الفصل الحادي عشر

عِنَادُ الْجَدِّ ضفدع

فِيي، فَاي، فِي، فَمْ!
نَقْ، نَقْ، نَقْ نَقْ!

كَانَ الْجَدُّ ضفدع قَدْ بَدَأَ بِالْفِعْلِ رِحْلَتَهُ لِاسْتِكْشَافِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ. نَعَمْ، لَقَدْ أَدَارَ ظَهْرَهُ لِلْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ فَأْرُ الْمِسْكِ جيري لِيُزَحْزِحَهُ عَنْ قَرَارِهِ؛ فَقَدِ اتَّخَذَ الْجَدُّ ضفدع قَرَارَهُ، وَهُوَ عِنْدَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، يَكُونُ مَضْيَعَةً لِلْوَقْتِ وَالْجُهْدِ أَنْ يُحَاوِلَ أَيُّ كَائِنٍ إِقْنَاعَهُ بِالْعُدُولِ عَنْهُ؛ فَالْجَدُّ ضفدع عَنِيدٌ. نَعَمْ، هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الْمُنَاسِبَةُ تَمَامًا … عَنِيدٌ. كَانَ قَدْ قَرَّرَ أَنْ يَرَى بِنَفْسِهِ كَيْفَ يَبْدُو ذَلِكَ الْعَالَمُ الْكَبِيرُ الَّذِي تَحَدَّثَ قَرِيبُهُ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ عَنْهُ كَثِيرًا وَقَالَ إِنَّهُ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ حَيْثُ قَضَى الْجَدُّ ضفدع حَيَاتَهُ كُلَّهَا.

«إِذَا كَانَ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ يَسْتَطِيعُ الِاعْتِنَاءَ بِنَفْسِهِ، فَأَنَا أَسْتَطِيعُ الِاعْتِنَاءَ بِنَفْسِي فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.» قَالَهَا الْجَدُّ ضفدع لِنَفْسِهِ وَهُوَ يَبْدَأُ رِحْلَتَهُ عَبْرَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ بِقَفَزَاتٍ كَبِيرَةٍ، وَأَرْدَفَ: «أَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ ذَكَاءً مِنِّي! وَهُوَ لَا يَمْلِكُ نِصْفَ رَشَاقَتِي، كَمَا أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْفِزَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْفِزَهَا. سَأَرَى بِنَفْسِي ذَلِكَ الْعَالَمَ الْكَبِيرَ، ثُمَّ أَعُودُ بَعْدَهَا إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ وَأَظَلُّ هُنَاكَ بَقِيَّةَ حَيَاتِي. نَقْ نَقْ، مَا أَشَدَّ الْحَرَّ!»

كَانَ الْجَوُّ حَارًّا؛ فَقَدْ كَانَ قُرْصُ الشَّمْسِ الْأَحْمَرُ الْمُسْتَدِيرُ الْمَرِحُ يُطِلُّ بِأَوْسَعِ ابْتِسَامَاتِهِ، وَيَصُبُّ أَدْفَأَ أَشِعَّتِهِ إِلَى أَسْفَلَ عَلَى الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَكَانَتِ النَّسَمَاتُ الرَّقِيقَةُ الْمَرِحَةُ بَنَاتُ الرِّيَاحِ الْغَرْبِيَّةِ الْعَجُوزِ غَافِيَةً؛ فَقَدْ لَعِبَتْ كَثِيرًا فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ حَتَّى أَصَابَهَا التَّعَبُ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَحَدٌ أَوْ شَيْءٌ يُبَرِّدُ جَسَدَ الْجَدِّ ضفدع، وَأَخَذَ شُعُورُهُ بِالْحَرِّ يَزْدَادُ مَعَ كُلِّ قَفْزَةٍ. ثُمَّ بَدَأَ يَشْعُرُ بِالْعَطَشِ، وَكَمْ كَانَ يَشْتَاقُ لِلْغَطْسِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ الْبَارِدَةِ الْعَزِيزَةِ! وَلَكِنَّهُ كَانَ عَنِيدًا؛ كَانَ يَرْفُضُ أَنْ يَعُودَ أَدْرَاجَهُ، مَهْمَا كَانَتْ دَرَجَةُ انْزِعَاجِهِ، وَكَانَ «مُصِرًّا» عَلَى اسْتِكْشَافِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِهِ. وَهَكَذَا وَاصَلَ تَقَدُّمَهُ إِلَى الْأَمِامِ، فَرَاحَ يَقْفِزُ وَيَقْفِزُ وَيَقْفِزُ.

