الفصل السادس عشر

النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمُجْتَهِدَةُ

كَادَتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ تَصْرُخُ مِنَ الْفَرْحَةِ حِينَ رَأَتِ ابْنَ الْمُزَارِعِ براون يُسْقِطُ الْجَدَّ ضفدع لِيَتَحَسَّسَ جَيْبَهُ بَحْثًا عَنْ مِنْدِيلِهِ وَيَمْسَحَ الْغُبَارَ الَّذِي قَذَفَتْهُ فِي عَيْنَيْهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَسَلَّقَ السُّورَ وَيُلَاحِقَ قُبَّعَتَهُ عَبْرَ الْحَدِيقَةِ. كَانَتْ تَتْرُكُهُ يَكَادُ يُمْسِكُ بِهَا، ثُمَّ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَتَيَقَّنَ مِنْ حُصُولِهِ عَلَيْهَا، تَنْتَزِعُهَا مِنْهُ. كَانَ الْأَمْرُ مُمْتِعًا جِدًّا لِلنَّسَمَاتِ الصَّغِيرَةِ الْمَرِحَةِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْمُتْعَةِ. نَعَمْ بِالتَّأْكِيدِ! كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِتُبْعِدَ ابْنَ الْمُزَارِعِ براون عَنِ الْجَدِّ ضفدع.

وَقَدْ أَسْقَطَتِ الْقُبَّعَةَ عِنْدَمَا شَعَرَتْ أَنَّهَا أَبْعَدَتْهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَتَفَرَّقَتْ وَانْدَفَعَتْ بِسُرْعَةٍ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ عَبْرَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَأَعْلَاهَا بِالْغَابَةِ الْخَضْرَاءِ، وَنُزُولًا إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. عَمَّ كَانَتْ تَبْحَثُ؟ بِالتَّأْكِيدِ كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْ بَعْضِ أَصْدِقَاءِ الْجَدِّ ضفدع حَتَّى تَطْلُبَ مِنْهُمُ الْمُسَاعَدَةَ؛ فَقَدْ كَانَتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ ابْنَ الْمُزَارِعِ براون يُسْقِطُ الْجَدَّ ضفدع مِنْ يَدِهِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفُكَّ عُقْدَةً أَوْ تَقْطَعَ خَيْطًا، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا كَانَ يَلْزَمُ فِعْلُهُ لِتَحْرِيرِ الْجَدِّ ضفدع؛ لِأَنَّ رِجْلَيْهِ الْخَلْفِيَّتَيْنِ كَانَتَا مَرْبُوطَتَيْنِ مَعًا؛ لِذَلِكَ كَانَتِ النَّسَمَاتُ تَبْحَثُ عَنْ أَحَدٍ أَسْنَانُهُ حَادَّةٌ، يُهِمُّهُ أَمْرُ الْجَدِّ ضفدع بِمَا يَكْفِي لِيَأْتِيَ وَيُسَاعِدَهُ.

فَكَّرَتْ إِحْدَاهَا فِي السِّنْجَابِ الْمُخَطَّطِ وَاتَّجَهَتْ لِلْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ الْقَدِيمِ لِتَبْحَثَ عَنْهُ. وَذَهَبَتْ أُخْرَى لِلْبَحْثِ عَنْ فَأْرِ الْمُرُوجِ داني. وَاتَّجَهَتْ ثَالِثَةٌ لِلدَّغَلِ الْعَزِيزِ بَحْثًا عَنِ الْأَرْنَبِ بيتر. وَتَذَكَّرَتْ رَابِعَةٌ الظَّرِبَانَ جيمي وَأَنَّهُ حَرَّرَ الْغُرَابَ بلاكي مِنْ فَخٍّ ذَاتَ مَرَّةٍ. وَتَذَكَّرَتْ خَامِسَةٌ أَسْنَانَ السِّنْجَابِ جاك السَّعِيدِ الْحَادَّةَ وَأَسْرَعَتْ إِلَى الْغَابَةِ الْخَضْرَاءِ لِتَبْحَثَ عَنْهُ. وَاتَّجَهَتْ سَادِسَةٌ مُبَاشَرَةً إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ لِتُخْبِرَ فَأْرَ الْمِسْكِ جيري. انْطَلَقَتْ كُلٌّ مِنْهَا بِأَقْصَى سُرْعَتِهَا.

طَوَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْجَدُّ ضفدع فَاقِدًا لِلْأَمَلِ. نَعَمْ، كَانَ الْجَدُّ ضفدع الْعَجُوزُ الْمِسْكِينُ يَائِسًا تَمَامًا؛ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَا تُحَاوِلُ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ فِعْلَهُ، وَكَانَ خَائِفًا لِلْغَايَةِ وَمُشَوَّشَ الذِّهْنِ جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّفْكِيرَ؛ فَعِنْدَمَا أَسْقَطَهُ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون، قَبَعَ حَيْثُ سَقَطَ بِضْعَ دَقَائِقَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى لَوْحًا قَدِيمًا عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ. وَدُونَ أَنْ يُفَكِّرَ، حَاوَلَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ بَدَا أَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ ثَمَّةَ مَكَانٌ تَحْتَ اللَّوْحِ يَخْتَبِئُ فِيهِ. كَانَ الْأَمْرُ عَسِيرًا؛ فَكَمَا تَعْلَمُونَ، كَانَتِ سَاقَاهُ الْخَلْفِيَّتَانِ الطَّوِيلَتَانِ — اللَّتَانِ يَسْتَخْدِمُهُمَا فِي الْقَفْزِ — مَرْبُوطَتَيْنِ مَعًا، وَكَانَ أَفْضَلُ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ هُوَ أَنْ يَزْحَفَ وَيَتَلَوَّى وَيَجُرَّ نَفْسَهُ لِلْأَمَامِ. وَإِذْ بَدَأَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون فِي تَسَلُّقِ السُّورِ عَائِدًا إِلَى الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ — وَقُبَّعَتُهُ فِي يَدِهِ — كَانَ الْجَدُّ ضفدع قَدْ وَصَلَ إِلَى اللَّوْحِ الْقَدِيمِ وَزَحَفَ تَحْتَهُ.

وَعِنْدَمَا قَذَفَتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ الْغُبَارَ فِي وَجْهِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون وَاخْتَطَفَتْ قُبَّعَتَهُ، أَوْقَعَ الْجَدَّ ضفدع فِي عَجَلَةٍ شَدِيدَةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَلْحَظْ أَيْنَ أَوْقَعَهُ بِالضَّبْطِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَعْرِفِ الْآنَ أَيْنَ يَبْحَثُ عَنْهُ بِالتَّحْدِيدِ، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ قَرِيبٌ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَدْنَى شَكٍّ فِي أَنَّهُ سَيَجِدُهُ. وَكَانَ قَدْ بَدَأَ لِتَوِّهِ فِي الْبَحْثِ عِنْدَمَا سَمِعَ بُوقَ الْعَشَاءِ. تَرَدَّدَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون؛ فَقَدْ كَانَ جَائِعًا، وَإِذَا تَأَخَّرَ فَرُبَّمَا يَفْقِدُ عَشَاءَهُ. فَفَكَّرَ فِي أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْعَوْدَةَ فِيمَا بَعْدُ لِلْبَحْثِ عَنِ الْجَدِّ ضفدع؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ الذَّهَابَ بَعِيدًا بِسَاقَيْهِ الْمَرْبُوطَتَيْنِ. وَهَكَذَا أَلْقَى ابْنُ الْمُزَارِعِ براون نَظْرَةً أَخِيرَةً لِيَتَأَكَّدَ مِنَ الْمَكَانِ، ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى الْمَنْزِلِ.

لَوْ عَرَفَتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ ذَلِكَ، لَاطْمَأَنَّتْ كَثِيرًا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ؛ لِذَلِكَ هُرِعَتْ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ تَبْحَثُ عَنْ أَصْدِقَاءِ الْجَدِّ ضفدع وَبَذَلَتْ مَجْهُودًا كَبِيرًا حَتَّى كَادَتْ لَا تَقْوَى عَلَى الْحَرَاكِ، فَقَدْ بَدَا كَأَنَّ كُلَّ صَدِيقٍ مِنْ أَصْدِقَاءِ الْجَدِّ ضفدع قَدِ اخْتَارَ هَذَا الْيَوْمَ بِالذَّاتِ لِيَذْهَبَ بَعِيدًا عَنِ الْمَنْزِلِ. وَهَكَذَا، بَيْنَمَا كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون يَتَنَاوَلُ عَشَاءَهُ، وَاخْتَبَأَ الْجَدُّ ضفدع تَحْتَ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ فِي الْمَمَرِّ الْقَدِيمِ، بَذَلَتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ قُصَارَى جُهْدِهَا لِتَجْلِبَ لَهُ الْمُسَاعَدَةَ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.