الفصل السابع عشر

السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ يَقْطَعُ الْخَيْطَ

هيبي هوب! فليبي فلوب! فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الصَّيْفِ
أَخْرَجَتْنِي أُمِّي مِنَ الْبَيْتِ وَأَرْسَلَتْنِي إِلَى الْخَارِجِ لِلَّعِبِ!

كَانَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ يَعْرِفُ جَيِّدًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُجَرَّدَ لَغْوٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ أَنَّكَ عِنْدَمَا تَغْمُرُكَ الْبَهْجَةُ، تَجِدُ مُتْعَةً فِي قَوْلِ وَفِعْلِ أَشْيَاءَ حَمْقَاءَ، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا كَانَ يَشْعُرُ بِهِ؛ لِذَلِكَ جَرَى عَلَى طُولِ السِّيَاجِ الْقَدِيمِ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيِ الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ، وَهُوَ يُثَرْثِرُ بِالْحَمَاقَاتِ وَيَتَوَاثَبُ فِي مَرَحٍ أَحْمَقَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَغْمُرُهُ شُعُورٌ رَائِعٌ، بَيْنَمَا يَرْصُدُ طَوَالَ الْوَقْتِ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعُ عَيْنَاهُ الصَّغِيرَتَانِ اللَّامِعَتَانِ اسْتِيعَابَهُ.

وَالسِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ صَدِيقٌ حَمِيمٌ لِلنَّسَمَاتِ الصَّغِيرَةِ الْمَرِحَةِ، بَلْ صَدِيقٌ حَمِيمٌ جِدًّا؛ فَهُمْ يَلْعَبُونَ مَعًا فِي مَرَحٍ كُلَّ صَبَاحٍ تَقْرِيبًا، وَلَكِنْ هَذَا الصَّبَاحَ لَمْ تَأْتِ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ إِلَى الْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ الْقَدِيمِ حَيْثُ يُقِيمُ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَأْتِ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ عَلَى أَيِّ حَالٍ. انْتَظَرَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ قَلِيلًا، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَغْمُرُهُ شُعُورٌ رَائِعٌ، قَرَّرَ أَنْ يَجُولَ بِالْمَمَرِّ الطَّوِيلِ لِيَرَى هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ جَدِيدٌ هُنَاكَ؛ وَلِهَذَا فَعِنْدَمَا ذَهَبَتْ إِحْدَى النَّسَمَاتِ الصَّغِيرَةِ الْمَرِحَةِ لِلْبَحْثِ عَنْهُ — وَكَانَتْ شَدِيدَةَ اللَّهْفَةِ إِلَى أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ لِمُسَاعَدَةِ الْجَدِّ ضفدع — لَمْ تَجِدْ لَهُ أَثَرًا.

وَلَكِنَّ السِّنْجَابَ الْمُخَطَّطَ لَمْ يَعْرِفْ أَيَّ شَيْءٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ رَاحَ يَرْكُضُ بِخِفَّةٍ عَلَى طُولِ الْقُضْبَانِ الْعُلْوِيَّةِ لِلسِّيَاجِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ قَفَزَ عَلَى عَمُودٍ، وَاعْتَدَلَ جَالِسًا فَوْقَهُ لِيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ؛ فَالسِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ نَظِيفٌ وَمُهَنْدَمٌ جِدًّا وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِهِ أَيُّ قَذَارَةٍ. نَظَرَ لِأَعْلَى وَغَمَزَ بِعَيْنِهِ لِلصَّقْرِ حوام الْعَجُوزِ الَّذِي رَاحَ يَحُومُ وَيَحُومُ عَالِيًا جِدًّا فِي السَّمَاءِ الشَّدِيدَةِ الزُّرْقَةِ، ثُمَّ طَارَدَ ذَيْلَهُ وَهُوَ يَدُورُ وَيَدُورُ حَتَّى كَادَ يَسْقُطُ عَنِ الْعَمُودِ. وَنَظَرَ مُمْتَعِضًا تِجَاهَ الصَّقْرِ أحمر الذيل، الَّذِي رَآهُ جَالِسًا عَلَى قِمَّةِ شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَزَجَرَ كَلْبَ الصَّيْدِ باوزر، الَّذِي صَادَفَ مَجِيئَهُ مَهُرْوِلًا مِنْ أَعْلَى الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ زَجْرِهِ حَتَّى تَوَارَى عَنْ نَظَرِهِ، ثُمَّ قَفَزَ بِحَيَوِيَّةٍ وَانْطَلَقَ بِسُرْعَةٍ وَخِفَّةٍ عَلَى طُولِ السِّيَاجِ الْقَدِيمِ مَرَّةً أُخْرَى.

ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ أَمَامَ لَوْحٍ قَدِيمٍ مُهْتَزٍّ؛ فَقَدْ رَأَتْ عَيْنَاهُ اللَّامِعَتَانِ شَيْئًا مَلَأَهُ بِالْفُضُولِ، تَمَامًا بِقَدْرِ الْفُضُولِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ الْأَرْنَبُ بيتر. كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ قِطْعَةً مِنَ الْخَيْطِ. نَعَمْ، قِطْعَةً مِنَ الْخَيْطِ. كَانَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ كَثِيرًا مَا يَجِدُ قِطَعًا مِنَ الْخَيْطِ؛ لِذَلِكَ لَمْ يُثِرْ ذَلِكَ الْخَيْطُ اهْتِمَامَهُ عَلَى نَحْوٍ خَاصٍّ، مَا أَثَارَ انْتِبَاهَهُ وَجَعَلَهُ شَدِيدَ الْفُضُولِ كَانَ أَنَّ قِطْعَةَ الْخَيْطِ تِلْكَ ظَلَّتْ تَتَحَرَّكُ؛ كُلَّ عِدَّةِ ثَوَانٍ كَانَتْ تَرْتَعِشُ رَعْشَةً صَغِيرَةً. مَنْ سَمِعَ عَنْ قِطْعَةِ خَيْطٍ تَتَحَرَّكُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا؟ بِالتَّأْكِيدِ لَمْ يَسْمَعِ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ عَنْ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ فَهْمَ الْأَمْرِ.

رَاحَ يُرَاقِبُهَا مِنْ فَوْقِ الْقُضْبَانِ الْعُلْوِيَّةِ لِلسِّيَاجِ الْقَدِيمِ بِضْعَ دَقَائِقَ، ثُمَّ هَرْوَلَ نَازِلًا بِسُرْعَةٍ عَلَى الْأَرْضِ وَرَاحَ يَقْتَرِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْخَيْطِ الْعَجِيبِ، قَاطِعًا خُطُوَاتٍ قَلِيلَةً فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَمُتَوَقِّفًا لِيُدَقِّقَ النَّظَرَ مَا بَيْنَ كُلِّ حَرَكَةٍ صَغِيرَةٍ وَأُخْرَى، وَقَدْ أَوْرَثَتْهُ حَالُ ذَلِكَ الْخَيْطِ الْعَجِيبِ شُعُورًا بِالِاضْطِرَابِ؛ لِذَلِكَ كَانَ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى أَلَّا يَقْتَرِبَ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. نَظَرَ إِلَى الْخَيْطِ مِنْ نَاحِيَةٍ، ثُمَّ دَارَ حَوْلَهُ بِسُرْعَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَأَخِيرًا وَصَلَ إِلَى مَوْضِعٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرَى مِنْهُ أَنَّ أَحَدَ طَرَفَيِ الْخَيْطِ كَانَ أَسْفَلَ لَوْحٍ قَدِيمٍ، وَحِينَهَا بَدَأَ يَفْهَمُ. بِالطَّبْعِ كَانَ ثَمَّةَ كَائِنٌ مُخْتَبِئٌ تَحْتَ ذَلِكَ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ يَهُزُّ الْخَيْطَ.

جَلَسَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ وَأَخَذَ يَحُكُّ رَأْسَهُ مُفَكِّرًا؛ فَأَيًّا كَانَ مَنْ يَشُدُّ ذَلِكَ الْخَيْطَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَ الْحَجْمِ، وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ لِيَسْتَطِيعَ أَبَدًا أَنْ يَزْحَفَ تَحْتَ ذَلِكَ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَجِدْ دَاعِيًا لِلْخَوْفِ. وَبَرَقَتْ عَيْنَا السِّنْجَابِ الْمُخَطَّطِ بِنَظْرَةِ شَقَاوَةٍ، ثُمَّ أَمْسَكَ الطَّرَفَ الْآخَرَ لِلْخَيْطِ وَبَدَأَ يَشُدُّهُ؛ فَبَدَأَ الِارْتِعَاشُ وَالشَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ! وَلَكِنَّهُ قَبَضَ عَلَى الْخَيْطِ وَشَدَّ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ. آنَذَاكَ ظَهَرَتْ مِنْ أَسْفَلِ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ قَدَمَا الْجَدِّ ضفدع الْوَتْرَاوَانِ الْغَرِيبَتَانِ مَرْبُوطَتَيْنِ مَعًا. تَفَاجَأَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ بِشِدَّةٍ إِلَى حَدِّ أَنَّهُ تَرَكَ الْخَيْطَ وَكَادَ يَقَعُ عَلَى ظَهْرِهِ.

وَصَاحَ: «يَا لَلْعَجَبِ! الْجَدُّ ضفدع! مَا الَّذِي تَفْعَلُهُ هُنَا بِحَقِّ السَّمَاءِ؟»

عِنْدَمَا تَرَكَ السِّنْجَابُ الْخَيْطَ، سَحَبَ الْجَدُّ ضفدع قَدَمَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى أَسْفَلِ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَمَا سَمِعَ صَوْتَ السِّنْجَابِ الْمُخَطَّطِ، زَحَفَ خَارِجًا بِأَلَمٍ وَبُطْءٍ، وَأَخْبَرَ السِّنْجَابَ كَيْفَ أَمْسَكَ بِهِ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون وَقَيَّدَهُ ثُمَّ أَسْقَطَهُ أَخِيرًا قُرْبَ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ، وَأَخْبَرَهُ كَمْ كَانَ فَزِعًا، وَكَمْ تُؤْلِمُهُ سَاقَاهُ. لَمْ يَنْتَظِرْهُ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ حَتَّى يَنْتَهِيَ؛ فَفِي غَمْضَةِ عَيْنٍ كَانَ قَدْ بَدَأَ الْعَمَلَ بِأَسْنَانِهِ الْحَادَّةِ وَقَطَعَ الْخَيْطَ الْقَاسِيَ قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ الْجَدُّ ضفدع حِكَايَتَهُ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.