الفصل الثامن عشر

الْجَدُّ ضفدع يَلُوذُ بِالْفِرَارِ

عِنْدَمَا قَطَعَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ الْخَيْطَ الَّذِي كَانَ يَرْبِطُ سَاقَيِ الْجَدِّ ضفدع الطَّوِيلَتَيْنِ مَعًا، شَعَرَ الْجَدُّ ضفدع بِرَاحَةٍ كَبِيرَةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَكَدْ يَعْرِفُ مَاذَا عَسَاهُ أَنْ يَفْعَلَ. بِالطَّبْعِ شَكَرَ السِّنْجَابَ الْمُخَطَّطَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا. قَالَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ إِنَّ الْأَمْرَ لَا يَسْتَوْجِبُ أَيَّ شُكْرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّهُ كَانَ سَعِيدًا لِلْغَايَةِ بِمُسَاعَدَةِ الْجَدِّ ضفدع.

وَقَالَ لَهُ: «نَحْنُ — سُكَّانَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ — عَلَيْنَا أَنْ يُسَاعِدَ بَعْضُنَا بَعْضًا؛ لِأَنَّ أَيًّا مِنَّا لَا يَعْرِفُ أَبَدًا مَتَى سَيَحْتَاجُ هُوَ نَفْسُهُ إِلَى الْمُسَاعَدَةِ. وَالْآنَ خُذْ بِنَصِيحَتِي — أَيُّهَا الْجَدُّ ضفدع — وَعُدْ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُكَ؛ الْعَالَمُ الْكَبِيرُ لَيْسَ بِمَكَانٍ مُنَاسِبٍ لِعَجُوزٍ مِثْلِكَ؛ لِأَنَّكَ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَعْتَنِي بِنَفْسِكَ.»

عِنْدَمَا قَالَ ذَلِكَ، ارْتَكَبَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ خَطَأً فَادِحًا؛ فَكِبَارُ السِّنِّ لَا يُحِبُّونَ أَبَدًا أَنْ يُقَالَ لَهُمْ إِنَّهُمْ مُسِنُّونَ أَوْ إِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كُلَّ شَيْءٍ. وَقَدِ انْتَصَبَ الْجَدُّ ضفدع وَحَاوَلَ أَنْ يَبْدُوَ بَالِغَ الْوَقَارِ.

وَقَالَ: «نَقْ نَقْ! أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَيُّهَا السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأْتُونَ طَلَبًا لِنَصِيحَتِي قَبْلَ أَنْ تُولَدَ أَنْتَ. لَقَدْ كَانَ مُجَرَّدَ حَادِثٍ أَنْ أَمْسَكَ بِيَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون، وَأَوَدُّ أَنْ أَرَاهُ يُعِيدُهَا. نَعَمْ، أَوَدُّ أَنْ أَرَاهُ يُعِيدُهَا!»

يَا إِلَهِي! يَا إِلَهِي! لَقَدْ كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَتَفَاخَرُ، لَوْ كَانَ آمِنًا فِي بَيْتِهِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، لَكَانَ لَهُ بَعْضُ الْعُذْرِ، وَلَكِنْ هُنَا فِي الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ بَعِيدًا عَنْ بَيْتِهِ، حَيْثُ لَا يَعْرِفُ حَتَّى طَرِيقَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ! كَانَ ذَلِكَ حَمَاقَةً مِنْهُ، حَمَاقَةً بِالِغَةً بِالْفِعْلِ، وَكَانَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ خَيْرَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُكِنُّ احْتِرَامًا كَبِيرًا لِلْجَدِّ ضفدع، وَقَدْ أَدْرَكَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَشْعُرُ بِانْزِعَاجٍ وَحَرَجٍ شَدِيدَيْنِ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ فِي أَنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ؛ لِذَلِكَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ لِيُخْفِيَ ابْتِسَامَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ:

«بِالتَّأْكِيدِ لَنْ يُمْسِكَ بِكَ مُجَدَّدًا. أَنَا أَعْرِفُ كَمْ أَنْتَ حَكِيمٌ وَذَكِيٌّ، وَلَكِنَّكَ تَبْدُو لِي شَدِيدَ التَّعَبِ، وَهَذَا الْعَالَمُ الْكَبِيرُ حَافِلٌ بِالْأَخْطَارِ بِحَيْثُ يَبْدُو لِي أَنَّ أَفْضَلَ شَيْءٍ يُمْكِنُكَ فِعْلُهُ هُوَ الْعَوْدَةُ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ.»

وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع عَنِيدٌ، كَمَا تَعْرِفُونَ. لَقَدْ بَدَأَ رِحْلَتَهُ لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَعْتَقِدَ سُكَّانُ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ وَالْغَابَةِ الْخَضْرَاءِ الصِّغَارُ أَنَّهُ خَائِفٌ، وَالْحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ الْجَدَّ ضفدع كَانَ خَائِفًا مِنْ سُخْرِيَةِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِ مِنَ الْأَخْطَارِ الْمُحْدِقَةِ بِهِ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَدَى الْحَمَاقَةِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْحُكَمَاءِ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهَا أَحْيَانًا؛ لِذَلِكَ هَزَّ رَأْسَهُ رَافِضًا.

وَقَالَ: «نَقْ نَقْ! سَوْفَ أَرَى الْعَالَمَ الْكَبِيرَ أَوَّلًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَأَعُودُ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. هَلْ تَعْرِفُ أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ أَجِدَ مَاءً؟ أَنَا أَشْعُرُ بِعَطَشٍ شَدِيدٍ.»

عَلَى النَّاحِيَةِ الْمُقَابِلَةِ مِنَ الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ كَانَ ثَمَّةَ نَبْعٌ يَمْلَأُ مِنْهُ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون إِبْرِيقَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ صَافٍ لِيَأْخُذَهُ مَعَهُ إِلَى حَقْلِ الذُّرَةِ عِنْدَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ هُنَاكَ. كَانَ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ يَعْرِفُ بِأَمْرِ ذَلِكَ النَّبْعِ، حَيْثُ ذَهَبَ لِلشُّرْبِ مِنْهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً؛ فَأَخْبَرَ الْجَدَّ ضفدع بِمَكَانِ النَّبْعِ بِالضَّبْطِ وَشَرَحَ لَهُ كَيْفَ يَصِلُ إِلَيْهِ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُرِيَهُ الطَّرِيقَ، وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع قَالَ إِنَّهُ يُفَضِّلُ الذَّهَابَ وَحَدَهُ.

وَقَالَ لَهُ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ مُحَذِّرًا: «حَذَارِ أَيُّهَا الْجَدُّ ضفدع مِنْ أَنْ تَسْقُطَ فِي النَّبْعِ؛ لِأَنَّكَ رُبَّمَا لَا تَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مُجَدَّدًا.»

نَظَرَ الْجَدُّ ضفدع إِلَيْهِ مُتَمَعِّنًا لِيَرَى هَلْ كَانَ يَسْخَرُ مِنْهُ؛ فَمَنْ ذَا الَّذِي قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ — الَّذِي عَاشَ فِي الْمَاءِ كُلَّ حَيَاتِهِ — لَنْ يَسْتَطِيعَ الْخُرُوجَ مِنْهُ وَقْتَمَا يَشَاءُ! وَلَكِنَّ السِّنْجَابَ الْمُخَطَّطَ بَدَا جَادًّا فِيمَا يَقُولُ؛ لِذَلِكَ ابْتَلَعَ الْجَدُّ ضفدع الرَّدَّ اللَّاذِعَ الَّذِي كَانَ عَلَى طَرْفِ لِسَانِهِ، وَشَكَرَ السِّنْجَابَ الْمُخَطَّطَ، وَأَسْرَعَ مُبْتَعِدًا لِيَبْحَثَ عَنِ النَّبْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الظَّمَأِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى كَوْنِهِ يَشْعُرُ بِالْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَأَسْرَعَ أَكْثَرَ حِينَ تَخَيَّلَ الْحَمَّامَ الْبَارِدَ الَّذِي سَيَحْظَى بِهِ عِنْدَمَا يَجِدُ ذَلِكَ النَّبْعَ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.