الفصل التاسع عشر

الْجَدُّ ضفدع يَقَعُ فِي مَزِيدٍ مِنَ الْمَتَاعِبِ

بَعْضُ النَّاسِ مُتَهَوِّرُونَ وَيَقَعُونَ فِي الْمَتَاعِبِ، وَبَعْضُ النَّاسِ حَمْقَى وَيُوقِعُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَتَاعِبِ. وَالْجَدُّ ضفدع كَانَ الِاثْنَيْنِ مَعًا، مُتَهَوِّرًا وَأَحْمَقَ؛ وَمِنْ ثَمَّ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي الْمَتَاعِبِ؛ فَعِنْدَمَا أَخْبَرَهُ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ بِمَكَانِ النَّبْعِ، بَدَا لَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الِانْتِظَارَ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ أَمْضَى الْجَدُّ ضفدع حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، حَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْرَبَ وَقْتَمَا يَشَاءُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَمُدَّ جَسَدَهُ إِلَى حَافَةِ وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ. وَحِينَمَا كَانَ يَشْعُرُ بِالْحَرِّ الشَّدِيدِ، كُلُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ هُوَ أَنْ يَقُولَ «نَقْ نَقْ!» وَيَغْطِسَ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا عَلَى أَنْ يَقْضِيَ وَقْتًا طَوِيلًا دُونَ مَاءٍ.

فَرَاحَ يَقْفِزُ وَيَقْفِزُ وَيَقْفِزُ! كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَتَحَرَّكُ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُهُ فِي الِاتِّجَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ السِّنْجَابُ الْمُخَطَّطُ، وَكُلَّ ثَلَاثِ أَوْ أَرْبَعِ قَفَزَاتٍ يَتَوَقَّفُ لِيَأْخُذَ قِسْطًا قَصِيرًا جِدًّا جِدًّا مِنَ الرَّاحَةِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُجَدَّدًا، لِيَقْفِزَ وَيَقْفِزَ وَيَقْفِزَ! وَكُلُّ قَفْزَةٍ كَانَتْ قَفْزَةً طَوِيلَةً. كَانَ الْأَرْنَبُ بيتر بِالتَّأْكِيدِ سَيَشْعُرُ بِالْحَسَدِ إِذَا اسْتَطَاعَ رُؤْيَةَ هَذِهِ الْقَفَزَاتِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي يَقْفِزُهَا الْجَدُّ ضفدع.

وَأَخِيرًا بَدَأَتِ الْأَرْضُ تُصْبِحُ رَطْبَةً، وَكُلَّمَا تَوَغَّلَ أَكْثَرَ، أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ رُطُوبَةً، وَسُرْعَانَ مَا أَصْبَحَتْ مُبْتَلَّةً إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، وَيَكْسُوهَا الْكَثِيرُ مِنَ الطَّحَالِبِ الْمُبْتَلَّةِ الْبَارِدَةِ النَّاعِمَةِ. وَكَمْ كَانَ ذَلِكَ شُعُورًا رَائِعًا لِقَدَمَيِ الْجَدِّ ضفدع الْمُتْعَبَتَيْنِ الْمِسْكِينَتَيْنِ!

«لَا بُدَّ أَنِّي قَدْ وَصَلْتُ تَقْرِيبًا.» قَالَهَا الْجَدُّ ضفدع لِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَتَسَلَّقُ بِسُرْعَةٍ وَصُعُوبَةٍ رَبْوَةً كَبِيرَةً تُغَطِّيهَا الطَّحَالِبُ، لِيَنْظُرَ فِيمَا حَوْلَهُ. وَفِي الْحَالِ رَأَى طَرِيقًا ضَيِّقًا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ، يُؤَدِّي مُبَاشَرَةً إِلَى مَا وَرَاءَ الرَّبْوَةِ ذَاتِهَا الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَلَاحَظَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَتِ الْأَرْضُ نَاعِمَةً وَرَطْبَةً لِلْغَايَةِ، وُضِعَتْ أَلْوَاحٌ قَدِيمَةٌ، وَهُوَ مَا حَيَّرَ الْجَدَّ ضفدع كَثِيرًا.

وَقَالَ: «هَذَا طَرِيقٌ بِالتَّأْكِيدِ، وَلَكِنْ مَنْ ذَا الَّذِي قَدْ يَوَدُّ أَنْ يُفْسِدَهُ بِوَضْعِ هَذِهِ الْأَلْوَاحِ هُنَاكَ؟!»

