الصاروخ الاستثنائي

كان ابن الملك على وَشْك الزواج، لذا شاع فرح عام. فقد انتظر عروسه سنةً كاملة، وقد وصلت أخيرًا. هي أميرة روسية، وقد انطلقت من فنلندا في عربة زَلَّاجة يجرُّها ستة أيائل. والعربة الزَّلَّاجة على شكل بجعة ذهبية ضخمة، وبين أجنحة البجعة تجلس الأميرة الصغيرة، وعباءتها الطويلة المصنوعة من فرو حيوان القاقوم تصل إلى قدمَيها، وعلى رأسها قبعة صغيرة مصنوعة من نسيج فضيٍّ، وكانت شاحبة البشرة تمامًا كقصر الثلج الذي كانت تعيش فيه دائمًا. شديدة الشحوب حتى إنها كلَّما مرَّت بالشوارع، تَعَجَّبَ الناس كلهم، وصاحوا قائلين: «إنها تشبه وردةً بيضاء.» وألقوا عليها الزهور من الشُّرُفات.

عند باب القلعة كان الأمير ينتظر ليستقبلها. له عينان بنفسجيتان حالمتان، وشعره كالذهب الخالص. وعندما رآها، جَثَا على ركبة واحدة وقبَّل يدها.

وهمس قائلًا لها: «كانت صورتك جميلة، ولكنَّك أجمل من الصورة.» فتورَّد وجه الأميرة خجلًا.

قال خادم يافع لمَن بجواره: «لقد كانت من قبل تشبه وردةً بيضاء، أمَّا الآن فهي تشبه وردةً حمراء.» وعمَّت السعادة في البلاط بأكمله.

على مدى الأيام الثلاثة التالية، ظلَّ الجميع يردِّد الوصفَين؛ «الوردة البيضاء» و«الوردة الحمراء» باستمرار، وأصدر الملك أوامر بمضاعفة راتب الخادم. ولكن بما أنه لم يكن يتلقَّ أيَّ راتب على الإطلاق، فلم يكن ذلك ذا نفع له، ولكنه اعتُبر شرفًا عظيمًا، ونُشِرَ الخبر على الفور في جريدة القصر.

انتهى الاحتفال بالزواج بمرور الأيام الثلاثة، وقد كان احتفالًا مهيبًا، وسارت العروس وعروسها عاقدَين أيديَهما سويًّا تحت سرادق من المخمل الأرجواني المطرَّز باللؤلؤ الصغير. ثم أُقيمت مَأْدُبة رسمية استمرَّت خمس ساعات، جلس فيها الأمير والأميرة في مقدِّمة القاعة الكبرى، وشربا من كوب من الكريستال الشَّفَّاف. لا يمكن أن يشرب من هذا الكوب سوى عاشقَين حقيقيَّين؛ لأنه إذا لمسته شفاه خادِعة، يصبح رماديًّا مُعتمًا وغائمًا.

قال الخادم الصغير: «من الواضح تمامًا أنهما يحبُّ كلٌّ منهما الآخر، هذا واضح كالشمس.» فضاعف الملك راتبه مرةً ثانية. صاح جميع رجال الحاشية قائلين: «يا له من شرف!»

بعد المأدبة أُقيم حفل راقص. العروس وعروسه سيرقصان فيها رقصة الوردة معًا، والملك قد وعد بأن يعزف على الفلوت. عزف الملك كان سيئًا للغاية، ولكنَّ أحدًا لم يجرؤ على إخباره بذلك، فهو الملك. في الواقع، لم يكن الملك يعرف سوى لحنَين، ولم يكن متأكِّدًا تمامًا أيَّهما كان يعزف؛ ولكن لم يكن ذلك مهمًّا، فمهما فعل كان الجميع يصيحون قائلين: «بديع! بديع!»

كانت آخر فقرة في برنامج الحفل هي عرض كبير للألعاب النارية، ومن المقرَّر أن يبدأ في منتصف الليل تمامًا. لم يسبق للأميرة الصغيرة أن شاهدت أيَّ ألعاب نارية في حياتها؛ لذا أصدر الملك أمرًا بأن يكون اختصاصي الألعاب النارية الملكي حاضرًا في يوم زواجها.

سألت الأميرة الأمير ذات صباح بينما كانت تتمشى في الشُّرفة: «كيف تبدو الألعاب النارية؟»

فقال الملك، الذي كان دائمًا ما يجيب على أسئلة تُوَجَّه لأشخاص آخرين: «إنها كالأضواء القطبية الشمالية، ولكنها طبيعية أكثر. أنا شخصيًّا أفضِّلها على النجوم، إذ إنكِ تعلمين دائمًا متى ستظهر، وهي مبهجة تمامًا كعزفي على الفلوت. لا بد أن ترَيْها بالتأكيد.»

