الفصل الثالث والعشرون

عَوْدَةٌ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ الْعَزِيزَةِ

كَانَتْ بسبس السَّوْدَاءُ تَحْظَى بِوَقْتٍ طَيِّبٍ، عَلَى عَكْسِ الْجَدِّ ضفدع؛ فَقَدْ كَانَتْ بسبس السَّوْدَاءُ تَجِدُ مُتْعَةً كَبِيرَةً فِي دَسِّ كَفِّهَا أَسْفَلَ الْجَدِّ ضفدع وَقَذْفِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَتَجِدُ مُتْعَةً أَكْبَرَ فِي أَنْ تَتَظَاهَرَ بِالذَّهَابِ بَعِيدًا، ثُمَّ تَخْتَبِئَ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، وَبِمُجَرَّدِ أَنْ يَبْدَأَ الْجَدُّ ضفدع فِي التَّحَرُّكِ، تَنْقَضُّ عَلَيْهِ لِتَلْطِمَهُ وَتُدَحْرِجَهُ. وَلَكِنْ لَمْ يَجِدِ الْجَدُّ ضفدع أَيَّ مُتْعَةٍ فِي ذَلِكَ؛ فَهُوَ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هَلْ كَانَتْ بسبس تُحِبُّ أَكْلَ الضَّفَادِعِ أَمْ لَا، فَكَانَ مَذْعُورًا بِشِدَّةٍ. وَثَانِيًا، لَمْ تَكُنِ الْقِطَّةُ بسبس تُغَطِّي مَخَالِبَهَا دَائِمًا، فَكَانَتْ تَنْفُذُ مِنْ مِعْطَفِ الْجَدِّ ضفدع ذِي اللَّوْنَيْنِ الْأَصْفَرِ وَالْأَبْيَضِ وَتَجْرَحُهُ؛ لِأَنَّ جِلْدَهُ غَضٌّ جِدًّا فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ.

وَأَخِيرًا تَعِبَتِ الْقِطَّةُ بسبس مِنَ اللَّعِبِ فَاتَّجَهَتْ، مُمْسِكَةً بِالْجَدِّ ضفدع فِي فَمِهَا، إِلَى الطَّرِيقِ الضَّيِّقِ الْمُؤَدِّي مِنَ النَّبْعِ إِلَى الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ. لَمْ يُبْدِ الْجَدُّ ضفدع أَيَّ مُقَاوَمَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَيْنَ الصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ، لَكَانَتِ الْقِطَّةُ بسبس أَطْبَقَتْ فَمَهَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ، وَلَكَانَ ذَلِكَ مُؤْلِمًا جِدًّا بِلَا شَكٍّ.

رَاحَ الْجَدُّ ضفدع يَنُوحُ قَائِلًا: «لَقَدِ انْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ، وَهَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ. سَتَلْتَهِمُنِي الْآنَ. آهٍ! لِمَاذَا، لِمَاذَا غَادَرْتُ الْبِرْكَةَ الْبَاسِمَةَ يَوْمًا؟»

وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الَّذِي انْسَلَّتْ فِيهِ الْقِطَّةُ بسبس إِلَى الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ، سَمِعَ الْجَدُّ ضفدع صَوْتًا مَأْلُوفًا؛ كَانَ صَفِيرًا … صَفِيرًا مَرِحًا، كَانَ صَفِيرَ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون، وَكَانَ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ. بَدَأَتْ ذَرَّةٌ مِنَ الْأَمَلِ تَدُبُّ فِي قَلْبِ الْجَدِّ ضفدع. لَمْ يَعْرِفْ سَبَبَ ذَلِكَ تَحْدِيدًا، لَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ شُعُورَهُ. كَانَ دَائِمًا يَخَافُ ابْنَ الْمُزَارِعِ براون أَشَدَّ الْخَوْفِ، وَلَكِنِ الْآنَ … إِذَا كَانَ لِابْنِ الْمُزَارِعِ براون أَنْ يَأْخُذَهُ، فَرُبَّمَا يَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْهُ كَمَا فَعَلَ مِنْ قَبْلُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَيَقِّنًا تَمَامًا مِنْ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ الْهَرَبَ مِنَ الْقِطَّةِ بسبس مُطْلَقًا.

اقْتَرَبَ الصَّفِيرُ أَكْثَرَ، وَتَوَقَّفَتِ الْقِطَّةُ بسبس، ثُمَّ بَدَأَتْ تُصْدِرُ صَوْتَ خَرْخَرَةٍ غَرِيبًا مِنْ أَسْفَلِ حَلْقِهَا.

صَاحَ صَوْتٌ قَائِلًا: «مَرْحَبًا أَيَّتُهَا الْقِطَّةُ بسبس! هَلْ كُنْتِ تَصْطَادِينَ؟ تَعَالَيْ هُنَا وَأَرِينِي مَا عِنْدَكِ.»

