الفصل الرابع عشر

رِحْلَةُ الْجَدِّ ضفدع الْعَجِيبَةُ

مَا أَكْثَرَ مَا قَدْ يَقَعُ
وَأَعْظَمَ مَا يُصِيبُ
مُسَافِرًا طَائِشًا
أَوْ يَرَى نَفْسَهُ عَلِيمًا!

بَدَأَ الْجَدُّ ضفدع — إِذْ رَاحَ يَقْفِزُ إِلَى الْأَمَامِ خَلْفَ فَأْرِ الْمُرُوجِ داني سَالِكَيْنِ الطَّرِيقَ الصَّغِيرَ الْمُنْعَزِلَ — يَظُنُّ أَنَّ داني هُوَ أَكْثَرُ سُكَّانِ الْمُرُوجِ الصِّغَارِ الَّذِينَ عَرَفَهُمْ جُبْنًا وَخَوْفًا؛ فَقَدْ كَانَ داني يُحَاوِلُ الْبَقَاءَ تَحْتَ الْعُشْبِ الْمُمْتَدِّ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ الصَّغِيرِ الْمُنْعَزِلِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الْعَارِيَةِ تَمَامًا، كَانَ داني يَنْظُرُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً بِقَلَقٍ ثُمَّ يَرْكُضُ مُتَخَطِّيًا إِيَّاهَا بِأَسْرَعِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطْلِقَ قَدَمَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَبَعْدَ أَنْ يَمُرَّ بِسَلَامٍ، يَنْتَظِرُ الْجَدَّ ضفدع. وَإِذَا مَرَّ ظِلٌّ فَوْقَ الْعُشْبِ، يَنْبَطِحُ داني تَحْتَ أَقْرَبِ وَرَقَةٍ كَاتِمًا أَنْفَاسَهُ.

تَمْتَمَ الْجَدُّ ضفدع قَائِلًا: «حَمَاقَةٌ! مِنَ الْحَمَاقَةِ أَنْ يَخَافَ الْكَائِنُ هَكَذَا! فَأَنَا لَا أَخَافُ حَتَّى أَرَى شَيْئًا يَسْتَدْعِي الْخَوْفَ، وَهَذَا يَكْفِي. مَا هِيَ فَائِدَةُ الْبَحْثِ عَنِ الْمَتَاعِبِ طَوَالَ الْوَقْتِ؟ فَالْآنَ هَا أَنَا ذَا خَرَجْتُ إِلَى الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، وَلَسْتُ خَائِفًا، وَهَا هُوَ فَأْرُ الْمُرُوجِ داني، الَّذِي عَاشَ هُنَا طَوَالَ حَيَاتِهِ، يَتَصَرَّفُ كَأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ حُدُوثَ شَيْءٍ رَهِيبٍ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ. أُفٍّ! يَا لَهَا مِنْ حَمَاقَةٍ شَدِيدَةٍ!»

إِنَّ الْجَدَّ ضفدع عَجُوزٌ، وَهُنَاكَ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ يُعَدُّ حَكِيمًا جِدًّا جِدًّا، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ حِكْمَةً يُصْبِحُونَ أَحْيَانًا حَمْقَى عِنْدَمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كُلَّ شَيْءٍ. كَانَتْ تِلْكَ حَالَ الْجَدِّ ضفدع، كَانَ هُوَ الْأَحْمَقَ وَلَيْسَ فَأْرُ الْمُرُوجِ داني؛ فَقَدْ كَانَ داني يَعْرِفُ جَمِيعَ الْمَخَاطِرِ الْكَامِنَةِ فِي الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَكَمْ مِنَ الْأَعْيُنِ الثَّاقِبَةِ تَرْصُدُهُ طَوَالَ الْوَقْتِ؛ فَقَدْ تَعَلَّمَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ أَنَّ الْخَوْفَ هُوَ السَّبِيلُ الْوَحِيدُ لِلْأَمَانِ، فَعِنْدَهَا سَيَتَرَقَّبُ الْخَطَرَ كُلَّ دَقِيقَةٍ؛ وَبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلًا أَنْ يُفَاجَأَ بِأَعْدَائِهِ الْجَوْعَى.

