الفصل الخامس عشر

الْجَدُّ ضفدع يَفْقِدُ الْأَمَلَ

حَمَلَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون الْجَدَّ ضفدع إِلَى مَكَانٍ لَا يَعْلَمُهُ ذَلِكَ الْأَخِيرُ، وَسَاقَاهُ مَرْبُوطَتَانِ مَعًا، وَقَدْ تَدَلَّى مِنْ نِهَايَةِ خَيْطٍ وَرَأْسُهُ لِأَسْفَلَ. كَانَ الْأَمْرُ فَظِيعًا. وَفِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ عَبْرَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ جَاءَتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ بَنَاتُ الرِّيَاحِ الْغَرْبِيَّةِ الْعَجُوزِ مُتَرَاقِصَةً فِي الطَّرِيقِ. فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لَمْ تَرَ الْجَدَّ ضفدع، وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا أَبْصَرَتْهُ إِحْدَاهَا؛ إِذِ انْدَفَعَتْ مُدَاعِبَةً ابْنَ الْمُزَارِعِ براون بِإِطَارَةِ قُبَّعَتِهِ.

تِلْكَ النَّسَمَاتُ صَدِيقَةٌ عَزِيزَةٌ لِلْجَدِّ ضفدع؛ فَكَثِيرًا مَا كَانَتْ تَدْفَعُ الذُّبَابَ الْأَخْضَرَ الْأَحْمَقَ نَاحِيَتَهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ، وَهِيَ تُحِبُّهُ كَثِيرًا؛ لِذَلِكَ عِنْدَمَا رَأَتْهُ إِحْدَى هَذِهِ النَّسَمَاتِ فِي هَذَا الْوَضْعِ الرَّهِيبِ، نَسِيَتْ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ مُدَاعَبَةِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون، وَهُرِعَتْ تُخْبِرُ بَاقِيَ النَّسَمَاتِ الصَّغِيرَةِ الْمَرِحَةِ. فَسَكَنَتِ النَّسَمَاتُ تَمَامًا دَقِيقَةً كَامِلَةً، وَقَدْ نَسِيَتْ كُلَّ شَيْءٍ عَنِ الْمَرَحِ.

وَهَتَفَتْ إِحْدَاهَا: «هَذَا فَظِيعٌ، فَظِيعٌ جِدًّا!»

وَهَتَفَتْ أُخْرَى: «عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا لِمُسَاعَدَةِ الْجَدِّ ضفدع!»

وَقَالَتْ ثَالِثَةٌ: «بِالطَّبْعِ.»

وَسَأَلَتْ رَابِعَةٌ: «وَلَكِنْ مَاذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْعَلَ؟»

لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا رَاحَتِ النَّسَمَاتُ تُفَكِّرُ وَتُفَكِّرُ وَتُفَكِّرُ، وَأَخِيرًا تَكَلَّمَتِ الْأُولَى فَقَالَتْ: «رُبَّمَا نُحَاوِلُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ قَلِيلًا.»

فَصِحْنَ جَمِيعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ: «بِالطَّبْعِ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ!»

وَاسْتَطْرَدَتْ تِلْكَ النَّسَمَةُ قَائِلَةً: «وَإِذَا قَذَفْنَا الْغُبَارَ فِي وَجْهِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون وَسَرَقْنَا قُبَّعَتَهُ، فَرُبَّمَا يُنْزِلُ الْجَدَّ ضفدع مِنْ يَدِهِ.»

فَصَاحَتِ الْأُخْرَيَاتُ، وَهُنَّ يَرْقُصْنَ مِنْ فَرْطِ الْإِثَارَةِ: «بِالضَّبْطِ!»

وَتَابَعَتِ النَّسَمَةُ الصَّغِيرَةُ: «ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْكِنُنَا أَنْ نُهْرَعَ لِنُخْبِرَ أَصْدَقَاءَ الْجَدِّ ضفدع جَمِيعًا عَمَّا حَدَثَ لَهُ وَعَنْ مَكَانِهِ؛ رُبَّمَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ مُسَاعَدَتَنَا.»

