نشأة الأدب

انتهى بنا الفصل الأول إلى أنَّ الجزء الأعظم من تاريخ الإنسان خلا من كتابةٍ وكتاب، وأنه لو كان لأسلافِنا الأوَّلين أدب فقد ذهب أدراج الرياح؛ ولكنَّا نُرجِّح أن ذلك العصر الطويل الذي خلا من الكتابة لم يخلُ من أدب؛ فليس من شكٍّ في أن القوم عندئذٍ كانوا يتفاهمون ويبعثُون الرُّسُل بالكلام المنطوق، وإنْ عزَّ عليهم أن يُثبتوه في مكتوب، فنحن على حقٍّ إنْ زعمْنا أنَّ الإنسان تكلم قبل أن يكتُب.

لا بدَّ أن تكون الأفكار — وهي أحد عناصر الأدب — قد أُنشِئت قبل أن تُدوَّن بزمانٍ طويل؛ فقد كان آباؤنا الأولون الذين سَكنوا الكهوف يجلسون حول النار يستدفِئون، ثُم يأخذون في قصِّ الأقاصيص حولَ ما صادفَهُم من الحيوان في صَيد النهار، وما وقعَ لهم مع جيرانهم من ضروب القتال والنِّزال. ولا بدَّ أن يكون أولئك الآباء قد أنشئوا القصص حول آلهةِ الأنهار والأشجار. ومَن ذا يشكُّ في أنَّ القوم كانوا بعد عناءِ النهار يجلسون فيُنشدون الأناشيد، وأنهم كانوا يُلقِّنون الأبناء حكمة الآباء؟ صنعوا ذلك فوضَعوا أساس الأدب، بل وضعوا كذلك أساس القانون والأخلاق والدين.

إنَّ هذا الذي نزعُمُه قائم على أساسٍ متين من الشاهد والبُرهان؛ فأولًا: ليست أقدَمُ القصص المكتوبة التي وصلت إلينا صبيانيةً فارغة، بل هي مملوءة بالحكمة وتجارب الأيام، ولا يمكن للإنسان أن يخلُق مثل هذه القصص بين عشيةٍ وضُحاها، بل لا بدَّ لها من قرونٍ طوال تنشأ فيها وتنمو؛ وثانيًا: لا يزال يعيش في أنحاء الأرض هنا وهناك أقوام من البشر في طَور الجاهلية الأولى، فهم لذلك يُشبهون أولئك الأسلاف الأوَّلين؛ ولهؤلاء الأقوام قصص وقوانين يَرِثونها جيلًا عن جيل، من غير تسجيل؛ فالأرجح أن يكون أسلافُنا كهؤلاء: فكَّروا وعبَّروا قبل الكتابة والتدوين.

إذن فقد لبِثَ الأدب زمنًا طويلًا يعتمِد على الرواية قبل أن يعتمِد على الكتابة، ولا يزال الجبليُّون الأجلاف في أمريكا يُردِّدون القصائد الطوال التي هبطَتْ إليهم من أجدادهم النازِحين من إنجلترا في ماضٍ بعيد. ولقد قام بعض العلماء بمُقارنة ما يُنشِده هؤلاء الجبليُّون من القصائد بأصلِها، ليَرَوا كم أصابها من التَّلَف حين اجتازت هذا الشوط البعيد في ذاكِرات الحافظين، فوجدوها مُحتفظةً برُوحها الأولى، وإن يكن قد أصاب ألفاظَها تبديل يَسير. وكلنا يعلَم كم ظلَّ الأدب العربي يرويه اللسان ولا يكتُبُه القلَم، وحسْبُنا ذلك دليلًا على أنَّ الأدب قد يزدهِر بين قومٍ لا يكتبون.

وإذن فلم تخلُ حياة الإنسان من أدبٍ في مرحلةٍ من مراحلها؛ غير أنَّ الإنسان قد أنشأ الشِّعر وأنشده قبل أن يكتُب نثرًا فنيًّا؛ فالشِّعر لغة الوجدان والنثر الفني لغة العقل. وإنَّ الإنسان ليشعُر بوجدانه قبل أن يُفكِّر بعقله.