وهكذا نُصِبَت منصة كبيرة في نهاية حديقة الملك، وبمجرَّد أن وضع اختصاصي الألعاب النارية الملكي كل شيء في مكانه، بدأت الألعاب النارية تخاطب بعضها بعضًا.

صاحت مُفرقَعة صغيرة قائلة: «إن العالم مكان جميل بلا شك. انظروا إلى زهور التيوليب الصفراء هذه. يا إلهي! لو كانت مُفرقَعات نارية حقيقية، لما بدت أشدَّ جمالًا. أنا سعيدة جدًّا أنني قد سافرت، فالسفر ينمِّي العقل بصورة رائعة، ويقضي على جميع الأحكام المُسبَقة التي تكون لدى المرء.»

ردَّت شمعة رومانية كبيرة قائلةً: «إن حديقة الملك ليست هي العالم، أيَّتها المُفرقَعة الحمقاء. العالم مكان شاسع، وستحتاجين ثلاثة أيام لترَيْه بأكمله.»

هتفت مُفرقَعة دوَّارة عميقة التأمل كانت متعلقةً بصندوق خشبي قديم في بداية حياتها، وكانت تتباهى بقلبها المُحطَّم: «أيُّ مكان تحبُّه هو بمنزلة العالم لك، ولكن الحبَّ لم يَعُد رائجًا كما كان، فقد قتله الشعراء. لقد كتبوا كثيرًا عنه حتى إن أحدًا لم يَعُد يصدِّقهم، وأنا لستُ مندهشةً؛ فالحب الحقيقي يعاني، وهو حب صامت. أتذكَّر نفسي في مرَّة من المرات … ولكن هذا لا يهم الآن، فالرومانسية شيء من الماضي.»

قالت الشمعة الرومانية: «هُراء! الرومانسية لا تموت أبدًا. إنها كالقمر، وتعيش إلى الأبد. فالعروس وعروسه، على سبيل المثال، يحبُّ كل منهما الآخر بشدة. لقد سمعت قصتهما كاملة هذا الصباح من خرطوشة ورقية بُنِّيَّة تصادَف أنها كانت مقيمةً في نفس الدُّرْج الذي كنتُ فيه، وكانت تعرف آخر أخبار البلاط الملكي.»

ولكن المُفرقَعة الدوَّارة هزَّت رأسها رفضًا، وهمهمت قائلةً: «لقد ماتت الرومانسية، ماتت، لقد ماتت.» لقد كانت واحدةً من أولئك الذين يعتقدون أنك إذا قلتِ شيئًا وكرَّرتِه مرةً تِلْو الأخرى، يصبح هذا الشيء صحيحًا في النهاية.

فجأة سُمِعَ صوت سُعال حادٍّ جافٍّ، فالتفت الجميع ونظروا حولهم.

جاء الصوت من صاروخ طويل متعجرف، كان مربوطًا في نهاية عصا طويلة. كان يسعل دائمًا قبل أن يُدلي بأي ملاحظة، ليلفت الانتباه.

«إحم، إحم!» هكذا ابتدر قائلًا، فأنصت الجميع ما عدا المُفرقَعة الدوَّارة المسكينة التي ظلَّت تهزُّ رأسها، وتتمتم قائلةً: «لقد ماتت الرومانسية.»

صاح مُفرقَع ناري قائلًا: «هدوء! هدوء!» كان سياسيًّا نوعًا ما، وكان دائمًا ما يلعب دورًا بارزًا في الانتخابات المحليَّة، لذا كان يعرف التعبيرات البرلمانية المناسبة التي يتعيَّن عليه استخدامها.

همست المُفرقَعة الدوَّارة قائلةً: «ماتت تمامًا.» ثم خلدت إلى النوم.

حالما عمَّ الصمت التام، سَعَل الصاروخ مرةً ثالثة وشرع في الحديث. تحدَّث ببطءٍ وبصوت مميَّز، كما لو كان يُملي مذكراته، ودائمًا ما كان ينظر فوق كتف مَن يتحدَّث إليه. في الواقع، كان أسلوبه مميَّزًا للغاية.

