نكث الأمومة

عندما دخل قطار الصعيد يهدئ من سرعته كان نور الفجر الأزرق الحالم قد اكتسى بحُلة فضية من ضوء الصباح المنير، وقد فتحت السيدة روحية هانم عينَيها مع بزوغ أول شعاع من أشعة الشمس، ولبثت لحظةً مُستسلمة لتراخي النوم، ثم اعتدلت في جلستها في الصالون وأدارت عينَيها الزرقاوين الفاتنتين في أنحاء الصالون حتى استقرَّتا على وجه الأستاذ عاصم الذي كان يغطُّ في نومٍ عميق، فلاحت فيهما نظرة حب وحنان، وكان من الضروري إيقاظه لدنوِّ القطار من محطة مصر إلا أنها لم توقظه قبل أن تقوم إلى المرآة الصغيرة الموضوعة بين صورة الكرنك وأجا ممنون، فتُسوِّي شعر رأسها وتمسح خدَّيها وجِيدها بالبودرة المعطرة. وتنبَّه النائم على لمس أناملها ذات الأظافر الأهرامية الحمراء .. وكان أول ما مسَّ إحساسَه في عالم اليقظة رائحةُ أنفاسها الذكية وهي تطبع على شفتَيه قُبلةً شهيَّة .. وفتحت النافذة وأطلَّت منها برأسها الذهبي كأنها شمس تُشرِق من الأرض، فرأت بناء المحطة يدنو من بُعد فالتفتت إلى الأستاذ وقالت وهي تتنهد: وا أسفاه انتهت سَفرتنا.

فقال لها وهو يتمطی: هذه نهاية كل رحلة، أما الحب فلا نهاية له.

فقالت بصوتٍ جعله الشوق والوجد كلحنٍ من الموسيقى الخافتة: أين أسوان أين؟ .. أين خلوة الصحراء تحتوينا معًا؟ أين جدران المعابد تستر علينا؟ أين زورق النيل يجري بنا على سطح الماء؟ أين أنا وأنت لا نفترق ونشهد معًا وجوه اليوم من الفجر والصباح فالضحی والأصيل ثم المساء .. واهًا.

فتنهَّد الشاب تنهدةً هادئة لا کتنهُّدتها الحارَّة وقال: سنعود إلى أسوان في الشتاء القادم، أما الغد فإلى عش غرامنا المعهود في شارع سليمان باشا.

– هيهات أن تعوضنا هذه الساعات التي ننتهبها انتهابًا من ذلك الشهر السعيد الذي كنا فيه جسمًا واحدًا وروحًا واحدة.

وحاوَل أن يُجيبها بمثل حماسها، ولكن خذلته نفسه الهادئة الملولة فقنع بقوله: صدقت يا عزيزتي.

ثم قام إلى النافذة الأخرى ففتحها، وكان القطار قد بلغ المحطة وأخذ يُرسل صفيره المدوِّي في جوفها العظيم، فأرسلا بناظرَيهما إلى إفريز الاستقبال، وكان مُزدحمًا بالجمهور. وسمعت الأستاذ يقول: ها هم أُولاء .. زوجك وحياة ومدحت.

فقلِقت عيناها بين الرءوس المشرئبَّة حتى اطمأنَّتا إلى رأس حياة الذهبي، فرقَّ قلبها حنانًا وتحوَّلت عن النافذة وانطلقت تعدو خارجةً والأستاذ في أثرها، وعلى الإفريز هُرِع إليها مدحت وحياة وهما يصيحان: «ماما.» فتعانقوا عناقًا حارًّا. ولما تخلَّصت منهما رأت زوجها الشيخ وهو في عباءته الفاخرة، وطربوشه مائل إلى الخلف يُبدي عن شعره الخفيف، فجمدت عيناها وتقدَّمت إليه ومدَّت يدها، فسلَّم عليها واجمًا ووضع يده أيضًا في يد الأستاذ عاصم .. وساروا جميعًا إلى الخارج؛ الزوج في المقدمة وخلفه الزوجة بين مدحت وحياة ومن وراء الجميع الأستاذ .. واستقلُّوا السيارة التي انطلقت بهم في طريق الزمالك.

وجلس الزوج وزوجه وحياة في ناحية، وجلس في الناحية الأخرى المُقابِلة الأستاذ ومدحت، واستطاع عاصم أن يرى حياة عن كثب لأول مرة؛ إذ إنها تُقابِله في زياراته المُتكرِّرة لوالدَيها، يا للعَجب للشبه العظيم الذي بين الأم وابنتها، فلم يكن يُفارِق بينهما إلا ما يُفارِق بين نضارة الشباب الأولى ونضوج الأنوثة الكاملة؛ فكانت الفتاة كالياسمينة العبقة في الغصن، وأما الأم فكالوردة الناضرة في الزهرية.

