الفصل الحادي والأربعون

لقد كان الحظُّ حليفَ كينيون، كما قال لنفسه. لقد كان العام الثاني حتى أكثرَ ازدهارًا من العام الأول، وكان العامُ الثالث ناجحًا كما هو الحال في العام الثاني. لقد كان هناك إقبالٌ منتظِمٌ على المعدِن الخاصِّ به، هذا إلى جانب امتلاكِه المَيْزةَ الكبيرة المتمثِّلة في معرفة الأوغاد الموجودين في المجال بحيث أمكنَه تجنُّبُهم. وقد علَّمَته بعضُ عمليات الاحتيال الجديدة التي صادفَها في خلال تَجرِبته بالعام الأول دروسًا استفاد منها في العامين الثاني والثالث. وقد أحبَّ منزله في البرِّية، وأحبَّ الناسَ الغِلاظ الذين وجدَ نفسه يعيش في وسطهم.

بالرغم من بُغضه للندن، كان يتملَّكُه بين الحينِ والحينِ حنينٌ إلى المدينة الكبيرة، ومنَّى نفسه بالقيام برحلةٍ إليها في نهاية العام الثالث. وقد كان ونتوورث شهرًا بعدَ شهر يُهدِّد بالذَّهاب لزيارته، لكن كان يحدث دائمًا شيءٌ يعوقه عن فعل ذلك.

بوجهٍ عام، كان جون يُحب المكانَ الذي يعيش فيه في الشتاء أكثرَ مما يحبه في الصيف، رغم البرودة الشديدة. لقد كانت البرودةُ منتظمةً ويُمكن الاعتيادُ عليها؛ علاوةً على ذلك، لقد كانت صحِّية ومنعِشة. في الصيف، لم يعتَدْ جون قطُّ هجماتِ الذباب الأسود والبعوض وغيرهما من الآفات الحشرية التي تسكن المنطقة. لقد تركَت مواجهتُه الأولى مع الذباب الأسود وجهَه في حالةٍ جعلَته سعيدًا أنه يعيشُ في البرِّية.

في بداية الشتاء الثاني، حصل جون لنفسه على إحدى وسائل الرفاهية. لقد اشترى مُهرةً قزَمةً كَندية فرنسية جميلة، وكانت سريعةً جدًّا ومعتادةً بشدة على جليد النهر، الذي مثَّلَ الطريق السريع الذي يستخدمه للوصول إلى بيرنتباين من المنجم في الفصل البارد. وأضاف إلى المهرة زلاجةً صغيرة مُريحة، وبوسيلة النقل هذه، تنقَّل في جولاته المتعدِّدة بين المنجم وبيرنتباين في راحةٍ وسرعة، وهو ملتحفٌ على نحوٍ مريح في الأردية المصنوعة من جلد الجاموس.

إن كانت لندن تُلِحُّ على عقله كثيرًا، فقد كان هناك موضوعٌ آخرُ يُقحم نفسَه عليه على نحوٍ حتى أكثرَ تَكْرارًا. إن ازدهار حاله المتزايِدَ كان له علاقةٌ بهذا. لقد رأى أنه إن كان سيكون له ثلثُ أرباح المنجم، فإنه لن يظلَّ فقيرًا لمدَّة طويلة، وتلك الحقيقة أعطَته بعضَ الشجاعة التي كان يفتقِدُها من قبل. وتساءل في نفسِه عما إذا كانت لا تزال تتذكَّره. لم يَقُل ونتوورث عنها إلا أقلَّ القليل عندما كان يكتبُ إليه؛ إذ كانت رسائله تُركز على نحوٍ كبير على الإطراء الشديد على جيني بروستر، وكينيون، رغم الاعتراف الذي أدلى به عندما بدا أن مسألته لا أملَ فيها، كان يكره أن يكتب ليسأل صديقه عن أيِّ شيء بشأن إديث.