عَلَّقَ قائلًا: «كم كان ابن الملك محظوظًا أن يتزوَّج في نفس اليوم الذي أُطلِقتُ فيه. في الواقع، لو كان الأمر قد رُتِّب مُسبقًا، لما كان ممكنًا أن يئول إلى أفضل ممَّا هو عليه الآن، ولكن الأمراء محظوظون دائمًا.»

قالت المُفرقَعة الصغيرة: «يا إلهي! لقد اعتقدتُ العكس تمامًا، إذ كنت أظن أننا سَنُطلَق على شرف الأمير.»

فأجاب الصاروخ قائلًا: «قد يكون الأمر كذلك في حالتك، وفي الواقع، أنا لا أشكُّ أنه كذلك بالفعل؛ أمَّا في حالتي، فالأمر مختلف. أنا صاروخ استثنائي، وأتيتُ من أبويَن استثنائيَّين، فقد كانت والدتي هي أشهر مُفرقَعة دوَّارة في زمنها، وكانت تُشتَهر برقصها الجميل. عندما كانت تخرج إلى العلن، كانت تدور تسع عشرة مرةً قبل أن تنطفئ، وفي كل مرة، كانت تقذف في الهواء بسبع نجمات وردية. كان قطرها ثلاثة أقدام ونصف القدم، وكانت مصنوعةً من أجود أنواع البارود. أمَّا أبي، فقد كان صاروخًا مثلي، وكان من أصل فرنسي. كان يطير عاليًا حتى إن الناس كانوا يخشون ألَّا ينزل مرة أخرى. ولكنه كان ينزل على الرغم من ذلك، لأنه كان لطيف السجايا، وكان نزوله هو الأروع على الإطلاق، إذ كان يهبط وسط زَخَّة من مطر ذهبي. كتبت الصحف عن أدائه بإطراءٍ ومديح، وفي الواقع، قالت عنه الجريدة الملكية إنه انتصار لفن الألعاب النيرية.»

صحَّحه المشعل البنغالي قائلًا: «تقصد فن الألعاب النارية، النارية. أعلم أنه يُسمَّى فن الألعاب النارية، فقد رأيتُ هذه الكلمة مكتوبةً على عُلبَتي.»

فردَّ الصاروخ بلهجة حادَّة قائلًا: «حسنًا، أنا قلت النيرية.» فشعر المشعل البنغالي بالانكسار حتى إنه شرع على الفور في مضايقة المُفرقَعات الصغيرة؛ ليُظهِرَ أنه لا يزال شخصًا له بعض الأهمية.

أردف الصاروخ قائلًا: «كنتُ أقول … كنتُ أقول … ما الذي كنتُ أقوله؟»

فقالتِ الشمعة الرومانية: «لقد كنتَ تتحدَّثُ عن نفسك.»

«بالطبع، أعرف أنَّني كنتُ أناقش موضوعًا مُشوِّقًا عندما قوطعتُ بوقاحة بالغة. إنني أكره الوقاحة والأخلاق السيئة بكل أشكالها، لأنني حسَّاسٌ للغاية. لا يوجد أحد في العالم بأَسْرِه على نَفْس قَدْر حساسيتي، وأنا متأكِّد من ذلك.»

فسأل المُفرقَع الناري الشمعةَ الرومانية: «ما هو الشخص الحسَّاس هذا؟»

فأجابت الشمعة الرومانية هامسةً: «إنه الشخص الذي يُعاني من ثآليل في قَدَمه، لذا دائمًا ما يدوس على أصابع الآخرين.» فانفجر المُفرقَع الناري ضاحكًا.

تساءل الصاروخ قائلًا: «من فضلكم، علامَ تضحكون؟ أنا لا أمزح.»

فأجاب المُفرقَع الناري قائلًا: «أنا أضحك لأنني سعيد.»

قال الصاروخ بغضب: «هذا سبب أنانيٌّ للغاية. ما الذي يمنحك الحق لتكون سعيدًا؟ لا بد أن تفكِّر في الآخرين. في الواقع، يجب أن تفكر فيَّ. دائمًا ما أفكِّر في نفسي، وأتوقَّع من الآخرين أن يفعلوا الشيء نفسه. هذا هو ما يُسمَّى بالتعاطف؛ إنها فضيلة جميلة، وأنا أتمتَّع بها بدرجة عالية. لنفترض — على سبيل المثال — أن خَطْبًا ما لَحِق بي الليلة، فكَمْ سيمثِّل ذلك من سوء حظ للجميع! لن يكون الأمير والأميرة سعداء أبدًا مرة أخرى، فسوف تفسد حياتهما الزوجية بأكملها؛ أمَّا الملك، فأعلم أنه لن يتجاوز الأمر. في الواقع، عندما أبدأ في التفكير في أهمية وضعي، أكاد أجهش بالبكاء.»