وظلُّوا جميعًا حتى قال الزوج: كيف كانت الرحلة؟ لعل صحتك تحسَّنت يا هانم.

فأحنت المرأة رأسها وتمتمت: «الحمد لله.» وقال الأستاذ: قلَّ أن تغيب الشمس في أسوان، وهي أنجع دواء للهانم.

فابتسم الرجل عن أسنانٍ ذهبية صناعية وقال: يسرُّني أن أسمع هذا، وعسى أن تُسرَّا بدوركما لأنبائنا، فتُهنِّئا حياة بخطوبتها القريبة.

واحمرَّ وجه الفتاة وخفضت عينَيها حياءً، والتمعت عينا الأم وبدا عليها الاهتمام، وردَّدت نظرها بين حياة وزوجها وسألت بلهفة ودهشة: وهل تمَّت الخطوبة؟

فقال الرجل: لا يجوز أن تتمَّ خطوبة فتاة في غياب أمها .. ولكنها ستتمُّ قريبًا بإذن الله.

ونظر الأستاذ إلى الفتاة وقال مُبتسمًا: «مبروك.» أما الأم فسألت: من هو؟

وأجابها الرجل: طلعت، ابن شریکي.

وسأل المحامي: هل هو موظف؟

فقال الرجل بزهو: نعم وكيل نيابة.

وأطبقت روحية هانم شفتَيها فلم تَفُه بكلمةٍ أخرى، واستسلمت لأفكارٍ غامضة فغابت عن الحاضرين، وانتهت السيارة إلى الفيلا ودخلوا جميعًا ومعهم الأستاذ عاصم.

ولكنه استأذن بعد قليل وانصرف إلى بيته القريب.

•••

كان السيد محمد بك طلبة من كبار تُجار الشاي المعروفين بمصر، وقد ربح من تجارته ثروةً عظيمة تُقدَّر بمئات الألوف من الجنيهات، وكان في أخلاقه صورة من رجال طائفته الناجحين في حسن التدبير وعلو الهمة والحرص. وبالرغم مما تحفل به حياته من التجارِب والمخاطرات، وبالرغم مما صادَفه فيها من ويلات المِحن وفرص النجاح، فإنه ما يزال يعدُّ زواجه أخطر حادث في حياته، وهذا هو اعتقاده الدفين وإن لم يُصرِّح به. وقد وقع هذا الحادث الخطير منذ عشرين عامًا — وهو في الخامسة والأربعين — إذ كان بإحدى رِحلاته التِّجارية بسوريا، وقد التَقى هناك بأسرة زوجه وتعرَّف إلى والدَيها، وكان الأب سوريًّا والأم أمريكية، ورأى ابنتهما الشابَّة الفاتنة ساعةً فوقع في حبها وجُنَّ جنونًا، وتحرَّكت في أعماق غريزته التجارية، غريزة الامتلاك، فخطبها إلى والدَيها، ولم يستدِر ذلك الشهر حتى تم زواجه منها، وعاد إلى مصر «بأعظم ربح وأجمل امرأة في الوجود» كما قال لنفسه حينذاك.

وبدأت الحياة الزوجية بنجاح لا بأس به، وأثمرت على مر الأيام طفلَين جميلين مدحت وحياة، فبشَّر مَقدمهما الأسرة بدوام السعادة والعِشرة .. ودارت السنون دورةً سريعة، فوجد البك أنه أخذ يجتاز الحلقة السابعة، ويقنع من الدنيا بمشاهدة مدحت وحياة، ويكتفي من الحب بتذكر أحلامه المُنطوية .. وأما المرأة فألفت نفسها في مُكتمل الأنوثة ونضوج الشباب، فلم تجمل نفسها القناعة من الدنيا بالأبناء والأحلام؛ إذ كان شبابها عنيدًا جبارًا دائب الثورة على الزمن .. فتصدَّع ائتلاف الزوجَين، وعجزت شيخوخة الرجل عن كبح هذه الحيوية الثائرة فانكمشت أمام سيلها العارم، وخلَّت لها المنحدر وانزوَت مطعونةً باليأس مُذعنةً بالتسليم.

