الفصل الثاني عشر

الْجَدُّ ضفدع يُكْمِلُ رِحْلَتَهُ

عَجُوزٌ حَكِيمٌ الْجَدُّ ضفدع،
وَلَكِنَّهُ بِالرَّغْمِ مِنْ سِنِّهِ أَحْمَقُ.
وَسَنَتَّفِقُ بِلَا شَكٍّ،
أَنَّ عِنَادَهُ بِلَا حَدٍّ.

كَانَ الْجَدُّ ضفدع وَاثِقًا أَنَّ ذَلِكَ آخِرُ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَدْنَى شَكٍّ فِي ذَلِكَ؛ فَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَانَ تَحْتَ رَحْمَةِ كَلْبِ الصَّيْدِ باوزر هُنَاكَ فِي الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ بَعِيدًا عَنِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ الْعَزِيزَةِ الْآمِنَةِ. وَكُلَّمَا تَحَرَّكَ الْجَدُّ ضفدع، قَلَبَهُ باوزر عَلَى ظَهْرِهِ وَرَاحَ يَتَقَافَزُ حَوْلَهُ، نَابِحًا بِسَعَادَةٍ. وَفِي كُلِّ دَقِيقَةٍ كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَتَوَقَّعُ أَنْ يَشْعُرَ بِأَسْنَانِ باوزر الرَّهِيبَةِ، فَتُصِيبُهُ تِلْكَ الْفِكْرَةُ بِالْفَزَعِ، وَعِنْدَمَا أَدْرَكَ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ الْهَرَبَ، تَسَمَّرَ فِي مَكَانِهِ؛ فَقَدْ كَانَتْ شِدَّةُ خَوْفِهِ وَتَعَبِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ فِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ عَلَى أَيِّ حَالٍ.

وَعِنْدَمَا تَسَمَّرَ فِي مَكَانِهِ، أَفْسَدَ مُتْعَةَ باوزر، فَرُؤْيَتُهُ وَهُوَ يَقْفِزُ وَيَرْكُلُ بِأَرْجُلِهِ الطَّوِيلَةِ كَانَتْ هِيَ مَا أَمْتَعَ باوزر كَثِيرًا. قَذَفَهُ باوزر فِي الْهَوَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع كَانَ يَسْتَلْقِي حَيْثُ يَقَعُ بِلَا حَرَاكٍ.

هَتَفَ باوزر بِصَوْتِهِ الْعَمِيقِ الْجَهُورِ: «هَاوْ هَاوْ هَاوْ!» وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَمْ يَطْرِفْ حَتَّى بِعَيْنَيْهِ الْكَبِيرَتَيْنِ الْجَاحِظَتَيْنِ، فَتَشَمَّمَ باوزر جَسَدَهُ كُلَّهُ.

قَالَ باوزر مُحَدِّثًا نَفْسَهُ: «أَظُنُّنِي أَخَفْتُهُ حَتَّى الْمَوْتِ. أَنَا لَمْ أَقْصِدْ ذَلِكَ، لَمْ أُرِدْ سِوَى أَنْ أَلْهُوَ مَعَهُ قَلِيلًا.» وَبَعْدَ ذَلِكَ، تَشَمَّمَهُ باوزر مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ هَرْوَلَ مُبْتَعِدًا لِيُحَاوِلَ إِيجَادَ شَيْءٍ آخَرَ أَكْثَرَ إِمْتَاعًا؛ فَهُوَ لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ لِإِيذَاءِ الْجَدِّ ضفدع فِعْلًا.

ظَلَّ الْجَدُّ ضفدع سَاكِنًا تَمَامًا حَتَّى تَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ باوزر لَمْ يَعُدْ فِي الْجِوَارِ، ثُمَّ تَنَهَّدَ تَنْهِيدَةَ ارْتِيَاحٍ عَظِيمَةً وَزَحَفَ أَسْفَلَ وَرَقَةٍ كَبِيرَةٍ لِنَبَاتِ آذَانِ الدُّبِّ لِيَسْتَرِيحَ وَيُفَكِّرَ فِي الْأَمْرِ.

