الفصل الثالث

مالك الحزين يَزُورُ الْبِرْكَةَ الْبَاسِمَةَ

رَاقَبَ مالك الحزين الْأَزْرَقُ الْمِنْكَ بيلي وَثَعْلَبَ الْمَاءِ الصَّغِيرَ جو وَهُمَا يَنْزِلَانِ عَلَى طُولِ الْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ حَتَّى تَوَارَيَا عَنِ الْأَنْظَارِ. وَطَوَالَ فَتْرَةِ وُجُودِهِمَا فِي مَرْمَى بَصَرِهِ، ظَلَّ جَالِسًا بِلَا حَرَاكٍ، وَقَدْ خَفَضَ رَأْسَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَأَنْ لَيْسَ لَدَيْهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ أَهَمِّيَّةً يُفَكِّرُ فِيهِ مِنْ قَيْلُولَةِ الصَّبَاحِ. وَلَكِنَّكَ إِذَا كُنْتَ قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي لِرُؤْيَةِ عَيْنَيْهِ الثَّاقِبَتَيْنِ، كُنْتَ سَتَتَيَقَّنُ مِنْ أَنَّ فِكْرَةَ الْقَيْلُولَةِ لَمْ تَرِدْ عَلَى بَالِهِ أَصْلًا. وَفَوْرَ تَأَكُّدِهِ مِنَ ابْتِعَادِ الشَّقِيَّيْنِ الصَّغِيرَيْنِ بِفَرْوَيْهِمَا الْبُنِّيَّيْنِ عَنْ مَرْمَى الْبَصَرِ، مَدَّ رَقَبَتَهُ الطَّوِيلَةَ لِأَعْلَى حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ ضِعْفَ الطُّولِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُنْذُ دَقِيقَةٍ مَضَتْ. رَاحَ يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ خَطَرٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ بَسَطَ جَنَاحَيْهِ الْكَبِيرَيْنِ، وَرَفْرَفَ بِهِمَا بِقُوَّةٍ مُرْتَفِعًا فِي الْهَوَاءِ؛ ثُمَّ حَلَّقَ عَالِيًا فَوْقَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ وَدَارَ دَائِرَةً وَاسِعَةً فِي الْهَوَاءِ، وَرَأْسُهُ مُسْتَقِرٌّ مَرَّةً أُخْرَى بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَسَاقَاهُ الطَّوِيلَتَانِ مَمْدُودَتَانِ خَلْفَهُ، وَاتَّجَهَ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ مُبَاشَرَةً.

طَوَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنِ الْمِنْكُ بيلي وَثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو قَدِ ابْتَعَدَا كَثِيرًا كَمَا افْتَرَضَ مالك الحزين؛ كَانَا مُخْتَبِئَيْنِ فِي مَكَانٍ يَسْتَطِيعَانِ مُرَاقَبَتَهُ مِنْهُ، وَمَا إِنْ بَسَطَ جَنَاحَيْهِ، حَتَّى بَدَآ يَعُودَانِ أَدْرَاجَهُمَا تِجَاهَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ لِيَرَيَا مَا سَيَحْدُثُ هُنَاكَ؛ فَقَدْ كَانَا يَعْرِفَانِ تَمَامَ الْمَعْرِفَةِ أَنَّ مالك الحزين كَانَ يَطِيرُ مُتَّجِهًا إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ عَلَى أَمَلِ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْجَدَّ ضفدع عَلَى الْإِفْطَارِ. هُمَا لَمْ يَقْصِدَا حَقِيقَةً أَنْ يُصِيبَ الْجَدَّ ضفدع أَيُّ أَذًى، وَلِكَنَّهُمَا قَصَدَا إِفْزَاعَهُ بِشِدَّةٍ؛ فَقَدْ كَانَا، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، مُتَهَوِّرَيْنِ وَمُسْتَهْتِرَيْنِ لِلْغَايَةِ، حَتَّى ظَنَّا إِفْزَاعَ الْآخَرِينَ نَوْعًا مِنَ التَّسْلِيَةِ.

قَالَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو، وَهُمَا يُسْرِعَانِ الْخُطَى: «بِالطَّبْعِ سَوْفَ نُوقِظُ الْجَدَّ ضفدع فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِيَهْرُبَ دُونَ أَنْ يُصَابَ بِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنَ الْفَزَعِ الشَّدِيدِ. سَيَكُونُ مِنَ الْمُمْتِعِ جِدًّا أَنْ نَرَى عَيْنَيْهِ الْكَبِيرَتَيْنِ الْجَاحِظَتَيْنِ تَبْرُزَانِ مِنْ مَحْجِرَيْهِمَا عِنْدَمَا يَفْتَحُهُمَا وَيَرَى مالك الحزين عَلَى وَشْكِ الْتِهَامِهِ! وَسَيُجَنُّ جُنُونُ مالك الحزين عِنْدَمَا نَحْرِمُهُ مِنَ الْإِفْطَارِ الَّذِي كَانَ مُتَأَكِّدًا مِنَ الْحُصُولِ عَلَيْهِ!»

وَصَلَا إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ قَبْلَ مالك الحزين، الَّذِي سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُبَاشِرٍ، وَاخْتَبَآ بَيْنَ أَعْشَابِ الْبِرَكِ حَيْثُ يُمْكِنُهُمَا أَنْ يَرَيَاهُ دُونَ أَنْ يَرَاهُمَا أَحَدٌ.

قَالَ الْمِنْكُ بيلي هَامِسًا: «هَا هُوَ صَدِيقُنَا الْعَجُوزُ مِثْلَمَا تَرَكْتُهُ تَمَامًا، مُسْتَغْرِقًا فِي النَّوْمِ.»

وَفِعْلًا كَانَ الْجَدُّ ضفدع جَالِسًا عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ مُغْمِضَ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ أَنَّ عَيْنَيْهِ بَدَتَا مُغْمَضَتَيْنِ. وَجَلَسَ فَأْرُ الْمِسْكِ جيري أَعْلَى بَيْتِهِ الْكَبِيرِ، وَقَدْ بَدَا جيري مُنْشَغِلًا تَمَامًا بِفَتْحِ إِحْدَى مَحَارِ الْمَاءِ الْعَذْبِ عَنْ أَنْ يَلْحَظَ أَيَّ شَيْءٍ دُونَهَا؛ وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُ كُلَّ مَا يَحْدُثُ حَوْلَهُ؛ فَقَدْ سَاوَرَهُ شَكٌّ فِي أَنَّ الْمِنْكَ بيلي يُدَبِّرُ حِيلَةً مَا لِلْجَدِّ ضفدع؛ وَلِذَا حَذَّرَهُ. وَعِنْدَمَا رَأَى مالك الحزين قَادِمًا نَاحِيَةَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، حَذَّرَ الْجَدَّ ضفدع مَرَّةً أُخْرَى، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَارَ يَتَظَاهَرُ فَقَطْ بِالنَّوْمِ.

طَارَ مالك الحزين إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ مُبَاشَرَةً، وَعَلَى حَافَتِهَا — بَيْنَ عُشْبِ الْبِرَكِ — أَنْزَلَ سَاقَيْهِ الطَّوِيلَتَيْنِ وَوَقَفَ بَأَصَابِعِ قَدَمَيْهِ فِي الْمَاءِ، مَادًّا رَقَبَتَهُ الطَّوِيلَةَ لِأَعْلَى حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ كُلِّهَا. هُنَاكَ — تَمَامًا كَمَا قَالَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو — جَلَسَ الْجَدُّ ضفدع عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ، مُسْتَغْرِقًا فِي النَّوْمِ، أَوْ أَنَّهُ بَدَا مُسْتَغْرِقًا فِي النَّوْمِ. لَمَعَتْ عَيْنَا مالك الحزين مِنْ فَرْطِ جُوعِهِ وَتَخَيَّلَ كَمْ سَيَكُونُ الْجَدُّ ضفدع إِفْطَارًا رَائِعًا. وَبِبُطْءٍ شَدِيدٍ، بَدَأَ مالك الحزين يَمْشِي — مُتَوَخِّيًا أَشَدَّ الْحَذَرِ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا — عَلَى طُولِ الشَّاطِئِ حَتَّى يَقِفَ فِي مُوَاجَهَةِ وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ حَيْثُ يَجْلِسُ الْجَدُّ ضفدع، وَهُنَاكَ بَيْنَ عُشْبِ الْبِرَكِ عَلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، لَكَزَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو وَالْمِنْكُ بيلي كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ، وَوَضَعَ كَلٌّ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى فَمِهِ بِسُرْعَةٍ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الِانْفِجَارِ ضَحِكًا.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.