وَهَكَذَا بَيْنَمَا كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَحْتَقِرُ داني لِكَوْنِهِ جَبَانًا جِدًّا، كَانَ تَصَرُّفُ داني حَقًّا هُوَ الْأَكْثَرَ حِكْمَةً. وَإِضَافَةً إِلَى ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ حَقًّا شُجَاعًا جِدًّا جِدًّا؛ فَقَدْ كَانَ يُرْشِدُ الْجَدَّ ضفدع فِي الْمَسِيرِ عَلَى الطَّرِيقِ الصَّغِيرِ الْمُنْعَزِلِ لِيَرَى الْعَالَمَ الْكَبِيرَ — بَيْنَمَا هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ لِيُفَكِّرَ أَبَدًا فِي الذَّهَابِ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَمَرَّاتِهِ الصَّغِيرَةِ السِّرِّيَّةِ — لَا لِشَيْءٍ سِوَى أَنَّ الْجَدَّ ضفدع لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ الْقَفْزَ فِي أَيِّ مَكَانٍ إِلَّا حَيْثُ يَكُونُ الطَّرِيقُ خَالِيًا مِنَ الْعَوَائِقِ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، كَمَا فِي الطَّرِيقِ الصَّغِيرِ الْمُنْعَزِلِ، وَكَانَ داني خَائِفًا مِنْ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَصْحَبِ الْجَدَّ ضفدع أَحَدٌ يَحْرُسُهُ، فَسَوْفَ تَكُونُ نِهَايَتُهُ مُحْزِنَةً بِالتَّأْكِيدِ.

وَكُلَّمَا تَوَغَّلَا فِي طَرِيقِهِمَا دُونَ حُدُوثِ شَيْءٍ، بَدَا أُسْلُوبُ داني الْخَائِفِ فِي الْجَرْيِ وَالِاخْتِبَاءِ أَكْثَرَ حُمْقًا لِلْجَدِّ ضفدع، وَكَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يُخْبِرَ داني بِمَا يَجُولُ فِي نَفْسِهِ، عِنْدَمَا غَاصَ داني فِي الْعُشْبِ الطَّوِيلِ وَحَذَّرَ الْجَدَّ ضفدع لِيَفْعَلَ مِثْلَهُ. لَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَمْ يَفْعَلْ.

فَقَالَ الْجَدُّ ضفدع: «نَقْ نَقْ! أَنَا لَا أَرَى شَيْئًا يَسْتَدْعِي الْخَوْفَ، وَلَنْ أَخْتَبِئَ حَتَّى أَرَى مَا يَسْتَدْعِي الْخَوْفَ.»

وَهَكَذَا جَلَسَ ثَابِتًا تَمَامًا حَيْثُ كَانَ، فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ الصَّغِيرِ الْمُنْعَزِلِ، يَنْظُرُ هُنَا وَهُنَاكَ، وَلَا يَرَى شَيْئًا يَسْتَدْعِي الْخَوْفَ. وَحِينَهَا، مِنْ وَرَاءِ أَحَدِ مُنْعَطَفَاتِ الطَّرِيقِ الصَّغِيرِ الْمُنْعَزِلِ، جَاءَ … مَنْ تَظُنُّونَ؟ يَا لَلْمُفَاجَأَةِ! إِنَّهُ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون! وَقَدْ رَأَى الْجَدَّ ضفدع وَقَفَزَ نَاحِيَتَهُ صَائِحًا بِبَهْجَةٍ. نَقَّ الْجَدُّ ضفدع بِفَزَعٍ وَقَفَزَ، وَلَكِنْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ؛ فَقَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْقَفْزَ مُجَدَّدًا كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون قَدْ أَمْسَكَ بِهِ مِنْ سَاقَيْهِ الْخَلْفِيَّتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ.

صَاحَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون قَائِلًا: «هَا هَا! أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الضِّفْدَعُ الْعَجُوزُ جِدًّا الَّذِي حَاوَلْتُ مِرَارًا الْإِمْسَاكَ بِهِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. سَتَكُونُ أَرْجُلُكَ هَذِهِ شَهِيَّةً جِدًّا أَيُّهَا السَّيِّدُ ضفدع، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ.»

ثُمَّ رَبَطَ سَاقَيِ الْجَدِّ ضفدع مَعًا وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ عَبْرَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَمَعَهُ الْجَدُّ ضفدع الْمِسْكِينُ مُتَدَلِّيًا مِنْ نِهَايَةِ خَيْطٍ. كَانَتْ رِحْلَةً عَجِيبَةً وَغَيْرَ مُرِيحَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، حَتَّى تَمَنَّى الْجَدُّ ضفدع مِنْ كُلِّ قَلْبِهِ لَوْ أَنَّهُ لَمْ يُفَكِّرْ قَطُّ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.