الفصل السادس

مُشَاجَرَةُ مالك الحزين وَالصَّقْرِ أبيض الذيل

«فَعَلْتَ!» «لَمْ أَفْعَلْ! لَمْ أَفْعَلْ!» «بَلْ فَعَلْتَ!»
يَا لَلْجَلَبَةِ الَّتِي ثَارَتْ عِنْدَمَا غَابَ الْجَدُّ ضفدع عَنِ الْأَعْيُنِ!

فَقَدْ وَقَفَ مالك الحزين الْأَزْرَقُ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ طَوَالَ الصَّبَاحِ الطَّوِيلِ مُنْتَظِرًا اسْتِغْرَاقَ الْجَدِّ ضفدع فِي النَّوْمِ عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ، وَكَانَ مُتَيَقِّنًا مِنْ أَنَّهُ سَيَحْصُلُ عَلَى الْجَدِّ ضفدع لِإِفْطَارِهِ وَغَدَائِهِ، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَنَاوَلَ إِفْطَارَهُ، وَقَدْ حَانَ مَوْعِدُ الْغَدَاءِ. كَانَ جَائِعًا جِدًّا حَتَّى إِنَّهُ أَحَسَّ أَنَّ جُدْرَانَ مَعِدَتِهِ سَتَنْهَارُ بِالتَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يَدْعَمُهَا، ثُمَّ — دُونَ أَيِّ سَابِقِ إِنْذَارٍ — انْسَابَ الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ فَوْقَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ مَادًّا مَخَالِبَهُ الْعِمْلَاقَةَ لِيَقْبِضَ عَلَى الْجَدِّ ضفدع، وَغَطَسَ الْجَدُّ ضفدع فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ مُطْلِقًا رَذَاذًا عَظِيمًا فِي آخِرِ لَحْظَةٍ.

وَهَلْ ثَمَّةَ شَيْءٌ فِي الْعَالَمِ أَصْعَبُ عَلَى الْمِزَاجِ مِنْ أَنْ تَفْقِدَ وَجْبَةً شَهِيَّةً عِنْدَمَا تَكُونُ تَتَضَوَّرُ جُوعًا؟ بِالطَّبْعِ مالك الحزين لَمْ يَنَلْ تِلْكَ الْوَجْبَةَ الشَّهِيَّةَ حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَحْصُلُ عَلَيْهَا بِلَا شَكٍّ؛ لِذَلِكَ عِنْدَمَا قَفَزَ الْجَدُّ ضفدع فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، بِالطَّبْعِ فَقَدَ مالك الحزين أَعْصَابَهُ تَمَامًا، وَبَدَتْ عَيْنَاهُ الصَّفْرَاوَانِ كَأَنَّمَا تَزْدَادَانِ اصْفِرَارًا.

وَصَرَخَ بِحِدَّةٍ فِي وَجْهِ الصَّقْرِ أبيض الذيل الْعَجُوزِ قَائِلًا: «أَيُّهَا اللِّصُّ! أَيُّهَا السَّارِقُ!»

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الصَّقْرَ أبيض الذيل الْعَجُوزَ كَانَ جَائِعًا تَمَامًا كَمالك الحزين، بَلْ كَانَ أَيْضًا أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْإِمْسَاكِ بِالْجَدِّ ضفدع، وَهُوَ أَسْرَعُ غَضَبًا مِنْ مالك الحزين؛ فَقَدْ دَارَ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ لِيَنْقَضَّ عَلَى فَأْرِ الْمِسْكِ جيري، وَلَكِنَّ جيري ضَحِكَ بِأُسْلُوبٍ غَايَةٍ فِي الِاسْتِفْزَازِ وَغَطَسَ تَحْتَ الْمَاءِ؛ فَاشْتَاطَ الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ غَضَبًا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، ثُمَّ نَعَتَهُ مالك الحزين بِاللِّصِّ وَالسَّارِقِ! كَانَ ذَلِكَ فَوْقَ احْتِمَالِ أَيِّ صَقْرٍ ذِي كَرَامَةٍ. نَعَمْ، كَانَ ذَلِكَ يَفُوقُ الِاحْتِمَالَ! فَرَاحَ الصَّقْرُ أبيض الذيل يَرْتَجِفُ مِنْ فَرْطِ غَضَبِهِ؛ إِذْ دَارَ فِي الْهَوَاءِ مَرَّةً أُخْرَى وَانْقَضَّ عَلَى مالك الحزين.

