الفصل التاسع

الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ يَزُورُ الْجَدَّ ضفدع

الْجُدُّ ضفدع وَالْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ ابْنَا عُمُومَةٍ، بِالطَّبْعِ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ أَحَدٌ، الْجَمِيعُ يَعْرِفُونُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّهُمَا وُلِدَا فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ. نَعَمْ، وُلِدَا فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ؛ لَقَدْ وُلِدَا فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. كَانَ لِكِلَيْهِمَا ذَيْلٌ طَوِيلٌ وَلَمْ يَمْتَلِكَا رِجْلَيْنِ لِبَعْضِ الْوَقْتِ، وَكَانَا يَلْعَبَانِ وَيَسْبَحَانِ مَعًا دُونَ الذَّهَابِ إِلَى الشَّاطِئِ مُطْلَقًا، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُمَا فِي صِغَرِهِمَا لَمْ يَكُونَا يَسْتَطِيعَانِ الْعَيْشَ خَارِجَ الْمَاءِ، وَكَانَ مَنْ يَرَاهُمَا لَا يَسْتَطِيعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا وَيُطْلِقُ عَلَيْهِمَا الِاسْمَ ذَاتَهُ: الشَّرَاغِفَ أَوْ فِرَاخَ الضَّفَادِعِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا نَضِجَا كِفَايَةً لِيَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا رِجْلَانِ وَصَارَ بِإِمْكَانِهِمَا الْعَيْشُ دُونَ ذَيْلٍ، افْتَرَقَا.

فَالْحِكَايَةُ وَمَا فِيهَا أَنَّ الْجَدَّ ضفدع (بِالطَّبْعِ لَمْ يَكُنْ جَدًّا حِينَهَا) أَحَبَّ الْبِرْكَةَ الْبَاسِمَةَ كَثِيرًا بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعْ تَخَيُّلَ تَرْكِهَا. كَانَ قَدْ سَمِعَ كُلَّ شَيْءٍ عَنِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ وَمَدَى رَوْعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَيُّ مَكَانٍ أَجْمَلَ مِنَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، وَهَكَذَا قَرَّرَ أَنْ يَعِيشَ فِيهَا دَائِمًا.

أَمَّا الْعُلْجُومُ فَمَا كَادَ يَتَخَلَّصُ مِنْ ذَيْلِهِ حَتَّى أَدَارَ ظَهْرَهُ لِلْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ وَانْطَلَقَ لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ. لَمْ يَجِدِ الْجَدُّ ضفدع مَا يَقُولُهُ لِيُقْنِعَهُ بِالْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ، وَرَحَلَ الْعُلْجُومُ، وَهُوَ لَا يَزَالُ صَغِيرًا جِدًّا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الِاخْتِبَاءُ تَحْتَ وَرَقَةِ بِرْسِيمٍ، وَلَمْ يَتَوَقَّعِ الْجَدُّ ضفدع أَنْ يَرَاهُ ثَانِيَةً، وَلَكِنَّهُ رَآهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مُرُورِ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا جِدًّا. وَعِنْدَمَا عَادَ، كَانَ قَدْ كَبِرَ كَثِيرًا حَتَّى إِنَّ الْجَدَّ ضفدع تَعَرَّفَهُ بِصُعُوبَةٍ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ. وَعَلَى الْفَوْرِ بَدَأَ بَيْنَهُمَا جِدَالٌ اسْتَمَرَّ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، حَوْلَ مَا إِذَا كَانَ الْأَفْضَلَ الْخُرُوجُ إِلَى الْعَالَمِ الْكَبِيرِ أَمِ الْبَقَاءُ فِي مَوْطِنِ الطُّفُولَةِ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَأَكِّدًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى هَذَا الْيَوْمِ.

وَكُلَّمَا زَارَ الْعُلْجُومُ الْجَدَّ ضفدع — كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ — يَتَجَادَلَانِ وَيَتَجَادَلَانِ حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ الْقَدِيمِ نَفْسِهِ. وَحَدَثَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَادَ فِيهِ الْجَدُّ ضفدع يَخْتَنِقُ حَتَّى الْمَوْتِ؛ فَقَدْ سَمِعَ الْعُلْجُومُ عَمَّا حَدَثَ مِنْ إِحْدَى النَّسَمَاتِ الرَّقِيقَةِ الْمَرِحَةِ بَنَاتِ الرِّيَاحِ الْغَرْبِيَّةِ الْعَجُوزِ، وَفِي الْحَالِ تَوَجَّهَ إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَى الْجَدِّ ضفدع، وَلِيُعْرِبَ لَهُ عَنْ سَعَادَتِهِ بِمَجِيءِ السُّلَحْفَاةِ سبوتي فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِيُخْرِجَ السَّمَكَةَ مِنْ حَلْقِ الْجَدِّ ضفدع.