واتفق أن كان الأستاذ عاصم المحامي — صدیق الزوج وجاره — السبب المباشر في انفجار هذه الثورة الحيوية العنيفة، وقد تحيَّرت «صالونات» الزمالك في تحديد علاقته بروحية هانم؛ فمن قائلة إن هذا المحامي الجميل ليس إلا صديقًا للأسرة، ومن هامسة بأنه عشيق الزوجة ومُتغفِّل الزوج، ومن مؤكِّدة أنه عشيق الزوجة على علم وتسليم أو — على الأقل — تغاضٍ من الزوج؛ وظلَّ كل فريق على رأيه حتى ذاع خبر تلك الرحلة الشتوية إلى أسوان التي قيل في تعليلها إن الأطبَّاء نصحوا للهانم بانتجاع الصحة في مصر العليا، وإن الزوج — الذي تمنعه أعماله في مثل هذا الوقت من السفر — عهد بالزوجة إلى صديقه المُخلِص المحامي الذي يُسافر عادةً في يناير كل عام إلى أسوان .. هنالك قُطِع الشك باليقين وارتفعت الآراء.

وكانت روحية هانم لا تهتمُّ بشيءٍ اهتمامها بشبابها، فكانت لا تَنِي عن العناية به والتفكر فيه حتی غدا ذلك وسواسًا ومرضًا يُنغِّصان حياتها بالمخاوف والأوهام، وكانت كلما تقدَّم بها العمر يومًا تزايدت مخاوفها؛ ذلك أنها كانت تُحسُّ في أعماقها ببلوغ قمة الشباب التي لا يعقبها إلا الانحدار، وكانت تعلم أن شبابها هو سعادتها؛ لأنها بدونه لا تستطيع أن تجذب إليها الرجل الذي تُحبُّه والذي تعلم — مع الألم الشديد — أنها تكبره بما لا يقل عن عشرة أعوام.

ولطالما تذكَّر ما قالت مرةً امرأة — تُعلن لها الود وتكتم العداوة — في مجلس لأخرى وهي تعنيها بالذات من أن النساء اللاتي يُحافظن على شبابهن بعد فوات عهده يهرمن مرةً واحدة بلا تدرُّج .. واهًا .. کم سخرت من رأي هذه المرأة وكم أرجعته إلى الحسد الذي تحمله لها، ولكن لا سخريتها ولا تظاهرها بالاستهانة أفاد شيئًا في مغالبة الذعر الذي استولى عليها، والرجفة التي استحوذت على أعصابها .. فغدَت كالمجنونة يخفق قلبها جزعًا وإشفاقًا كلما طرقت أُذنَيها دقَّاتُ الساعة.

وجعلها ذلك في حيرة بين حبها لمدحت وحياة وبين الخوف منهما؛ فهما بلا شك لذةُ الأمومة التي تخفق في صدرها ولكنهما آيتان على كذب شبابها؛ أما حياة فقد بلغت السادسة عشرة من عمرها وهي تخطو إلى النضوج بخُطًى سريعة تدل عليها معاني العينَين ونهوض الثديين، وأما مدحت فتعذيبه لها أشد؛ إذ إن هذا الشاب — الذي لم يُجاوز الثامنة عشرة — ينمو نموًّا خطيرًا؛ فهو فارع الطول جاهر الفتوة عريض المنكبَين، والأدهى من هذا كله غرامه بشاربه ومطاوعة الشارب له؛ فالشابُّ يُحبُّ الرجولة ويستزيد منها حب أمه للشباب واستزادتها منه .. وقد كانت حريصة على استصحابه كلما خرجت حتى قالت لها مرةً امرأةٌ من صاحباتها: «ما أحرى الذي يراكما بأن يقول ما أسعدهما زوجَين!» ولم تدرِ ما إذا كانت المرأة تُثني على شبابها أو تغمزه، وعلى كل حال لم تستصحب فتاها بعد ذلك أبدًا.

على أنه لاح في أفقها الآن ما يستخفُّ بجميع همومها السابقة؛ إذ ما مدحت وما شاربه إلى زواج حياة المنتظَر؟!

