الفصل الأول

(١) عَهْدُ الشَّيْخُوخة

تَبْدَأُ هٰذهِ الْقِصَّةُ حينَ بَلَغَ الْملِكُ «لِير» الثّمانينَ مِن عُمُرهِ، وأصْبَحَ شَيْخًا يَجْمَعُ — إِلى ضَعْفِ الْجِسْمِ — خَطَلَ الرَّأْيِ (فَسادَ التّفْكيرِ)، وسُوءَ التَّدْبيرِ.

وكان الشَّيْخُ «لِير» — في هٰذهِ الْمَرْحَلةِ الأَخيرةِ مِن سِنيهِ — شَديدَ السَّآمةِ والضَّجَرِ. وقد زَهَّدتْهُ الشَّيْخوخةُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن مَباهِجِ الْحَياةِ؛ فلَمْ يَبْقَ لهُ مِن أُمْنِيّةٍ (رَغْبةٍ) يَرْجوها، ويَأْنَسُ بِها في الْحياةِ إلّا بناتُه الثَّلاثُ.

وكان الْملكُ «لِير» يُحِبُّ هٰؤُلاءِ البناتِ حُبًّا شَديدًا، ولا يُطيقُ الصَّبْرَ على بِعادِهِنَّ.

(٢) بَناتُ الملك «لِير»

وكانتْ فتاتانِ — منْ بناتهِ الثّلاثِ — قد زُوِّجَتا أَميرَيْنِ. أمَّا الثّالثةُ — وهيَ صُغْراهُنَّ — فقَدْ جاءَ الآنَ ملكُ «فَرَنْسا» وأَحَدُ أُمراءِ «إنجلترة»، وَنَزَلا ضَيْفَيْنِ على الْملك «لِير» وأَقاما في قَصْرِه، وكان كِلاهُما راغِبًا في أَنْ يَتَزَوَّجَ «كُرْدِلْيا»: صُغْرَى بناتِه. وَأمرَ الْملكُ «لِير» باسْتدعاء بناتِه الثَّلاثِ، وقالَ لَهُنَّ: «لقَدْ عَنَّ لي — يا بناتِيَ العَزيزاتِ — أَن أَقسِمَ مُلْكِي بَيْنكُنَّ. ولٰكِنَّنِي أُحِبُّ أن أَتعَرَّفَ — قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ — مَدَى (مُنْتَهَى) حُبِّكنَّ إِيَّايَ، لِأَرَى رَأْيي.»

(٣) حَدِيثُ «جُنْريلَ»

فَتَقَدَّمَتْ كُبْرَى بناتِه، واسمُها «جُنْرِيلُ»؛ وكانَتْ — عَلَى الحقيقةِ — امرأةَ سَوْءٍ (خَبِيثَةً)، تَجْمَعُ — إلى رِيائِها النَّادرِ — لُؤْمًا وخُبْثًا عَظِيمَيْنِ. ولم تكن تُضْمِرُ لأبيها شَيْئًا من الْحُبِّ، ولٰكِنَّها رَأَتْ أَمامَها فُرْصَةً سانِحَةً لِتَمْلِيقِه (مُخادَعَتِهِ) والتَّوَدُّدِ إليهِ، طمَعًا في الْمِيراثِ الَّذِي لوَّحَ (أَشارَ) لَها بِهِ.

فقالَتْ لَهُ، وهيَ تتظاهَرُ بالْحُبِّ والوفاءِ والْحُنُوِّ: «إنَّ حُبِّيكَ (مَحَبَّتِي لَكَ) — يا أَبي — لَأَجَلُّ وأَعْظَمُ من أَن تُعَبِّرَ عنه الأَلفاظُ. كَيْفَ لا، وأَنْتَ أَعَزُّ عَليَّ من إِنسانِ عَيْنِي (سَوادِها وَحَدَقَتها)، وأَثْمَنُ لَدَيَّ من نفسي، وحُرِّيَّتي وجَمالي، وصِحَّتِي!»