الْحَقِيقَةُ أَنَّهُ طَوَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَ عَلَى الْجَدِّ ضفدع أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى تَعْلِيقَاتٍ سَمِجَةٍ عَنْ شَرَهِهِ؛ فَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ فُرْصَةً لَا تُعَوَّضُ لِإِغَاظَتِهِ اسْتَغَلَّهَا جَمِيعُ مَنْ حَوْلَ الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ. فِي الْبِدَايَةِ تَقَبَّلَهَا الْجَدُّ ضفدع بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَلَكِنْ بَعْدَ فَتْرَةٍ بَدَأَ يَشْعُرُ بِالضِّيقِ، وَحِينَ وَصَلَ قَرِيبُهُ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ، كَانَ الْجَدُّ ضفدع مُسْتَاءً وَاكْتَفَى بِإِصْدَارِ صَوْتٍ خَفِيضٍ فِي حَلْقِهِ عِنْدَمَا أَخْبَرَهُ الْعُلْجُومُ بِسَعَادَتِهِ لِتَمَاثُلِهِ لِلشِّفَاءِ.

تَظَاهَرَ الْعُلْجُومُ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَظْ مَدَى انْزِعَاجِ الْجَدِّ ضفدع وَوَاصَلَ حَدِيثَهُ.

فَقَالَ: «لَوْ كُنْتَ عِشْتَ فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ بِقَدْرِ مَا فَعَلْتُ أَنَا، لَكُنْتَ أَدْرَكْتَ أَنَّ ثَعْلَبَ الْمَاءِ الصَّغِيرَ جو لَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ السَّمَكَةَ دُونَ سَبَبٍ.»

اسْتَشَاطَ الْجَدُّ ضفدع غَضَبًا عَلَى الْفَوْرِ، وَهَتَفَ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ خَشِنٍ: «نَقْ نَقْ! نَقْ نَقْ! عُدْ إِلَى عَالَمِكَ الْكَبِيرِ وَتَعَلَّمْ أَلَّا تَتَدَخَّلَ فِي شُئُونِ الْآخَرِينَ أَيُّهَا الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ.»

وَفِي الْحَالِ اسْتَشَاطَ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ غَضَبًا هُوَ الْآخَرُ، وَرَاحَ يُحَدِّقُ فِي الْجَدِّ ضفدع بِحَنَقٍ، وَقَدْ عَقَدَ الْغَضَبُ لِسَانَهُ، وَعِنْدَمَا اسْتَطَاعَ النُّطْقَ، قَالَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْبَغِيضَةِ، وَعَلَى الْفَوْرِ بَدَآ فِي الشِّجَارِ.

فَسَأَلَهُ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ: «مَنْ تُفِيدُ أَنْتَ غَيْرَ نَفْسِكَ، إِذْ لَمْ تَرَ شَيْئًا مِنَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ وَلَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَمَّا يَحْدُثُ حَوْلَكَ أَوْ عَمَّا يَفْعَلُهُ الْآخَرُونَ؟»

رَدَّ عَلَيْهِ الْجَدُّ ضفدع بِحِدَّةٍ قَائِلًا: «إِنَّنِي أَهْتَمُّ بِشُئُونِي الْخَاصَّةِ وَلَا أَتَدَخَّلُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، عَلَى عَكْسِ مَا يَبْدُو فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَحْلُو لَكَ كَثِيرًا الْحَدِيثُ عَنْهُ. الْحُكَمَاءُ مِنَ النَّاسِ لَدَيْهِمْ مِنَ الْخِبْرَةِ مَا يَجْعَلُهُمْ رَاضِينَ بِمَا لَدَيْهِمْ. أَنْتَ خَرَجْتَ لِلْعَالَمِ الْكَبِيرِ مُنْذُ أَنِ اسْتَطَعْتَ الْقَفْزَ، فَبِمَ أَفَادَكَ هَذَا؟ أَخْبِرْنِي! لَيْسَ لَدَيْكَ حَتَّى زِيٌّ لَائِقٌ عَلَى ظَهْرِكَ.» رَبَّتَ الْجَدُّ ضفدع عَلَى مِعْطَفِهِ ذِي اللَّوْنَيْنِ الْأَصْفَرِ وَالْأَبْيَضِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ، وَنَظَرَ بِإِعْجَابٍ إِلَى انْعِكَاسِ صُورَةِ جِلْدِهِ الْأَخْضَرِ الْجَمِيلِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ.

