ثامنًا: حضور الاستشراق وغياب التراث الإسلامي

ولا يُحلل المؤلف التراث الإسلامي مباشرة، ولكن من خلال الاستشراق الأوروبي فيعتمد على فلهاوزن كمؤرِّخ للمسلمين في أسبانيا وبالنسبة إلى معركة بواتييه. كما يُحاور جب Gibb رأيه بأن أسباب الانهيار هو جمود الفكر الديني. ويرفض تطبيق تصور كاردينار على الغرب في الوقت الحاضر وبالأَولى على العالم العربي. كما يظهر المنهج التاريخي الاستشراقي في الجزء الخامس عن الإنسان العربي المسلم في محوره الأول «نقد ذاتي واستنقاصات ذاتية» حيث يتمُّ فيه الخلط بين الإسلام والتاريخ. ويتم الاستشهاد بجاك بيرك في عبارة إيريك Eric weil فيما يتعلق باستحالة الفصل بين الشخصية والمصير التاريخي.١ فالكتاب استشراقي من نوع استشراق جرينباوم ودراساته على الشخصية العربية الإسلامية في التاريخ محدِّدًا عوامل السقوط ومسار الانهيار بما يعني ذلك من عدوانية تجاه الموضوع وحقد عليه وتكريس للتجزئة واستئصاله عن ثقافته الخاصة وإحالته إلى الغرب كإطار مرجعي عام، الإسلام مع الغرب، والتُّرك مع المغول، وفارس والصين والهند مع فرنسا وإنكلترا وألمانيا بلا تمايز ثقافي أو حضاري.
وبالرغم من أن الكتاب يتناول الشخصية العربية الإسلامية إلا أنه يميل إلى العروبة أكثرَ مما يميل إلى الإسلام، وهو تصور أهل الشام أكثر مما هو تصور أهل المغرب الذي اتحد فيه الإسلام بالوطنية دون تدحل عنصر متوسط هو القومية. وينتقي المؤلف من التاريخ ما يُؤيِّد موقفه، ويقرؤه قراءة عربية مُحدَثة لا إسلامية قديمة، وبالتالي يلتقي المؤلف مع الاستشراق من جديد الذي يتحدث عن العالم العربي في مقابل العالم الإسلامي تكريسًا للتجزئة وضربًا للعرب بالمسلمين وللمسلمين بالعرب، وإذكاء للنُّعَرة العنصرية، وربطًا للثقافة بالعِرْق وليس بالدين. وسواءٌ كان الإسلام أو العروبة فكلاهما يُمثل مشروعًا للهيمنة على الأمم المفتوحة وفرضًا لوحدة تأباها الشعوب! وبالتالي ينتهي الكتاب إلى إنكار العروبة أولًا ثم الإسلام ثانيًا، ولا تبقى إلا الشوفينية الإقليمية الضيقة والثقافة الغربية المهيمنة.٢
أما التراث الإسلامي فإنه غائب تمامًا، وهو المكوِّن الرئيسي في الشخصية العربية الإسلامية. المصادر الأولى معدومة. والعلوم الإسلامية النقلية أو العقلية أو العقلية النقلية غائبة. ثلاث آيات قرآنية مذكورة، إحداها خاطئة وكأنها هي الأخرى مترجمة عن الفرنسية: «ولا تظننَّ الذين قُتِلوا في سبيل الله أمواتًا!»٣ بالرغم من اعترافه بأن القرآن قلب الإسلام. ويدعو المؤلف إلى العلمانية ويرفض محاولات اكتشاف العقل والطبيعة في القرآن. ويُحاول دفع تهمة الاستشراق القائل بتشويه القرآن لروايات التوراة باللجوء إلى العطاء الأسطوري المشترك للضمير الديني اعتمادًا على استشراق آخر.٤ أما الحركة الإصلاحية وروَّادها الأوائل مثل الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا وروَّادها لدى الحركات الإسلامية المعاصرة؛ فإنها لا تكاد تُذكَر. والمرات القليلة التي أشار فيها المؤلف إلى محمد عبده كلها نقدية رافضة؛ مثل نقد الاتجاه الأصولي الذي يرى أن هناك المجتمع الإسلامي والعالم الحديث في سياق واقعنا وجهًا لوجه، ونقد اعتبار أن للدين دورًا محركًا في كافة الميادين وباعثًا على العقلانية والعلم!٥