فابتهجَ الْمَلكُ «لِير» بِسَماعِ هذا الثَّناءِ الزَّائفِ (الْمَغْشُوشِ)، وقالَ لَها مَسْرُورًا: «ما دُمْتِ تُحِبِّينَنِي إلَى هٰذا الْحَدِّ، فَإِنِّي جَدِيرٌ بأن أَمْنَحَكِ ثُلُثَ مُلْكي. فأَنْتِ — فِيما أرَى — حَقيقَةٌ بهٰذِهِ الْمُكافأةِ.»

(٤) حديثُ «رِيجانَ»

ثُمَّ التفتَ إلى بِنْتِه الوُسْطَى قائِلًا: «إلَى أَيِّ حَدٍّ بلغتْ مَحَبَّتُكِ أباكِ، يا رِيجانُ؟»

فقالتْ له مُرائِيَةً مُتَوَدِّدَةً (مُظْهِرَةً مِنَ الْمَحبَّةِ والْمَوَدَّةِ خلافَ ما هِيَ عَلَيْهِ): «إنِّي أُحِبُّكَ — يا أبَتاه — قَدْرَ ما تُحِبّكَ أُخْتي «جُنْرِيلُ» إنْ لَمْ أَزِدْ عليها؛ فليْسَ لي في هٰذِه الدُّنيا كُلِّها شُغْلٌ يَشْغَلُني عَنْ ذِكْراكَ، أَوْ يُحَوِّلُني عَنْ حُبِّيكَ، أوْ يُنْسِيني بِرَّكَ بِي. وما أذكُر أنَّني غَفَلْتُ عَنِ التَّفْكيرِ فيكَ — يا أَبَتِ — لَحْظةً واحدةً.»

ففرِحَ الْملكُ «لِير»، وتملَّكَهُ الزَّهْوُ والإعجابُ، وتَطَلَّقَتْ أَسارِيرُهُ (تَهَلَّلَ وانْفرَجَتْ تَجاعِيدُهُ) بَهْجَةً وحُبورًا بما سمِعَ، وأثْنَى عَلَى بِنتِه «رِيجانَ» أَحْسنَ الثَّناءِ، وشَكَرَ لها هٰذا الإخلاصَ النَّادرَ، وأكبرَ فيها وفاءَها العجيبَ، ثُمَّ قال لها: «لكِ مِنِّي — أَيَّتُها البنتُ البارَّةُ — ثُلُثُ مُلْكِي. فَٱهْنئِي به؛ فأَنتِ بهٰذهِ الْمُكافأَةِ جَدِيرةٌ.»

وأَكْبرَ الْمَلكُ ذٰلك الْحُنُوَّ، واشْتَدَّ إعجابُهُ بما سَمِع، وشكَرَ لِابْنَتيْهِ هٰذا الْحُبَّ النَّادرَ، والوفاءَ العجيبَ.

(٥) حديثُ «كُرْدِلْيا»

ثُمَّ التفتَ الْملكُ «لِير» إلى فَتاتِه الصُّغْرَى: «كُرْدِلْيا»، وقال لَها: «لقد جاء دَوْرُكِ — يا نُورَ قَلْبي — ولَسْتُ أَشُكُّ في أَنَّ حُبَّكِ إيَّايَ أَعظمُ منْ حُبِّ أُخْتَيْكِ. وقَدِ ٱدَّخَرْتُ (احْتَفَظْتُ) لَكِ ثُلُثَ الْمُلْكِ، وَهُوَ أخصَبُ بُقْعَةٍ في مَمْلَكَتِي وَأغْناها فَحَدِّثِينِي بِمِقْدار ما تُضْمِرِينَه لِي (ما تُخْفِينَهُ فِي ضَمِيركِ) من حُبٍّ وَوَلاءٍ.»

فقالت له «كُرْدِليا»: «ليس لَدَيَّ ما أُحدِّثُكَ به، يا أبَتاهُ!»

فقال لها مَدْهُوشًا: «ماذا تَقولينَ؟ أليْسَ لَدَيْكِ ما تُحَدِّثِينَني بِهِ؟»

فقالت له «كُرْدِلْيا»: «لا شَيءَ عِنْدِي، يا أبتاهُ.»

فقال لها الْمَلكُ «لِير»: «كأنَّكِ لا تُحبِّينَنِي، أيَّتُها الفَتاةُ! أَعيدِي عَلَى مِسْمَعَيَّ جَوابَكِ الأَخيرَ.»