صاحت الشمعة الرومانية قائلة: «إن كنتَ تريد أن تُسعد الآخرين، فلا بد أن تُبقي نفسك جافًّا.»

هتف المشعل البنغالي، الذي كان الآن في حالة معنوية أفضل، قائلًا: «بالتأكيد، هذا أمر بديهي.»

ردَّ الصاروخ بسخطٍ قائلًا: «بديهي، بالفعل! ولكنك نسيت أنني غير عاديٍّ جدًّا، واستثنائيٌّ جدًّا. يا إلهي! يمكن لأي شخص أن يمتلك المنطق البديهي، شريطة أن يفتقر إلى الخيال. ولكنني أتمتَّع بالخيال، فأنا لا أفكر أبدًا في الأشياء كما هي؛ ودائمًا ما أفكِّر فيها باعتبارها مختلفة تمامًا. أمَّا بشأن الحفاظ على نفسي جافًّا، فمن الواضح أنه لا يوجد أي أحد هنا يمكنه تقدير الطبيعة العاطفية على الإطلاق. ولحُسْن حظي أنني لا أهتم. الشيء الوحيد الذي يساعد المرء طوال رحلة حياته هو الوعي بدونية الآخرين الشديدة، وهو الشعور الذي كنت أُصْقِل به نفسي دائمًا. ولكنكم عديمو الشعور. فها أنتم تضحكون وتمرحون كما لو أن الأميرة والأمير لم يتزوَّجا لتوِّهما.»

صاحت بالونة نارية صغيرة مندهشةً: «حسنًا، حقًّا، لِمَ لا؟ إنها مناسبة سعيدة جدًّا، وعندما أرتفع في الهواء، أعتزم أن أُخْبِر عنها النجوم. سترَوْنها تتلألأ عندما أتحدَّث إليها عن العروس الجميلة.»

قال الصاروخ: «أوه! يا لها من رؤية تافهة للحياة! ولكن هذا هو ما توقَّعته تمامًا. أنتِ فارغة من كل شيء، جوفاء وفارغة. ربما يذهب الأمير والأميرة للعَيْش في بلد به نهر عميق. ولعلَّهما ينجبان ابنًا واحدًا فقط؛ صبيًّا صغيرًا ذا شعر أشقر وعيون بنفسجية مثل الأمير نفسه؛ وربَّما يخرج في يوم ما مع مربِّيته التي قد تخلد إلى النوم تحت شجرة بَلَسان كبيرة؛ وعندئذٍ، قد يسقط الولد الصغير في أعماق النهر ويغرق. يا لها من مصيبة رهيبة! كم هما مسكينان أن يفقدا ابنهما الوحيد! إنه حقًّا شيء مُرَوِّع إلى أقصى درجة! لن أتجاوزه أبدًا.»

قالت الشمعة الرومانية: «لكنهما لم يفقدا ابنهما الوحيد، ولم تحدث لهما أي مصيبة على الإطلاق.»

فأجاب الصاروخ: «لم أَقُل قطُّ إن ذلك قد حدث لهما. قلتُ إنه ربما قد يحدث. إذا فقدا ابنهما الوحيد، فلن تكون هناك فائدة في قول أيِّ شيء آخر عن الموضوع. إنني أكره الناس الذين يبكون على اللَّبن المسكوب. ولكن عندما أفكِّر في أنهما قد يفقدان ابنهما الوحيد، فإنني أتأثَّر بشدة بالتأكيد.»

صاح المشعل البنغالي قائلًا: «بالتأكيد! في الواقع أنت الشخص الأكثر تأثُّرًا الذي قابلتُه على الإطلاق.»

ردَّ الصاروخ قائلًا: «وأنت أوقح مَن قابلت على الإطلاق، ولا يمكنك أن تفهم صداقتي للأمير.»

قالت الشمعة الرومانية بتذمُّر: «يا إلهي! إنك لا تعرفه أصلًا!»

أجاب الصاروخ: «لم أَقُل قط إني أعرفه، وأجرؤ على القول إنني إن عرفته، فلن أكون صديقه أبدًا. إنه لأمر شديد الخطورة أن يعرف المرء أصدقاءه.»

قالت البالونة النارية: «من الأفضل أن تُبقي نفسك جافًّا، فذلك هو الأمر المهم.»