وَصَاحَ: «لَسْتُ لِصًّا وَلَا سَارِقًا أَكْثَرَ مِنْكَ!»

فَصَرَخَ مالك الحزين: «لَقَدْ أَفْزَعْتَ ضِفْدَعِي!»

«لَمْ أَفْعَلْ!»

«بَلْ فَعَلْتَ!»

«لَمْ أَفْعَلْ! لَمْ يَكُنْ ضِفْدَعَكَ، كَانَ ضِفْدَعِي أَنَا!»

قَالَ الْجَدُّ ضفدع لِفَأْرِ الْمِسْكِ جيري، وَهُمَا يَسْتَرِقَانِ النَّظَرَ مِنْ أَسْفَلِ بَعْضِ أَوْرَاقِ الزَّنْبَقِ: «نَقْ نَقْ! لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنِّي مِلْكٌ لِأَحَدٍ، حَقًّا لَمْ أَعْرِفْ ذَلِكَ، أَكُنْتَ تَعْرِفُ؟»

رَدَّ جيري، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ مِنْ فَرْطِ الْإِثَارَةِ وَهُوَ يُرَاقِبُ مالك الحزين وَالصَّقْرَ أبيض الذيل: «لَا، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ذَلِكَ.»

«أَنْتَ أَكْسَلُ مِنْ أَنْ تَصْطَادَ كَالشُّرَفَاءِ!» قَالَهَا الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ مُسْتَهْزِئًا، وَهُوَ يَحُومُ حَوْلَ مالك الحزين، مُتَرَقِّبًا الْفُرْصَةَ لِيَضْرِبَهُ بِمَخَالِبِهِ الْعَظِيمَةِ الْقَاسِيَةِ.

فَرَدَّ عَلَيْهِ مالك الحزين قَائِلًا: «أَنَا أَشْرَفُ مِنْ أَنْ آخُذَ اللُّقْمَةَ مِنْ أَفْوَاهِ الْآخَرِينَ!» وَرَاحَ يَتَقَافَزُ لِيَبْقَى مُوَاجِهًا لِلصَّقْرِ أبيض الذيل طَوَالَ الْوَقْتِ، وَاضِعًا أَحَدَ جَنَاحَيْهِ الْعَرِيضَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ أَمَامَهُ كَدِرْعٍ، وَمِنْقَارُهُ الطَّوِيلُ الْقَوِيُّ مُسْتَعِدٌّ لِلْهُجُومِ.

انْتَصَبَتْ كُلُّ رِيشَةٍ عَلَى رَأْسِ الصَّقْرِ أبيض الذيل غَضَبًا، وَبَدَا شَرِسًا مُخِيفًا، وَأَخِيرًا لَاحَتْ لَهُ الْفُرْصَةُ — أَوْ هَكَذَا خُيِّلَ إِلَيْهِ — فَسَدَّدَ ضَرْبَتَهُ، وَلَكِنْ كُلُّ مَا نَالَهُ كَانَ رِيشَةً مِنَ الْجَنَاحِ الضَّخْمِ الَّذِي أَبْقَاهُ مالك الحزين أَمَامَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْفِرَارَ، ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْمِنْقَارُ الطَّوِيلُ مَرَّتَيْنِ، فَصَرَخَ فِي أَلَمٍ. وَهَكَذَا رَاحَا يَتَعَارَكَانِ، حَتَّى أَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مَكْسُوَّةً بِالرِّيشِ، وَأَنْهَكَهُمَا التَّعَبُ. ثُمَّ طَارَ الصَّقْرُ أبيض الذيل الْعَجُوزُ مُبْتَعِدًا فَوْقَ الْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ فِي بُطْءٍ وَأَلَمٍ، بَيْنَمَا طَارَ مالك الحزين مُتَثَاقِلًا بِأَجْنِحَةٍ مُمَزَّقَةٍ شَعْثَاءَ إِلَى أَسْفَلِ الْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ مُتَّجِهًا إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، وَكِلَاهُمَا غَاضِبٌ مُتَيَبِّسُ الْعَضَلَاتِ وَمَا زَالَ جَائِعًا.

«يَا إِلَهِي! يَا إِلَهِي! يَا لَفَظَاعَةِ الْغَضَبِ وَقِلَّةِ جَدْوَاهُ!» قَالَهَا الْجَدُّ ضفدع، وَهُوَ يَعُودُ لِيَعْتَلِيَ وَرَقَةَ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءَ الْكَبِيرَةَ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.