الفصل الثالث

الأدب اليوناني

(١) أساطير اليونان

كانت حياة الإنسان الأول شاقَّة عسيرة، وكان العالم من حوله يعجُّ بظواهر لا يفهمها، ومشكلات لا يقوى على تعليلها، ولكنه كلما ازداد على مرِّ الزمان خبرةً وذكاء ازداد رغبة في فهم هذه الطبيعة وتفسيرها؛ فما أصل العالَم؟ وكيف خُلق الإنسان والحيوان؟ كيف نشأت أفلاك السماء في مسالكها ونظامها؟ كيف نُعلِّل حركات الشمس والقمر؟ لماذا كانت هذه الشجرة حمراء الزهر وذلك الطائر أسود الذَّيل؟ ما أصل هذا وذاك من كل ما يُحيط بالإنسان؟

حاول الإنسان الأول أن يُجيب عن هذه الأسئلة وأشباهها، وهو في محاولته الإجابة لم يكن يفرِّق بين الإنسان وسائر الكائنات كما نفعل اليوم، إنما الكائنات في رأيه مخلوقات سواء؛ فكل حيوان له روح كروح الإنسان، وكل شيء في الوجود له شخصية كشخصية الإنسان. ويُنبئنا «هيرودوت» أن المصريين الأوَّلين كانوا يَعُدُّون النار حيوانًا نشيطًا، والرياح كائنًا حيًّا يتزوَّج ويُعقِب الأبناء.

على هذا الأساس أخذ الإنسان الأول في تفسير الطبيعة، فكان من الطبيعي أن ينسج القصص حول ظواهر الكون كما تُنسج حول أفراد الإنسان؛ فلكل ظاهرةٍ قصتها، أو أسطورتها التي تشرح تاريخها، فتكوَّنت بذلك طائفة من الأساطير تُصور عقلية الإنسان الأول في فهمه للأشياء. ولمَّا بدأ الإنسان في إنشاء أدبه وتدوينه، لم يجِد بُدًّا من تسجيل تلك الأساطير الأولى التي أخذت تتوارثها الأجيال، وكل جيل جديد يُضيف إليها شيئًا من إنتاجه يُصور وجهةَ نظرِه في مشكلات الحياة والموت وعلاقة الإنسان بالعالَم الذي يعيش فيه.

هذه الأساطير — التي اتَّخذها الأدب أساسًا يقوم عليه — مُتنوعة متعدِّدة كما تتنوَّع ظواهر الحياة وتتعدَّد.

فهذه أساطير عن أصل العالَم وأصل الإنسان، وهذه أساطير عن فنون الحياة تقصُّ علينا كيف تعلم الإنسان رماية الرمح وجرَّ المحراث وصناعة الخزف وهكذا، وهذه أساطير تدور حول الشمس والقمر والنجوم، وأخرى تتعلق بالموت وما بعد الموت. ثم هذه مجموعة من الأساطير — لعلَّها أروعها وأمتَعُها — تتَّصل بالحب وعلاقة الرجال بالنساء. والصفة المشتركة بين هذه الأساطير كلها هي الشخصية التي تخلعها على الحيوان والجماد. وقد أدَّت هذه النظرة بالإنسان إلى العقيدة بوجود آلهةٍ لا عدد لهم يسكنون ويكمُنون في كل ظواهر الوجود، ويُعنَون بشئون البشر فيرقبونها ويتدخَّلون في مجراها في شغفٍ واهتمام، وكثيرًا ما يقِف بعض الآلهة موقف العداوة من الإنسان، لهذا لم يكن بدٌّ عند الإنسان الأول من عبادة الآلهة وخشية بطشها. ومن هنا كانت هذه الأساطير وثيقة العلاقة بنشأة الدِّين. ولمَّا كانت طلائع الأدب تدور في جُملتها حول الآلهة وما يعملون، ثُم لمَّا كان الدين قد استتبع في تطوُّره إنشاء المعابد، فقد صار المعبد الديني في كثير من بلاد العالم القديم مأوى الآداب.

وإنه لمن أروع وأهم ما يرويه تاريخ الإنسانية هذا التشابُه الشديد بين أُمم الأرض في أغانيها الشعبية وفي أساطيرها، فأغاني الشرق وأغاني الغرب مُتفقة في الموضوع، وكل شعوب العالم تقص قصصًا متشابهة أو متقاربة. أيكون هذا الاتفاق حادثًا عارضًا؟ أم نعلل اتفاق الهنود والفرس والإغريق والرومان والجرمان وأهل اسكندناوه والروس والكلتيين بأنهم جميعًا استمدُّوا أساطيرهم من الجنس الذي عنه تفرَّعوا جميعًا، وهو الجنس الآري الذي كان مقرُّه هضبة آسيا الوسطى قبل أن يهاجر نحو الغرب في موجات متلاحقات ليؤسِّس الأمم الأوروبية؟ قد يكون هذا التعليل مقبولًا لولا أنه لا يفسر التشابه بين الآريين وغير الآريين.

