ثانيًا: العلوم التراثية ومعوقات العمل السياسي

ينقسم التراثُ إلى مجموعات ثلاث من العلوم: العلوم النقلية الخالصة، والعلوم النقلية العقلية، والعلوم العقلية الخالصة. ولكلٍّ منها أثرُه في العمل السياسي على درجات متفاوتة طبقًا لمدى رسوخها في وعينا القومي. فقد عاشت العلوم النقلية والعلوم النقلية العقلية في وجداننا، وترسبَت فيه بدرجة كبيرة، بينما اختفى أثر العلوم العقلية من وعينا القومي في حين أنها انتقلت، من خلال الترجمة، إلى وجدان الغرب، وساهمت في نهضته الحديثة، وكانت وراء تكوين الوعي الأوروبي بأبعاده الثلاثة؛ العقلي، والعلمي، والإنساني.

(١) العلوم النقلية

العلوم النقلية الموروثة خمسة: القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، والفقه. كلٌّ منها تحققٌ ثانٍ للذي قبله، فالحديث تحققٌ ثانٍ وتخصيصٌ للقرآن وبيانٌ لأوجه تطبيقه. والتفسير شرح للقرآن وجمعُ أكبر قدر ممكن من المعلومات حوله. والسيرة تخصيص أكثر للحديث بإدخال حياة الرسول قبل البعثة بل وقبل الميلاد. أما الفقه فهو إعادة تبويب الحديث، حتى يكونَ سلوكًا للناس جميعًا؛ فهي كلها علوم مرتبطة بالوحي، ومتفاوتة بين أقصاها في العموم مثل القرآن وأقصاها في الخصوص وهو الفقه.

وقد رسَبَت هذه العلوم الخمسة في وجداننا وتراكمت في سلوك الناس على نحو سلبي أكثرَ منه إيجابيًّا. فعلوم القرآن ما زالت تتحدث عن رسم المصحف وشكله وجمعه وتدوينه، وعدد سُوَره وآياته، ونَظْمه، وهل البسملة جزءٌ منه، وقراءاته، ولهجاته وهي كلها أشياءُ خارجيةٌ محضة، مرتبطةٌ بظروف الوحي والإعلانِ عنه أولَ مرة، ولم نَعُد نحن قادرين على المساهمة فيها خاصة في القراءة والتدوين، فقد بَعُد العهد ولم يعد أحدٌ منا معاصرًا لنزول الوحي كما كان القدماء شاهِدي عيان له. ولكننا نستطيع أن نجد دلالات معاصرة لبعض موضوعاته تُساعد على حل بعض القضايا التي تعرض لنا ونحن بصدَدِ موضوع التغير الاجتماعي أو العمل السياسي. فمثلًا موضوع المكي والمدني هو بالنسبة لنا يدل على أن أي نسَق مذهبي إنما يشمل بالضرورة قسمَين: التصور والنظام، العقيدة والشريعة. فالمكيُّ أعطى التصورَ والمدنيُّ استنبط النظام، فلا عقيدة إذن بلا شريعة، ولا شريعة بلا عقيدة، وبالتالي يُحسَم الخلاف بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية حول الإسلام دين ودولة، أم دين دون دولة، كما أن موضوع «أسباب النزول» إنما يعني بالنسبة لنا أن الواقعَ سابقٌ على الفكر، وأن الوحي لا ينزل إلا بعد وقوع مشكلة اجتماعية تتطلب حلًّا لم يهتدِ إليه جلُّ الناس أو اهتدى إليه البعض ببداهته وفطرته. فالواقع يُنادي الفكرَ والفكرُ يفرض نفسه على الواقع. الهدف من الوحي هو حل المشاكل الاجتماعية وليس غِطاءً معرفيًّا نظريًّا للعالم، معرفة من أجل المعرفة. وهذا ما يُعطي فكرَنا الديني السياسيَّ المعاصر نموذجًا ومنهجًا. فلا يقرأ الوحي إلا من خلال المشاكل الاجتماعية، ولا نصائح نظرية سياسية إلا من خلال المواقف الإنسانية والتحديات الأساسية التي تُواجه كل مجتمع. أما الناسخ والمنسوخ، فإن له أيضًا دلالةً حديثة فيما يتعلق بالزمان والتطور، وإعادة صياغة التشريعات والقوانين طبقًا للقدرات الإنسانية. فلا جمود في التشريع، وأن القانون وُضِع لصالح الإنسان، وليس الإنسان لصالح القانون.