كَانَ الْجَدُّ ضفدع قَدْ جَابَ الْجَدْوَلَ الضَّاحِكَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ مِنْ قَبْلُ، حَيْثُ يَسْتَطِيعُ السِّبَاحَةَ حِينَ يَشْعُرُ بِالتَّعَبِ مِنْ رِحْلَتِهِ عَلَى الضِّفَّةِ، وَحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرَطِّبَ جَسَدَهُ عِنْدَمَا يَشْعُرُ بِالْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَعِدْ عَنِ الْمَاءِ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ أَمَرًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا. فِي بَادِئِ الْأَمْرِ كَانَ يَقْفِزُ قَفَزَاتٍ كَبِيرَةً، فَهَذَا مَا خُلِقَتْ سَاقَاهُ الطَّوِيلَتَانِ مِنْ أَجْلِهِ؛ وَلَكِنَّ الْعُشْبَ الطَّوِيلَ ضَايَقَهُ، وَبَعْدَ قَلِيلٍ صَارَتْ قَفَزَاتُهُ أَقْصَرَ فَأَقْصَرَ، وَمَعَ كُلِّ قَفْزَةٍ أَخَذَ يَلْهَثُ وَيَلْهَثُ وَسُرْعَانَ مَا بَدَأَ يَنْخُرُ بِأَنْفِهِ؛ فَهُوَ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ قَفَزَ أَكْثَرَ مِنْ بِضْعِ قَفَزَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ يَأْخُذَ رَاحَةً، فَبَدَأَتْ سَاقَاهُ تَتْعَبَانِ بَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ جِدًّا.

إِذَا كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَعْرِفُ الْمُرُوجَ الْخَضْرَاءَ بِقَدْرِ مَا تَعْرِفُهَا الْكَائِنَاتُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَعِيشُ هُنَاكَ، كَانَ سَيَسْلُكُ الطَّرِيقَ الصَّغِيرَ الْمُنْعَزِلَ، حَيْثُ يَسْهُلُ السَّيْرُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا؛ فَقَدْ مَضَى فِي طَرِيقِهِ فَوْرًا عَلَى غَيْرِ هُدًى، وَبِالطَّبْعِ كَانَ الطَّرِيقُ وَعْرًا، بَلْ شَدِيدَ الْوُعُورَةِ. كَانَ الْعُشْبُ طَوِيلًا جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعِ الرُّؤْيَةَ مِنْ فَوْقِهِ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ شَدِيدَةَ الْخُشُونَةِ حَتَّى إِنَّهَا جَرَحَتْ قَدَمَيْهِ الْغَضَّتَيْنِ، اللَّتَيْنِ كَانَتَا مُعْتَادَتَيْنِ عَلَى ضِفَّةِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ النَّاعِمَةِ الْمُغَطَّاةِ بِالطَّحَالِبِ. لَمْ يَكُنْ قَدْ قَطَعَ مَسَافَةً طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يَتَمَنَّى مِنْ كُلِّ قَلْبِهِ لَوْ أَنَّهُ لَمْ يُفَكِّرْ قَطُّ فِي رُؤْيَةِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قَالَ إِنَّهُ سَيَذْهَبُ، وَسَوْفَ يَذْهَبُ؛ لِذَلِكَ وَاصَلَ سَيْرَهُ؛ فَرَاحَ يَقْفِزُ وَيَقْفِزُ، ثُمَّ يَسْتَرِيحُ، وَيَقْفِزُ وَيَقْفِزُ وَيَقْفِزُ، ثُمَّ يَسْتَرِيحُ، وَيَقْفِزُ، ثُمَّ يَأْخُذُ قِسْطًا طَوِيلًا مِنَ الرَّاحَةِ.

فِي إِحْدَى هَذِهِ الِاسْتِرَاحَاتِ سَمِعَ وَقْعَ أَقْدَامٍ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا مُرْعِبًا جَعَلَ قُشَعْرِيرَةً بَارِدَةً تَسْرِي فِي جَسَدِهِ كُلِّهِ. تَشَمَّمَ، تَشَمَّمَ، تَشَمَّمَ! كَانَ الصَّوْتُ يَقْتَرِبُ. أَلْصَقَ الْجَدُّ ضفدع جِسْمَهُ بِالْأَرْضِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ، وَلَكِنْ كَانَ ذَلِكَ بِلَا جَدْوَى، بِلَا أَدْنَى جَدْوَى. رَاحَ الصَّوْتُ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، ثُمَّ وَقَفَ كَلْبُ الصَّيْدِ باوزر فَوْقَهُ تَمَامًا! بَدَا باوزر مُتَفَاجِئًا تَمَامًا مِثْلَ الْجَدِّ ضفدع، ثُمَّ مَدَّ إِحْدَى كَفَّيْهِ لِلْأَمَامِ وَقَلَبَ الْجَدَّ ضفدع عَلَى ظَهْرِهِ. نَهَضَ الْجَدُّ ضفدع بِصُعُوبَةٍ وَقَفَزَ قَفْزَتَيْنِ مَذْعُورًا.

صَاحَ باوزر: «هَاوْ هَاوْ!» ثُمَّ قَلَبَهُ عَلَى ظَهْرِهِ مَرَّةً أُخْرَى. ظَنَّ باوزر أَنَّ ذَلِكَ مُمْتِعٌ جِدًّا، لَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع ظَنَّ أَنَّ ذَاكَ آخِرُ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهِ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.