الفصل السابع

فَمُ الْجَدِّ ضفدع الْكَبِيرُ يُوقِعُهُ فِي الْمَتَاعِبِ

الْجَدُّ ضفدع فَمُهُ كَبِيرٌ جِدًّا، أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ، الْجَمِيعُ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وَكَثِيرًا مَا هَزَأَ أَصْدِقَاؤُهُ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ وَالْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ وَالْمُرُوجِ الْخَضْرَاءِ مِنْ حَجْمِ فَمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُعِرْ ذَلِكَ أَدْنَى اهْتِمَامٍ، وَلَا أَيَّ اهْتِمَامٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ فَقَدْ تَعَلَّمَ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ أَنَّ الْفَمَ الْكَبِيرَ مُفِيدٌ جِدًّا فِي صَيْدِ الذُّبَابِ الْأَخْضَرِ الْأَحْمَقِ، خَاصَّةً عِنْدَمَا يُصَادِفُ أَنْ تَظْهَرَ اثْنَتَانِ مَعًا؛ لِذَلِكَ هُوَ فَخُورٌ بِفَمِهِ الْكَبِيرِ، تَمَامًا مِثْلَمَا هُوَ فَخُورٌ بِعَيْنَيْهِ الْجَاحِظَتَيْنِ.

وَلَكِنْ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ يُوقِعُهُ فَمُهُ الْكَبِيرُ فِي الْمَتَاعِبِ، كَعَادَةِ الْأَفْوَاهِ الْكَبِيرَةِ؛ فَسِعَتُهُ كَبِيرَةٌ حَتَّى إِنَّهُ يَجْعَلُهُ نَهِمًا أَحْيَانًا؛ فَهُوَ يَحْشُوهُ عَنْ آخِرِهِ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ مَعِدَتُهُ قَدِ امْتَلَأَتْ بِالْفِعْلِ لِأَقْصَى سِعَتِهَا، وَبِالطَّبْعِ حِينَئِذٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْبَلْعِ، حِينَهَا يَبْدُو الْجَدُّ ضفدع شَدِيدَ الْحُمْقِ وَالسَّخَافَةِ وَالْبَلَاهَةِ، وَالْجَمِيعُ يَصِفُونَهُ بِالنَّهِمِ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ مَا يَكْفِي لِيَكُونَ أَعْقَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَخْجَلَ مِنْ نَفْسِهِ. رُبَّمَا هُوَ يَخْجَلُ بِالْفِعْلِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُظْهِرُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَيَكَادُ يَكُونُ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ مِنْ جَدِيدٍ مَتَى سَنَحَتْ لَهُ الْفُرْصَةُ.

وَقَدْ حَدَثَ أَنَّهُ ذَاتَ صَبَاحٍ، عِنْدَمَا كَانَ الْجَدُّ ضفدع قَدْ تَنَاوَلَ إِفْطَارًا جَيِّدًا جِدًّا مِنَ الذُّبَابِ الْأَخْضَرِ الْأَحْمَقِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي حَاجَةٍ لِأَيِّ طَعَامٍ آخَرَ؛ ظَهَرَ أَمَامَهُ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو، الَّذِي كَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ لِلصَّيْدِ. كَانَ قَدْ أَكَلَ قَدْرَ طَاقَتِهِ، وَبَدَأَ يَسْبَحُ حَامِلًا مَا تَبَقَّى مِنْ صَيْدِهِ إِلَى مَخْبَأٍ سِرِّيٍّ أَعْلَى الْجَدْوَلِ الضَّاحِكِ.

وَإِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَيَرُوقُ لَهُ كَثِيرًا تَنَاوُلُ السَّمَكِ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْيِيرِ، وَعِنْدَمَا رَأَى السَّمَكَاتِ الَّتِي كَانَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو يَحْمِلُهَا، لَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَسَالَ لُعَابُهُ رَغْمَ مَعِدَتِهِ الْمَلْأَى.

حَيَّاهُ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو قَائِلًا: «صَبَاحُ الْخَيْرِ أَيُّهَا الْجَدُّ ضفدع! هَلْ تَنَاوَلْتَ إِفْطَارَكَ؟»

أَرَادَ الْجَدُّ ضفدع أَنْ يُجِيبَهُ بِالنَّفْيِ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ الْحَقِيقَةَ دَائِمًا، فَأَجَابَ: «نَ … نَعَمْ، لَقَدْ تَنَاوَلْتُ إِفْطَارًا خَفِيفًا. لِمَاذَا تَسْأَلُ؟»

«كَلَّا، لَا يُوجَدُ سَبَبٌ مُحَدَّدٌ، فَقَطْ خَطَرَ بِبَالِي أَنَّكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ تَنَاوَلْتَ إِفْطَارَكَ، فَلَرُبَّمَا تَرْغَبُ فِي سَمَكَةٍ. وَلَكِنْ بِمَا أَنَّكَ قَدْ تَنَاوَلْتَهُ، فَلَنْ تَرْغَبَ فِيهَا طَبْعًا.» قَالَهَا جو وَقَدْ بَدَأَتْ عَيْنَاهُ اللَّامِعَتَانِ تَبْرُقَانِ، وَأَبْرَزَ السَّمَكَاتِ لِكَيْ يَرَى الْجَدُّ ضفدع كَمْ هِيَ سَمِينَةٌ وَمُشَهِّيَةٌ.

