الفصل الخامس

الْجَدُّ ضفدع يَقْفِزُ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ

رَاحَ صَقْرُ الْمُسْتَنْقَعَاتِ أبيض الذيل يَجُوبُ السَّمَاءَ ذَهَابًا وَإِيَابًا فَوْقَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ؛ فَقَدْ كَانَ جَائِعًا، مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ مَثَلُ مالك الحزين الْأَزْرَقِ. حَدَّقَ النَّظَرَ بَعَيْنَيْهِ الثَّاقِبَتَيْنِ إِلَى أَسْفَلَ بَيْنَ الْأَعْشَابِ، بَاحِثًا عَنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ؛ وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّ جِنِّيَّةً طَيِّبَةً نَبَّهَتِ الْكَائِنَاتِ الصَّغِيرَةَ جِدًّا الَّتِي تَعِيشُ هُنَاكَ إِلَى أَنَّ الصَّقْرَ أبيض الذيل قَدْ خَرَجَ لِلصَّيْدِ. رُبَّمَا كَانَتْ إِحْدَى النَّسَمَاتِ الرَّقِيقَةِ الْمَرِحَةِ بَنَاتِ الرِّيَاحِ الْغَرْبِيَّةِ الْعَجُوزِ؛ فَكَمَا تَعْلَمُونَ، هِيَ دَائِمًا تَتَنَقَّلُ بِسُرْعَةٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ مُحَاوِلَةً إِسْدَاءَ مَعْرُوفٍ لِأَحَدٍ.

إِنَّهَا تُحِبُّ الرَّقْصَ وَالْمَرَحَ وَاللَّعِبَ
مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْغَسَقِ وَطَوَالَ الْيَوْمِ،
وَلَكِنْ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا تُحِبُّ أَنْ تَجِدَ
فُرْصَةً لِتُسْدِيَ مَعْرُوفًا طَيِّبًا لِأَحَدٍ.

عَلَى أَيِّ حَالٍ، بَدَا أَنَّ الثُّعْبَانَ الْأَخْضَرَ الصَّغِيرَ يَعْلَمُ بِخُرُوجِ الصَّقْرِ أبيض الذيل لِلصَّيْدِ، وَاسْتَطَاعَ الْبَقَاءَ بَعِيدًا عَنِ الْأَنْظَارِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَثَرٌ لِفَأْرِ الْمُرُوجِ داني؛ فَكَانَتْ ثَمَرَةُ بَحْثِهِ الصَّبُورِ بِضْعَةَ جَنَادِبَ حَمْقَاءَ فَقَطْ، وَتِلْكَ لَمْ تَزِدْهُ إِلَّا جُوعًا. وَلَكِنَّ الصَّقْرَ أبيض الذيل الْعَجُوزَ لَدَيْهِ قَدْرٌ كَبِيرٌ مِنَ الْمُثَابَرَةِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ حَظِّهِ السَّيِّئِ، اسْتَمَرَّ فِي بَحْثِهِ، ذَهَابًا وَإِيَابًا، ذَهَابًا وَإِيَابًا، حَتَّى غَطَّى بَحْثُهُ جَمِيعَ أَرْجَاءِ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ، وَأَخِيرًا قَرَّرَ أَنَّ بَقَاءَهُ هُنَاكَ مَضْيَعَةٌ لِلْوَقْتِ.

«سَوْفَ أُلْقِي نَظْرَةً عَلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، وَإِذَا لَمْ أَجِدْ شَيْئًا هُنَاكَ، فَسَأَقُومُ بِجَوْلَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ عَلَى طُولِ النَّهْرِ الْكَبِيرِ.» هَكَذَا فَكَّرَ الصَّقْرُ أبيض الذيل وَاتَّجَهَ عَلَى الْفَوْرِ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا بِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ الثَّاقِبَتَانِ مالك الحزين الْأَزْرَقَ وَاقِفًا بِلَا حَرَاكٍ عَلَى حَافَتِهَا، وَعَرَفَ مِنْ مَظْهَرِ مالك الحزين أَنَّهُ يُرَاقِبُ شَيْئًا يَأْمُلُ فِي صَيْدِهِ.

فَكَّرَ الصَّقْرُ أبيض الذيل قَائِلًا: «إِذَا كَانَتْ سَمَكَةً، فَلَنْ تَنْفَعَنِي فِي شَيْءٍ؛ فَأَنَا لَسْتُ بِصَيَّادٍ. وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ضِفْدَعًا … فَحَسَنًا؛ الضَّفَادِعُ لَيْسَتْ طَعَامًا جَيِّدًا كَفِئْرَانِ الْمُرُوجِ السَّمِينَةِ، وَلَكِنَّهَا مُشْبِعَةٌ جِدًّا.»

فَإِذْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ تِلْكَ الْفِكْرَةُ، زَادَ مِنْ سُرْعَتِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ رَأَى مَا كَانَ مالك الحزين يُرَاقِبُهُ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ؛ كَانَ — كَمَا تَعْرِفُونَ — الْجَدَّ ضفدع جَالِسًا عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ. أَطْلَقَ الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ تَنْهِيدَةَ رِضًا طَوِيْلَةً؛ فَالْجَدُّ ضفدع بِلَا شَكٍّ سَيَكُونُ مُشْبِعًا جِدًّا، وَهَذَا أَكِيدٌ.

كَانَ مالك الحزين الْأَزْرَقُ يُرَاقِبُ الْجَدَّ ضفدع بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ بِحَيْثُ لَمْ يَرَ شَيْئًا سِوَاهُ، وَانْشَغَلَ الْجَدُّ ضفدع تَمَامًا بِمُرَاقَبَةِ مالك الحزين بِحَيْثُ كَادَ يَنْسَى احْتِمَالَ وُجُودِ أَخْطَارٍ أُخْرَى. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ يَجْلِسُ مُولِيًا ظَهْرَهُ لِلصَّقْرِ أبيض الذيل الْعَجُوزِ. بِالطَّبْعِ لَاحَظَ الصَّقْرُ أبيض الذيل ذَلِكَ، وَكَادَ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ؛ فَكَثِيرًا جِدًّا مَا حَاوَلَ الْإِمْسَاكَ بِالْجَدِّ ضفدع، وَلَكِنْ دَائِمًا كَانَ الْجَدُّ ضفدع يَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الِاقْتِرَابَ مِنْهُ بِفَتْرَةٍ.

وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ بَصَرِهِ الْحَادِّ، لَمْ يَرَ الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ أَحَدًا آخَرَ كَانَ جَالِسًا عَلَى مَرْأًى مِنَ الْجَمِيعِ؛ لَمْ يَرَهُ لِأَنَّ عَقْلَهُ كَانَ مُنْشَغِلًا تَمَامًا بِالْجَدِّ ضفدع وَمالك الحزين بِحَيْثُ غَفَلَ عَنِ النَّظَرِ حَوْلَهُ، كَمَا يَفْعَلُ عَادَةً. انْسَابَ فَوْقَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ بِسُرْعَةٍ مُلَامِسًا أَطْرَافَ عُشْبِ الْبِرَكِ، وَمَدَّ مَخَالِبَهُ الْكَبِيرَةَ الْقَاسِيَةَ لِيَقْبِضَ عَلَى الْجَدِّ ضفدع، الَّذِي جَلَسَ هُنَاكَ مُتَظَاهِرًا بِالنَّوْمِ بَيْنَمَا كَانَ طَوَالَ الْوَقْتِ يُرَاقِبُ مالك الحزين وَيَضْحَكُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ كَيْفَ كَانَ يَخْدَعُ مالك الحزين.

طَاخْ! كَانَ ذَلِكَ صَوْتَ ذَيْلِ فَأْرِ الْمِسْكِ جيري وَهُوَ يَضْرِبُ الْمَاءَ. عَرَفَ الْجَدُّ ضفدع مَعْنَى ذَلِكَ … خَطَرٌ! لَمْ يَعْرِفْ مَاهِيَّةَ الْخَطَرِ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ لِيَعْرِفَ؛ فَقَدْ قَدَّرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ ثَمَّةَ وَقْتٌ كَافٍ لِذَلِكَ لَاحِقًا. فَعِنْدَمَا يَضْرِبُ فَأْرُ الْمِسْكِ جيري الْمَاءَ بِذَيْلِهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، يَكُونُ الْخَطَرُ قَرِيبًا جِدًّا؛ فَغَطَسَ الْجَدُّ ضفدع فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ مُصْدِرًا نَقِيقًا فَزِعًا، وَكَانَ الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ قَرِيبًا لِلْغَايَةِ بِحَيْثُ تَنَاثَرَ الْمَاءُ فِي وَجْهِهِ مُبَاشَرَةً. أَخَذَ يُنْشِبُ مَخَالِبَهُ الضَّخْمَةَ بِجُنُونٍ، وَلَكِنْ كُلُّ مَا اسْتَطَاعَ الْإِمْسَاكَ بِهِ كَانَ قِطْعَةً مِنْ وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي كَانَ الْجَدُّ ضفدع جَالِسًا عَلَيْهَا، وَبِالطَّبْعِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ تُفِيدُ مَعِدَتَهُ الْفَارِغَةَ شَيْئًا.

فَدَارَ الصَّقْرُ أبيض الذيل بِسُرْعَةٍ فِي الْهَوَاءِ مُطْلِقًا صَيْحَةَ حَنَقٍ وَغَضَبٍ، وَانْقَضَّ مِنْ فَوْرِهِ عَلَى فَأْرِ الْمِسْكِ جيري، وَلَكِنَّ جيري مَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ أَطْلَقَ ضِحْكَةً مُسْتَفِزَّةً وَغَطَسَ فِي الْمَاءِ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.