ردَّ الصاروخ: «إنه مهم جدًّا لكِ، ليس لديَّ أدنى شك، ولكنني سأبكي إن اخترتُ ذلك.» وانفجر باكيًا وتدفَّقت دموع حقيقية على عصاه كقطرات المطر، وكاد يُغرِق خنفستَين صغيرتَين كانتا تفكِّران للتوِّ في بناء منزل سويًّا، وكانتا تبحثان عن مكان جافٍّ لطيف لتعيشا فيه.

قالت المُفرقَعة الدوَّارة: «إن لديه طبيعة رومانسية بحقٍّ، فهو يبكي عندما لا يكون ثَمَّة ما يستدعي البكاء على الإطلاق.» ثم تنهَّدت بعمق وفكَّرت في الصندوق الخشبي.

لكنَّ الشمعة الرومانية والمشعل البنغالي كانا ساخطَين بشدَّة، وظَلَّا يردِّدان بأعلى صوتَيهما: «هراء! هراء!» كانا عمليَّين للغاية، وكلَّما اعترضا على أيِّ شيء كانا يُسمِّيانه هراءً.

ثم بزغ القمر كدِرْع فضيٍّ رائع؛ وبدأتِ النجوم تتلألأ، وأقبل صوت موسيقى من القصر.

كان الأمير والأميرة يقودان الرقص. كان رقصهما جميلًا جدًّا حتى إن الزنابق البيضاء الطويلة أطلَّت برأسها من النافذة لتشاهدهما، وحرَّك الخَشْخاش الأحمر رأسه، وضبط حركته مع الإيقاع.

دقَّت الساعة العاشرة، ثم الحادية عشرة، ثم الثانية عشرة، وعند آخر دقَّة من دقات منتصف الليل خرج الجميع إلى الشُّرفة، وأرسل الملك في طلب اختصاصي الألعاب النارية الملكي.

قال الملك: «لتبدأ الألعاب النارية.» فانحنى له اختصاصي الألعاب النارية الملكي انحناءةً كبيرة، ومشى إلى نهاية الحديقة. كان معه ستة مساعدين، يحمل كل منهم عصا طويلة في نهايتها شُعلة موقدة.

كان مشهدًا رائعًا بلا شك.

سُمِعَ صوت أزيز، إذِ انطلقت المُفرقَعة الدوَّارة، وأخذت تدور وتدور. انطلقت الشمعة الرومانية، مُحدِثة دويًّا. ثم تراقصت المُفرقَعات النارية في كل مكان، بينما جعل المشعل البنغالي كل شيء يبدو قرمزيًّا. صاحت البالونة النارية بينما كانت ترتفع لأعلى: «وداعًا إذن.» وأسقطت شرارات زرقاء صغيرة. بوم! بوم! هكذا أجابت المُفرقَعات النارية التي كانت مستمتعةً بشدَّة. نجح الجميع نجاحًا عظيمًا فيما عدا الصاروخ الاستثنائي. كان مُبتَلًّا بالدموع لدرجة أنه لم يتمكَّن من الانطلاق نهائيًّا. كان البارود هو أفضل شيء فيه، ولكن البارود كان مُبتَلًّا بالدموع حتى إنه لم يعد يُجدي نفعًا. انطلق كل أقرانه المتواضعين، الذين لم يتحدث إليهم قط إلا بسخرية، نحو السماء كورود ذهبية رائعة ذات براعم نارية. صاح أفراد البلاط بدهشة؛ وضحكت الأميرة الصغيرة بسرور.

قال الصاروخ: «أعتقد أنهم يدَّخرونني لحدث كبير، هذا هو ما يعنيه الأمر بلا شك.» وبدا أكثر تَغطرُسًا من أي وقت مضى.

في اليوم التالي، جاء العُمَّال لينظِّفوا المكان ويرتِّبوه. فقال الصاروخ: «من الواضح أن هذا وفدٌ، سأقابلهم بترفُّع لائق.» فرفع أنفه عاليًا وبدأ يعبس بشدة كما لو كان يفكِّر في أمرٍ مهم للغاية. ولكنهم لم يلاحظوه على الإطلاق إلا عندما كانوا على وشك الرحيل. عندئذ التفت أحد العمال لوجود الصاروخ، وصاح قائلًا: «أوه! يا له من صاروخ رديء.» وألقى به من فوق الحائط فسقط في حفرة.

قال الصاروخ وهو يدور في الهواء: «صاروخٌ رديءٌ؟ صاروخٌ رديءٌ؟ مستحيل! صاروخٌ رائعٌ، هذا هو ما قاله الرجل. كلمة رديء تشبه كلمة رائع كثيرًا، في الواقع إنهما تبدوان متماثلتين تمامًا!» ثم سقط في الوحل.