فالهمَجي الذي عاش قبل التاريخ عاريًا في الغابات، يتسلَّق أشجارَها ويقفز بين أغصانها صائحًا: «را، را، را، بو، بو، بو» هو الواضِع الأول لأساس الشِّعر المنظوم؛ فقد أخذت هذه الصيحاتُ الأولى تُصاغ في أناشيدَ قبل أن يبتكِر الإنسان ألفاظ اللغةِ للتعبير عن أفكاره؛ حتى إذا ما جاء طَور اللَّفظ، كانت قد أُعِدَّت قوالب الشعر وأوزانه، فانصبَّ فيها اللفظ الجديد، فكان منه شِعر منظوم مفهوم، بعد أنْ كان الشِّعر صيحاتٍ يمرحون بها في الرقص، ويهتفون بها في الغضب، ليَهُبَّ الناس للقتال، ويُناغمون بها وقْع المجاديف في الماء، أو وقْع أقدام الإبل في الصحراء.

كان الشعر — إذن — أول مراحل الأدب، فلمَّا سارت الإنسانية في طريق المدنية شوطًا، وبلغتْ حدَّ الترَف والفراغ، هدأتِ العاطفة الحادَّة بعضَ الشيء، وزاد التفكير المُنظَّم، فلمَّا عبَّر الإنسان عن تلك الأفكار جاء تعبيره نثرًا. ولسْنا بالطبع نَعني بهذا أنَّ الإنسان بدأ يتكلَّم شعرًا بل هو بدأ يتكلَّم نثرًا غيرَ فَنِّي، ولكنه لمَّا أراد أن يُعبر عن عواطفه بطريقةٍ فنية عبَّر عنه شعرًا ثُم نثرًا فنيًّا، كما أنَّا لا نعني أنَّ الشعر ظهر ثم زال ليُفسِح المجال للنثر الفني، بل إنَّ الإنسان — في كل عصرٍ حتى في عصر المدنيَّة — كلَّما جاشَ صدرُه بالعواطف الحادَّة لجأ إلى الشِّعر، وقد يُزخرِفه بمُحسِّنات صناعية تجعل للألفاظِ والأنغام وقعًا في آذان السامعين، فقد ظلَّ الشِّعر ألوفًا من السنين يُقرَض ليُنشَد في صوتٍ مسموع، لا ليُقرأ في صمتٍ على ورقٍ مطبوع؛ فكان الشاعر بمثابة المُمثِّل، يتفنَّن في إخراج اللفظ ليبلُغ الغاية في امتلاك القلوب.

ويكاد الشِّعر يتطوَّر في مراحل مُعيَّنة في كل عصرٍ وفي كل أمَّة، فهو يبدأ صورةً ساذجة للتعبير عن العواطف، ثم يَستخدِم المُحسِّنات اللفظية، ثم يُمعِن في ذلك حتى تختفيَ العاطفة نفسها وراء زُخرف الألفاظ، ثُم يثُور الناس والشعراء على المُبالَغة في الصناعة فيرتدُّ الشعر مرةً أخرى إلى التعبير البسيط عن العواطف.

كان الشعر أوَّل الصُّوَر الأدبية ظهورًا، وكان الكهَّان مِن أول الأُدباء المُنشئين، فهُم الذين صاغوا أناشيد الحرب وقصص الأبطال وعقائد الدين في قالبِ الشِّعر ليَسهُل على الناس حِفظها. ثُم أخذ الأدب بعدئذٍ يتطوَّر في صُوَرِه كلَّما تطوَّر المجتمع في أوضاعه؛ فليس الأدب سوى ظاهرةٍ اجتماعية تُنشئها العوامل الطبيعية التي تُنتج كل الظواهر الاجتماعية الأخرى. والاجتماع قائم على أساس المادة، أي على أساس الغذاء، يتطوَّر المُجتمع ويترقَّى كلَّما تطوَّر مورد الغذاء وتكاثَر.