لهذا كان الأرجح أن يكون تشابُه الأساطير عند مختلف الشعوب راجعًا إلى أنها نتيجة تجارب متشابهة وعقليات متقاربة وعواطف متجانسة يحسُّها الإنسان ما دام إنسانًا، فهي إنتاج العقل والعاطفة الإنسانية في بدايتهما.

ونحن نبسط لك أمثلة من أساطير اليونان، لما لها من أثر قوي في الآداب العالمية وخاصة الأدب الأوروبي:

(١-١) قصة: كيوبد وسيكه١

كانت سيكه صغرى بنات أحد الملوك، وكانت من الجمال بحيث أثارت الغيرة في إلهة الجمال نفسها «فينوس»،٢ فأمرت الإلهة ابنها كيوبد أن يقتُل هذه الإنسانة التي تنافسها في جمالها، فتسلَّل كيوبد إلى مخدع سيكه، ولكنه لم يكد يُبصر هذا الجمال الفاتن حتى ارتدَّ مذهولًا، وانطلق أحد سهامه إلى صدره، فأقسم ألا يعتدي على مثل هذا الجمال البريء، وسرعان ما أحبَّها، وأخذ يزورها في ظلمة الليل، بعد أن وعدتْه بألا تحاول التعرُّف باسمه أو النظر إلى وجهه، وتوعَّدها بالهجر والقطيعة إذا هي أخلفت وعدَها. ولبثت سَيْكه زمانًا طويلًا حافظة لعهدها، ضابطة لأمرها، ولكن رغبة الاطلاع غلبتْها آخِر الأمر، فنهضت ذات ليلٍ وأشعلت سراجها وحدَّقت مُعجبة في حبيبها الراقد. وشاءت المُصادفة أن تسقط من المصباح قطرة زيت على كيوبد فتوقِظه؛ ففرَّ لساعته من النافذة المفتوحة، وظلَّت سيكه تُعاني ما تعاني من هجر حبيبها حتى عاد إليها.

•••

وهي قصة ترمُز إلى حقيقةٍ إنسانية قريبة، وهي أن النفس لا يجوز لها أن تُمعن النظر في الحُب وإلا تبدَّد، وقريب من هذا قول الشاعر العربي:

ليس يُسَتحسَن في شرع الهوى
عاشق يُحسِن تأليف الحُجَج

(١-٢) قصة: ديانا وإنديميون٣

كانت ديانا — إلهة القمر — تسُوق جيادها البيض النواصع في السماء، فلمحت إنديميون نائمًا على سفح جبل، وإنديميون شابٌّ من الرُّعاة فاتن الجمال، فانحنت إليه تُقبله، وأخذت كلَّ ليلة تقِف بعربتها في هذا المكان، فتقضي مع الشاب الجميل لحظةً قصيرة، هي عندها السعادة والنعيم، ثم ما لبثت ديانا أن أشفقت على هذا الجمال أن يُفلِت منها أو تُتْلِفَهُ الحياة على الأرض، فأغرقتْه في نعاسٍ دائم وأخفتْه في غارٍ لا يُدنِّسه إنسان من البشر.

هذه القصة من أساطير النجوم، ويقول شارحوها إن إنديميون يُمثل الشمس الغاربة التي يتطلَّع إليها القمر كلما بدأ في الليل رحلته.

(١-٣) طريق الدمار أو قصة: فيتون٤

قصة فَيْتُون هي قصة الكون كله، فقد كان فيتون ابن أبولو٥ إله الشمس وهو يُمثل السائق الأرعن الذي يتخبَّط بعربته هنا وهناك. طلب فيتون من أبيه أبولو أن يُقيم له برهانًا على حُبه الأبوي، فأقسم أبولو أن يستجيب لطلَب ابنه مهما كان.