أردف قائلًا: «إن المكان غير مريح هنا، ولكن لا شكَّ أنها بِرْكة راقية، وأنهم قد أرسلوني إلى هنا لأستعيد صحتي، فأعصابي أُرهِقَت كثيرًا، وأحتاج إلى الراحة.»

بعد ذلك، سَبَحَ تجاهه ضفدع صغير ذو عينَين لامعتَين كالجواهر وجِلْد أخضر مُرقَّش.

قال الضفدع: «وافدٌ جديد كما أرى! حسنًا، لا يوجد ما هو أفضل من الطين على أيَّة حال. أعطني طقسًا ممطرًا وحفرة وسأكون في غاية السعادة. هل تعتقد أن الطقس بعد ظهر اليوم سيكون رطبًا؟ آمُلُ ذلك بشدة، ولكن السماء زرقاء وصافية تمامًا، يا خسارة!»

قال الصاروخ: «إحم! إحم!» وبدأ يسعل.

صاح الضفدع قائلًا: «إن صوتك مُبهِج! في الواقع إنه يشبه كثيرًا النقيق، والنقيق بلا شك هو أكثر الأصوات موسيقيةً في العالم. ستسمع نادي الغناء الخاص بنا هذا المساء. نجلس في بِرْكة البط القديمة بالقرب من منزل المُزارِع، وما أن يبزغ القمر حتى نبدأ في الغناء. إنه غناء خَلَّاب للغاية، لدرجة أن الجميع يبقون مستيقظين للاستماع إلينا. في الواقع، أمس فقط سمعت زوجة المُزارع تقول لأمِّها إنها لم يغمض لها جفنٌ في المساء بسببنا. إنه أمر ممتع أن يجد المرءُ نفسَه يتمتَّع بشعبية كبيرة.»

قال الصاروخ بغضب: «إحم! إحم!» كان منزعجًا بشدة لدرجة أنه لم يستطع أن ينبس ببِنْت شَفَة.

أكمل الضفدع قائلًا: «صوت مبهج بكل تأكيد! أتمنَّى أن تزور بِرْكة البط. سأذهب للبحث عن بناتي، لديَّ سِتُّ بنات جميلات، وأخشى أن تقابلهُنَّ في الطريق سمكة الكراكي. فهي وحشية تمامًا ولن تتردَّد في أن تلتهمهن على الفطور. حسنًا، إلى اللقاء، لقد استمتعتُ بلا شك بمُحادثَتِنا كثيرًا.»

ردَّ الصاروخ: «مُحادَثَة! يا لها من مُحادَثة! لقد تحدَّثت طوال الوقت، تلك ليست مُحادَثة!»

فأجاب الضفدع: «لا بُدَّ أن يستمع شخص ما، وأنا أحب أن أتحدَّث طوال الوقت، فذلك يوفِّر الوقت ويمنع الجدال.»

قال الصاروخ: «ولكنني أحب الجدال.»

قال الضفدع بلا مبالاة: «ليتك لم تكن. الجدال سوقيٌّ للغاية؛ إذ إنه في المجتمع الصالح يتوافق الجميع في الرأي. إلى اللقاء مرةً ثانية؛ فأنا أرى بناتي بعيدًا.» وسبح الضفدع الصغير مبتعدًا.

فقال الصاروخ: «أنت شخص مزعج بشدة وقليل الأدب للغاية. أكره الناس الذين يتحدَّثون عن أنفسهم مثلك، عندما يرغب المرء في التحدُّث عن نفسه، مثلي. إن هذا ما أدعوه أنانيةً، والأنانية شيء مقيت إلى أبعد حدٍّ، وخاصةً بالنسبة إلى شخص له مثل طبيعتي، فأنا معروف بطبيعتي العطوفة. في الواقع، لا بد أن تحذُوَ حَذْوي؛ فلن تجد مثالًا يُحتذى به أفضل مني. وبما أن لديك الفرصة، فمن الأفضل أن تستغلَّها، لأنني سأعود إلى البلاط على الفور، تقريبًا. أنا من أكثر المُفضَّلين لدى البلاط، بل في الواقع، لقد تزوَّج الأمير والأميرة بالأمس على شرفي. ولكنك بالطبع لا تعرف شيئًا عن هذه الأمور لأنك قرويٌّ ساذَجٌ.»

قال اليَعْسوب الذي كان يجلس على قِمَّة نبات بردي ضخم: «لا فائدة من الحديث معه، لا فائدة على الإطلاق، فقد ذهب بعيدًا.»