فكلَّما توافَر الغذاء وسَهُلت أسبابه، أصبح المُجتمع قوةً مُنظمة، وأخذ يسعى — وقد استتبَّ له النظام والطمأنينة — نحوَ الرُّقِي الأدبي. فحياة الإنسان الأولى كان نظامها المُختلُّ غير المُستقرِّ نتيجةً حتمية لتَيَهانِه في الأودية والأصقاع، ينشُد الصيد الذي يَقتاتُ به؛ فكان الأدب بين تلك القبائل الأولى مُتواضعًا، لا يزيد على أنغامٍ تتمُّ على توقيعها حركات الرقص، فإن تعدَّى ذلك فإلى غناءٍ يتكوَّن من لفظةٍ أو لفظتَين، وإلى قَصَصٍ خُرافي حول آلهة الأشجار والأنهار وما إليها من ظواهر البيئة، فإذا جاءت مرحلة الرعي استتبَّ لقبائل الرُّعاة نَوع من الاستقرار، ولم يعُدِ الإنسان مُعتمدًا في قُوتِه على مجرَّد المُصادفة العارضة، بل أصبح مَورِد غذائه مَكفولًا نوعًا ما، وتوفَّر لدَيه بعض الأغذية الزائدة عن حاجته، فأحسَّ شيئًا من الاطمئنان نحو المُستقبل، ووجد بعض الفراغ في الوقت والفِكر يصرِفُه في التفكير والأدب، وانفسح المجال بعض الشيء أمام الشخصية الفردية لتظهر، بعد أن كانت معدومةً بكلِّ معاني الكلمة في الإنسان الأول الذي يحترِف الصيد. أما وقد توفَّر القُوت، فكان من الطبيعي أن يَستوليَ الرجال الأقوياء على القُوت المُدَّخر، ويُصبحوا قادةً لإخوانهم، وإن كانوا قادةً تُقيِّدهم تقاليد القبيلة إلى حدٍّ كبير.

هذا النظام الاقتصادي وما يتولَّد عنه من نظامٍ سياسي، ينعكس تأثيرهما على الأدب الشفوي للقبيلة، لأنَّ الأدب هو التعبير الجميل عن العاطفة والإرادة والخُلُق، فترى الأدب الذي يزدهِر في مِثل تلك المرحلة شِعرًا حماسيًّا يُشيد بالخِلال التي يتحلَّى بها رئيس القبيلة المُسيطِر على المجتمع، أو بمزايا القبيلة نفسها، أو بهجاءِ مَن عاداها من أفرادٍ وقبائلَ أو نحو ذلك.

•••

ثُم يظهر نظامُ الأوتوقراطية (نظام الحُكم المُطلَق) في أُمَمٍ وجماعاتٍ نشأت في أراضٍ قريبة من البحار والأنهار الكبيرة؛ أراضٍ تُنبِت غلَّاتٍ غذائية وافرة، فيُصبح المُدَّخر الغذائي أكثرَ ممَّا كان، وتتسرَّب ثروة البلاد إلى أيدي الذين استولوا على مُعظَم السلطة، فيُصبح الملوك وفي استطاعتِهم أن يَعتلوا ذُروةَ الرِّفعة والمجد، وأنْ يمتلِكوا أقصى الثَّراء والغنى، ولا يعود المجتمع كما كان قَبْلُ؛ مجموعة من الرُّعاة القبليِّين يرأسُهم مَن لا يكاد يزيد عليهم في الثروة، بل يُصبح الملك ومعه قليلٌ من الرؤساء في طبقة، وتُصبِح عامَّة الناس في طبقةٍ أخرى، فيلجأ الرجال الذين وُهِبوا ملكاتٍ مُمتازة إلى التغنِّي بالترانيم والشعر القصصي، يُشيدون فيه بمجد الملوك والقادة، ومجد الآلهة والأبطال الذين بنَوا صَرْحَ الأوتوقراطية؛ ومعنى هذا أنَّ أدب الأوتوقراطية — المُتمثِّل في الترانيم والملاحم — ليس إلَّا مجرَّد ظاهرة اجتماعية أنتجتْها الظروف المادية.

في هذا الطَّور الأوتوقراطي لا يعتمِد المجتمع على ما بين أفرادِه من وحدةِ الدم ورابطة النَّسَب، بل يَكفي لارتباط الجماعات سيطرة الملك على البلدة الأصليَّة والبلاد المُجاوِرة، بوسائط الحرب أو بالوسائل السياسية. وفي مُقابل الولاء الذي يُقدِّمه رؤساء هذه البلاد يتعهَّد هذا الملك أو الرئيس الأكبر بِحمايتهم من العدوان الأجنبي.

