الفصل الثاني

مالك الحزين الْأَزْرَقُ يَسْتَقْبِلُ زُوَّارًا

كَانَ مالك الحزين الْأَزْرَقُ مُنْزَعِجًا بِلَا شَكٍّ. كَانَ صَبَاحًا جَمِيلًا، أَجْمَلَ مِنْ أَنْ يَشْعُرَ أَيُّ كَائِنٍ بِمِثْلِ هَذَا الشُّعُورِ. فِي الْوَاقِعِ، كَانَ ذَلِكَ نَفْسَ الصَّبَاحِ الْجَمِيلِ الَّذِي اصْطَادَ فِيهِ الْجَدُّ ضفدع الْكَثِيرَ مِنَ الذُّبَابِ الْأَخْضَرِ الْأَحْمَقِ.

كَانَ قُرْصُ الشَّمْسِ الْأَحْمَرُ الْمُسْتَدِيرُ الْمَرِحُ مُبْتَسِمًا مِلْءَ فِيهِ، وَكَانَتِ النَّسَمَاتُ الرَّقِيقَةُ الْمَرِحَةُ، بَنَاتُ الرِّيَاحِ الْغَرْبِيَّةِ الْعَجُوزِ تَرْقُصُ فِي سَعَادَةٍ هُنَا وَهُنَاكَ فَوْقَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، بَاحِثَةً عَنْ مَعْرُوفٍ تُسْدِيهِ لِلْآخَرِينَ. وَكَانَ ذَوُو الرِّيشِ الصِّغَارُ، الَّذِينَ وَهَبَتْهُمُ الطَّبِيعَةُ الْأُمُّ الْعَجُوزُ نِعْمَةً عَظِيمَةً هِيَ حَنَاجِرُهُمُ الْمُوسِيقِيَّةُ، يَشْدُونَ بِأَعْذَبِ الْأَغَانِي؛ لِذَلِكَ بَدَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ سَبَبٌ وَجِيهٌ يُبَرِّرُ شُعُورَ مالك الحزين بِالِانْزِعَاجِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ مُشْكِلَةَ مالك الحزين كَانَتْ أَنَّهُ جَائِعٌ. نَعَمْ، هَذَا مَا أَزْعَجَ مالك الحزين الْأَزْرَقَ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ الْمُشْرِقِ. فَكَمَا تَعْلَمُونَ، مِنَ الصَّعْبِ أَنْ يَكُونَ الْكَائِنُ جَائِعًا وَسَعِيدًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.

وَهَكَذَا وَقَفَ مالك الحزين عَلَى حَافَةِ بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ ضَحْلَةٍ فِي الْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ، يُتَمْتِمُ لِنَفْسِهِ مُتَذَمِّرًا. فَمُنْذُ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، كَانَ قَدْ رَأَى ثَعْلَبَ الْمَاءِ الصَّغِيرَ جو حَامِلًا سَمَكَةً كَبِيرَةً إِلَى الْمَنْزِلِ، وَقَدْ زَادَهُ ذَلِكَ جُوعًا وَانْزِعَاجًا عَنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى؛ فَهُوَ أَوَّلًا صَارَ يَشْعُرُ بِالْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ — كَمَا تَعْلَمُونَ — دَائِمًا مَا يُثِيرُ فِي النَّفْسِ مَشَاعِرَ سَلْبِيَّةً. كَانَ يَعْرِفُ تَمَامَ الْمَعْرِفَةِ أَنَّ جو اصْطَادَ تِلْكَ السَّمَكَةَ بِمُطَارَدَتِهَا بِجَسَارَةٍ حَتَّى أَمْسَكَ بِهَا؛ فَجو يَسْتَطِيعُ السِّبَاحَةَ أَسْرَعَ حَتَّى مِنَ السَّمَكَةِ. وَلَكِنَّ مالك الحزين فَضَّلَ أَنْ يُحَاوِلَ إِقْنَاعَ نَفْسِهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ كُلَّهَا مَسْأَلَةُ حَظٍّ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، كَانَ يُرِيدُ إِلْقَاءَ اللَّوْمِ عَلَى غَيْرِهِ لِعَدَمِ نَجَاحِهِ هُوَ، كَمَا يَفْعَلُ مُعْظَمُ مَنْ تَبُوءُ جُهُودُهُمْ بِالْفَشَلِ. لِذَلِكَ عِنْدَمَا صَاحَ جو: «مَرْحَبًا يَا مالك الحزين، هَلْ حَالَفَكَ الْحَظُّ فِي هَذَا الصَّبَاحِ الْجَمِيلِ؟» تَظَاهَرَ مالك الحزين بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَوَارَى جو عَنِ الْأَنْظَارِ وَالْمَسَامِعِ، بَدَأَ يُتَمْتِمُ لِنَفْسِهِ مُتَذَمِّرًا.