أجاب الصاروخ: «حسنًا، هو الخاسر وليس أنا. لن أتوقَّف عن التحدُّث إليه لمجرَّد أنه لا يعير انتباهًا. أحب سماع نفسي أتحدَّث، إنها واحدة من أكبر متعي. عادةً ما أتحدَّث طويلًا مع نفسي، وأنا ذكيٌّ لدرجة أنني أحيانًا لا أفهم كلمة واحدة مما أقوله!»

فقال اليَعْسوب: «إذن ينبغي بالتأكيد أن تحاضِرَ في الفلسفة.» ثم فرد جناحَيه الشَّفَّافَين الرقيقَين وحلَّق بعيدًا في السماء.

قال الصاروخ: «كم هو سخيف منه ألَّا يبقى هنا، أنا متأكد من أنه لم يتسنَّ له كثيرًا الحصول على فرصة كهذه لتوسيع مداركه. ومع ذلك، أنا لا أهتم بتاتًا، فعبقري مثلي سيصبح موضع تقدير في يوم ما.» ثم غاص في الوحل أعمق قليلًا.

بعد مرور بعض الوقت، سبحت نحوه بطة بيضاء كبيرة. كان لها رجلان صفراوان، وقدمان مُكفَّفان، وتُعتَبر رائعة الجمال بسبب تبختُرها.

قالت البطة: «كاك! كاك! كاك! إن شكلك غريب للغاية! إن سمحت لي بالسؤال، هل وُلِدْت بهذا الشكل أم أنه نتيجة لحادث ما؟»

فأجاب الصاروخ قائلًا: «من الواضح تمامًا أنكِ كنتِ تعيشين في الريف دائمًا، وإلا كنتِ ستعرفين مَن أنا. ومع ذلك، فأنا أعذر جهلكِ. من الظلم أن يتوقَّع المرء أن يكون الآخرون مميَّزين مثله. لا شك أنكِ ستندهشين عندما تعلمين أنه يمكنني الطيران في السماء ثم الهبوط وسط زَخَّة من الأمطار الذهبية.»

فقالت البطة: «لا أرى أهميةً كبرى لهذا، إذ لا يمكنني أن أستوعب ما فائدة ذلك لأيِّ أحد. أمَّا إن كنت تستطيع حرث الأرض كالثَّوْر، أو جَرَّ العربة كالحصان، أو رعاية الخِراف ككلب الكولي، فسيكون ذلك مفيدًا.»

صاح الصاروخ بنبرة صوت شديدة الغطرسة: «أيَّتها المخلوقة الطيبة، أرى أنك تنتمين إلى الطبقات الدُّنيا. شخصٌ في مكانتي لا يكون مفيدًا أبدًا. لنا إنجازات بعينها، وهذا أكثر من كافٍ. شخصيًّا لا أتعاطف مع أيِّ شكل من أشكال العمل الشاق، وخاصة مع نوعيات العمل الشاق التي يبدو أنكِ تقترحينها. في الحقيقة، إنني دومًا ما كنت أُومِن بأن العمل الشاق هو ببساطة ملاذ الأشخاص الذين ليس لديهم شيء يفعلونه.»

قالت البطة المسالمة التي كانت شخصيةً مسالمة جدًّا، ولم تتشاجر مع أيِّ أحدٍ قطُّ: «حسنًا، حسنًا، كل شخص له ذوق مختلف. آمُلُ، على أيِّ حال، أنك ستقيم هنا.»

صاح الصاروخ قائلًا: «يا إلهي! بالطبع لا! أنا مجرَّد زائر، زائرٌ مميَّز. في الواقع، أجد المكان هنا مُمِلًّا. فلا مجتمعَ راقيًا هنا ولا خصوصيةَ. في الحقيقة، إنه بالأساس ضاحية. سأعود إلى البلاط على الأرجح، لأنني أعلم أنه مقدر لي أن أُحدِثَ أثرًا كبيرًا في العالم.»

عَلَّقَت البطة قائلة: «لقد فكَّرت في دخول الحياة العامة في إحدى المرات. ثَمَّة الكثير من الأمور التي تحتاج إلى إصلاح. في الواقع، لقد تولَّيت رئاسة أحد الاجتماعات منذ فترة، واتَّخذنا قرارات تدين كل شيء لم يكن يعجبنا. ومع ذلك لم تُحدِث هذه القرارات تأثيرًا كبيرًا. أمَّا الآن فقد اخترتُ الحياة المنزلية، والاعتناء بعائلتي.»