هذه الجماعات المُتفاوِتة في النزعات، المُتنوِّعة في الأغذية، تخضع كلُّها لقانونٍ واحد، وتُصبح معاملاتها المُتبادَلة حافزًا على الاختراع والابتكار، ويُوسِّع ذلك من أُفقها الفكري الذي لا يخطو المجتمع بدونه نحو المدنيَّة والحضارة، ويُشجِّع — من طريقٍ مباشر أو غير مباشر — التجارة الأجنبية، لتَجِدَ الأوتوقراطية سُوقًا تُصرِّف فيه صناعتها وغلَّاتها.

وإذ تتنوَّع حاجات الناس وتتعدَّد مطالبهم تتعدَّد كذلك أشكال الأدب؛ إذ الإنسان في هذا الطَّور يكون قد تقدَّم فِكرُه واتَّسعت تجارِبه، فأدبُه يرقى بتعلُّمه من هذه التجارب، وتَعلُّمه إتقان التعبير عنها.

ثم إنَّ تغيُّر الوسيلة التي يُقيَّد بها الأدب — من المُشافهة والرواية إلى التقييد بالكتابة — يدفع الأدب في سَيره إلى الأمام، فالكتابة هي التي ستنتشِل الأدب الأوتوقراطي، والأدب الديمقراطي من بعدِه، من أصوله البدائية إلى مكانٍ أسمى ومنزلةٍ أرفع.

في هذا العصر الأوتوقراطي نجد الأُمَم المُتمدِّنة القديمة قد عرفت التمثيل، وأدارَتْه حولَ موضوعاتٍ دينية وأساطير خُرافية فاضت بها الرُّوح الأدبية أكثرَ ممَّا كانت في العصور القبلية — نجد ذلك في «بابل»: فكان الملك والكهَنة يُشاركون في الحفلات الدينية، التي كانت نوعًا دينيًّا من المسرحية، وكان المعبد يقوم مقامَ المسرح، وكان لِمصر القديمة كذلك رقص وموسيقى، وكان لها مسرحيات دينية تصطبِغ بصبغةِ العقائد المُقدَّسة، ولم يكن الكهَنَةُ وحدَهم هم الذين يقومون بالتمثيل في هذه الروايات، بل كان العامَّة يشاركون فيها أيضًا — وكان لليونان القديمة التي وصفَها هوميروس الشاعر، أعيادها المقدَّسة تُقام فيها حفلات التمثيل والرقص والغناء.

كل ذلك على نمَطٍ أرقى ممَّا كان عليه البدو أيام بَداوتهم.

كما نرى الشِّعر يتطوَّر في هذا العصر الأوتوقراطي، سواء في ذلك الشِّعر الغنائي الذي يُعبِّر عن العواطف أو الشعر القصصي كشِعر الملاحم؛ فأغاني الحرب والزَّواج ترتقي في أسلوبها وعاطفتها وتُصبح أكثرَ تجانُسًا وانسجامًا؛ ونرى شِعر المُغنِّين المُحترِفين آخِذًا مكان شِعر العامة، أعني أنَّ الشعر الذي يقصد الشاعر إلى إنشائه، ويحتفل لإنشاده، آخِذٌ في الحلول محلَّ الشعر الذي تُولِّده المصادفة؛ وأصبحت صَولةُ الجَمال وانصقاله بالحضارة يعمل في الشِّعر بالنموِّ والتزايُد والصقْل؛ ورأينا الشاعر يأخُذ في التعبير عن الحياة الإنسانية الباطِنة — حياة العاطفة — وعن الحياة الإنسانية الظاهرة — حياة الخُلق والسلوك — وأخذتِ البُحور والأوزان تتنوَّع وتتعدَّد بسبب نموِّ الخيال المُبتكر ودقَّة الأُذن الموسيقية.

وكذلك الشعر القصصي، فهو يبلُغ ذُروته في هذا الطَّور الأوتوقراطي، ويرجع ذلك إلى السلطان المُطلَق، والتملُّك التام، والثروة الوافرة؛ فلا شيخ القبيلة في الطَّور القبلي، ولا الرئيس في الطَّور الديمقراطي، يَملِكان مثل هذه السيطرة المُطلَقة. فكثيرٌ من الأُمَم في هذا الطَّور كان يعتقِد أنَّ الملك يستمدُّ سُلطانه من الله لا من الأمَّة، فتُصبح هذه الفكرة شعارًا جديدًا للأساطير الدينية والخُرافات والتهاويل، ويُصبِح هذا الحاكم المُتَّصِل بالآلهة والأبطال الماضين رمزًا تُنسَج حولَه أقاصيص التقديس والتبجيل، وعلى الأخص حين يكون هذا الملك بطلًا في فنون الحرب، بصيرًا بأساليب القتال؛ ومن هنا ينشأ شِعر القصص أو شِعر الملاحِم.

