الفصل الثاني والعشرون

وَرْطَةُ الْجَدِّ ضفدع تَتَفَاقَمُ

مَدْخَلٌ بِلَا مَخْرَجٍ!
انْظُرْ قَبْلًا تَسْلَمْ.

كَانَ لَدَى الْجَدِّ ضفدع وَقْتٌ كَافٍ لِيُدْرِكَ مَدَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ؛ فَبَيْنَمَا جَلَسَ عَلَى اللَّوْحِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ الَّذِي قَذَفَتْهُ النَّسَمَاتُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ إِلَى دَاخِلِ النَّبْعِ حَيْثُ كَانَ سَجِينًا، فَكَّرَ كَثِيرًا جِدًّا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الصَّغِيرَةِ «لَوْ». «لَوْ» لَمْ يُغَادِرِ الْبِرْكَةَ الْبَاسِمَةَ، «لَوْ» لَمْ يَكُنْ عَنِيدًا وَمُتَصَلِّبًا فِي رَأْيِهِ، «لَوْ» لَمْ يَتَعَجَّلْ هَكَذَا، «لَوْ» كَانَ نَظَرَ لِيَعْرِفَ أَيْنَ كَانَ يَقْفِزُ. حَسَنًا، أَيٌّ مِنْ هَذِهِ كَانَتْ سَتَقِيهِ الْوُقُوعَ فِي وَرْطَتِهِ الْحَالِيَّةِ.

لَمْ يَكُنِ الْوَضْعُ حَقِيقَةً سَيِّئًا إِلَى هَذَا الْحَدِّ فِي النَّبْعِ؛ بِمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ لِيُصْبِحَ شَدِيدَ السُّوءِ لَوْلَا الْخَوْفُ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَأْتِيَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون لِلشُّرْبِ وَيَجِدَهُ هُنَاكَ. كَانَ ذَلِكَ أَكْبَرَ مَخَاوِفِ الْجَدِّ ضفدع، وَقَدْ سَبَّبَ لَهُ الْكَوَابِيسَ كُلَّمَا حَاوَلَ أَنْ يَأْخُذَ قَيْلُولَةً، وَشَعَرَ بِالْبُرُودَةِ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ كُلِّهِ عِنْدَمَا خَطَرَتْ عَلَى بَالِهِ فِكْرَةُ أَنْ يُمْسِكَهُ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون مُجَدَّدًا، وَأَخِيرًا عِنْدَمَا أَسْرَعَتْ إِحْدَى النَّسَمَاتِ الصَّغِيرَةِ الْمَرِحَةِ لِتُخْبِرَهُ أَنَّ ابْنَ الْمُزَارِعِ براون قَادِمٌ بِالْفِعْلِ، تَمَلَّكَ الْجَدَّ ضفدع الْعَجُوزَ الْمِسْكِينَ ذُعْرٌ شَدِيدٌ حَتَّى اضْطُرَّتِ النَّسَمَةُ الصَّغِيرَةُ الْمَرِحَةُ إِلَى أَنْ تُخْبِرَهُ مَرَّتَيْنِ أَنْ يَخْتَبِئَ أَسْفَلَ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ الطَّافِي فَوْقَ سَطْحِ الْمَاءِ.

وَأَخِيرًا اسْتَوْعَبَ الْأَمْرَ، وَغَاصَ فِي الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ نَفَسًا طَوِيلًا جِدًّا وَسَبَحَ أَسْفَلَ اللَّوْحِ الْقَدِيمِ. كَانَ قَدْ غَاصَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ تَمَامًا. نَعَمْ، فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ تَمَامًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون مَشْغُولًا بِالتَّفْكِيرِ فِي أَمْرٍ آخَرَ، لَكَانَ بِالتَّأْكِيدِ سَيُلَاحِظُ الْحَلَقَاتِ الصَّغِيرَةَ الَّتِي صَنَعَهَا الْجَدُّ ضفدع فِي الْمَاءِ عِنْدَمَا غَاصَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِالتَّفْكِيرِ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَلَمْ يَرَ اللَّوَحَ الْخَشَبِيَّ الْقَدِيمَ أَصْلًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ غَرَفَ الْمَاءَ بِكُوبِهِ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.