قال الصاروخ: «لقد خُلِقتُ من أجل الحياة العامة، وكذا كل أمثالي، حتى أكثرهم تواضعًا. كلَّما ظهرنا، أثرنا اهتمامًا كبيرًا. لم أظهر شخصيًّا بعد، ولكن عندما أفعل، سيكون مشهدًا مهيبًا. أمَّا بالنسبة للحياة المنزلية، فهي تجعل المرءَ يشيخ بسرعة، وتُشتِّت انتباهه عن الأمور الأسمى.»

ردَّت البطة قائلةً: «أوه! الأشياء الأسمى، كم هي جميلة! وهذا يذكِّرني كم أنا جوعانة.» ثم سبحت بعيدًا في جدول الماء، وهي تقول: «كاك! كاك! كاك!»

صرخ الصاروخ قائلًا: «عودي! عودي! لديَّ الكثير لأقوله لكِ.» ولكن البطة لم تُعِرْه انتباهًا. حدَّث الصاروخ نفسه قائلًا: «أنا سعيد أنها ذهبت، فطريقة تفكيرها هي طريقة تفكير الطبقة الوسطى بلا شك.» وغاص أعمق قليلًا في الوحل، وبدأ يفكِّر في الوحدة التي يشعر بها العباقرة، وحينئذٍ أتى فجأة صبيَّان صغيران يرتديان سترات بيضاء، ويركضان حذاءَ ضفة النهر، وهما يحملان إناءً وبعض حُزَمِ الحطب.

قال الصاروخ وهو يحاول أن يبدو مزهوًّا: «لا بد أنه وفد.»

صاح أحد الأولاد قائلًا: «انظر! انظر إلى هذه العصا القديمة! كيف جاءت إلى هنا يا تُرى؟!» والتقط الصاروخ من الحفرة.

قال الصاروخ: «عصا «قديمة»! مستحيل! عصا «عظيمة.» هذا هو ما قاله. يا له من مديح كبير أن يصفني بأنني عصا عظيمة! في الواقع، لقد خلط بيني وبين أحد أصحاب المقام الرفيع في البلاط الملكي!»

قال الولد الآخر: «لنشعل فيها النار، فسيساعد ذلك في غَلْي الإناء.»

وهكذا كَوَّم الولدان حُزَم الحطب معًا، ووضعوا الصاروخ أعلاها، وأشعلوا النار.

صاح الصاروخ قائلًا: «هذا رائع! سيطلقونني في وَضَح النهار، حتى يتسنَّى للجميع أن يروني.»

قال الولدان: «سنخلد إلى النوم الآن، وعندما نستيقظ سيكون الإناء قد غَلى.» واستلقيا على العشب، وأغلقا عيونهما.

كان الصاروخ رطبًا للغاية، فاستغرق وقتًا طويلًا حتى يشتعل. وأخيرًا، اشتعلت فيه النار.

صاح الصاروخ قائلًا: «الآن سأنطلق.» ثم نصب قامته واستقام: «أعلم أنني سأطير أعلى كثيرًا من النجوم، أعلى كثيرًا من القمر، أعلى كثيرًا من الشمس. في الواقع، سأنطلق عاليًا جدًّا لدرجة …»

ززز! ززز! ززز! هكذا أزَّ الصاروخ وانطلق مباشرةً إلى أعلى في الهواء.

صاح قائلًا: «يا لها من متعة! سأظل هكذا إلى الأبد، كم أنا ناجح!»

ولكن أحدًا لم يره.

ثم بدأ الصاروخ يشعر بوخزٍ غريب في كل جزء منه.

صاح قائلًا: «سأنفجر الآن! سأُضرِم النار في العالم أجمع، وسأصنع ضَجَّةً كبيرة، حتى إن أحدًا لن يتحدَّث عن أي شيء آخر سواها لمدة عامٍ كامل.» وانفجر الصاروخ فعلًا. بوو! بوو! بوو! انفجر البارود، لم يكن ثَمَّة شك في ذلك.

ولكن لم يسمعه أحد، ولا حتى الولدان الصغيران؛ لأنهما كانا مستغرقَين في نوم عميق.

لم يتبقَّ منه سوى العصا، التي سقطت على ظهر إوَزَّة كانت تتمشى على جانب الحفرة.

صاحت الإوَزَّة قائلة: «يا إلهي! إنها ستمطر عِصِيًّا.» ثم هُرعَت إلى الماء.

قال الصاروخ لاهثًا: «كنت أعلم أني سأُحدِث ضَجَّةً كبيرة.» ثم انطفأ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