أما النَّثر الفني في هذا الطَّور الأوتوقراطي فينشأ حول النصوص الدينية وحكايات السِّحر والخطابة والرسائل وقصص الجن، ويتَّسِع مَداه وموضوعاته أكثرَ ممَّا كان في العصر القبلي، ويرتقي في الشكل والقالب، وفي الفكرة والموضوع والخيال. نُشاهد ذلك في أقاصيص بابل وأساطيرهم، وفي أساطير الهند، وفي قصص المصريين كقصة خوفو والسحرة، وفي أساطير اليونان.

وكان النثر الأوتوقراطي أصعبَ في الإنشاء من الشِّعر، ويبدو ذلك جليًّا من قِلَّة التُّراث النثري إذا قيس بالتُّراث الشِّعري، لأنَّ قواعِدَ موسيقيَّةِ النثر الفنِّي لم تكن مضبوطة، بل هي حتى في أزماننا ليست مضبوطةً مُفصَّلة. ويبدو أن بابل قد فاقت الهند ومصر واليونان الأولى في فنِّ إنشاء الرسائل، كما فاق النثر المصري في باب تحليل الشخصيات.

•••

وأخيرًا تأتي الديمقراطية ويتنوَّع فيها النشاط الاقتصادي، وتتعدَّد صُوَرُه أكثر ممَّا كانت، وينشأ رجال يَستكشِفون ميادينَ جديدةً للحصول على الرزق فيكدِّسون المقادير الهائلة من الثروة، فينعكس كلُّ ذلك على أوضاع الأدب، كما ينشأ رجال مَليئون برُوح المغامرة، يزُورون الأقطار البعيدة، ويتَّصِلون بثقافتها الفكرية؛ هؤلاء الرجال المُغامرون المُفكِّرون لا يُرضيهم أنْ يظلُّوا في تفكيرهم خاضعين لسلطان حاكمٍ مُطلَق يبسُط على الجميع نفوذَه، فيعملون على دَكِّ صرْح الأوتوقراطية، ويجدون أتباعًا يُعاونونهم على هدْمِ هذا النظام ووضْع أسُس النظام الديمقراطي الجديد. وهذا النظام الناشئ قائم على تقدير ذاتية الفرد واستقلاله، فيكون لهذا الاتجاه أثرُه السريع في الأفكار الجديدة، والمُخترعات الجديدة، والصناعات الجديدة، والأوضاع الأدبية الجديدة.

فإن كان الأدب القبلي محدودًا بحدود الإقليم، لأنه أدب قوم يعتقدون أنهم يجمعهم أصلٌ دمَوي واحد، وكان الأدب الأوتوقراطي لا يصطبِغ بهذه الصِّبغة الإقليمية، ولكنه يُمجِّد الطبقة الحاكمة، فالأدب الديمقراطي يُعنى بشخصية الفرد المتميزة وذاتيته المتفرِّدة، ويقدِّر شخصية كلِّ فرد؛ عظيمًا كان أو وضيعًا. فهذا تدرُّج في الأدب نحو تقدير الفرد وذاتيته، تبع تدرُّج المجتمع نحو هذا الغرض نفسه.

فالأدب الديمقراطي الحق هو تعبير عن التسامُح والعطف، والسماح لحُرية الرأي بالظهور. وهذا الأدب الديمقراطي ينبُت — أولًا — في جماعاتٍ يسُود فيها النظام الأوتوقراطي فيتكوَّن فيها جماعة من الأدباء والمُفكرين ينقدُون بيئاتهم ونظُمهم الاجتماعية، وينادون بنظامٍ خيرٍ من هذا النظام الذي تتحكَّم فيه طبقةٌ خاصة، فيكونون هُم طلائع الأدب الديمقراطي.