قَوَّسَتِ الْقِطَّةُ بسبس ظَهْرَهَا وَبَدَأَتْ تَتَمَسَّحُ فِي سَاقَيِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون، وَطَوَالَ الْوَقْتِ أَخَذَ صَوْتُ الْخَرْخَرَةِ فِي حَلْقِهَا يَعْلُو وَيَعْلُو. انْحَنَى ابْنُ الْمُزَارِعِ براون لِأَسْفَلَ لِيَرَى مَاذَا تَحْمِلُ فِي فَمِهَا.

ثُمَّ صَاحَ مُتَعَجِّبًا: «عَجَبًا! أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا نَفْسُ الضِّفْدَعِ الْعَجُوزِ الَّذِي هَرَبَ مِنِّي! لَا حَاجَةَ لَكِ بِهِ يَا بسبس. سَوْفَ أَضَعُهُ فِي جَيْبِي وَآخُذُهُ إِلَى الْبَيْتِ فِيمَا بَعْدُ.»

وَبِذَلِكَ أَخَذَ الْجَدَّ ضفدع مِنَ الْقِطَّةِ بسبس وَوَضَعَهُ فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ رَبَّتَ عَلَى الْقِطَّةِ بسبس، وَوَصَفَهَا بِالْقِطَّةِ الذَّكِيَّةِ، ثُمَّ مَشَى فِي طَرِيقِهِ، مُصَفِّرًا بِمَرَحٍ. كَانَ الْمَكَانُ مُظْلِمًا وَضَيِّقًا إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ فِي ذَلِكَ الْجَيْبِ، وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَمْ يَهْتَمَّ؛ فَقَدْ كَانَ هَذَا أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يَشْعُرَ بِأَسْنَانٍ حَادَّةٍ وَمَخَالِبَ طَوَالَ الْوَقْتِ. تَسَاءَلَ فِي نَفْسِهِ مَتَى يَصِلُونَ إِلَى الْبَيْتِ، وَمَاذَا سَيَحْدُثُ لَهُ حِينَهَا. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ بَدَتْ لَهُ طَوِيلَةً جِدًّا جِدًّا، شَعَرَ بِنَفْسِهِ يَتَأَرْجَحُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ يَرْتَطِمُ بِالْأَرْضِ بِقُوَّةٍ صَدَرَ لَهَا مِنْهُ نَخِيرٌ؛ كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون قَدْ خَلَعَ مِعْطَفَهُ وَرَمَاهُ عَلَى الْأَرْضِ.

تَوَقَّفَ الصَّفِيرُ، وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ هَادِئًا. انْتَظَرَ الْجَدُّ ضفدع وَأَنْصَتَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ سَمَاعَ أَيِّ صَوْتٍ، ثُمَّ رَأَى بَصِيصًا مِنَ الضَّوْءِ يَتَسَلَّلُ إِلَى دَاخِلِ سِجْنِهِ؛ فَرَاحَ يَتَلَوَّى وَيَدْفَعُ نَفْسَهُ، وَفَجَأَةً وَجَدَ نَفْسَهُ خَارِجَ الْجَيْبِ. فَطَرَفَ بِعَيْنَيْهِ مِنْ شِدَّةِ سُطُوعِ الضَّوْءِ، وَبِمُجَرَّدِ أَنِ اسْتَعَادَ الرُّؤْيَةَ، نَظَرَ حَوْلَهُ لِيَرَى أَيْنَ هُوَ، ثُمَّ فَرَكَ عَيْنَيْهِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَنَظَرَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون عَلَى الْإِطْلَاقِ. أَيْنَ تَظُنُّهُ كَانَ؟ يَا لَلْعَجَبِ! كَانَ عَلَى ضِفَّةِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ ذَاتِهَا، وَعَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُ كَانَ ابْنُ الْمُزَارِعِ براون يَصْطَادُ!

أَصْدَرَ الْجَدُّ ضفدع نَقِيقًا، كَانَ أَعْلَى وَأَسْعَدَ نَقِيقٍ سَمِعَتْهُ الْبِرْكَةُ الْبَاسِمَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعَادَ يَنِقُّ مُجَدَّدًا، ثُمَّ قَفَزَ قَفْزَةً هَائِلَةً وَغَاصَ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ الْعَزِيزَةِ مُطْلِقًا رَذَاذًا مِنَ الْمَاءِ، وَقَدِ ابْتَسَمَتِ الْبِرْكَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.

وَلَمْ يُحَاوِلِ الْجَدُّ ضفدع بَعْدَ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَنْ يَرَى الْعَالَمَ الْكَبِيرَ، وَصَارَ رَاضِيًا تَمَامًا بِتَرْكِ هَذَا الْأَمْرِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الْعَيْشَ فِيهِ. وَمُنْذُ مُغَامَرَاتِهِ الْعَجِيبَةِ، صَارَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِتَصْدِيقِ أَيِّ شَيْءٍ يُقَالُ لَهُ عَمَّا يَحْدُثُ هُنَاكَ، وَلَا يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يُفَاجِئَهُ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.