أما «علوم الحديث» فقد أتقن القدماء مناهج الرواية وفصَّلوا في طرقها من أجل التحقق من صحة الحديث من خلال السند. وأسسوا لذلك علومًا مساعدة مثل علم الجَرح والتعديل أو علم ميزان الرجال. أما نحن فقد بَعُد علينا العهد، ولم نَعُد في مثل قدرة القدماء في التعرُّف على الرواة. ولكننا قادرون على نقد «المتن» وتحكيم الحس والعقل والمصلحة في الرواية، خاصة وأن من شروط التواتر الاتفاقَ مع الحس ومجرى العادات. وبالتالي يخفُّ أثر الأحاديث «الغيبية» عن النفوس، وكل ما يُعارض العقل، ويُناهض المصلحة. فنفرض واقعَنا على الرواية، وبالتالي نكون قد قدَّمنا نقْدَ المضمون كما قدَّم القدماءُ نقد الشكل، فكثيرٌ من الأحاديث تُؤثر في حياتنا السياسية مثل حديث «الفرقة الناجية» الذي يُكفِّر كل اجتهادات الأمة ولا يقبل إلا رأيًا واحدًا هو رأي السلطة القائمة التي تُمثِّل «الفرقة الناجية».

و«علوم التفسير» في حاجة أيضًا إلى إعادة نظر، ليس المطلوبُ هو التفسيرَ «الطولي» للقرآن، جزءًا بعد جزء، حزبًا إثْرَ حزب، سورةً بسورة، وآيةً بآية، وجمع أكبر قدرٍ ممكن من المعلومات «التاريخية» عن الحوادث والشخصيات التي يتعرض لها القرآن، فليس الوحي حوادثَ بل مَعانٍ، وليس وقائعَ بل ماهيَّات. كما أن التفسير الطولي تجزئة للموضوع الواحد، وبعثرةٌ لبنائه، إنما الذي يُفيد في العمل السياسي هو البحث عن المعاني والدلالات، وتعميمها في كل عصر، وليس الوقائع التاريخية المحددة. كما أن المفيد هو التفسير الموضوعي الذي يجمع الآياتِ كلَّها حول موضوع واحد؛ مثل المساواة، المال، العدل، الظلم، الحكم، الأمة، الوحدة؛ حتى يُمكن التعرف على نظريات التراث التي ما زالت تفعل إيجابًا أم سلبًا في وجدان الناس. ولا تفسير إلا من خلال مصالح الأمة، وهو التفسير الأصولي لا الكلامي أو الفلسفي أو الفقهي أو الصوفي أو اللغوي أو الأدبي. فقد أتى الوحي حفاظًا على مصالح الناس. ومن ثم يُقرَأ القرآن من خلال مصالح الناس، وتُرى مصالح الناس داخل السور والآيات. وبالتالي ينشأ تفسير سياسي اجتماعي اقتصادي يكون هو البديلَ عن الأيديولوجية العلمانية.١

أما علوم «السيرة» فإنها تتعرض لشخص النبي، ولكل جوانب حياته، ما قبل الميلاد، وما قبل البعثة، وربما ما بعد الموت. وبالتالي «تُشخص» الوحي في النبي مع أن النبي مجرد وسيلة لإبلاغ الوحي. وربما كان هذا هو سبب التشخيص في حياتنا السياسية، تحوُّل الحكم إلى شخص، والمبدأ إلى سيرة، والفكرة إلى زعامة. فلا فرق بين الاحتفال بالمولد النبوي وبين الاحتفال بميلاد الملك، فكلاهما تشخيص للأعياد الوطنية. تتشخَّص المؤسسات الاجتماعية والسياسية، بل وتتشخَّص دولٌ بأكملها، فهذه دولة الحسَن وهذه دولة الحُسَين، وتضيع الأمم. خاصة وأن السيرة فيها الغيبي المعجز وفيها العقلي البديهي، والأول هو الذي يشد انتباه العامة. لذلك، أصبح الزعيم السياسي أيضًا معجزًا في أقواله وأفعاله، معصومًا في أخطائه، يتعبَّده الناس أو كادوا.