«نَقْ نَقْ، كَانَتْ هَذِهِ تَجْرِبَةً رَهِيبَةً وَلَا شَكَّ!» قَالَهَا الْجَدُّ ضفدع لِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَرْتَعِشُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَرَّ بِهِ، وَتَابَعَ حَدِيثَهُ مَعَ نَفْسِهِ قَائِلًا: «لَمْ يَحْدُثْ لِي شَيْءٌ كَهَذَا قَطُّ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، لَقَدْ كُنْتُ دَائِمًا أَقُولُ إِنَّ الْبِرْكَةَ الْبَاسِمَةَ مَكَانٌ أَفْضَلُ لِلْعَيْشِ مِنَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، وَالْآنَ لَقَدْ تَأَكَّدْتُ مِنْ ذَلِكَ. وَالسُّؤَالُ هُوَ: مَا الَّذِي يَجْدُرُ بِي أَنْ أَفْعَلَهُ الْآنَ؟»

فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَعْرِفُ إِجَابَةَ ذَلِكَ السُّؤَالِ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ، بِالطَّبْعِ كَانَ أَفْضَلُ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ هُوَ أَنْ يَعُودَ مُبَاشَرَةً إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُهُ. وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع عَنِيدٌ. نَعَمْ، هُوَ عَنِيدٌ بِالتَّأْكِيدِ، وَالْعِنَادُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَيْسَ إِلَّا الْوَجْهَ الْآخَرَ لِلْحَمَاقَةِ. كَانَ قَدْ أَخْبَرَ فَأْرَ الْمِسْكِ جيري أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِيَرَى الْعَالَمَ الْكَبِيرَ، وَالْآنَ إِذَا رَجَعَ، فَسَيَسْخَرُ مِنْهُ جيري.

قَالَ الْجَدُّ ضفدع: «لَنْ أَفْعَلَ!»

«لَنْ تَفْعَلَ مَاذَا؟» هَكَذَا سَأَلَ صَوْتٌ قَرِيبٌ جِدًّا مِنْهُ حَتَّى إِنَّهُ قَفَزَ قَفْزَةً طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يُفَكِّرَ. فَفِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ كَانَ دَائِمًا يَقْفِزُ مَعَ أَوَّلِ شُعُورٍ بِالْخَطَرِ، وَلِأَنَّ قَفْزَةً وَاحِدَةً كَانَتْ دَائِمًا تَحْمِلُهُ إِلَى الْمَاءِ، فَقَدْ كَانَ آمِنًا دَائِمًا. لَكِنْ هُنَا لَا يُوجَدُ مَاءٌ، وَتِلْكَ الْقَفْزَةُ أَخَذَتْهُ إِلَى مَكَانٍ مَكْشُوفٍ حَيْثُ يُمْكِنُ لِأَيِّ مَارٍّ أَنْ يَرَاهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ لِيَرَى مَنِ الَّذِي أَفْزَعَهُ هَكَذَا. كَانَ فَأْرَ الْمُرُوجِ داني.

رَدَّ عَلَيْهِ الْجَدُّ ضفدع بِخُشُونَةٍ قَائِلًا: «لَنْ أَعُودَ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ حَتَّى أَرَى الْعَالَمَ الْكَبِيرَ.»

قَالَ لَهُ داني، هَازًّا رَأْسَهُ: «لَنْ تَرَى الْكَثِيرَ فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ إِذَا قَفَزْتَ هَكَذَا كُلَّمَا خِفْتَ. نَعَمْ، لَنْ تَرَى الْكَثِيرَ؛ لِأَنَّ إِحْدَى تِلْكَ الْقَفَزَاتِ سَتَقْذِفُكَ مُبَاشَرَةً بَيْنَ مَخَالِبِ الصَّقْرِ أبيض الذيل الْعَجُوزِ، أَوْ قَرِيبِهِ أحمر الذيل أَوِ الثَّعْلَبِ ريدي. خُذْ بِنَصِيحَتِي أَيُّهَا الْجَدُّ ضفدع وَعُدْ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ دُونَ إِبْطَاءٍ؛ أَنْتَ لَا تَعْرِفُ عَنِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ مَا يَكْفِي لِتَعْتَنِيَ بِنَفْسِكَ.»

وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع كَانَ مُصِرًّا، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ فَأْرُ الْمُرُوجِ داني لِيُغَيِّرَ رَأْيَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ قَالَ الْجَدُّ ضفدع: «لَقَدْ بَدَأْتُ رِحْلَتِي لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، وَسَأَمْضِي فِي طَرِيقِي.»

فَقَالَ داني فِي النِّهَايَةِ: «حَسَنًا، إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَرَارَكَ فَلَا أَظُنُّكَ تَرْجِعُ فِيهِ. سَأَمْضِي مَعَكَ قَلِيلًا حَتَّى أَضَعَكَ عَلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ.»

رَدَّ عَلَيْهِ الْجَدُّ ضفدع قَائِلًا: «شُكْرًا لَكَ. هَيَّا، لِنَتَحَرَّكْ فِي الْحَالِ.»

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.