بَرَقَتْ عَيْنَا الْعُلْجُومِ الْعَجُوزِ غَضَبًا؛ فَكَمَا تَعْلَمُونَ، مَلَابِسُهُ عَادِيَّةٌ جِدًّا وَخَشِنَةٌ.

وَرَدَّ قَائِلًا: «إِنَّ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا شَرِيفًا لِكَسْبِ عَيْشِهِ لَا وَقْتَ لَدَيْهِ يُضَيِّعُهُ فِي الْجُلُوسِ مُتَأَنِّقًا مَزْهُوًّا بِنَفْسِهِ. لَقَدْ تَعَلَّمْتُ فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْكُسَالَى لَا يُفْلِحُونَ، وَأَنَا لَدَيَّ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أَخْتَنِقَ حَتَّى الْمَوْتِ.»

كَادَ الْجَدُّ ضفدع يَخْتَنِقُ مُجَدَّدًا مِنْ فَرْطِ غَضَبِهِ؛ فَقَدْ كَانَتْ مُلَاحَظَاتُ الْعُلْجُومِ الْعَجُوزِ تَمَسُّ وَتَرًا حَسَّاسًا لِلْغَايَةِ، وَلَا أَحَدَ يُحِبُّ مِثْلَ تِلْكَ الْمُلَاحَظَاتِ عِنْدَمَا تَكُونُ غَيْرَ لَطِيفَةٍ، خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةً. بَذَلَ الْجَدُّ ضفدع قُصَارَى جُهْدِهِ فِي التَّفْكِيرِ فِي رَدٍّ لَاذِعٍ، حِينَ صَاحَ الطَّائِرُ أحمر الجناح الَّذِي كَانَ قَابِعًا عَلَى قِمَّةِ شَجَرَةِ الْجَوْزِ الْكَبِيرَةِ: «هَا قَدْ أَتَى ابْنُ الْمُزَارِعِ براون!»

نَسِيَ الْجَدُّ ضفدع غَضَبَهُ وَبَدَا عَلَيْهِ الْقَلَقُ، وَاضْطَرَبَ فِي جِلْسَتِهِ عَلَى وَرَقَةِ الزَّنْبَقِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ وَاسْتَعَدَّ لِلْغَوْصِ فِي الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ، فَقَدْ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ جَيْبُ ابْنِ الْمُزَارِعِ براون مَمْلُوءًا بِالْأَحْجَارِ كَمَا يَكُونُ عَادَةً عِنْدَمَا يَأْتِي إِلَى الْبِرْكَةِ الْبَاسِمَةِ.

لَمْ يَبْدُ عَلَى الْعُلْجُومِ الْعَجُوزِ أَيُّ اضْطِرَابٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ إِنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ حَوْلَهُ حَتَّى بَحْثًا عَنْ مَكَانٍ لِلِاخْتِبَاءِ، فَقَطْ جَلَسَ سَاكِنًا وَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ.

صَاحَ الْجَدُّ ضفدع: «جَدِيرٌ بِكَ أَنْ تَأْخُذَ حِذْرَكَ، وَإِلَّا فَلَنْ تَزُورَ الْبِرْكَةَ الْبَاسِمَةَ مَرَّةً أُخْرَى.»

رَدَّ الْعُلْجُومُ الْعَجُوزُ قَائِلًا: «آهْ، لَسْتُ خَائِفًا، فَابْنُ الْمُزَارِعِ براون صَدِيقِي، وَأَنَا أُسَاعِدُهُ فِي حَدِيقَتِهِ، وَإِنَّ تَكْوِينَ الصَّدَاقَاتِ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.»

قَالَ الْجَدُّ ضفدع: «نَقْ نَقْ! أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ …»

لَكِنَّ الْعُلْجُومَ الْعَجُوزَ لَمْ يَعْرِفْ قَطُّ مَا أَرَادَهُ أَنْ يَعْرِفَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَذَاكَ وَقَعَ بَصَرُ الْجَدِّ ضفدع عَلَى ابْنِ الْمُزَارِعِ براون، فَغَطَسَ فِي الْبِرْكَةِ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى لِيُوَدِّعَهُ.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.