فَقَدْ كَانَ الْجَدُّ ضفدع يُحِبُّ الطِّينَ الرَّطْبَ النَّاعِمَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْهَمَ كَيْفَ يُمْكِنُ لِأَيِّ كَائِنٍ — حَتَّى ابْنِ الْمُزَارِعِ براون — أَنْ يُفَضِّلَ عَنْهُ طَرِيقًا جَافًّا صُلْبًا. بِالطَّبِعِ هُوَ لَمْ يَرْتَدِ حِذَاءً مِنْ قَبْلُ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا قَدْ يُرِيدُ أَيُّ كَائِنٍ أَنْ تَظَلَّ قَدَمَاهُ جَافَّتَيْنِ بَيْنَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَا مُبْتَلَّتَيْنِ. كَانَ مَا زَالَ يُحَاوِلُ فَهْمَ هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَمَا سَمِعَ صَوْتًا جَعَلَهُ يَكَادُ يَفْقِدُ تَوَازُنَهُ وَيَقَعُ مِنْ عَلَى الرَّبْوَةِ. كَانَ صَفِيرًا، صَفِيرَ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون! عَرَفَهُ الْجَدُّ ضفدع عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَسْمَعُهُ عِنْدَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. جَاءَ الصَّفِيرُ مِنَ الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ، كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون قَدْ تَنَاوَلَ عَشَاءَهُ وَعَادَ لِيَبْحَثَ عَنِ الْجَدِّ ضفدع حَيْثُ أَسْقَطَهُ.

فِي الْوَاقِعِ لَقَدِ ابْتَسَمَ الْجَدُّ ضفدع ابْتِسَامَةً كَبِيرَةً حِينَ فَكَّرَ كَمْ سَيَنْدَهِشُ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون عِنْدَمَا لَا يَجِدُ لَهُ أَثَرًا. وَفَجْأَةً بَدَا كَأَنَّ الِابْتِسَامَةَ قَدْ تَجَمَّدَتْ عَلَى وَجْهِ الْجَدِّ ضفدع؛ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الصَّفِيرُ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ! كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون قَدْ غَادَرَ الْمَمَرَّ الطَّوِيلَ وَأَخَذَ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ الضَّيِّقِ. وَالْحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّهُ كَانَ آتِيًا لِلشُّرْبِ مِنَ النَّبْعِ، وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَمْ يُفَكِّرْ فِي ذَلِكَ، كَانَ وَاثِقًا مِنْ أَنَّ ابْنَ الْمُزَارِعِ براون اكْتَشَفَ بِطَرِيقَةٍ مَا أَيَّ طَرِيقٍ سَلَكَهُ هُوَ وَكَانَ آتِيًا لِيُمْسِكَ بِهِ؛ فَانْكَمَشَ لِلْأَسْفَلِ مُنْبَطِحًا قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ عَلَى الرَّبْوَةِ الْكَبِيرَةِ وَحَبَسَ أَنْفَاسَهُ. وَمَرَّ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَلَى بُعْدِ بِضْعِ خُطُوَاتٍ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. اخْتَلَسَ الْجَدُّ ضفدع النَّظَرَ مِنْ بَيْنِ الْعُشْبِ، وَرَآهُ يَغْتَرِفُ مَاءً صَافِيًا جَمِيلًا بِكُوبٍ قَدِيمٍ وَيَشْرَبُ؛ حِينَئِذٍ عَرَفَ الْجَدُّ ضفدع مَكَانَ النَّبْعِ تَحْدِيدًا.

وَبَعْدَ بِضْعِ دَقَائِقَ، مَرَّ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون مَرَّةً أُخْرَى — وَهُوَ مَا زَالَ يُصَفِّرُ — فِي طَرِيقِهِ لِلْمَمَرِّ الطَّوِيلِ. انْتَظَرَ الْجَدُّ ضفدع حَتَّى تَأَكَّدَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ فِعْلًا، ثُمَّ قَفَزَ أَكْبَرَ قَفَزَاتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُنْطَلِقًا نَحْوَ النَّبْعِ. وَبَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَفْزَةً طَوِيلَةً، اسْتَطَاعَ أَنْ يَرَى الْمَاءَ، وَبَعْدَ قَفْزَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ قَفْزَةٍ طَوِيلَةٍ، نَزَلَ فِي النَّبْعِ مُطْلِقًا رَذَاذًا!

هَتَفَ الْجَدُّ ضفدع قَائِلًا: «مَا أَرْوَعَ الْمَاءَ!»

وَطَوَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَ الْجَدُّ ضفدع قَدْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي مَزِيدٍ مِنَ الْمَتَاعِبِ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.