فقالت «كُرْدِلْيا»: «إنِّي أُحِبُّ جَلالَتَكَ بِمِقدارِ ما يَحْتِمُهُ عَلَيَّ الواجبُ الأبَوِيُّ، لا أكْثَرَ، ولا أقَلَّ.»

(٦) نُبْلُ «كُرْدِلْيا»

وإنَّما قالتْ «كُرْدِلْيا» ذٰلك، ولَمْ تَصُغْ لأبيها عِباراتِ المديحِ والثَّناءِ الخلَّابَةَ — كما فَعلَتْ أُخْتاها منْ قَبلُ — لأَنَّها أنِفَتْ (كَرِهَتْ) أن تَسْلُكَ مسالِكَ الرِّياءِ، وَسَمَتْ بنفسِها عن أنْ تكونَ مُخادِعَةً مُمَلِّقَةً (تقُولَ بلسانِها ما لَيْسَ في قلبها).

وكانت عَلَى يقينٍ من لُؤْمِ أُخْتَيْها وخُبْثِ طَوِيَّتهما (نِيَّتهِما)؛ فاحتَقَرَتْ منْهُما ذٰلكَ الثَّناءَ الزَّائفَ، الَّذِي نَطقَتا به، لِتَخْدَعا أباهُما عن حَقيقةِ نَفْسَيْهِما، رَغْبةً في أنْ تظْفَرَا بِمُلْكهِ الْعَظيمِ.

وكانتْ «كُرْدِلْيا» عارِفَةً أنَّ أُخْتَيْها تَنْوِيانِ الغدْرَ بأبيهما الشَّيْخِ، وأنَّهما لا تَمْحَضانهِ الوُدَّ (لا تُضْمِرانِ لَهُ صادِقَ الموَدَّةِ)، ولا تُؤَدِّيانِ له شَيئًا مِنْ واجِباتِ الأُبُوَّةِ عَليْهما، وإن كانَتا قَدْ أَغْرَقَتاهُ بعباراتِ الْمَدِيحِ والثناءِ الَّتي لا طائلَ تَحْتَها (لا فائِدَةَ مِنْها)، لِتَظْهَرا بِغيْر مَخْبَرِهِما (باطِنِهما) الحقِيقِيِّ.

ثُمَّ قالت «كُرْدِلْيا» مُسْتَأْنِفةً: «ما أَنا إلَّا بِنْتُكَ.. وقَدْ أَوْجَدْتَني من ٱلْعَدَمِ، وخَصَصْتَني بِحُبِّكَ وعَطْفِك. ولَيْس لي إلَّا أَنْ أَقْدُرَ ذٰلِك لَكَ؛ فأُبادِلَكَ حُبًّا بِحُبٍّ، وعَطْفًا برِعايةٍ. فإِنَّ وَاجبَ أُبُوّتكَ يَقْضِي عليّ أَن أَكونَ وَفيَّةً لَكَ، بارّةً بِكَ، وأَنْ أُطِيعَ أَوامرَكَ، وأُحِبَّكَ وأُجِلَّكَ الإِجْلالَ كلَّه.»

(٧) غضبُ «لِير»

كان الْمَلكُ «لير» يُفْرِدُ (يخُصُّ) بِنْتَهُ الصَّغيرةَ «كُرْدِلْيا» بِحُبٍّ عظيمٍ، ويُؤْثرُها (يُفَضِّلُها) عَلَى أُخْتَيْها الكُبْرَى والوُسْطَى، ولا يُطيقُ فِراقَها. وكان يُرْهِفُ أُذُنَيْهِ لِسَماعِ آياتِ الإِعجابِ به، والثَّناءِ عليهِ، وَيَحْسَبها مُتفنِّنةً في صَوْغِ عِباراتِ ٱلوَلاءِ (الإِخلاص)، أكثرَ من أُخْتَيْها. فلما سَمِعَ منها ذٰلكَ الكلامَ الفاتِرَ، خابَ أَمَلُهُ فيها، وامتلأتْ نفسُهُ سُخْطًا (غَضَبًا) عليْها، وتبَرُّمًا (تَضَجُّرًا) بها؛ لأنَّهُ ظَنَّ أَنَّ حُبَّها إيَّاهُ أَقَلُّ منْ حُبِّ أُخْتَيْها.

