت أنظر في عينَيْ طفلي أشعر بسعادةٍ غريبة، وأنسى كل آلامي. واشتغلت في أحد البيوت، وكنت أضع طفلي في المطبخ وأنظف الشقة الكبيرة، وحين أسمعه يبكي أجري إليه لأرضعه. وبعد بضعة أيام أعطتني الست الكبيرة حسابي وقالت لي إنهم أتوا بخادمةٍ أخرى؛ لأن طفلي يزعجهم بالبكاء ويشغلني عن عملي. وبحثتُ عن بيتٍ آخر، لكنهم كانوا يستغنون عني بعد أيام بسبب الطفل، وفي أحد البيوت قالت لي الست الكبيرة: سنشغِّلك عندنا بشرط ألا تُحضري الطفل معك. وقلت لها إنه لا يزال يرضع مني، وإنني ليس لي أحد لأتركه معه، لكن الست الكبيرة اشترطت عليَّ ذلك، وكنت يئست من العثور على عمل، فتركت طفلي الرضيع عند جارة لي عجوز نظير أن أدفع لها جنيهين في الشهر، وكان كل مرتبي الشهري خمسة جنيهات، وكانت المرأة العجوز مريضة ولا ترى بعينيها جَيِّدًا، وكنت أعود في نهاية النهار فأجد طفلي راقدًا فوق التراب يبكي من شدة الجوع طوال اليوم، وكنت أبكي وأنا أحتضنه وأُرضعه وأشفق عليه مما هو فيه، وأحس بتأنيب ضميري لأني أتركه، وكنت أستعطف الست الكبيرة لأحضر طفلي معي لأرضعه أثناء النهار، لكنها قالت لي إنها اشترطت عليَّ منذ البداية ألا أُحضر الطفل؛ فهي مريضة بأعصابها ولا تحتمل بكاء الأطفال. وفي يوم عُدت من شغلي آخر النهار فوجدت طفلي مريضًا، جسمه كالنار من السخونة، ومُصابًا بإسهالٍ شديد، وبكيتُ حتى تورَّمت عيناي من منظر طفلي المسكين، وحملتُه إلى طبيب له عيادة قريبة مني، ودفعت للتمورجي جنيهًا ودخلت للدكتور، وأعطاني روشتة بها ثلاثة أدوية، صرفتها من الأجزخانة بعد أن دفعت ٢٨٠ قرشًا، وأعطيت طفلي الدواء، لكنه كان يُرجعه من القيء، وظللت طوال الليل ساهرة بجواره أبكي، وكلما أعطيته الدواء كان يصرخ ويبكي ويرجعه مع القيء، وفي الصباح فكرتُ في أن أبقى معه ولا أذهب إلى الشغل، ولم تكن أول مرة آخذ فيها إجازة، كنت قد أخذت إجازاتٍ سابقة لأبقى مع طفلي وأرضعه، لدرجة أن الست الكبيرة قالت لي: إذا تغيبت يومًا آخر فاعلمي أننا سنحضر خادمةً أخرى. ووضعت الملاءة السوداء لأخرج إلى الشغل، ونظرت إلى طفلي وهو راقد على الأرض ومن حوله بركة من القيء والإسهال، وملامحه أصبحت كالعجوز من الإسهال والحُمَّى، وحين نظرت إلى عينيه الغائرتين وهو ينظر إليَّ ويبكي أحسست أنه يتعذب، وأنه سيموت، ولم أشعر إلا وأنا أحتضنه في صدري وأضغط عليه بكل قوتي حتى فارق الحياة، وحين رأيته ميِّتًا بين يدي صرختُ وأنا ألطم على وجهي وأصيح: أنا اللي قتلته! وتجمع حولي الجيران، ولم أفق إلا وأنا في السجن.

وصمتتْ خديجة فترة ثُمَّ قالت: لو لم أصرخ وأقل إنني أنا التي قتلته لتصور كل الناس أنه مات وحده، أو أن الله هو الذي قتله ليريحه من العذاب، لكني أنا التي صرخت، وأنا التي اعترفت، وحين أنكرت بعد ذلك لم يُصدِّقوني، وقال الطبيب الشرعي الذي فحص جثة طفلي إنه مات مخنوقًا، وإنني أنا التي خنقته، مع أنني لم أخنقه، لقد ضغطت عليه ضغطة خفيفة جِدًّا، ولم أكن أقصد أن أقتله، لم أكن أقصد أن أقتله، ولكن الله هو الذي قتله!

وانفجرت خديجة في بكاءٍ عنيف، وبكيتُ معها دون أن أدري، رغم أنني قاومت الدموع، لكني لم أستطع.

وسألتها بعد دقائق: ومتى ستخرجين من السجن؟ قالت بغير مبالاة: لا أدري، لا يهمني الآن متى أخرج، إن حياتي هنا ليست أسوأ كثيرًا من حياتي بالخارج، إن ما يتعبني الآن ليس هو السجن، وإنما الصداع والأرق، فأنا أشعر كأن رأسي سينفجر، وأشعر برغبة في الصراخ بأعلى صوتي.