لقد بغَتها الخبر، وكانت البغتة من الشدة بحيث لم تدَع لها فرصة للتدبير ولا التفكير ولا حتى للتظاهر بالفرح أمام ابنتها إذ هم بالسيارة .. فلما ذهبوا إلى الفيلا خلَت إلى نفسها بحجرتها مُعتذرةً بتعب السفر، وفي عُزلتها عاودت التفكير في هدوء وإمعان فتوالت عليها الفروض والتصورات؛ فهي لا تشكُّ في أنه لولا الحياء لغنَّت حياة فرحًا وسرورًا، وأي فتاة لا تفرح للزواج؟ وخاصةً إذا كان الشاب في عنفوان شبابه وجيهًا في بحبوحة من الغنى والجاه، سيدًا في وظيفةٍ تتيه على جميع الوظائف؛ فلعلها باتت تُغرِّد في قلبها أطيار الحب وتُحلِّق في جوِّها الطاهر أحلامه العذبة؛ فهي جِدُّ سعيدة بحاضرها، جِدُّ آملة في مستقبلها، ولا شك أنها تنتظر الآن أن تستعيد أمها راحتها من وعثاء السفر وأن تذهب إليها لتطبع على خدها الوردي قُبلة التهنئة، فتعلن رضاها وموافقتها، فتتم الخطوبة وتكمل السعادة.

ولكنها إذا فعلت فستغدو الابنة زوجة وتُمسي أمًّا، فتسمع عن قريب من يُناديها بقوله: «جدتي، جدتي.» لقد نطقت بهذه الكلمة الشنعاء فدوَّت في أُذنَيها دويَّ التصويت والنواح، فارتجَّ لها جسمها البض وخفق لهَولِها قلبها العاشق .. وأحسَّت ببرودة الخوف تسري في أعصابها سريان الجفاف في الغصن الرطيب .. وخيَّل إليها الوهم أنها تجلس إلى مقعدٍ وثير وإلى جانبها ابنتها وعلى حجرها غلام كأنها تسمعه بأُذنَيها يهتف بها: «يا جدتي.» ورأت نفسها وقد ذوى جمالها وتغضَّن جبينها وغارت عيناها ورقَّ خدها وابيضَّ شعرها، فانتفضت واقفةً وكتمت صرخةَ رعب كادت تفلت من شفتَيها، وهزَّت رأسها بعنف لتطرد عن خيالها الأطياف المُرعبة، حتى إذا عاوَدها اطمئنانها صاحت: «أبدًا .. أبدًا .. لن يكون هذا.» ولبثت ملازمةً لحجرتها غير عابئة بما عسى أن يُحدِثه غيابها في نفس ابنتها العزيزة، حتی ثقل الأمر على البك فاستأذن عليها ودخل، وجلس قبالتها وجعل يرمقها بعينَيه الحادَّتَين وهو يرجو أن تُفاتحه بالحديث، ولما لم يدَع له إصرارها أملًا قال: أرجو أن تكون أسوان قد شفَت أعصابك.

وأغضبها قوله، وظنَّت أنه يتهكم عليها فنظرت إليه نظرةً حمراء. ولما شاهدت عينَيه الحادَّتَين وقرَّ في نفسها أنه هو الذي سعى إلى هذه الخطوبة، وأنه سعى إليها تأديبًا لها وانتقامًا منها، فهو أعرف الناس بها وأعرفهم على وجه الخصوص — بما يَسرُّها وما يسوءها — واشتدَّ بها — عند ذاك — الغضب، فعضَّت على شفتها السفلى، وأهملت الرد عليه، فقال کالداهش: ما لك؟ لستِ كعادتك .. والأعجب من هذا أنك لم تفرحي لما بشَّرتك به.

فاهتاجها الغيظ وقالت مُحنَقةً غاضبة: لن تتمَّ هذه الخطوبة.

فبدا على وجه البك الانزعاج وقال: ما تقولين يا هانم؟

وأجابته بصوتٍ صارم: أقول إنه لن تتم هذه الخطوبة.

– كيف .. ولِمه؟

– إن «حياة» ما زالت صغيرة السن.

– ولكنها بلغت سن الزواج القانونية.

– ماذا يُفيد القانون إذا كان الزواج المبكر يؤذي صحتها؟

– لقد تزوَّجتِ یا هانم في مِثل سنها، ومع هذا فإن كل من يراك يشهد لك بالصحة والنضارة.

فضربت الأرض بقدمَيها وقالت مُحنَقةً مَغيظة: أنا دائمًا أشكو من أعصابي.

فضيَّق عينَيه ورفع حاجبَيه وقال في تهكم: ربما كان ذلك لعلةٍ غير الزواج.

فغلبها الغضب واشتدَّ بها الانفعال وقالت بصوتٍ مُتهدِّج: باختصار لن تتمَّ هذه الخطوبة.

ولكن الزوج صرَّ على أسنانه الصناعية وقال: لقد أطلقت لك الحبل على غاربه، وملَّكتك حريتك الكاملة، وقلت لك منذ عامَين «أنت وشأنك» .. ولكني لم أتنازل عن حقوقي کوالد، ولا أفكر في التنازل عنها، وإني لأُشفق من أن تضيع على ابنتي مثل هذه الفرصة الذهبية؛ ولذا فإني أُعلمك — وإني أعني ما أقول — بأني سأعقد هذه الخطوبة.