في أحد الأيام، وفي صباح يومٍ شتوي شديدِ البرودة، ربط كينيون مُهرته القزمة بالزلاجة من أجل رحلته الأسبوعية إلى بيرنتباين. وبعد تجاوز الجزءِ الأصعب من الطريق فيما بين المنجم والنهر، وبدءِ المهرة عملَها على الثلج، وقد كانت هناك ضفَّتان بيضاويَّتان من الثلج على جانبَي الطريق الناعم، أطلق جون العِنانَ للتفكير في الموضوع الذي صار الآن يَشغل باله بكثرة. وجدَت أفكار جون، الذي كان ملتحفًا بأرديته، ويركب زلاجته التي كانت تنساب عبر الثلج، صحبةً مبهجة في الجلجلة الرخيمة للأجراس التي كانت تُجلجل حولَ عنق مهرته. إنه، بوجهٍ عام، لم يُصادِفْ أحدًا على الطريق الجليدي من المنجم إلى القرية. وأحيانًا، كان يمرُّ به موكبٌ من الزلاجات التي تحمل المؤن إلى منجمِه والمناجمِ التي تليه، وعندما كان يرى ذلك الموكب، كان عليه أن يبحث عن مكانٍ على جانب الطريق حيث يمكنه إيقافُ مهرته القزمة وزلاجته حتى يسمح للموكب بالمرور. كان الثلج على كِلا جانبي الحفر الذي تتسبَّب فيه الزلاجات كبيرًا جدًّا لدرجة أن هذَين الركنين كانا يُسوَّيان من آنٍ لآخَر؛ للسماح للزلاجات بالمرور بعضها بجانب بعض. كان قد تجاوز نصفَ الطريق إلى القرية، عندما رأى أمامه حِصانَين أدرك على الفور أنهما ينتميان لصاحب الفندق وكانا يقودان إحدى الزلاجات. توقَّف في الجانب الأول من الطريق، وانتظر وصول الزلاجة. ورأى أنَّ بها زائرين له؛ لأن السائق، بمجرد أن رآه، استدارَ وتحدَّث إلى شاغلي العربة. وعندما اقتربت العربة، وقف الرجل وأومأ لكينيون محييًا إياه، لكنه، رغم أنه أكثرُ الأشخاص تهذيبًا في المكان، لم يردَّ له التحية. لقد تملَّكَته الدهشة وجعلَته عاجزًا عن الكلام عندما رأى مَن كان في الزلاجة. لقد كانت هناك امرأة ملتحفة بشدةٍ بالأغطية حتى إن أنفها لم يظهر في البرد، لكن الوجه الورديَّ المبتسم للراكبة الأخرى كان جون كينيون يعرفه بشدة.

صاح صوتٌ ضاحك: «حسنًا، يا سيد كينيون، أنت لم تتوقَّع رؤيتي هذا الصباح، أليس كذلك؟»

رد جون: «أعترف أنني لم أفعل، ومع ذلك …» وتوقفَ هنا عن الكلام؛ فقد كان سيقول: «ومع ذلك، فقد كنتُ أُفكر فيكِ.» لكنه كبحَ جِماح نفسه.

ربما لم تكن الآنسة لونجوورث، التي كانت لديها مهارةُ قراءة الأفكار الخفية لجون كينيون، تحتاج إلى معرفة نهاية الجُملة.

سألته: «هل ستذهب إلى القرية؟»

«لقد كنتُ في طريقي إليها. ولكنني لن أذهب إليها الآن.»

«هذا جيد. لقد كنتُ سأدعوك لتوي كي تستديرَ وتأتيَ معنا. كما ترى، إننا في طريقنا لإلقاء نظرةٍ على المنجم، وأعتقد أننا سيكون علينا الحصولُ على موافقة المدير قبل أن يُمكِنَنا فعلُ هذا.»

ظهرت مُرافِقةُ الآنسة لونجوورث للحظةٍ من أرديتها ونظرَت إلى جون، لكنها رجعت على الفور إلى أغطيتها ثانيةً وهي ترتعش. لم تكن صغيرةَ السن للغاية مثل مرافقتها، وقد اعتبرت هذا أفظعَ طقسٍ قد صادَفَته في حياتها.

قال جون: «حسنًا، رغم أن زلاجتك مريحةٌ للغاية، إلا أنني أعتقد أن زلاجتي أكثر راحة منها. إنَّ بها مكانًا لشخصين؛ هلا تنزلين من زلاجتكِ وتركبين زلاجتي؟ حينها، إن تحركَ السائق، يُمكنني أن أستدير وسنتبعهما بزلاجتي.»