أما علوم «الفقه» القديمة فإن طابَع العبادات هو الغالب عليها؛ نظرًا لقرب عهدها بالدين الجديد وشعائره. ولكن بعد أن استقرَّت وعُرِفت ومارسَها الناس لم تعد الأركان الخمسة محور الفقه، أي العبادات، بل المعاملات في الزراعة والصناعة والتجارة، وفي الأجور والقيمة والاستثمار. فأثَّر الفقه القديم في العمل السياسي بأنْ ترَك الحركات الدينية تصول وتجول في العبادات، وتترك المعاملاتِ وكأنها خارج نطاق الاهتمام. فتركَت موضوعات الأرض والزراعة والعمالة والأجور يَفعل فيها الحكَّام ما يشاءون، وتقترح فيها المذاهبُ العلمانية ما تريد. أما الفقه الافتراضي القائم على افتراض حالات لم تقع فإنه حوَّل الشريعة إلى مجردِ احتمالاتٍ وخيالات لا واقع لها، وضاع منها لُبُّها وجوهرها وهو واقعيتها. فوصية إنسان بين أنياب الأسد، أو طلاق امرأة إذا جامعها زوجها في ثوبها وإن لم يُجامعها في ثوبها، أو حكم بيضة من فرخة جامعها رجل، قضايا يتبارى فيها الفقهاء في وقتٍ تُحتَلُّ فيه الأرض، وتُنهَب فيه الثروات، وتُفتَّت فيه الأمة، وتُقهَر فيه الحريات.

وربما تحتاج العلوم النقلية كلها إلى تطويرٍ بحيث تُصبح علومًا نقلية عقلية أو حتى عقلية خالصة؛ حتى يضيع أثرُ النقل من حياتنا ويتحول إلى العقل، وتضيع حُجة السلطة ويسود المنطق والبرهان.

(٢) العلوم النَّقلية العقلية

وهي أربعة: علم أصول الدين، وعلوم الحكمة، وعلوم التصوُّف، وعلم أصول الفقه. وهي العلوم التي جمعَت بين العقل والنقل، أو التي استطاع فيها العقل أن يفرض على النقل. وهي أيضًا تتفاوت فيما بينها في درجة اختراق العقل للنقل. وقد انتهت هذه العلوم منذ سبعة قرون إلى تراجُعِ قدر العقل فيها، وتحولت إلى علومٍ تَقرُب من النقلية الخالصة؛ ومِن ثَم كانت القرون السبعة الأولى تُمثل تقدمًا أكثرَ مما عليه نحن الآن. وبالتالي ساد النقلُ كلية، وأصبحنا نُعاني من غياب العقلانية ولا ندري السبب، ولا نجد إلا العقلانية الغربية طريقًا للخلاص.