قَالَ الْجَدُّ ضفدع مُتَعَجِّبًا: «نَقْ نَقْ! إِنَّهَا سَمَكَاتٌ شَهِيَّةٌ جِدًّا وَلَا شَكَّ، هَذَا أَكِيدٌ. كَمْ هُوَ لَطِيفٌ مِنْكَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي عَجُوزٍ مِسْكِينٍ مِثْلِي! وَأَنَا … مممم … رُبَّمَا أَجِدُ مَكَانًا لِسَمَكَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا فَحَسْبُ، إِنْ كَانَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَنْ وَاحِدَةٍ.»

كَانَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو يَعْلَمُ مَدَى شَرَاهَةِ الْجَدِّ ضفدع، وَقَدْ نَظَرَ إِلَى مِعْطَفِ الْجَدِّ ضفدع ذِي اللَّوْنَيْنِ الْأَبْيَضِ وَالْأَصْفَرِ، وَرَأَى أَنَّهُ كَانَ مُمْتَلِئًا بِالْفِعْلِ عَنْ آخِرِهِ حَتَّى كَادَ يَنْفَجِرُ. ازْدَادَ الْبَرِيقُ فِي عَيْنَيْهِ شَقَاوَةً عَنْ ذِي قَبْلُ وَهُوَ يَقُولُ: «بِالطَّبْعِ. وَلَكِنَّنِي لَنْ أُفَكِّرَ أَبَدًا فِي إِعْطَاءِ صَدِيقٍ عَزِيزٍ مِثْلِكَ سَمَكَةً صَغِيرَةً جِدًّا.»

وَهَكَذَا الْتَقَطَ جو أَكْبَرَ سَمَكَةٍ لَدَيْهِ وَقَذَفَهَا لِلْجَدِّ ضفدع. هَبَطَتِ السَّمَكَةُ بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْفِ الْجَدِّ ضفدع مُطْلِقَةً رَذَاذًا كَثِيرًا، وَكَانَتْ مُقَارِبَةً لِنِصْفِ حَجْمِ الْجَدِّ ضفدع نَفْسِهِ. كَانَتْ سَمِينَةً وَبَدَتْ مُغْرِيَةً جِدًّا بِحَيْثُ نَسِيَ الْجَدُّ ضفدع كُلَّ شَيْءٍ عَنْ مَعِدَتِهِ الْمُمْتَلِئَةِ، لَقَدْ نَسِيَ حَتَّى أَنْ يَكُونَ مُهَذَّبًا وَيَشْكُرَ ثَعْلَبَ الْمَاءِ الصَّغِيرَ جو؛ فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ كَانَ أَنْ فَتَحَ فَمَهُ الْكَبِيرَ وَاخْتَطَفَ السَّمَكَةَ. نَعَمْ، هَذَا مَا فَعَلَهُ بِالضَّبْطِ، وَفِي لَمْحِ الْبَصَرِ كَانَ رَأْسُ السَّمَكَةِ قَدْ بَدَأَ يَنْزِلُ فِي حَلْقِ الْجَدِّ ضفدع.

وَكَمَا تَعْلَمُونَ، فَإِنَّ الْجَدَّ ضفدع لَا يَمْلِكُ أَسْنَانًا؛ وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ قَضْمَ الْأَشْيَاءِ لِقَطْعِهَا إِلَى نِصْفَيْنِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَلِعَهَا كَامِلَةً، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا بَدَأَ فِعْلَهُ بِالسَّمَكَةِ. كَانَتِ الْأُمُورُ عَلَى مَا يُرَامُ حَتَّى وَصَلَ الرَّأْسُ إِلَى مَعِدَتِهِ، وَلَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضَعَ شَيْئًا فِي مَكَانٍ مُمْتَلِئٍ بِالْفِعْلِ، وَمَعِدَةُ الْجَدِّ ضفدع كَانَتْ مُمْتَلِئَةً عَنْ آخِرِهَا بِالذُّبَابِ الْأَخْضَرِ الْأَحْمَقِ، وَهُنَاكَ عَلِقَتِ السَّمَكَةُ. وَبِقَدْرِ مَا حَاوَلَ الْجَدُّ ضفدع أَنْ يَزْدَرِدَ السَّمَكَةَ وَيَبْتَلِعَهَا، لَمْ يُفْلِحْ فِي إِنْزَالِهَا قَيْدَ أُنْمُلَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَحَاوَلَ إِخْرَاجَهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ كَثِيرًا فِي حَلْقِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ إِخْرَاجَهَا، وَحِينَهَا بَدَأَ الْجَدُّ ضفدع يَخْتَنِقُ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.