فقامت غاضبةً وأشارت إليه بيدٍ مُرتجِفة وصاحت: وأنا أؤكِّد لك بأنها لن تتم.

فهزَّ الرجل كتفَيه استهانةً وغادَر المكان وهو يقول: سنرى.

وصبرت الهانم حتى عاودها شيء من هدوئها، ثم دعت إليها ابنتها وحدَّثتها حديثًا طويلًا عن حبها لها وحدبها عليها وتوخِّيها ما ينفعها وإشفاقها مما يضرُّها، ثم خلصت إلى ما دعتها — في الحقيقة — من أجله، فأعلنتها بأنها لا تُوافق على زواجها، وأنها ترغب في تأجيله بضع سنين خوفًا على صحتها، ورجَتها رجاءً حارًّا أن ترفض يد ذلك الشاب ولا تُذعن لإرادة والدها.

وصمتت الفتاة صمتًا بليغًا، ولاذت به من الرفض أو القبول، وعبثًا حاولت المرأة أن تُخرجها من صمتها، ولكنها فهمت منه ومما طالعت في وجهها من الحزن والاستياء ما أشفى بها على اليأس والقنوط.

ولبثت الفتاة في حضرتها ما لبثت ثم غادرت الغرفة ولم تنفرج شفتاها عن غير التحيَّتين .. تحية اللقاء التي نطقت بها في مَسرَّة وفرح، وتحية الوداع التي قالتها في صوتٍ خافت بارد .. وجُنَّ جنون الأم وازدادت تشبثًا وعنادًا، ووقفت من الزواج موقف المقاطعة والتحدي .. فلما جاء الشاب الخطيب لزيارتها أبَت أن تُقابله كما رفضت مقابلة أهله من بعد، واضطُرَّ البك إلى انتحال الأعذار الكاذبة لها، وبذل الرجل ما في وُسعه لإقناعها بالتحول عن عنادها وتوسَّل إليها باسم ابنتها، ولكنها رَكِبت رأسها وأبَت أن تُصغيَ إليه حتى انفجر مِرجل الرجل وأقدم على الإفضاء بالحقيقة إلى شريکه — والد الخطيب — وشكا إليه قسوة امرأته التي تُضحِّي بسعادة ابنتها في سبيل شبابها الكاذب .. وطلب إليه أن يُعاونه على إتمام الزواج — رغم إرادة الأم — إنقاذًا للفتاة من أنانية أمها المتوحِّشة.

وذاعت هذه الكلمة التي قيلت سرًّا في جميع الأوساط الراقية، وتحدَّثت بها «الصالونات» حتى بلغت أُذنَي الأستاذ عاصم المحامي الذي بلَّغها بدوره إلى روحية هانم نفسها، ولكن لم يكن هذا — ولا ما أصبح يُبديه مدحت وحياة من الاستياء والنفور — إلا ليزيدها عنادًا وإصرارًا .. ووجدت المرأة أن كل ما قيل وذاع لم يُغنِ فتيلًا في عرقلة الساعين إلى إتمام الزواج، وكانت ترى في نجاح مسعاهم القضاء الأخير على سعادتها وشبابها وغرامها، فانبرت للدفاع عن نفسها دفاع البائس المُستميت، واهتدت — في قنوطها — إلى فكرةٍ جهنمية شريرة لا تخطر على قلب أم أبدًا، وسارعت إلى تنفيذها بقلبٍ أعماه الخوف والجنون عن البصر بالعواقب؛ فقصدت يومًا إلى عشيقها وطلبت إليه أن يقنع ابنتها بالعدول عن الزواج، وقد دهش الرجل وحق له أن يدهش، وقال لها: وما أنا ولهذا؟ .. ثم إنه لم تسبق له معرفة وثيقة بالآنسة حياة؛ فلا أدري والحالة هذه كيف يجوز لي أن أُحادثها فيما هو من صميم حياتها الخاصة؟

ولكن المرأة استهانت باعتراضاته وكذبت عليه فقالت: حقيقة إنك لم تسبق لك بها معرفة وثيقة كما تقول، ولكنها تعلم أنك صديق والدَيها، وقد سمعت في بعض المجالس ثناءً كثيرًا على نبوغك في المحاماة؛ فهي لا شك تُقدِّر رأيك حق قدره وتُنزله من نفسها منزلةً سامية.