(أ) علم أصول الدين

وهو أول العلوم النقلية العقلية وأخطرها على معتقدات الأمة وسلوكها؛ فهو العلم الذي يُمِدها بتصوراتها للعالم ويُعطيها أنماط سلوكها. فالعقيدة ليست مجرد إيمان انفعالي، بل هي تصور للكون على الفعل. وقد كانت القضية الأساسية في هذا العلم هي قضية «التوحيد» فقد كانت موطن الهجوم ومظانَّ الطِّعان من الديانات المعاصرة والمِلَل والنِّحَل للأمم المغلوبة، فجلد المتكلمون جهدهم كله دفاعًا عن التوحيد، فانتصر التنزيه الخالص، الله ليس كمثله شيء، ضد كل نزعات الحلول والاتحاد والتجسيم والتأليه والتشبيه الحسِّي. وتم إثبات صفاته الكاملة وقدرته اللامتناهية، وأفعاله من بعثٍ للرسل وخلقٍ للعالم وحشر للأجساد، وحسابٍ وعقاب. ولكن استعملت النظم السياسية القائمة هذا التصوُّر «المطلقي» Absolutist للعلم لحسابها الخاص وبدافع سياسي خالص. فما أسهلَ ما أن ينزلق الحاكم وراء صورة الإله المطلق فيتشبَّه به، ويأخذ صفاته، ويستعير أفعاله فيُصبح الحاكم مطلقًا مثل الله، وأفعاله واجبة الطاعة مثل أفعال الله.
أما اليوم فالموقف مختلف تمامًا: انتصر التوحيد، ولم يعد هناك من يظن أن الله ثالثُ ثلاثةٍ أو مَن يعتقد أنه هذا الشخص أو هذا الجبل أو هذا النجم أو الكوكب أو الشمس أو القمر أو اللاتَ أو العُزَّى. إنما الخطر الآن في الأرض واحتلالها، والثروات ونهبها، والحريات وقهرها، ووحدة الأمة وتجزئتها، وهويتها واستغرابها. ومن ثَم يُمكن إعادة صياغة علم أصول الدين طبقًا لظروف العصر؛ فالله في السماء وفي الأرض وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف: ٨٤]، والذي يستولي على الأرض فإنما يستولى على نصف الله، فالله «إله السموات والأرض»، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وهنا يتحول الناس إلى إيمان بالأرض قدر إيمانهم بالله، ويصبح تصور الله ذا مضمونٍ وليس تصورًا فارغًا في مقابل صِهيَونية تربط بين الله والأرض، والشعب والمدينة، والمعبد والهيكل، في عقيدة الميثاق أو العهد أو أرض الميعاد، أو شعب الله المختار.٢ وإذا كان التشبيه (الأشعري) هو الذي ساد في تصورنا لله حتى قارب التشخيص، فإن التنزيه (الاعتزالي) قادرٌ على تحويل تصورنا لله إلى مبدأ عقلاني شامل ينتسب إليه الناس جميعًا، فنتحول إلى رجال مبادئ وليس إلى رجال أشخاص. وإذا كان القدماء قد استعملوا الطبيعة لإثبات وجود الله فدمَّروها وحكَموا عليها بالفناء، فإننا اليوم نستعمل تصورنا للطبيعة للتأكيد على وجود الطبيعة وإثبات استقلال قوانينها واطِّرادها. وكيف يُمكن العمل في عالم فانٍ زائل لا يبقى ولا يستمر؟ وإذا كان القدماء قد أعطَوا الأولوية للفعل الإلهي على الفعل الإنساني؛ فذلك لأن القدرة الإلهية كانت في خطر من جراء أفعال الطبيعة أو السحر أو الآلهة أو الأرواح. أما الآن فإن الفعل الإنساني في خطر من جرَّاء أفعال الحُكام وقدراتهم المطلقة والقوانين المقيِّدة للحريات. فالدفاع عن الفعل الإنساني أولى من الدفاع عن الفعل الإلهي. كما دافع القدماء عن النقل في عصر نزول الوحي وصحة الرواية في مواجهة ديانات تقوم على العقل أو الحس، أما الآن فإن العقل قد انحسر والحس قد توارى وساوى النقل، حتى أصبح سلطة بمفرده ممثلًا في قال الله أو قال الرسول أو قال الزعيم أو قال الإمام أو قال المجاهد أو قال الرئيس. في حين أن كل الحجج النقلية حتى لو تضافرت لإثبات شيء على أنه يقيني ما أثبتته، ولظل ظنيًّا، ولا يتحول إلى يقين إلا بحُجة عقلية ولو واحدة. كما دافع القدماء عن النبوة في عصرها ودليلها المعجزة في عصرها. أما نحن فنُدافع عن تحقُّق النبوة في التاريخ واكتمالها باستقلال الوعي الإنساني عقلًا وإرادة، وأن المعجزة إعجاز؛ أي تحدٍّ للإرادة البشرية على الخلق والإبداع، بدلًا من التقليد والاتباع. لقد دافع القدماء عن أمور المعاد وعن حياة الإنسان بعد الموت وخلود النفس في عصر كان الناس ينشغلون بأمور الدنيا. أما الآن فإن حياتنا بعد الموت ليست موضعَ تساؤل، ونفوسنا عامرة بالخير. إنما القضية في أمور الدنيا وفي الأبدان المعذَّبة جوعًا وعطشًا وعُريًا وعَراءً. لقد دافع القدماء عن الإيمان المتمثل في الشهادتَين لفظًا حتى يتَّسع المجال لكل الأمة. يجد كلٌّ منا فيها مكانًا. أما اليوم فإن الإيمان عاجز، والشهادتَين نُطلقهما في كل مكان لفظًا بالشِّفاه. والغائب هو العمل. ومِن ثَم نُدافع عن العمل كجوهر للإيمان وأنَّ من لا عمل له لا إيمان له. وقد يكون الخوارجُ أنسبَ لنا من المرجئة. ولقد تصور القدماء التاريخ على أنه سقوط وانهيار من الرسول إلى الصحابي إلى التابعي إلى تابعي التابعي، وكل جيل لاحقٍ أقلُّ فضلًا من الجيل السابق فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم: ٥٩]، حتى يئس الناس من التقدم، ونشأت الحركات السلفية ظانَّةً أن كل تقدم هو رجوع إلى الوراء «خيرُ القرونِ قرني»، فكيف تنهض أمة والتاريخ في وعيها سقوط وانهيار؟ لا يُمكن أن يتم عمل سياسي لإيقاظ الجماهير وإحياء عقائدهم إلا بإعادة بناء النسق العقائدي واستبدال اختيار القدماء باختيار آخر؛ نظرًا لتغير الظروف وتبدل المخاطر. أو على الأقل الاستفادة من النسق القديم على نحو يخدم القضية الاجتماعية الحاليَّة. فلا يُعقَل أن يعبد مجتمعٌ إلهًا عالمًا وهو جاهل، قادرًا وهو عاجز، حيًّا وهو ميت، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، مريدًا، وهو لا يسمع ولا يُبصر ولا يتكلم ولا يُريد! لا يُمكن أن يتم عمل سياسي دون أيديولوجية، ولا يُمكن صياغة أيديولوجية في مجتمع تراثي دون ما تحوُّلٍ لنسقه العقائدي القديم.