وَلوْ عَرَف الْخُبْرَ (لوْ عَلِمَ الْحقيقةَ)، لأَيْقَنَ أَنَّ «كُرْدِلْيا» أَخْلَصُ إنسانٍ له، وأَبَرُّ ٱبْنةٍ بِهِ، وأَنَّها لَمْ تَشَأْ أَن تَتَّجِرَ بِحُبِّها أَباها، كما فَعَلَتْ أُخْتاها.

ولوْ أَنَّ أَباها سَأَلها مِثلَ هٰذا السُّؤالِ، في غَيْرِ هٰذا الوقتِ، لأفْضَتْ إليهِ (صَرَّحَت لهُ) بما تُضْمِرُ له من وفاءٍ وبِرٍّ لا مثيلَ لهما.

أَمَا وقدْ سَأَلها في ذٰلك الوَقْتِ الَّذي يَقْسِمُ فيه مِيراثَهُ بين بنَاتِه الثَّلاثِ، وَرَأَتْ مِن رِياءِ أُخْتَيْها ما رَأَتْ؛ فقد سَمَتْ بِها عِزَّةُ نَفْسِها، وأبَى لها إباؤُها وسُمُوُّ أَخْلاقِها أَنْ تُجارِيَهُما في هٰذا التَّمليقِ، وتَنْدَفِعَ مَعَهُما في ذٰلك التَّلْفِيقِ.

أَمَّا أَبوها «لِير» فَقَدْ أَنْسَتْهُ الشَّيْخُوخَةُ واجِباتِ الْحَزْمِ، وَدفعَهُ الْهُتْرُ (ضَعْفُ العقلِ) إلى سُوءِ ٱلرَّأْيِ، وخَطَلِ التَّقْدِير (خَطَئِهِ)؛ فلَمْ يَرَ في كلامِ «كُرْدِلْيا» إلَّا زَهْوًا وكِبْرًا وتَعالِيًا وغَطْرَسَةً. وما هُوَ — من شيءٍ — من هٰذه المعاني بِسَبِيلٍ.

وَتمادَى (استَمرَّ) «لِير» في غَضبهِ، وَأَسْلم لِسُخطهِ العِنانَ (تَرَكَ لِغضَبِهِ الزِّمامَ)؛ فانْتهرَ «كُرْدِلْيا» (زَجَرها)، وَأمرَها بالِاسْتِخْفاءِ عن ناظِرَيْهِ في الحالِ، ثمَّ قَسَم الثُّلُثَ الباقيَ من مُلْكهِ — الَّذي كان يَدَّخِرُه لها — بيْنَ أُخْتَيْها الغادِرتَيْنِ.

(٨) مِهْرَجانُ المَلِكِ

وَأقامَ المَلِكُ «لير» مِهْرَجانًا عَظيمًا، جَمَعَ فيه سَراةَ الدَّوْلةِ وَأَعْيانَها، وأعْلَنَ أمامهُمْ ما قَرَّرَهُ واشْتَرَطَهُ. وَلَمْ يَحْتَفِظْ لِنفسهِ بِشيءٍ مِنَ المَظاهرِ إلَّا بلَقَبِ الْمَلِكِ، وبِمائةِ فارسٍ يكونونَ له حاشِيَةً، على أنْ يَنْزِلَ ضَيفًا عَلَى إحْدَى بِنْتَيْهِ شَهْرًا، ثُمَّ يَقْضِيَ الشَّهْرَ التَّالِيَ في قَصْرِ الثَّانيةِ، ثمَّ يُقيمَ — في الشّهر الثَّالثِ — في قَصْرِ الأُولَى، فإِذا جاءَ الشَّهرُ الرَّابعُ عاد إلى الأخرَى، وهٰكذا حَتَّى يَنْتهِيَ أجَلُهُ.

figure

وقَدْ عَجِبَتِ الْحاشِيةُ مِنْ هٰذا الْقَرارِ وَدَهِشُوا له. ولٰكِنَّهمْ لَمْ يَجْرُؤُا عَلَى مُخالَفتهِ، وَلمْ يَسْتطِعْ كائِنٌ كانَ أن يُعارِضَ الْمَلِكَ في رَأيهِ، ما خلا وزيرَهُ الحكيمَ الرّاشد «كَنْت»، الَّذي أَقْدَمَ عَلَى النُّصْحِ لهُ بالإِقْلاعِ عنْ فِكْرَتهِ الخاطئَةِ (تَرْكِها)؛ فكانَ نَصيبَهُ — على صِدْقِ نَصيحَتهِ — التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ. فَلمْ يَخْشَ الوزيرُ النَّاصحُ تهْدِيدَ الشَّيخِ «لِير»، ولم يَخَفْ وَعيدَهُ.