فتورَّد وجه الشاب وذكر وجه الفتاة الجميل الذي سعد برؤيته ساعة في السيارة صباح العودة من أسوان، فلم يستطع أن يرفض، ولكنه قال مُتسائلًا: فكيف لي بمقابلتها على انفراد لأُحادثها في هذا الشأن الخطير؟ وإذا قابلتها فكيف أُفاتحها به؟

فتنهَّدت المرأة ارتياحًا وقالت: لقد دبَّرت كل شيء، سأصحبها يوم الأحد القادم لشراء بعض الحاجات، وعليك أن تُقابلنا — مصادفة طبعًا — في شارع سليمان باشا الساعة الخامسة مساءً، وتقترح علينا التنزه قليلًا على جسر قصر النيل فأتركها معك، وأعدك بأن ألحق بكما بعد دقائق، وتنتظراني ساعة على الأكثر؛ فإن لم أعد تأتِ بها إلى شيكوريل حيث تجدانني، وفي أثناء ذلك تستطيع أن تطرق الموضوع بلباقة المحامي وتُفضي إليها برأيك في الزواج المبكر .. ما رأيك الآن؟

وقَبِل الشاب بسرورٍ خفي، فتركته المرأة وذهبت إلى الفيلا على عجَل، وأغلقت على نفسها حجرتها وأحضرت ورقة وقلمًا وكتبت ما يلي بيدٍ مُضطربة وبخطٍّ جهدت أن تخرج به عن مألوف خطها:

سيدي الأستاذ ..

أنت شارع في الزواج من كريمة محمد بك طلبة، ولكن ينبغي قبل ذلك أن تذهب بنفسك كل يوم إلى جسر قصر النيل الساعة الخامسة مساءً وخصوصًا أيام الآحاد.

ثم كتبت على الغلاف عنوان الخطيب ووضعت الخطاب فيه، وتردَّدت لحظة رهيبة ثم نادت خادمًا وأمَرَته بوضع الخطاب في صندوق البريد.

وجاء يوم الأحد وخرجت الأم وابنتها وحدثت المقابلة مع الأستاذ، وتم لها ما أرادت من تركها معه، وذهبت بمفردها إلى شيكوريل وابتاعت حاجاتها، ولبثت تنتظر حتى حضر الأستاذ وحياة وقد اعتذرت إليهما قائلةً: أوه .. لقد تأخَّرت عليكما لأن المحل مزدحم كما تریان. لا بأس، أظن أنه ينبغي أن نذهب الآن، نستودعك الله يا أستاذ.

وفي الطريق لازمت المرأة الصمت، وقد انتظرت طويلًا أن تُفاتحها الفتاة بالكلام، ولكنها ظلَّت واجمة كأنها تجهل اللغة التي تتكلمها أمها، واختلست المرأة منها نظرة فألْفَتها جامدةً باردة لا تُعِير وجودها أدنى اهتمام، فانقبض صدرها وتذكَّرت — آسفةً حزينة — كيف كانت في حضرتها لا تملُّ الحديث والضحك والمداعبة، وضاق صدرها بصمت الفتاة فقالت تحملها على الكلام: كيف كان التنزه .. وماذا قال لك الأستاذ؟

فأجابتها بإيجاز قائلةً: تحدَّثنا أحاديث عامة تافهة لا تستحقُّ الإعادة.

– وما رأيك فيه؟

– هو جنتلمان.

وكانت ترجو أن تعرف من إجابة الفتاة الأثر الذي ترکه حديث الأستاذ في نفسها، ولكنها لم تستطِع أن تُدرك شيئًا.

ولما خلَت إلى نفسها ذلك المساء تنهَّدت وقالت: «إن «حياة» لا تُحاول إخفاء نفورها مني.»

نفورها! وما النفور إلى جانب ما صنعت هي؟ أي فعلة شنعاء! أي منكر! إنها تعرف نفسها أكثر مما يعرف الناس، وهي تعلم أنها سيئة التصرف، كثيرة الأخطاء مُتسرعةٌ هوجاء، ولكن لم يسبق لها أن أخطأت خطأً منكرًا كهذا الخطأ، وما لها تُسميه خطأً؟ ولماذا لا تُسميه باسمه الحقيقي فتقول إثم وجريمة؟ فهو جريمةٌ شنعاء لأنه ليس أقل من محاولة تلويث شرف ابنتها والقضاء على مستقبلها في سبيل شهواتها هي، يا للفظاعة! لو أمكن فقط أن يبقى هذا سرًّا مكتومًا، ولكنه لن يبقى كذلك لأنها في الحقيقة وإن كانت فكَّرت تفكير شیطان إلا أنها دبَّرت تدبير أطفال؛ فالرسالة التي كُتبت قد تكفل لها فسخ الخطوبة، ولكن من يضمن لها ألا يتصل خبرها بزوجها؟ ومن يضمن لها ألا يسأل الرجل ابنته عما جاء فيها؟ وإذا صارحت الفتاة أباها بأنها هي — أي أمها — التي تركتها مع المحامي ذلك اليوم، فما عسى أن يحدس الرجل؟