ودخلت الأخصائية الاجتماعية في ذلك الوقت وقالت لي: إن خديجة تصرخ أحيانًا بالليل، وتلطم على وجهها، وقد رأينا تحويلها إلى الطبيب النفسي لتأخذ العلاج المناسب.

ونظرت إليَّ خديجة وقالت: إنهم يظنون أنني أصبحت مجنونة، ولكني لست مجنونة، ولست قاتلة، ولست مجرمة، ولكن قولوا لي ماذا كنت أفعل؟ ماذا كانت تفعل أي أمٍّ في مكاني؟!

ونظرت إليَّ خديجة بعينين تقذفان نارًا، وسألتني: ماذا كنتِ تفعلين يا دكتورة لو كنتِ مكاني؟ هل أنتِ أم؟

قلت لها: نعم.

وسألتْ مرةً أخرى: ماذا كنتِ تفعلين لو كنتِ مكاني؟

وقبل أن أردَّ كانت الأخصائية قد أخذت خديجة من يدها وأخرجتها من الحجرة، وبقيتُ وحدي لحظات أفكر، وظل سؤالها يتردد في نفسي كثيرًا، وكنت أعرف الإجابة، وهي ليست بالتأكيد أن أقتل طفلي، ولكن أن أقتل الظلم والفقر والاستغلال في المجتمع بجميع الأسلحة، وأحد هذه الأسلحة هي الكتابة التي تفتح الأذهان والعيون على الحقائق، ولكن خديجة لم تكن تملك من الأسلحة ما يُمكِّنها من أن تقتل الظلم والفقر والاستغلال.

كل ما كانت تملكه من سلاح هو أن تضغط على طفلها حتى يموت، وتنقذه من الظلم والفقر والاستغلال. لقد مارست خديجة حقها الطبيعي كإنسانة تريد أن تقاوم الظلم. إنها لم تستسلم كبقية النساء المظلومات، وذلك بسبب ذكائها، وبسبب شخصيتها المكافحة الإيجابية. لقد رفضت خديجة الاستسلام، وأرادت أن تقاوم بالفعل، وإن الفعل الذي قامت به هنا لم يكن هو الفعل الصحيح، أو الفعل الذي ينقذها هي وطفلها من الظلم، لكنه كان الفعل الوحيد الذي تملكه؛ الفعل الوحيد الذي تستطيع أن تمارسه وتقاوم به الظروف السيئة التي عاشتها، وإن الصداع والأرق والصراخ والعصاب الذي أصابها ليس إلا نوعًا من المقاومة وعدم الاستسلام. إن خديجة لا تزال تقاوم ما دامت قادرة على ذلك جسديًّا ونفسيًّا؛ إنها لا تملك من وسائل المقاومة إلا جسدها ونفسها، وهي تقاتل بهما، وتدافع بهما عن حقها في الحياة. إن خديجة ليست مجرمة، وليست قاتلة، ولكنها مقتولة ترفض قبل أن تموت تمامًا، وهي ضحية ظروف اجتماعية ظالمة، استغلتها ونهشتها كقطعة لحم، ثُمَّ ألقت بها في السجن كهيكلٍ عظمي أكلوا منه اللحم. كيف يمكن أن تتصور بعد كل ذلك أن المشكلة داخل رأس خديجة، أو في جسدها، أو في خلل في الهرمونات المؤنثة؟! قال لي أحد الأطباء قبل أن أسمع مشكلة خديجة إن الأم التي تقتل طفلها مثل خديجة مُصابة بخلل في إفراز الهرمونات المؤنثة، وهذا يسبب ضعفًا في شعورها بالأمومة. وقال طبيب آخر إن خديجة تحتاج إلى تحليلٍ نفسي لمعرفة علاقتها بأبيها وأمها في طفولتها، ولا بد أنها عانت من عقدة أوديب، وكانت تكره أمها، وقد أفسد هذا الشعور أمومتها وعجزت عن أن تحب طفلها كأي أمٍّ طبيعية.

وهكذا كان من الممكن للأطباء والأخصائيين أن يُدخلوا حالة خديجة في متاهات علمية عن الهرمونات والغدد الصماء وعقدة أوديب … إلخ.

وبالطبع لم يستمع أحدهم إلى قصة خديجة كلها، وإذا سمعها فهو لا يرى أن هناك صلة بين ظروفها الاجتماعية وبين تعبها النفسي أو الفعل الذي قامت به (وهو قتل طفلها) من أجل حمايته من الظلم والفقر والاستغلال، وأنها ليست مذنبة، وليست مريضة نفسيًّا، وإنما ظروفها الاجتماعية هي المذنبة وهي المريضة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