فاغْتاظَ الشَّيْخُ «لير»، وَجَعلَ يَقُولُ لهُ: «إنَّ القَوْسَ مُحْضَرَةٌ، وقَدْ أُعِدَّ فِيها السَّهْمُ. وَما هِيَ إلَّا لَحْظَةٌ حَتَّى يَنْطَلِقَ السَّهْمُ القاتِلُ منها. فاحْذَرْ أنْ تكونَ هَدفًا لهُ فتَهْلِكَ.»

ثمَّ أَنْشَد، يُنْذِرُهُ ويتوعَّدُهُ:

انحَنَتِ القَوْسُ، وكادَتْ تَرْمِي
وَفُوِّقَ السَّهْمُ، وَكادَ يُصْمِي
فَلا أَجدْكَ هَدَفًا لِسَهْمِي

فأجابهُ الْوَزيرُ الشجاعُ: «إذا انْدَفَعَ سَهْمُ الْمَوْتِ إلى قَلْبي فمزَّقَهُ، فَإِنِّي لا أَخْشَى شَيْئًا. وَلْتَفْعَلْ بِي أقْدارُ الدَّهْرِ وأَحْوالُ الزَّمَن ما تَشاءُ.»

ثمَّ أَنْشَدَ:

إِنْ يَنْطَلِقْ سَهْمُ الرَّدَى، منَ الوَتَرْ
إلى فُؤَادِي مُصْمِيًا، فيَنْفَطِرْ
فَلَسْتُ هَيَّابًا تَصاريفَ الْقَدَرْ

فصاحَ فيهِ الشَّيْخُ «لِير»: «وَيْلَكَ أيُّها الْغَبِيُّ. ألَا تُقلِعُ عن لَجاجَتِكَ وعِنادِكَ؟» فأجابهُ الوزيرُ مَحْزُونًا يُحَذِّرُهُ عاقبةَ أمْرِهِ، وَيُظْهرُهُ على هَوْلِ ما يَعتَزِمُ إنفاذَهُ: «إنَّك تَرْمِي نَفْسَكَ في حُفْرةِ الظُّلْمِ والاعْتِداءِ.. فَعلَى مَهلِكَ. إنَّ ما تَفْعلُهُ شَيْءٌ عَظيمٌ، وإنَّ الظُّلْمَ آخِرَتُهُ سَيِّئَةٌ، وخَطَرُهُ جَسِيمٌ.» ثُمَّ أنْشَدَ:

فِي وَهْدَةِ الْبَغْيِ أَراكَ تَنْحَدِرْ
فلا تُسارِعْ، إِنَّها إحْدَى الكُبَرْ
إنَّ طريقَ الْبَغْيِ مَخْشِيُّ الْخَطَرْ

فاشتدَّ غضبُ الْمَلِكِ وسُخطُهُ على وزيرهِ، وأمر بطردِه ونَفْيِه من المدينة، وتوَعَّدهُ بالقتل إذا بَقِيَ في مَمْلكتهِ بعد اليوْمِ.

فقال الوَزيرُ: «إِنِّي أخْلَصْتُ لكَ في نَصِيحَتِي؛ فَلْتَتَّعِظْ بِما أقولُ. والنُّصْحُ أثْمَنُ ما يُحْفَظُ، وهوَ دَليلٌ على الْوَفاءِ والإِخلاصِ في أوْقاتِ الشِّدَّةِ وَحوادِثِ الزَّمَنِ.» ثمَّ أَنْشَدَ:

مَحَضْتُكَ النُّصْحَ؛ فَحاذِرْ، واعْتَبِرْ
واعْلَمْ بأَنَّ النُّصْحَ أغْلَى مُدَّخَرْ
مِن صادِقِ الوُدِّ، إِذا الدَّهْرُ غَدَرْ

ثُمَّ خرجَ مَحْزُونًا مَقْهورًا، وقد أدْرَكَ أنَّ آخِرَةَ مَلِيكِه قد قرُبَتْ، وأنَّ مَصْرَعَهُ وشِيكٌ (هَلاكَهُ مُسْرِعٌ إِليهِ).