ويتنوَّع الأدب في العهد الديمقراطي بأكثرَ ممَّا تنوَّع في العهد القبلي والأوتوقراطي، فتعمَل الديمقراطية على ترقية الأدب التمثيلي الذي يُصوِّر حياة الفرد، وتُوجِّه أكبر عنايتها إلى تحليل حياة العامة والجمهور، لا حياة الأفذاذ من الأبطال والملوك، ويُساعدها على ذلك تجمُّع الناس في مُدُنٍ محصورة تسمح بالمُلاحظات اليومية، والتجارب الاجتماعية وتحليل الصنوف المُختلفة من الشخصيَّات الإنسانية، فالأدب التمثيلي الديمقراطي إن لم يُعنَ بحياة البلاط والحياة الدينية الشعبية عنايةَ المسرحية الأوتوقراطية، فإنه يفُوقها في الاهتمام بالطبع البشري والجِبلَّة الإنسانية.

وقد كانت أثينا الجمهورية أُولى من أقامت المسارح لتسلية الجمهور وتثقيفه، فارتقى الأدب التمثيلي على يدِها، وحذَتْ حذوَها الأمم الأوروبية عندما اعتنقتِ الديمقراطية.

كذلك تطوَّر الشِّعر تطوُّرًا جديدًا؛ فأكثر الشعر القبلي تظهر فيه روح القبيلة لا روح الفرد، وقلَّما تظهر فيه شخصية الشاعر نفسه من حيث شعوره وعواطفه الذاتية. وكان الشعر في العهد الأوتوقراطي ينحو نحوَ تقديس الأبطال وتمجيد العظماء، ومدح الملوك والأمراء، وشُغِل الشاعر بذلك عن نفسه. أمَّا في العهد الديمقراطي فقد أحسَّ الشاعر شخصيته، وبانَتْ له عواطف ذاتية مستقلة، من حقها أن تظهر وتصوَّر في شِعره.

ويظهر أنَّ الشعر القصصي لم يبلُغ في العصر الديمقراطي مَبلَغَه في العصر الأوتوقراطي، ولم يعُدِ الناس يُقدِّرونه تقديرَ الأوَّلين، لأنَّ الأوضاع الاجتماعية تغيَّرت، فإذا أراد الفكر الحديث المُحلِّل أن يُغذِّي عاطفته القومية بسِيَر الأوَّلين، فإنه يُفضل أن يلجأ إلى النثر التاريخي لا إلى الشعر القصصي، وقد حاولَ بعض الشعراء المُحدَثين أن ينظُم ملاحم كما فعل مِلتُن في «الفردوس المفقود»، ولكنها مع فضلها لم تبلُغ روعةَ الملاحم القديمة.

فإذا نحن وصلْنا إلى النثر رأيْنا أنه لم يشهد عظمته في عصر من العصور كما شهدها في عصر الديمقراطية، وإنَّا — وقد ألِفْنا منذ الطفولة استعمال النثر الفني الكتابي — لَيَعسُر علينا أن نتصوَّر هذه الحقيقة العجيبة، وهي أنَّ العالم اضطُرَّ أن ينتظِر آلاف السنين قبل أن يجيء هيرودوت وأمثاله فيرتقوا بالنثر إلى مرتبة النثر الفني، كما مرَّ على الأدب العربي مئات السنين قبل أن يرتقيَ الجاحظ وأمثالُه بنثرِه الفني.

وبينما تُصِرُّ الأوتوقراطية على أنَّ الفرد وُجِد للدولة والحكَّام، إذا بالديمقراطية تُنادي بأنَّ الدولة والحُكَّام هم الذين وُجِدوا للفرد، فكانت هذه العقيدة هي المُشجِّع الأعظم للاختراع والابتكار في كلِّ نواحي الحياة ومنها الأدب؛ فترى النَّثْر يَرقى في كل أنواعه، سواء في ذلك التاريخ السياسي والرسائل والمقالات الأدبية والنثر الفُكاهي والنثر الفلسفي، ثم نرى ولادة الجريدة والمَجلَّة.

ونرى الاتِّجاهات الجديدة في النثر مُمَثَّلة في النثر المسرحي، وكتُب الرحلات، والنقد الأدبي النثري، والرواية الواقعية، والقصة الغرامية والتاريخية، ونرى — باختصار — النثر يحتلُّ أعظم مكانٍ في عالم الأدب في القرن الحاضر.

ولا يدري إلا الله عمَّ يتمخَّض العالَم من نُظمٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية تؤثِّر في الأدب فتطبَعه بطابعِه الجديد، وتُوجِّهه الوجهة المُلائمة للبيئة الاجتماعية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