الفصل الثامن

السُّلَحْفَاةُ سبوتي يَلْعَبُ دَوْرَ الطَّبِيبِ

مَا أَبْغَضَ النَّهَمَ مِنْ صِفَةٍ
يُجْمِعُ عَلَيْهَا كُلُّ مَنْ يَرَى!

فِي الْبِدَايَةِ، رَاحَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو يَضْحَكُ بِشِدَّةٍ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى ضِفَّةِ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، حَتَّى كَادَ يُفْرِغُ مَا بِمَعِدَتِهِ وَهُوَ يُشَاهِدُ الْجَدَّ ضفدع يُحَاوِلُ ابْتِلَاعَ سَمَكَةٍ فِي نَفْسِ حَجْمِهِ تَقْرِيبًا، فِي حِينِ كَانَ مِعْطَفُهُ ذُو اللَّوْنَيْنِ الْأَبْيَضِ وَالْأَصْفَرِ مَحْشُوًّا عَنْ آخِرِهِ بِالْفِعْلِ بِالذُّبَابِ الْأَخْضَرِ الْأَحْمَقِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ فِيهِ مَكَانٌ لِشَيْءٍ آخَرَ. وَكَانَ مِثْلُ هَذَا النَّهَمِ سَيُثِيرُ اشْمِئْزَازَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُضْحِكًا إِلَى هَذَا الْحَدِّ، أَوْ إِنَّهُ كَانَ مُضْحِكًا فِي الْبِدَايَةِ؛ إِذْ عَلِقَتِ السَّمَكَةُ، وَذَيْلُهَا يَتَدَلَّى خَارِجَ فَمِ الْجَدِّ ضفدع الْكَبِيرِ. رَاحَ الْجَدُّ ضفدع يَنْتَفِضُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ، مُحَاوِلًا بَلْعَهَا بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، وَوَقَعَ مَرَّتَيْنِ مِنْ عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ مُطْلِقًا رَذَاذًا مِنَ الْمِيَاهِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَعْتَلِيهَا مِنْ جَدِيدٍ فِي صُعُوبَةٍ وَيُدِيرُ عَيْنَيْهِ الْجَاحِظَتَيْنِ الْكَبِيرَتَيْنِ فِي مُنَاشَدَةٍ صَامِتَةٍ لِثَعْلَبِ الْمَاءِ الصَّغِيرِ جو حَتَّى يَأْتِيَ لِنَجْدَتِهِ.

وَلَكِنَّ جو كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي الضَّحِكِ مُمْسِكًا بِجَانِبَيْهِ، وَلَمْ يُدْرِكْ أَنَّ الْجَدَّ ضفدع فِي وَرْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، ثُمَّ جَاءَ الْمِنْكُ بيلي وَفَأْرُ الْمِسْكِ جيري، وَفَوْرَ رُؤْيَتِهِمَا لِلْجَدِّ ضفدع، بَدَآ فِي الضَّحِكِ هُمَا أَيْضًا. ظَلَّا يَضْحَكَانِ وَيَضْحَكَانِ حَتَّى دَمَعَتْ أَعْيُنُهُمَا، وَرَاحَا يَتَدَحْرَجَانِ عَلَى الْأَرْضِ بِجَانِبِ الْبِرْكَةِ وَيَرْكُلَانِ بِأَقْدَامِهِمَا فِي الْهَوَاءِ مِنْ فَرْطِ اسْتِمْتَاعِهِمَا بِالْمَنْظَرِ؛ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ أَطْرَفَ شَيْءٍ رَأَيَاهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا.

قَالَ الْمِنْكُ بيلي لَاهِثًا: «هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا النَّهَمِ فِي حَيَاتِكَ؟»

وَهَتَفَ ثَعْلَبُ الْمَاءِ الصَّغِيرُ جو: «لِمَاذَا لَا تَشُدُّهَا خَارِجَ فَمِكَ ثُمَّ تُعِيدُ الْمُحَاوَلَةَ؟»