وَحِينَهَا قَالَ مُتَعَجِّبًا: «عَجَبًا! لَا بُدَّ أَنَّ الرِّيَاحَ قَذَفَتْهُ هُنَا بَعْدَ أَنْ جِئْتُ هُنَا الْبَارِحَةَ. لُا يُمْكِنُ أَنْ نَسْمَحَ بِوُجُودِ شَيْءٍ كَهَذَا فِي نَبْعِنَا الْجَمِيلِ.»

ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى اللَّوْحِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ، فَأَيْقَنَ الْجَدُّ ضفدع — الَّذِي كَانَ مُخْتَبِئًا تَحْتَهُ — بِهَلَاكِهِ، وَلَكِنَّ النَّسَمَةَ الصَّغِيرَةَ الْقَلِقَةَ كَانَتْ تُرَاقِبُ الْمَوْقِفَ بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، وَلَحْظَةَ أَنْ رَأَتْ مَا كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون عَلَى وَشْكِ فِعْلِهِ، قَامَتْ بِنَفْسِ حِيلَتِهَا الْقَدِيمَةِ قِدَمَ الدَّهْرِ، وَهِيَ انْتِزَاعُ قُبَّعَتِهُ مِنْ عَلَى رَأْسِهِ. فَالْحَقِيقَةُ أَنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعِ التَّفْكِيرَ فِي حَلٍّ آخَرَ؛ فَتَشَبَّثَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون بِقُبَّعَتِهِ، ثُمَّ غَادَرَ الْمَكَانَ دُونَ التَّفْكِيرِ مَرَّةً أُخْرَى فِي اللَّوْحِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَلَدَيْهِ أَشْيَاءُ أُخْرَى لِيَفْعَلَهَا.

هَتَفَ الْجَدُّ ضفدع، وَهُوَ يَسْبَحُ خَارِجًا مِنْ أَسْفَلِ اللَّوْحِ الْخَشَبِيِّ ثُمَّ يَعْتَلِيهِ: «نَقْ نَقْ! لَقَدْ نَجَوْتُ بِأُعْجُوبَةٍ بِلَا شَكٍّ. إِذَا تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ كَثِيرًا، فَحَتْمًا سَأَمُوتُ ذُعْرًا.»

لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ آخَرُ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَانَ الْجَدُّ ضفدع يَتَسَاءَلُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ مِنَ الْآمِنِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَيْلُولَةً، عِنْدَمَا رَأَى عَيْنَيْنِ تُطِلَّانِ مِنْ أَعْلَى الْحَافَةِ فَوْقَهُ. كَانَتَا عَيْنَيْنِ صَفْرَاوَيْنِ مُخْضَرَّتَيْنِ، ظَلَّتَا تُحَدِّقَانِ فِيهِ، وَظَلَّ الْجَدُّ ضفدع يُحَدِّقُ فِيهِمَا. لَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَ نَفْسِهِ، لَمْ يَعْرِفْ لِمَنْ كَانَتَا، وَلَمْ يَسْتَطِعْ تَذَكُّرَ رُؤْيَتِهِمَا مِنْ قَبْلُ. كَانَ خَائِفًا، وَمَعَ ذَلِكَ لِسَبَبٍ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارِ بِالْقَفْزِ؛ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي التَّحْدِيقِ فِي هَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ فَلَمْ يَلْحَظْ ذِرَاعًا طَوِيلَةً مَكْسُوَّةً بِالْفَرْوِ تَنْزِلُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، مُتَّجِهَةً لِلْأَسْفَلِ نَحْوَهُ، وَرَاحَتْ تَتَسَلَّلُ مُقْتَرِبَةً مِنْهُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، ثُمَّ فَجَأَةً تَحَرَّكَتْ كَالْبَرْقِ. شَعَرَ الْجَدُّ ضفدع بِمَخَالِبَ حَادَّةٍ فِي مِعْطَفِهِ ذِي اللَّوْنَيْنِ الْأَصْفَرِ وَالْأَبْيَضِ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ حَتَّى فَتْحَ فَمِهِ لِيَنِقَّ، كَانَ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ هَبَطَ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْعُشْبِ، ثُمَّ انْقَضَّتْ عَلَيْهِ! ثَبَّتَتْهُ كَفَّانِ عَلَى الْأَرْضِ، وَاقْتَرَبَتِ الْعَيْنَانِ الصَّفْرَاوَانِ الْمُخْضَرَّتَانِ حَتَّى صَارَتَا عَلَى قَيْدِ أُنْمُلَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ. كَانَتْا عَيْنَيْ بسبس السَّوْدَاءِ؛ قِطَّةِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.