أواه! قد لا تكترث لغضب زوجها، ولكنها على وشك أن تفقد محبة ابنتها إلى الأبد، بل ابنها وابنتها معًا؛ لأنه لا مدحت ولا أي ابن في الوجود يستطيع أن يبرَّ بمثل هذه الأمومة المُتوحشة. وأحسَّت عند ذاك بقشعريرةٍ تسري في جسدها، واستولى عليها ذعر لم تشعر بمثله من قبل، وباتت فريسة الآلام والمخاوف.

ولأول مرة منذ أن سمعت بنبأ خطوبة حياة اتَّجه تفكيرها نحو الخير فودَّت لو تستطيع أن تُكفِّر عن خطيئتها ببذل التضحية الغالية، وظلَّت تفكر صادقةً مُخلِصة حتى قطعت عليها تفكيرَها الحوادث؛ فعند أصيل يوم من الأيام رأت المرأة ابنتها ترتدي مِعطفها وتتأهَّب للخروج، فسألتها برقة: إلى أين؟

وأجابت الفتاة قائلةً: إلى السينما.

فسألتها بتعجب: بمفردك؟

فأجابتها ببرود قائلةً: مع الأستاذ عاصم.

وأصاب الجواب منها مَقتلًا فاستولى عليها ذهولٌ شديد، وقالت دهشة: ولكنك لم تستأذني أحدًا؟

فقالت الفتاة بشيء من الجفاء: استأذنت بابا وأَذِن لي.

– وهل طلب الأستاذ إليك أن تذهبي معه إلى السينما؟

– نعم.

– متي .. وأين؟

– على جسر قصر النيل ذلك اليوم.

وغشيت عينيها سحابةٌ ظلماء فجمدت في مكانها لا ترى شيئًا. ولما أفاقت كانت حياة قد غادرت البيت.

وتيقَّظت غريزتها مرةً أخرى، فطغت على عواطف الخير التي تحرَّكت في قلبها منذ حين قليل، وخنقتها كما يخنق الماء الأجاج الورد اليانع، فذهبت توًّا إلى زوجها وقالت له غاضبةً: لمَ أذِنت لحياة بالذهاب مع الأستاذ؟

فقال الرجل بلهجةٍ تهكمية: ولمَ لا؟ أليس هو الصديق الصدوق لأمها وأبيها؟

فاهتاجها الغضب لتهكُّمه، وقالت وهي تنظر إلى وجهه نظرةَ غيظ وكراهية: إني أعجب من تصرُّفك هذا، أيجوز أن تأذن لها باصطحاب الأستاذ وأنت تسعى إلى تزويجها من رجل آخر؟

فهزَّ الرجل كتفَيه وقال: فسخ الرجل الآخر خطوبته.

فخفق قلبها واصفرَّ وجهها وتساءلت: تُرى هل علم شيئًا عن الرسالة؟

واستطرد الرجل قائلًا: عليك تقع تبعة ذلك يا هانم، فرفضك — وما ذاع عنه — زهَّد الشاب في الفتاة.

تُرى هل اكتفى الشاب بالانسحاب دون أن يُطلِع زوجها على الخطاب؟ ليت ذلك يكون!

وعاد زوجها يقول بقسوة لم يستطع إخفاءها: وقد أخبرتني حياة بأنك تركتها مع الأستاذ عاصم ساعةً في قصر النيل فظننت أنك تُفضِّلينه على الشاب الآخر، فلما استأذنتني في الذهاب معه أذنت لها، وقلت لنفسي لا عليَّ من هذا؛ فعاصم شابٌّ جميل ونابغ في فنه.

عند ذلك لم تستطِع صبرًا، فولَّت مُدبِرةً تترنَّح في مشيتها كالمصاب في مقتل.

وتذكَّرت المثل القائل: «على الباغي تدور الدوائر.» فقد فعلت ما فعلت وارتكبت ما ارتكبت وفقدت ما فقدت لتُحافظ على حب الرجل، وها هي ذي توشك أن تفقد — بمسعاها هي دون غيرها — الرجل وحبه.