(ب) علوم الحكمة

وهي علوم نظرية مثل علم أصول الدين، ولكنها تُطوِّره وتُحيله إلى علومٍ يغلب عليها العقلُ أكثرَ من النقل، وتتعامل مع الحضارات الأخرى دون خوف أو تردُّد. وقد تشعَّبَت إلى حكمة منطقية وحكمة طبيعية وحكمة إلهية، دون أن تكون هناك حكمةٌ إنسانية أو حكمة تاريخية، وبالتالي غاب بُعدًا الإنسان والتاريخ من وجداننا القومي، فقامت نظُمنا السياسية بلا إنسان، لا ترعى حقوقه، ولا تدافع عن كرامته. كما أنها نظمٌ خارجَ التاريخ لا ترتبط بماضيها ولا تُخطِّط لمستقبلها. فانفصل الوعي السياسي عن حقوق الإنسان وعن الوعي التاريخي في آنٍ واحد. وتعثر العمل السياسي، واختلفت النظم في تصورها للهياكل الاجتماعية والسياسية، ولكنها اتفقت فيما بينها على تجاهل قضية الإنسان، وتجاهل المرحلة التاريخية التي تمر بها مجتمعاتنا.

أما الحكمة المنطقية فإنها لا تتعدى قواعد المنطق الصوري، منطق القضايا، ما دام منطقًا عقليًّا خالصًا لا يُعارض النقل في شيء، وقادر على أن يعصم المذهب من الوقوع في أخطاء الاستدلال أو اللغة. ولكنه لم يتحول إلى منطق جدلي تاريخي، منطق للصراع بين الأضداد، وبالتالي لم نستطع فَهْم قوانين الصراع في مجتمعاتنا الحاليَّة، وتصور السياسة على أنها تغيير نظام بنظام عن طريق الانقلاب والقفز على السلطة، أي سياسة صورية خالصة بلا جدل وبلا تاريخ، خلَت من الجماهير، واعتمدت على الزعامات أي على التصورات السلطوية وعلى المعجزات والمغامرات والمبادرات الفردية.

والحكمة الطبيعية والحكمة الإلهية بالرغم من اختلافهما إلا أنهما في نهاية الأمر تقومان على تصور ثنائي واحد للعالم. بقدر ما نُعطي الطبيعة نأخذ من الله وبقدر ما نُعطي الله نأخذ من الطبيعة. فالعلاقة بين الطبيعة والله علاقة سالب بموجب، حادث بقديم، فانٍ بباقٍ، ممكن بواجب، عدم بوجود. فدمرنا الطبيعة لحساب الله، ونظرنا إلى الله فضاعت الأرض من تحت الأقدام. وعُدنا فتصوَّرنا الطبيعة كمادة وصورة، معلول وعلة، كثير وواحد، حركة ومحرِّك، وكأننا جعلناها مجردَ سُلَّم إلى الله، ودليل عليه. أما الله فهو عقل وعاقل ومعقول، عشق وعاشق ومعشوق، جلال وبهاء وجمال، وعشقنا الطهارة كتعويض عن عالم البؤس والشقاء. وكانت غاية الإنسان الاتصال بالعقل المفارق، والاتحاد به، فتحولت الحكمة إلى تصوف وإشراق، وضاع العقل لحساب الذوق. ونحن ما زلنا في عملنا السياسي ندعو إلى العقلانية والعلم، وندعو إلى اكتشاف الطبيعة وقوانينها، وما من مجيب.

