الفصل الثالث عشر

فَأْرُ الْمُرُوجِ داني يَشْعُرُ بِالْمَسْئُولِيَّةِ

الْمَسْئُولِيَّةُ كَلِمَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ كَبِيرَةٌ فِي مَعْنَاهَا تَمَامًا مِثْلَمَا هِيَ كَبِيرَةٌ فِي شَكْلِهَا، وَهَذَا مَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الْكَلِمَاتُ فِي رَأْيِي، أَلَا تُوَافِقُونَنِي؟ عَلَى أَيِّ حَالٍ، الْمَسْئُولِيَّةُ هِيَ الْإِحْسَاسُ الَّذِي شَعَرَ بِهِ فَأْرُ الْمُرُوجِ داني عِنْدَمَا وَجَدَ الْجَدَّ ضفدع خَارِجًا فِي الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ بَعِيدًا جِدًّا عَنِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، وَمُصِرًّا فِي عِنَادٍ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فِي طَرِيقِهِ لِيَرَى الْعَالَمَ الْكَبِيرَ بَدَلًا مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ الْخَاصَّةِ بِهِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، حَيْثُ يُمْكِنُهُ الِاعْتِنَاءُ بِنَفْسِهِ. تَذْكُرُونَ أَنَّ الْأَرْنَبَ بيتر شَعَرَ بِالْمُسْئُولِيَّةِ عِنْدَمَا نَزَلَ بِالْأَرْنَبَةِ الصَّغِيرَةِ جعداء الذيل مِنَ الْمَرْعَى الْقَدِيمِ إِلَى الدَّغَلِ الْعَزِيزِ؛ فَقَدْ شَعَرَ أَنَّ مِنْ وَاجِبِهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَلَّا يُصِيبَهَا أَيُّ مَكْرُوهٍ، وَذَلِكَ بِالضَّبْطِ مَا شَعَرَ بِهِ فَأْرُ الْمُرُوجِ داني تِجَاهَ الْجَدِّ ضفدع.

فَقَدْ عَرَفَ داني أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْجَدُّ ضفدع سَيَقْفِزُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ كُلَّمَا خَافَ، فَهُوَ لَنْ يَصْمُدَ طَوِيلًا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ. رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ التَّصَرُّفَ الصَّائِبَ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ — حَيْثُ تُخْفِيهِ الْمِيَاهُ الصَّدِيقَةُ مِنْ أَعْدَائِهِ — وَلَكِنَّهُ كَانَ تَصَرُّفًا خَاطِئًا تَمَامًا فِي الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ أَوْ فِي الْغَابَةِ الْخَضْرَاءِ؛ فَداني كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ مُنْذُ صِغَرِهِ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ الشَّيْءُ الْآمِنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُمْكِنُكَ فِعْلُهُ عِنْدَمَا يَقْتَرِبُ الْخَطَرُ هُوَ أَنْ تَظَلَّ ثَابِتًا تَمَامًا وَلَا تَتَنَفَّسَ تَقْرِيبًا.

وَقَدْ كَانَ فَأْرُ الْمُرُوجِ داني مُعْجَبًا بِالْجَدِّ ضفدع، وَلَمْ يَحْتَمِلِ التَّفْكِيرَ فِي أَنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ؛ لِذَلِكَ عِنْدَمَا وَجَدَ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ إِقْنَاعَ الْجَدِّ ضفدع بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، قَرَّرَ أَنَّهُ «لَا بُدَّ» لَهُ مِنْ مُصَاحَبَةِ الْجَدِّ ضفدع لِيُحَاوِلَ إِبْعَادَهُ عَنِ الْخَطَرِ. نَعَمْ، كَانَ «لَا بُدَّ» لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ شَعَرَ بِالْمَسْئُولِيَّةِ عَنْ سَلَامَةِ الْجَدِّ ضفدع. وَهَكَذَا مَضَيَا، وَفَأْرُ الْمُرُوجِ داني يَجْرِي فِي الْمُقَدِّمَةِ، شَاعِرًا بِالتَّوَتُّرِ وَالْقَلَقِ، وَمُتَرَقِّبًا بِانْتِبَاهٍ أَيَّ عَلَامَاتٍ لِلْخَطَرِ، بَيْنَمَا الْجَدُّ ضفدع يَلْهَثُ خَلْفَهُ، مُصِرًّا عَلَى رُؤْيَةِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، الَّذِي قَالَ عَنْهُ قَرِيبُهُ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ إِنَّهُ مَكَانٌ أَفْضَلُ لِلْعَيْشِ مِنَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ.