كَانَ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُحَاوِلُ الْجَدُّ ضفدع فِعْلَهُ، عَلَى الْأَقَلِّ كَانَ يُحَاوِلُ شَدَّ السَّمَكَةِ خَارِجَ فَمِهِ، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ أَدْنَى رَغْبَةٍ فِي أَنْ يُحَاوِلَ ابْتِلَاعَهَا مَرَّةً أُخْرَى، بَلْ بَدَا لَهُ حِينَهَا أَنَّهُ لَنْ يَرْغَبَ فِي رُؤْيَةِ سَمَكَةٍ أُخْرَى طَوَالَ حَيَاتِهِ. وَلَكِنَّ يَدَيِ الْجَدِّ ضفدع لَمْ تُخْلَقَا لِلْإِمْسَاكِ بِالْأَشْيَاءِ الزَّلِقَةِ، وَذَيْلُ السَّمَكَةِ زَلِقٌ جِدًّا فِعْلًا. حَاوَلَ أَوَّلًا بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وَأَخِيرًا بِالِاثْنَتَيْنِ مَعًا، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ. لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُزَحْزِحَ السَّمَكَةَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ لَفْظَهَا مِنْ حَلْقِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ تَوَغَّلَتْ فِيهِ كَثِيرًا بِحَيْثُ لَمْ يَعُدْ لَفْظُهَا مُمْكِنًا. وَكُلَّمَا حَاوَلَ إِمْسَاكَ ذَلِكَ الذَّيْلِ الْمُمَوَّجِ بِيَدَيْهِ، بَدَا مُضْحِكًا أَكْثَرَ، وَاشْتَدَّ ضَحِكُ ثَعْلَبِ الْمَاءِ الصَّغِيرِ جو وَالْمِنْكِ بيلي وَفَأْرِ الْمِسْكِ جيري، كَانُوا يُصْدِرُونَ جَلَبَةً عَالِيَةً جَعَلَتِ السُّلَحْفَاةَ سبوتي — الَّذِي كَانَ يَتَشَمَّسُ عَلَى طَرْفِ جِذْعِ شَجَرَةٍ قَدِيمٍ — يَنْزَلِقُ فِي الْمَاءِ وَيَتَّجِهُ نَحْوَهُمْ لِيَعْرِفَ سَبَبَ تِلْكَ الضَّوْضَاءِ كُلِّهَا.

وَإِنَّ السُّلَحْفَاةَ سبوتي شَدِيدُ الْبُطْءِ عَلَى الْيَابِسَةِ، وَلَكِنَّهُ سَبَّاحٌ مَاهِرٌ؛ فَأَسْرَعَ حَتَّى لَا يَفُوتَهُ الْمَرَحُ. فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لَمْ يَرَ الْجَدَّ ضفدع.

فَسَأَلَهُمْ: «عَلَامَ تَضْحَكُونَ؟»

فَاكْتَفَى جو بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْجَدِّ ضفدع، وَكَانَ جو عَاجِزًا عَنِ الْكَلَامِ مِنْ فَرْطِ الضَّحِكِ. نَظَرَ سبوتي نَاحِيَةَ وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ وَبَدَأَ فِي الضَّحِكِ هُوَ الْآخَرُ، ثُمَّ رَأَى دُمُوعًا غَزِيرَةً تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيِ الْجَدِّ ضفدع وَسَمِعَ أَصْوَاتَ اخْتِنَاقٍ خَافِتَةً؛ فَتَوَقَّفَ عَنِ الضَّحِكِ وَسَبَحَ نَحْوَ الْجَدِّ ضفدع بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُهُ. تَسَلَّقَ وَرَقَةَ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءَ الْكَبِيرَةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَمَدَّ عُنُقَهُ لِيَقْبِضَ عَلَى طَرْفِ ذَيْلِ السَّمَكَةِ بِفَمِهِ الشَّبِيهِ بِالْمِنْقَارِ، ثُمَّ اعْتَدَلَ السُّلَحْفَاةُ سبوتي فِي مَوْضِعِهِ وَرَاحَ يَجْذِبُ، وَاعْتَدَلَ الْجَدُّ ضفدع فِي مَوْضِعِهِ وَرَاحَ يَجْذِبُ نَفْسَهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ. طَشْ! وَقَعَ الْجَدُّ ضفدع عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْ وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ. وَطَشْ! وَقَعَ السُّلَحْفَاةُ سبوتي عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ عَلَى النَّاحِيَةِ الْمُقَابِلَةِ، وَطَفَتِ السَّمَكَةُ الَّتِي سَبَّبَتْ تِلْكَ الْمَتَاعِبَ كُلَّهَا عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ.

«شُكْرًا لَكَ! شُكْرًا لَكَ!» قَالَهَا الْجَدُّ ضفدع لَاهِثًا، وَهُوَ يَزْحَفُ بِوَهَنٍ عَائِدًا فَوْقَ وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ، وَأَرْدَفَ: «لَوْ كُنْتَ تَأَخَّرْتَ دَقِيقَةً أُخْرَى، لَكُنْتُ اخْتَنَقْتُ حَتَّى الْمَوْتِ.»

رَدَّ السُّلَحْفَاةُ سبوتي قَائِلًا: «لَا تَقُلْ ذَلِكَ.»

فَوَعَدَهُ الْجَدُّ ضفدع قَائِلًا: «لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا أَبَدًا.»

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.