وقد تصورت علومُ الحكمة الفضائلَ النظرية أعلى من الفضائل العملية، وأن الذي يُفكر بعقله أفضلُ من الذي يعمل بيده، وبالتالي استحال في عملنا الاجتماعي الدعوةُ إلى العمل والمعاهد المتوسطة والمدارس الفنية، وترسَّب في وعينا القومي أن الجامعات أفضل من المعاهد، وأن المفكر أفضلُ من العامل، وأن الياقات البيضاء أفضل وأشرف من الياقات الزرقاء. فاحتقرنا العمل اليدوي. وأراد الكل أن يكونوا مهندسين ومشرفين وإداريين لا عمالًا منتجين، صُناعًا أو زُرَّاعًا. وفي تصور «المدينة الفاضلة»، يرأسُها الفيلسوف الحكيم أعلمُ البشر وأحكمهم وأفضلهم وأشجعهم وأنقاهم، الحاكم الأوحد، والزعيم الملهَم، والقائد الأعظم، والمجاهد الأكبر، والإمام، يتلوه مَن هم أقلُّ منه فضلًا، الوزراء والكُتَّاب، يتلوهم العمال والزرَّاع. فإذا خرجَت القاعدة أو جزء منها على القمة وجب بَترُها حتى يصح الجسد كله ببتر العضو الفاسد! أصبحت «المدينة الفاضلة» صورة اجتماعية لنظرية الفيض أو الصدور حيث يتربَّع أيضًا في قمة الكون الواحدُ، ثم يصدر عنه الثاني، ثم الثالث، حتى العاشر. وبالتالي أصبح النظام هرميًّا في المعرفة وفي الوجود وفي الأخلاق السياسة، ونتجت عن ذلك النظمُ البيروقراطية والإقطاعية والرأسمالية. واستحال أي عمل سياسي لتغيير المجتمع إلى نظم أخرى لا مركزية اشتراكية جماهيرية شعبية، طالما أن التصور الهرمي للعالم النابع من التراث الفلسفي ما زال مترسبًا في الوجدان الفردي وفي الشعور الاجتماعي.٣

(ﺟ) علوم التصوف

وهي علوم عملية في مقابل العِلمَين النظريَّين السابقَين، تهدف إلى تصفية القلب؛ فهي طريقة للوصول وليست منهجًا للاستدلال، تقوم على «التأويل» أي الرجوع إلى المصدر الأول وليس على «التنزيل» أي استنباط الأحكام من الأصول إلى الفروع. وقد نشأت هذه العلوم في بدايتها كرد فعل على التكالب على الدنيا، والصراع على السلطة، ومظاهر البذخ والترف في المجتمع الإسلامي، واليأس من التغيير، وإصلاح الناس والعودة إلى الشرعية وحياة النبوة الأولى، بعد أن استُشهِد المئات من آل البيت الخارجين على الدولة الأموية. فما دام الأمر أصبح ميئوسًا منه، وما دام إصلاح العالم أصبح طريقًا مسدودًا فالأَوْلى العكوف على الذات، وإصلاح النفس، وإنقاذ ما يُمكن إنقاذه. وفي هذا الموقف خرج حديث: «عدنا من الجهاد الأصغر (جهاد الأعداء) إلى الجهاد الأكبر» (جهاد النفس). وأصبح التصوف لهذا السبب الطريقَ الأوحد للخلاص، خلاص النفس بعد أن استعصى خلاص العالم، وإنقاذ النفس بعد أن استحال إنقاذُ الآخرين، وتصفية الداخل بعد أن استقرت الأبنية الاجتماعية والسياسية في الخارج واستحال تغييرها. فسادَ الانفعالُ دون العقل، وأصبح الهدف هو الأعلى لا الأدنى، فوق الرأس وليس تحت القدَمَين، في السماء لا في الأرض. وأصبح الطريق مقسمًا إلى مقامات؛ مثل التوبة، والصبر، والزهد، والشكر، والرضا، والقناعة، والتوكل. وكلها قيم سلبية تدعو الناس إلى الصبر والرضا والزهد في العالم والقناعة بالمقسوم كردِّ فعل على التكالب على الدنيا. كما يمر الطريق بأحوال كلها حالات نفسية بين الخوف والرجاء، الحزن والفرح، الغيبة والحضور، الصحو والسكر، الفناء والبقاء، تجعل الإنسان بين حالتَين وانفعالَين متضادَّين حتى يصل في النهاية إلى فقدان الذات والفناء في الله، أو البقاء به، فينعم بالصحبة الخيِّرة بدلًا من صحبة السوء في الدنيا، ويرضى بعد سخط، ويستسلم بعد مقاومة.

