الفصل الرابع

صَبْرُ مالك الحزين الْأَزْرَقِ

فِي التَّأَنِّي السَّلَامَةُ
وَفِي الْعَجَلَةِ النَّدَامَةُ.

إِذَا كَانَ مالك الحزين يَتَمَيَّزُ بِشَيْءٍ فَهُوَ الصَّبْرُ. نَعَمْ، إِنَّ مالك الحزين صَبُورٌ بِالتَّأْكِيدِ؛ فَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ ثَمَّةَ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ الْحُصُولَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِانْتِظَارَ، وَأَنَّهُ إِذَا انْتَظَرَ وَقْتًا كَافِيًا، فَسَيَحْصُلُ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ. رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ صَيَّادًا طُولَ عُمُرِهِ، مِثْلَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ؛ فَكَمَا تَعْلَمُونَ، الصَّيَّادُ دُونَ صَبْرٍ نَادِرًا مَا يَصْطَادُ شَيْئًا. بِالطَّبْعِ يَسْخَرُ الْمِنْكُ بيلي وَثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَيَزْعُمَانِ أَنَّهُ لَيْسَ صَحِيحًا؛ لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّهُمَا يَجُوعَانِ أَحْيَانًا، وَمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَحْدُثَ لَوْ كَانَ لَدَيْهِمَا قَلِيلٌ مِنْ صَبْرِ مالك الحزين.

وَالْجَدُّ ضفدع صَبُورٌ جِدًّا جِدًّا هُوَ الْآخَرُ؛ فَهُوَ يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ بِلَا حَرَاكٍ فَتَرَاتٍ طَوِيلَةً جِدًّا فِي انْتِظَارِ مَجِيءِ شَيْءٍ مَا إِلَيْهِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجُلُوسِ بِلَا حَرَاكٍ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا، وَيَسْتَطِيعُ مالك الحزين الْوُقُوفَ بِلَا حَرَاكٍ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا أَيْضًا؛ حَتَّى إِنَّ فَأْرَ الْمِسْكِ جيري وَالْمِنْكَ بيلي وَثَعْلَبَ الْمَاءِ الصَّغِيرَ جو كَثِيرًا مَا طَالَ بَيْنَهُمُ الْجِدَالُ بِشَأْنِ أَيُّهُمَا يَسْتَطِيعُ الْبَقَاءَ دُونَ حَرَاكٍ وَقْتًا أَطْوَلَ.

«سَيَكُونُ إِفْطَارًا رَائِعًا.» قَالَهَا مالك الحزين فِي سِرِّهِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي حِرْصٍ بَالِغٍ بِمُحَاذَاةِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ حَتَّى يَقِفَ فِي مُوَاجَهَةِ الْجَدِّ ضفدع مُبَاشَرَةً، وَهُنَاكَ تَوَقَّفَ مالك الحزين وَنَظَرَ مُتَمَعِّنًا إِلَى الْجَدِّ ضفدع. نَعَمْ، لَا بُدَّ أَنَّهُ نَائِمٌ بِالتَّأْكِيدِ؛ فَعَيْنَاهُ مُغْمَضَتَانِ. ضَحِكَ مالك الحزين فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يُصْدِرَ صَوْتًا، وَاسْتَعَدَّ لِلْخَوْضِ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَيْثُ يَكُونُ الْجَدُّ ضفدع فِي مُتَنَاوَلِهِ.

طَوَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَضْحَكُ فِي سِرِّهِ هُوَ الْآخَرُ؛ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَانَ فَقَطْ يَتَظَاهَرُ بِالنَّوْمِ، بَيْنَمَا ظَلَّ طَوَالَ الْوَقْتِ يُرَاقِبُ مالك الحزين مِنْ طَرْفِ إِحْدَى عَيْنَيْهِ الْجَاحِظَتَيْنِ الْكَبِيرَتَيْنِ. وَبِمُنْتَهَى الْبُطْءِ وَالْحَذَرِ — بَحَيْثُ لَا يُصْدِرُ أَدْنَى صَوْتٍ — رَفَعَ مالك الحزين إِحْدَى قَدَمَيْهِ لِيَخُوضَ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. تَظَاهَرَ الْجَدُّ ضفدع بِالتَّثَاؤُبِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ الْجَاحِظَتَيْنِ الْكَبِيرَتَيْنِ؛ تَسَمَّرَ مالك الحزين وَاقِفًا عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ دُونَ أَنْ يُحَرِّكَ رِيشَةً، فَتَثَاءَبَ الْجَدُّ ضفدع مَرَّةً أُخْرَى، وَأَحْنَى رَأْسَهُ كَأَنَّمَا مَنَعَتْهُ شِدَّةُ النُّعَاسِ مِنَ الْبَقَاءِ مُسْتَيْقِظًا، وَأَرْخَى جَفْنَيْهِ لِيُغَطِّيَا نِصْفَ عَيْنَيْهِ. انْتَظَرَ مالك الحزين طَوِيلًا، ثُمَّ سَحَبَ عُنُقَهُ الطَّوِيلَ — رُوَيْدًا رُوَيْدًا، بِبُطْءٍ شَدِيدٍ حَتَّى إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ هُنَاكَ لَمَا كُنْتَ سَتَلْحَظُ تَحَرُّكَهُ — حَتَّى اسْتَقَرَّ رَأْسُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ.

قَالَ مالك الحزين لِنَفْسِهِ: «أَظُنُّ أَنِّي يَجِبُ أَنْ أَنْتَظِرَ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ فِي النَّوْمِ مَرَّةً أُخْرَى.»

وَلَكِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَمْ يَنَمْ، وَإِنَّمَا ظَلَّ يَحْنِي رَأْسَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ثُمَّ إِنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُقَرِّرُ مالك الحزين أَنَّ الْجَدَّ ضفدع نَامَ فِعْلًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، تَنْفَتِحُ عَيْنَاهُ عَنْ آخِرِهِمَا فَجْأَةً. وَهَكَذَا طَوَالَ الصَّبَاحِ الطَّوِيلِ وَقَفَ مالك الحزين عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ دُونَ حَرَاكٍ، يُرَاقِبُ وَيَنْتَظِرُ وَيَزْدَادُ جُوعًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، وَطَوَالَ الصَّبَاحِ الطَّوِيلِ جَلَسَ الْجَدُّ ضفدع عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ، مُتَظَاهِرًا بِأَنَّهُ يَشْعُرُ بِنُعَاسٍ شَدِيدٍ، بَيْنَمَا هُوَ يَسْتَمْتِعُ بِحَمَّامِ شَمْسٍ مُرِيحٍ طَوَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي اسْتِرْخَاءٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ حَظِيَ بِإِفْطَارٍ دَسِمٍ مِنَ الذُّبَابِ الْأَخْضَرِ الْأَحْمَقِ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ.

وَهُنَاكَ بَيْنَ عُشْبِ الْبِرَكِ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، قَبَعَ الشَّقِيَّانِ الصَّغِيرَانِ بِفَرْوَيْهِمَا الْبُنِّيَّيْنِ يَنْتَظِرَانِ وَيَتَرَقَّبَانِ الْفَزَعَ الشَّدِيدَ الَّذِي خَطَّطَا أَنْ يُصِيبَ الْجَدَّ ضفدع، عِنْدَمَا أَرْسَلَا مالك الحزين لِيُحَاوِلَ الْإِمْسَاكَ بِهِ؛ كَانَ هَذَانِ هُمَا الْمِنْكَ بيلي وَثَعْلَبَ الْمَاءِ الصَّغِيرَ جو. فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ضَحِكَا فِي نَفْسَيْهِمَا وَلَكَزَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ عِنْدَ تَفْكِيرِهِمَا فِي الْحِيلَةِ الَّتِي لَعِبَاهَا، ثُمَّ إِنَّهُمَا حِينَ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ، بَدَآ يَشْعُرَانِ بِالتَّعَبِ وَالضَّجَرِ؛ فَهُمَا لَمْ يَكُونَا يَتَحَلَّيَانِ بِالصَّبْرِ، وَأَخِيرًا اسْتَسْلَمَا فِي اسْتِنْكَارٍ وَتَسَلَّلَا مُبْتَعِدَيْنِ لِيَجِدَا تَسْلِيَةً أَكْثَرَ إِمْتَاعًا. رَآهُمَا الْجَدُّ ضفدع يُغَادِرَانِ وَضَحِكَ فِي نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.