قالت السيدة الشابة، وهي تُحرِّر نفسها من الرداء المصنوع من جلد الجاموس، وتنزل بخفَّة من زلاجتها إلى زلاجة كينيون، لكنها توقفَت للحظةٍ قبل أن تفعل هذا، لتضع أغطيتها الخاصة بها على مرافقتها: «سيسرُّني فِعل ذلك.» أركبَها جون بجواره، وعندما بدأت الزلاجةُ الأخرى في التحرك، أدار هو ببطء مهرته القزمةَ محركًا إياها للطريق ثانيةً.

قال: «لديَّ مهرة قزمة سريعة للغاية، لكنني أعتقد أننا سنجعلهما يتقدَّمون علينا قليلًا. إن مهرتي الصغيرة هذه يزعجها رؤية أيِّ شيء أمامها.»

ردت إديث: «ثم يُمكننا زيادة السرعة واللَّحاق بهما قبل أن يصلا إلى المنجم. هل هو بعيدٌ عن هنا؟»

«لا؛ ليس بعيدًا جدًّا؛ على الأقل، لن نستغرقَ وقتًا طويلًا للوصول إلى هناك ونحن معنا مهرة جيدة.»

قالت: «لقد استمتعتُ بهذه التجرِبة بشدة؛ كما ترى، كان على أبي أن يأتيَ إلى مونتريال في مهمةِ عمل؛ لذا، جئتُ معه، كالمعتاد، وعندما وصلتُ إلى هنا، فكَّرت في أن آتيَ إلى هنا وأرى المنجم.» ثم أردفَت، وهي تنظر على الجانب الآخر من الزلاجة وتُجرجر أصابعها المغطاة جيدًا في الجليد: «أردت … أردت أن أعرف بنفسي ما إذا كان مديري يُشرف على منجمي كما ينبغي، بغضِّ النظر عن الميزانيات المُرضية للغاية التي يُرسلها.»

قال جون في اندهاش: «منجَمِك!»

ردَّت، وهي تنظر إليه للحظة، ثم وهي تُبعد نظرها عنه: «بالتأكيد. أنتَ لا تعرف هذا، أليس كذلك؟ أدعو نفسي مالِكةَ المنجم.»

«إذن، أنتِ … أنتِ …»

قالت الفتاة لتُساعده: «السيد سميث.»

سادت لحظةٌ من الصمت، والكلمات التالية التي قالها جون لم تكن على الإطلاق ما توقَّعَته.

قال آمرًا: «أبعدي يدَكِ عن الثلج، وضَعيها تحت الرداء المصنوع من جلد الجاموس؛ أنت لا تعرفين مدى برودةِ الجو هنا، ويدك ستتجمَّد في لحظة.»

قالت الفتاة: «حقًّا، الموظف لا يجب أن يتكلم مع ربِّ عمله بهذه النبرة! إن يدي مِلكي، أليس كذلك؟»

قال جون: «أتمنى أن تكون كذلك لأنني أُريد أن أطلبها منك.»

ردَّت الآنسة إديث لونجوورث على طلبه بأن وضعَت يدها في يده.

الأفعال أبلغُ من الأقوال. كانت الزلاجة الأخرى متقدمةً بشدةٍ على زلاجتهما، ولم يكن هناك شهودٌ على التلال المغطاةِ قِممُها بالثلوج.

قالت: «ألم تندهش عندما قلتُ لك إنني مالكةُ المنجم؟»

«لقد اندهشتُ بشدةٍ في واقع الأمر. ألم تندهشي عندما قلتُ لكِ إنني أرغب في أن تُصبح مالكةُ المنجم مِلكًا لي؟»

«مطلقًا.»

«لماذا؟»

«لأن صديقك الخائن ونتوورث أرسلَ لي خِطابَك الذي تمنيتَ فيه أن تُصبح في وضعٍ ما. وها أنت قد حصلتَ على هذا الوضع، أليس كذلك، يا جون؟»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