ولكن الآن تغير الظرف. لم يستشهد منا المئات خروجًا على الأئمة، ولم تُصبح المقاومة بعدُ أمرًا ميئوسًا منه، بل إننا في أعلى لحظات المقاومة (خاصة بعد معركة بيروت والغزو الصِّهيوني للُبنان)، وتغيير الأبنية السياسية والاجتماعية مُمكن، وبالتالي فقِيَمنا هي المقاومة، والجهاد، والنزال، والصمود، والتصدي، والتقدُّم، والشهادة. وأحوالنا هي الكرُّ والفرُّ، المكر والخِداع، الإقدام والإحجام، الضرب والاختفاء، وليست مقاماتِ وأحوالَ الصوفية. غايتنا ليس الفناء بل البقاء، وتكويننا ليس الرضى والاستسلام بل الغضب والثورة. التصوف القديم إذن في حاجة إلى «عود إلى العالم»، ومقاومة لمظاهر الظلم والطغيان فيه. وهو التصوف العملي، «طريق واحد، يخرج من فوهة بندقية».٤

(د) علم أصول الفقه

وهو أقلُّ العلوم التراثية احتواءً على معوِّقات العمل السياسي. وذلك أنه علم عملي يهدف إلى رعاية مصالح الناس، يقوم على الاستدلال العقلي وعلى الاستقراء التجريبي. فليست به عقائد نظرية، بل إنَّ الله هو مجرد الشارع. وليست به قيم سلبية بل يعتمد على الاجتهاد وبذل الوُسع والمجهود. وليست به نظرات إشراقية فهو يقوم على التعليل. لا يضرُّ بالناس فمن مبادئه العامة لا ضَرَر ولا ضِرار، الضرورات تُبيح المحظورات، لا يجوز تكليفُ ما لا يُطاق، المصالح المرسَلة. ومع ذلك فهناك بعض المخاطر على العمل السياسي؛ منها إعطاء الأولوية للنصِّ على المصلحة عند بعض مدارس الرأي. بل إن النسق الاستدلاليَّ القديم كله يبدأ بالكتاب ثم السُّنة ثم الإجماع ثم القياس، في حين أن عصرنا يُحتِّم البدء بالقياس مباشرة، فالصالح العامُّ يعرفه الجميع وسيكون حتمًا متفقًا مع النص (كما كان يحدث لعمر بن الخطاب). كما أن الحُكم بمقاصد الشريعة مباشرة، المحافظة على الضرورات الخمس: الحياة (النَّفْس)، والعقل، والدين، والعِرْض، والمال، بها يتوجَّه مباشرة إلى مصالح الناس وإلى ما فيه قِوام الحياة الإنسانية. أما الأوامر والنواهي؛ أي الأحكام الشرعية فإنه من الأفضل للعمل السياسي أن تكون نابعةً من طبيعة الناس ووجودهم الإنساني بدلًا من أن تكون فرضًا عليهم فتَزيد الفروضُ فرائضَ جديدة. فالواجب ما به قِوام الحياة، وعكسه الحرام أي ما به فسادها. والمندوب متروك لاختيار الإنسان طبقًا لقدراته الفردية أن يفعل الخير تطوعًا، وعكسه المكروه ألَّا يفعل ما قد يُفسد الحياة بحُريته واختياره. أما الحلال فهو مُصاحَبة الأشياء، وكأن الشرعيةَ في الطبيعة، في البراءة الأصلية، فالأصل في الأشياء الإباحة. لقد استطاع علم الأصول بتحليله أحكام الوضع الخمسة ربط كل حُكم بسبب وعلة، وتعليقه على شرط وإقامته على القدرات الإنسانية (العزيمة والرخصة)، ابتداءً من النية (الصحة والبطلان). فليس المهم قطع يد السارق؛ لأن شرط ذلك هو الكفاية، فلا تُقطَع يدُ السارق عن جوع أو بطالة أو حُرمان أو عداء طبَقي وحسد اجتماعي ولا تُقطَع يدُ سارق الدرهم وتُترَك يدُ ناهب ثروات الشعوب من باطن الأرض ومن فوقها، صاحب البراميل أو إقطاعي الأرض أو رأسمالي المصنع. ولا يُرجَم زانٍ في مجتمَع لا يجد الإنسان فيه زواجًا؛ فلا مهر ولا سكن، وكل ما فيه الإثارة الجنسية في الصحف وأجهزة الإعلام، وعَهْر الحكَّام في كل مكان وتعرفه الشعوب من حديث الصحف الأجنبية.