«لَا عَجَبَ أَنَّ الْحَظَّ لَمْ يَكُنْ حَلِيفِي، وَثَعْلَبُ الْمَاءِ ذَاكَ يَسْبَحُ مِنْ أَعْلَى الْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ لِأَسْفَلِهِ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ. إِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِصَيْدِ مَا يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ يُخِيفُ بَقِيَّةَ السَّمَكِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِصَيَّادٍ شَرِيفٍ مِثْلِي أَيُّ فُرْصَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. أَنَا لَا أَفْهَمُ فِيمَ كَانَتِ الطَّبِيعَةُ الْأُمُّ الْعَجُوزُ تُفَكِّرُ حِينَ جَعَلَتْهُ مُحِبًّا لِلسَّمَكِ؛ فَهُوَ وَالْمِنْكُ بيلي لَيْسَا إِلَّا شَقِيَّيْنِ صَغِيرَيْنِ عَدِيمَيِ الْجَدْوَى، وُلِدَا لِيُوقِعَا الْآخَرِينَ فِي الْمَتَاعِبِ.»

أَطَلَّ هَذَانِ الشَّقِيَّانِ بِرَأْسَيْهِمَا مِنْ بَيْنِ الْعُشْبِ عَلَى النَّاحِيَةِ الْمُقَابِلَةِ مِنَ الْبِرْكَةِ الصَّغِيرَةِ، وَقَالَ جو وَهُوَ يَلْكُزُ الْمِنْكَ بيلي: «تَبْدُو سَعِيدًا يَا مالك الحزين. لَا بُدَّ أَنَّكَ حَظِيتَ بِإِفْطَارٍ دَسِمٍ.»

طَقْطَقَ مالك الحزين بِمِنْقَارِهِ الْكَبِيرِ فِي غَضَبٍ، وَسَأَلَ: «مَا الَّذِي تَفْعَلَانِهِ هُنَا، أَتُفْسِدَانِ صَيْدِي؟ أَلَا يَكْفِيكُمَا النَّهْرُ الْكَبِيرُ وَسَائِرُ الْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ لِتَلْهُوَا فِيهِمَا؟ هَذِهِ بِرْكَتِي، وَسَأَكُونُ مُمْتَنًّا لَكُمَا إِنِ ابْتَعَدْتُمَا عَنْ هُنَا!»

ضَحِكَ الْمِنْكُ بيلي ضِحْكَةً خَافِتَةً بِحَيْثُ سَمِعَهُ مالك الحزين؛ وَهُوَ مَا لَمْ يُحَسِّنْ مِزَاجَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ قَوْلِ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، تَكَلَّمَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو.

«أُوهْ، نَسْتَمِيحُكَ عُذْرًا. كُلُّ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّنَا عَرَفْنَا لِلتَّوِّ أَنَّ الْجَدَّ ضفدع مُسْتَغْرِقٌ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، وَفَكَّرْنَا فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحَالِفْكَ الْحَظُّ هَذَا الصَّبَاحَ، فَلَرُبَّمَا يَسُرُّكَ أَنْ تَعْلَمَ بِذَلِكَ. وَلَكِنْ مَا دُمْتَ تَظُنُّ بِنَا سُوءًا، فَسَوْفَ نَذْهَبُ وَنُخْبِرُ بَلَشُونَ اللَّيْلِ ذَا التَّاجِ الْأَسْوَدِ.»

وَاسْتَدَارَ جو كَأَنَّهُ سَيَنْطَلِقُ لِلْبَحْثِ عَنْ ذِي التَّاجِ الْأَسْوَدِ عَلَى الْفَوْرِ. «انْتَظِرْ دَقِيقَةً!» هَكَذَا صَاحَ مالك الحزين، مُحَاوِلًا أَنْ يَجْعَلَ صَوْتَهُ يَبْدُو لَطِيفًا، وَهُوَ أَمْرٌ صَعْبٌ؛ لِأَنَّ صَوْتَهُ — كَمَا تَعْلَمُونَ — خَشِنٌ جِدًّا وَغَيْرُ مُحَبَّبٍ. وَأَرْدَفَ: «الْحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّنِي لَمْ أَتَنَاوَلْ أَيَّ لُقْمَةٍ لِلْإِفْطَارِ، وَالْجُوعُ يَجْعَلُنِي سَرِيعَ الْغَضَبِ. قُلْتَ أَيْنَ كَانَ الْجَدُّ ضفدع؟»

رَدَّ جو قَائِلًا: «لَمْ أَقُلْ، وَلَكِنْ إِذَا كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ حَقًّا، فَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى زَنْبَقَتِهِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، مُسْتَغْرِقًا فِي النَّوْمِ عَلَى مَرْأًى مِنَ الْجَمِيعِ.»

قَالَ مالك الحزين: «شُكْرًا لَكُمَا. أَعْتَقِدُ أَنَّ لَدَيَّ مُهِمَّةً فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ. لَقَدْ تَذَكَّرْتُ ذَلِكَ الْآنَ. أَعْتَقِدُ أَنِّي سَأَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَأُلْقِي نَظْرَةً عَلَيْهِ، فَأَنَا لَمْ أَرَهُ نَائِمًا قَطُّ.»

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.