(٩) وَداعُ «كُرْدِلْيا»

قُلْنا — آنِفًا — إِنَّ خاطِبَيْنِ قد جاءَا يرغَبانِ في الزَّواجِ بِالأَميرةِ «كُرْدِلْيا»، وهما مَلِكُ «فَرَنسا»، وأحدُ أُمَراءِ «إِنجِلْتِرَةَ».

فأمَّا الأَميرُ الْإِنْجِلِيزِيُّ، فقد كَفَّ (امتنع) عن طلب الزَّواج بٱلْأَميرةِ «كُرْدِلْيا»، بعد أن فقدَتْ حقَّها في مِيراثِ أبيها.

وهُنالِكَ تَوَجَّهَ مَلِكُ «فَرَنْسَا» إِلى الأميرةِ «كُرْدِلْيا»، وأصرَّ (عَزَمَ) على الزَّواجِ بها، بعد أن خَذَلها أبوها وخطيبُها الآخَر.

figure

وقد أُعْجِبَ مَلِكُ «فَرنْسا» بِصراحَةِ «كُرْدِلْيا»، وأكبرَ فيها العزَّةَ الَّتِي أَظْهرَتْها فِي تِلك السَّاعةِ، إِذْ رَضِيَتْ بالنُّزولِ عَنْ نَصِيبها في ٱلْمُلكِ، ورأَتْ أَنْ تَخْرُجَ منَ الدُّنْيا فقِيرَةً مُعْدِمَةً (لا تَمْلِكُ شيئًا)، مُؤْثِرَةً (مُفَضِّلَةً) ذٰلكَ عَلَى أنْ تَتَّجِرَ بِحُبِّ أَبيها، وتَتَّخِذَهُ سُلَّمًا إِلى مُشارَكَةِ أُخْتَيْها في الْمِيراثِ.

وَبَعْدَ زَمَنٍ قَصير رَأى مَلكُ «فَرَنْسا» أَنْ يَعودَ بِزَوْجَتهِ «كُرْدِلْيا» إِلى وَطَنهِ، فَٱسْتَأْذَنَتْهُ في وَداعِ أُخْتَيها. وَقَدْ فارَقَتْهما دامِعةَ العَيْنِ، مَحْزُونةَ ٱلقَلبِ، وَأَوْصَتْهُما خَيْرًا بِأبيهما. فأَغْلَظتا لَها ٱلْقَوْلَ، وخاشَنَتاها في الْحَدِيثِ (اشْتَدَّتْ كُلٌّ مِنهُما عَلَيْها في الْكَلامِ)، وَقالَتا لَها ساخِرَتَيْنِ: «لَسْنا في حاجةٍ إِلى تَوصِيَتِك؛ فَلَسْتِ بِأَبَرَّ مِنْ كِلْتَيْنا به، وما هُوَ بأَكْرَمَ عَليْكِ مِنْهُ عَليْنا.»

أَمَّا أَبُوها الْمَلكُ «لِير»، فقدْ قالَ لِزَوْجها غاضِبًا: «اذْهَبْ بِها إلى حَيثُ شِئْتَ؛ فَما أُطِيقُ رُؤيةَ وَجْهِها بَعْدَ الآنَ.»

فقالَ لَهُ مَلكُ «فَرنْسا»: «لِيَكُنْ ما تَشاءُ، فَوَداعًا.»

ثُمَّ سافَرَتْ «كُرْدِلْيا» — صُغرَى بَناتِ الشيخِ «لِير» — مَعَ زَوْجِها مَلِكِ «فَرنْسا» إِلى وَطَنِهِ، حَيثُ اتَّخذَتْهُ لَها مُقامًا (مكانًا تُقيمُ فِيه) بَعْدَ ذٰلكَ الْيَوْمِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