وفي النهاية، وبالرغم من كل شيء، فإن الكتاب إنما يكشف عن شجاعة صاحبه ورغبة في «اقتحام هذه المغامرة» تحديًا لمعجزة الإنجاز، «ذلك العجز الذي كان يبدو لي سمة للفكر التونسي بل المفكر المغربي بصفة أعم» (ص٥) وبالتالي فالمؤلف يبحث له عن دور مسار للمفكرين المغاربة. ولكنه في النهاية يكشف عن تيار بأكمله، تيار المتغربين من علماء الاجتماع والتاريخ في مقابل تيار وطني قومي آخر أكثر التحامًا بالتراث الإسلامي وأكثر ارتباطًا بالمشرق العربي دونما ذكرٍ للأسماء، ومع ذلك يكفيه فخرًا محاولته اكتشاف بُعدَيِ الإنسان والتاريخ الغائبَين في وعينا القومي.

ليس القصد من هذا العرض تصيد الأخطاء أو الهجوم على الإخوة المغاربة؛ فهم زملاء، وكثير منهم أصدقاء. إنما القصد الدخول في حوار مع أحد المفكرين اللامعين في القُطر التونسي الشقيق، وأداء لواجب ثقافي ووطني للأخ الصديق هشام جعيط الذي بدا لي من خلال كتابه المثير «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» تونسيَّ القُطر، مغربي الإقليم، غربيَّ الثقافة.

١  فلهاوزن (ص٣٤)، جب (ص١١٣)، كاردينار (ص١٥٦). «نقد ذاتي واستنقاصات ذاتية» (ص١٤٥–١٥٤). «وهو بالفعل تلك الثنائية التي تروم فصل الكائن عن الفعل كما يحلو لجاك بيرك القول بمعنى فصل الشخصية عن المصير التاريخي والأنا عن الوضعية كما في عبارة إيريك في» (ص٩).
٢  يذكر المؤلف قول أبي يوسف في كتاب الخراج «لا يُمكن للعربي أن يكون ذميًّا، وعليه أن يختار بين اعتناق الإسلام أو الموت.» (ص٢٧). ويذكر خط عمر لقاعدة أنه «لا يسمح إلا للإسلام كدين في جزيرة العرب وكأن العنصر العربي هو المسئول بالدرجة الأولى عن مصير الإسلام التاريخي». «ارتبط الإسلام منذ الخلفاء الراشدين والعصر الأموي وهو ما برز في مشروع الهيمنة الذي سلَّطوه على الأمم المفتوحة» (ص٢٨). «وبلاد العرب التي فرضت وحدة معينة على هذا العالم المتفرق من الخارج وبصورة مفتعلة نوعًا؛ وذلك بسبب الطابع الخاص لنشأتها في التاريخ رسالة الإسلام المنتشرة» (ص٨٤).
٣  يعني المؤلف أنه وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [عمران: ١٦٩] (ص٤٢).
٤  «القول إن القرآن شوَّه الأحداث التي ورد ذكرها بالتوراة ناشئ طبعًا عن نظرة قصيرة للأمور؛ لأن القرآن اقتبس من العطاء الأسطوري المشترك للضمير الديني وصاغه بطريقته العادلة لطريقة التوراة على صعيد الحقيقة» (هامش ٢٠، ص١٣٣).
٥  «فقد رأى مثلًا الاتجاه الأصولي عند محمد عبده أن هناك المجتمع الإسلامي والعالم الحديث في سياق واقعنا وجهًا لوجه، عيب على هذا المجتمع أن يُحافظ على اسمه ويدمج العالم الحديث كجسد غريب وبالأحرى في ظواهره المادية كإشارات على القوة أكثر من الاستيحاء الذي يُحركه. إنها إمبريالية ومرونة الإسلام الأبدي وحيلة حرب وخطة دفاعية» (ص١٠٤). «وقد سبق لنا أن رسمنا نقدًا لأفكار محمد عبده، ولنُضِف إلى ذلك أن الشيخ الكبير أصرَّ على الاعتقاد أن للدين دورًا محركًا دافعًا في كافة الميادين التي يشملها عادة الفكر العقلاني والطريقة العلمية والابتكار التشريعي المستقل. كان تفكيره وعمله مفيدًا في عصره، لكن مَن منا لا يُدرك أن ما هو عقلاني يُتابع سيره ويجب أن يُتابعه خارجَ كلِّ سيطرة للعامل الديني وكل تبرير بواسطة الديني. وهكذا فليس للعلم والعقلانية السياسية أن يبحثا عن أسس ممارستهما في القرآن حتى لو كان القرآن ثريًا فكريًّا فريدًا فيما يخص مصير الكون والإنسان» (ص١١٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