لَمْ تُضَيِّعِ النَّسَمَاتُ مَزِيدًا مِنَ الْوَقْتِ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا انْطَلَقَتْ فِي إِثْرِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون بِأَقْصَى سُرْعَةٍ، وَأَسْرَعَتْ إِحْدَاهَا — كَانَتْ أَسْرَعَ مِنَ الْأُخْرَيَاتِ — إِلَى الْأَمَامِ وَهَمَسَتْ فِي أُذُنِ الْجَدِّ ضفدع أَنَّهُنَّ قَادِمَاتٌ لِمُسَاعَدَتِهِ. وَلَكِنْ لَمْ يُخَفِّفْ ذَلِكَ عَنِ الْجَدِّ ضفدع الْعَجُوزِ الْمِسْكِينِ؛ فَهُوَ لَمْ يَسْتَطِعْ تَخَيُّلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَهُ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ، وَكَانَ يَشْعُرُ بِوَخْزٍ مُؤْلِمٍ فِي سَاقَيْهِ فِي مَوْضِعِ احْتِكَاكِ الْخَيْطِ بِالْجِلْدِ، وَرَأْسُهُ كَانَ يُؤْلِمُهُ، فَهُوَ كَمَا تَعْلَمُونَ كَانَ مُتَدَلِّيًا مِنَ الْخَيْطِ وَرَأْسُهُ لِأَسْفَلَ. لَا، لَمْ يُخَفِّفْ ذَلِكَ عَنِ الْجَدِّ ضفدع. كَانَ فِي وَرْطَةٍ رَهِيبَةٍ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرَى أَيَّ مَهْرَبٍ مِنْهَا. لَمْ تَتَبَقَّ لَدَيْهِ أَدْنَى بَارِقَةِ أَمَلٍ. وَطَوَالَ الْوَقْتِ كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون يَمْشِي فِي طَرِيقِهِ بِصُعُوبَةٍ، مُصَفِّرًا بِمَرَحٍ؛ فَهُوَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنْ يُفَكِّرَ فِي شِدَّةِ مُعَانَاةِ الْجَدِّ ضفدع وَفَزَعِهِ. لَمْ يَكُنْ قَاسِيَ الْقَلْبِ. لَا، بِالتَّأْكِيدِ لَمْ يَكُنِ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون قَاسِيَ الْقَلْبِ؛ أَيْ إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَكُونَ قَاسِيَ الْقَلْبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ فِي الْآخَرِينَ، مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ مَثَلُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَالْبَنَاتِ أَيْضًا.

لِذَلِكَ مَضَى فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ يُصَفِّرُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ الْمُؤَدِّي مِنَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ إِلَى فِنَاءِ مَنْزِلِ الْمُزَارِعِ براون. وَبِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ إِلَى الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ حَدَثَ شَيْءٌ مَا؛ ارْتَطَمَتْ بِوَجْهِهِ سَحَابَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْغُبَارِ وَالْأَوْرَاقِ وَالْعِصِيِّ الصَّغِيرَةِ وَكَادَتْ تَخْنُقُهُ، وَدَخَلَ الْغُبَارُ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ انْتُزِعَتْ قُبَّعَتُهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ وَطَارَتْ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى سَقَطَتْ فِي الْحَدِيقَةِ؛ فَأَسْقَطَ الْجَدَّ ضفدع مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ يَبْحَثُ عَنْ مِنْدِيلِهِ لِيَمْسَحَ عَيْنَيْهِ مِنَ الْغُبَارِ.

صَاحَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون؛ إِذْ بَدَأَ يُلَاحِقُ قُبَّعَتَهُ: «أُفٍّ! إِنَّهُ لَأَمْرٌ غَرِيبٌ أَنْ تَهُبَّ هَذِهِ الرِّيحُ فَجْأَةً هَكَذَا!»

وَلَكِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ مِثْلِي أَنَّهَا النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ الَّتِي تَعَاوَنَتْ لِتُكَوِّنَ تِلْكَ الرِّيحَ الْمُفَاجِئَةَ. وَكَانَ يُفْتَرَضُ بِالْجَدِّ ضفدع أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ؛ فَقَدْ دَخَلَ الْغُبَارُ فِي عَيْنَيْهِ وَأَنْفِهِ تَمَامًا مِثْلَمَا حَدَثَ مَعَ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون، وَكَانَ شَدِيدَ الْخَوْفِ وَالِاضْطِرَابِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّفْكِيرَ؛ لِذَلِكَ فَقَدْ قَبَعَ حَيْثُ أَوْقَعَهُ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون، وَلَمْ يَزْدَدْ أَمَلُهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ عَنْ ذِي قَبْلُ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.