وَإِنَّ لِداني عَدَدًا هَائِلًا مِنَ الْمَمَرَّاتِ الصَّغِيرَةِ السِّرِّيَّةِ تَحْتَ الْعُشْبِ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْدُوَ مِنْهَا بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ دُونَ أَنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَنْ قَدْ يَتَرَبَّصُ بِهِ. وَطَبْعًا بَدَأَ يَقُودُ الْجَدَّ ضفدع إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَمَرَّاتِ الصَّغِيرَةِ. وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَا يَمْشِي وَلَا يَجْرِي؛ وَإِنَّمَا يَقْفِزُ، وَلَمْ تَكُنْ مَمَرَّاتُ داني الصَّغِيرَةُ تَتَّسِعُ لِلْقَفْزِ، وَهُوَ مَا اكْتَشَفَاهُ بَعْدَ قَلِيلٍ. لَمْ يَسْتَطِعِ الْجَدُّ ضفدع أَنْ يَتْبَعَ داني فِي هَذِهِ الْمَمَرَّاتِ الصَّغِيرَةِ. جَلَسَ داني لِيُفَكِّرَ، وَقَطَّبَ حَاجِبَيْهِ فِي تَوَتُّرٍ. كَانَ قَلِقًا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى؛ فَقَدْ كَانَ وَاضِحًا جِدًّا أَنَّ الْجَدَّ ضفدع سَيُضْطَرُّ إِلَى أَنْ يَرْتَحِلَ فِي الْعَرَاءِ، حَيْثُ يُوجَدُ مُتَّسَعٌ لِلْقَفْزِ، وَحَيْثُ أَيْضًا سَيَكُونُ عَلَى مَرْأًى مِنْ كُلِّ مَنْ يَمُرُّ صُدْفَةً. فَحَثَّهُ داني مُجَدَّدًا عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، وَلَكِنْ كَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَصًا أَوْ حَجَرًا؛ فَقَدْ بَدَأَ الْجَدُّ ضفدع رِحْلَتَهُ لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى بُلُوغِ غَايَتِهِ.

فَتَنَهَّدَ داني، وَقَالَ: «إِذَا عَزَمْتَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ لَنْ تَعْدِلَ عَنْهُ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَنَقَّلَ فِيهِ بِقَدْرٍ — وَلَوْ ضَئِيلًا — مِنَ الرَّاحَةِ هُوَ الطَّرِيقُ الصَّغِيرُ الْمُنْعَزِلُ. هَذَا خَطِيرٌ، خَطِيرٌ جِدًّا، وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّهُ لَا مَفَرَّ مِنْهُ.»

رَدَّ الْجَدُّ ضفدع قَائِلًا: «نَقْ نَقْ! لَسْتُ خَائِفًا. أَرِنِي الطَّرِيقَ الصَّغِيرَ الْمُنْعَزِلَ ثُمَّ امْضِ فِي سَبِيلِكَ يَا داني.»

وَهَكَذَا قَادَ داني الْمَسِيرَ إِلَى الطَّرِيقِ الصَّغِيرِ الْمُنْعَزِلِ، وَتَنَهَّدَ الْجَدُّ ضفدع بِارْتِيَاحٍ، فَهُنَاكَ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقَفْزَ دُونَ أَنْ يَشْتَبِكَ بِالْعُشْبِ الطَّوِيلِ، وَدُونَ أَنْ يَجْرَحَ قَدَمَيْهِ الْغَضَّتَيْنِ عَلَى بَقَايَا الزَّرْعِ الْخَشِنِ حَيْثُ قُطِعَ الْعُشْبُ. وَلَكِنَّ داني كَانَ قَلِقًا لِلْغَايَةِ؛ فَهُوَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتْرُكَ الْجَدَّ ضفدع؛ لِأَنَّهُ — كَمَا تَعْلَمُونَ — كَانَ يَشْعُرُ بِالْمَسْئُولِيَّةِ تِجَاهَهُ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ خَائِفًا بِشِدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَكِّدًا مِنْ أَنَّ بَعْضَ أَعْدَائِهِمَا سَيَرَوْنَهُمَا. كَانَ يُرِيدُ الْعَوْدَةَ، وَلَكِنَّهُ وَاصَلَ طَرِيقَهَ، وَهَذَا يُبَيِّنُ مَدَى شَجَاعَةِ فَأْرِ الْمُرُوجِ الصَّغِيرِ داني.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.