يا له من ألمٍ ساخر! ليتها أبقت على الخطيب الأول، أو ليتها تستطيع أن تستردَّه بأي ثمن.

ولم تنم من ليلتها ساعةً واحدة. وعند الصباح حدَّثت المحامي بالتليفون وقالت ما تعوَّدت أن تقول دائمًا: مساء اليوم في عشنا .. هه.

فأجابها بغير ما تعوَّدت أن يُجيبها به، قال: آسف جدًّا يا عزيزتي .. أنا مشغول جدًّا هذه الأيام.

وقد صدمها اعتذاره صدمةً شديدة وخيَّب آمالها، ولم يَفُتها مَغزی قوله «هذه الأيام»، ولكنها لم ترضَ بالهزيمة فقالت بسخريةٍ مريرة: ومع هذا فأعمالك الكثيرة لا تمنعك من الذهاب إلى السينما؟

ماذا يستطيع أن يقول؟ قال إنه بالأمس فقط كان لديه متسع من الوقت أما الآن فلا.

ورأت أنه لا يُكلِّف نفسه حتى الاعتذار المقبول. ولمَ يُكلِّف نفسه؟ إنما يهتمُّ بانتحال الأعذار من يهمُّه شخص المعتذر .. وقد غدت عنده شيئًا رخيصًا أو لا شيء مطلقًا. أواه! أهكذا تتقلب القلوب؟ أهكذا ينسى الإنسان؟ أمن الممكن أن يضحى حب كحبهما ذكرى وحُلمًا في لحظةٍ سريعة؟ ألا من تدرُّج؟ ألا من رحمة؟

ولم تنقطع منذ ذلك اليوم المقابلات بين حياة والأستاذ عاصم، وشاهدتهما معًا مُتنزهات القاهرة وخلواتها وملاهيها حتى توقَّعت الأيام يومًا بعد يوم أن يتقدم الشاب لطلب يد الفتاة، ولكنه كان أحزم من أن يرتكب مثل هذه الهفوة؛ لأنه كان خبيرًا بأخلاق روحية هانم عليمًا بطباعها وعنادها وغرامها به، فرسم في عقله خُطة مُحكَمة وعزم على تنفيذها بإرادة لا يَثنيه عنها شيء، ولبثت روحية هانم في حيرة من أمرها تُعاني أشد الآلام النفسية والقلبية، وتأسى بكراهية ابنتها لها وتحدِّيها لعواطفها وبتمزق إرادتها نهب الأمومة المحتضرة والأهواء العنيفة، حتى كان مساء لا يُنسى، إذ دخل عليها زوجها يهزُّ خطابًا في يده ثم يرميه في حجرها وهو يقول في لهجة الغاضب: اقرئي وانظري .. أي جراءة!

فتناولت الكتاب بقلب مذعور مُتطير، وقلقت عيناها بين الأسطر الآتية:

سیدي المُبجَّل،

يصلك هذا الكتاب ونحن نستقلُّ القطار الذاهب إلى بورسعيد حيث نُبحر إلى أوروبا أنا وعروسي — كريمتکم — لقضاء شهر العسل، وإني أُقرُّ آسفًا بأنه لم تجرِ العادة بأن تُعقَد الزيجات على هذا المثال الغريب، ولكن الظروف الدقيقة التي لا تجهلونها لم تدَع لي فرصة للاختيار، وإني كبير الأمل أن تُقدِّروا سلوکي تقديرًا عادلًا، ولست أقل أملًا في نيل عفوكم القريب.

ودمتم للمخلص
عاصم عادل

زاغت عيناها وحجبت غاشية الغضب الكلمات عن بصرها، فظلَّت مُنكسة الرأس لا ترى شيئًا ولا تعي شيئًا، والقنوط يتسرَّب إلى قلبها كالغاز السام، ولم تُحاول قطُّ أن تُقاوم نفسها المُنهارة أمام زوجها كأنها نسيت وجوده نسيًا تامًّا، وكان الشيخ يحدجها بنظرةٍ قاسية مُتشفِّية؛ فلما وجدها تتهدم وتضمحل ولَّاها ظهره وذهب.

ولبثت في غيبوبة حينًا طويلًا، ثم رفعت رأسها المُثقَل فوقع بصرها على صورتها في المرآة فارتاعت وجفلت؛ لأنه خُيِّل إليها أنها ترى جمالها يذوي وينضب وتغشاها سيما الهرم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