(٣) العلوم العقلية

وهي العلوم الرياضية مثل الحساب، والجبر، والهندسة، والفلك، والموسيقى. والعلوم الطبيعية وهي النبات، والحيوان، والطبيعة، والكيمياء، والطب، والصيدلة. والعلوم الإنسانية وهي اللغة، والأدب، والجغرافيا، والتاريخ. وهي نموذج للعلوم التي أثَّر فيها التوحيد وكان دافعًا على الكشف العقلي والإبداع العلمي. فهناك علاقة بين اللاتناهي وحساب اللامتناهي، وعلاقة أخرى بين التوجُّه نحو الكواكب والنجوم ونشأة علم الفَلَك، وبين موسيقى القرآن ونشأة علم الموسيقى، وبين تصور القرآن للنبات والحيوان، وإبرازه للحياة ونشأة علوم النبات والحيوان، وبين الطبيعة والكيمياء، ومقتضيات المجتمَع الفاتح وحاجات الحرب في صناعة الأسلحة وعلوم الطب والصيدلة. وقد نشأت علوم اللغة والأدب من تحليل بلاغة القرآن وإعجازه، كما ارتبطَت نشأةُ علوم الجغرافيا والتاريخ بخرائط البلاد المفتوحة، والتعرف على العالم من أجل الاستخلاف عليه، والتفكير في سبب تقدُّم الأمم وانهيارها.

ولكننا انفصلنا عن هذا الجانب العقلي العلمي الإنساني الخالص الذي طوره الغرب، فكان وراء نهضته الحديثة. وأخذنا نحن ننقل العقلانية والعلمية والإنسانية الغربية التي هي تطويرٌ لهذا الجانب فينا من تراثنا القديم. ثم عدنا نُفتش عليه ونبعثه كفخر واعتزاز بالقديم دون أن يكون دافعًا على الإبداع الجديد، ورفضًا للنقل عن الغرب. حتى العلوم الإنسانية، اللغة، والأدب، والجغرافيا، والتاريخ، وقفنا عندها؛ إما عند أبحاث القدماء أو الاستيعاب والنقل عن المحدَثين دون أن نُساهم فيها. وما زلنا نعرض لقضية ابن خَلدون: لماذا تنهار الأمم؟ ولا نضع سؤالًا تاليًا: كيف تتقدم الشعوب؟ وما هي شروط النهضة؟ ما زلنا ننقل عن الغرب الرياضيات الحديثة والطبيعيات الحديثة بل والعلوم الإنسانية المعاصرة. وفي هذا الجو الحضاري العام يستحيل العمل السياسي حيث لا إبداع للجديد ولا تطوير للقديم، ولا إعمال للعقل، ولا إجهاد للقريحة. فنُصبح في العمل السياسي أيضًا ناقلين. تتشبَّث الأنظمة القائمة بتراث القدماء وتنقل المعارضة تراث المحدَثين (الماركسية أو الليبرالية أو القومية). والقديم أرسخ جذورًا وأقوى شرعية من قشور المحدَثين.

١  انظر بحثنا: «مناهج التفسير ومصالح الأمة»، الملتقى الإسلامي الخامس عشر بالجزائر، أغسطس ١٩٨١م، وأيضًا «الدين والثورة في مصر ١٩٥٢–١٩٨١م» في «اليسار الديني».
٢  انظر بحثَينا «لاهوت الأرض»، «الله، والشعب، والأرض» في «الحوار الديني والثورة» ص١٢٥–١٨١، الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٧٧م (بالإنكليزية).
٣  انظر دراستنا: «تراثنا الفلسفي»، فصول، العدد الأول، القاهرة، ١٩٨١م، وأيضًا «دراسات إسلامية»، دار التنوير، بيروت، ١٩٨٣م.
٤  انظر دراستنا «التصوف والتنمية» اليونسكو، باريس، ١٩٨٥م، وأيضًا في الكتاب السنوي للجمعية اليابانية لدراسات الشرق الأوسط، طوكيو، ١٩٨٦م (بالإنكليزية).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