ولكنه سرعان ما ندم على قسَمِه، لأن فيتون قد طلب إلى أبيه أن يعهد إليه بعربة الشمس يقودها يومًا واحدًا، فقال أبولو: «لن يقود عربة النهار ذات اللَّهب إلا أنا.» وأنذر ابنه بما يُصيب الكون من الكوارث لو عهد إليه بعربة الشمس يقودها، وأخذ يصِف له مخاطر الطريق: «أول الطريق شديد الانحدار … ووسطه عال في أجواز السماء، حتى أكاد أنا نفسي لا أستطيع أن أُصوِّب نظري نحو الأرض التي تمتدُّ تحتي دون أن يأخُذني الفزَع … أضِف إلى ذلك كله أن السماء لا تنفكُّ دائرة تحمل معها النجوم، فلا بدَّ لي أن أكون على حذرٍ خشية أن تدفعني حركة السماء الدائرة التي تدفع كلَّ شيء. فهبْني أَعَرْتُك العربة يومًا، فماذا أنت صانع؟

إنَّ الطريق مملوء بالمخاوف؛ فستمضى بجانب قرنَي «الثور» أمام «السهم»، بالقُرب من فكَّي «الليث»، حيث «العقرب» تمدُّ إحدى ذراعَيها في ناحية و«السرطان» في ناحية أخرى، ولن تجد الأمر يسيرًا أن تقود هذه الجياد بصدورها المليئة باللَّهب الذي تلفظه من الأفواه والخياشيم.» ولكن فيتون الأحمق أبى إلا أن يكون أبوه عند وعدِه؛ فأسلمه أبوه عربة الشمس فأمسك بالعنان وبدأ رحلته في السماء، وسرعان ما أحاطت به الصِّعاب، فقد أحسَّت الجياد رعونةَ سائقها فانطلقت مُنحرفةً عن طريقها، فتلاحقت الكوارث: احترق الدبُّ الأكبر والدبُّ الأصغر، وذوت مجموعات بأسرِها من النجوم. فلمَّا قارب الأرض أخذها الهلَع من كل صوب، فسقط العنان من يد فيتون، وجثا راكعًا أمام أبيه يطلُب معونته، لكنَّ دعاءه ذهبت به ضجة الفزع تنبعِث من أرجاء الأرض جميعًا: فالغابات تشتعِل، والجبال تذوب، والبحر يفيض، والقاع يبرُز على هيئة الجُزُر، والأرض تنشق، والمدائن تصعد دخانًا في الفضاء ثم تهبط ذرَّات من رماد، ونهر النيل ينحرف إلى الصحراء حيث لا يزال حتى اليوم، واسودَّت وجوه أهل النوبة، وماج البحر حتى كاد إلهه يغُوص في اليمِّ غرقًا، واهتزَّت الأرض ضارعةً إلى «جوبتر»٦ أن يُخمد نارًا كادت تجعلها رمادًا.
وسمع «جوبتر» (إله المشتري) دعاء الأرض، ودعا الآلهة أن يشهدوا ما دبَّر للأرض من خلاص؛ وما هو إلا أن طوَّح بسهم من البرق الخاطف نحو السائق المجنون، فارتجَّ فيتون وسقط من مكانه في العربة إلى نهر «أريدانوس»٧ حيث غرق في موجه، وأقامت عرائس النهر قبرًا له، وبكت عليه أخواته بكاءً مرًّا طويلًا، حتى أشفق عليهنَّ «جوبتر» فأحالهنَّ شجراتٍ من الحور ما تزال ورقاتها تُسقِط عبراتها القانيات، وحزِن عليه صديقه «سجنوس»٨ حزنًا كاد يقضي عليه، فبدَّله الله تِمًّا٩ لن يزال إلى الأبد سابحًا على النهر ينشُد قبر فيتون.

هكذا علَّل عقل الإنسان الأول — وفيه ما فيه من ضَعف التعليل وشرود الخيال — نشأة الصحراء والأصقاع المُجدِبة وما إلى ذلك على ظهر الأرض.

(١-٤) قصة إكو ونارسيس (الصدى والنرجس)١٠

كانت إكو — عروس الجبال — بارعةً في جمالها، ولكنها أحرجت صدْر ديانا١١ بحديثها الذي لا ينقطع، وكثرة لجاجها واعتراضها في الكلام والحوار، فقضت عليها ديانا بالعقاب الآتي:

«ستُحرَمين هذا اللسان الناطق الذي تخدعينني به؛ فلن ينطق لسانك بعد الآن إلا بشيءٍ واحد أنت به مغرمة، وهو: الجواب. وسأبقي لك القدرة على رَدِّ الكلمة الأخيرة من حديث المُتكلِّم، وأسلُبك القدرة على البدْء بالحديث.» فتذهب إكو صامتة اللسان لا تُحركه إلا لكي تُكرر به آخِر كلمات المتحدث، ثم يشاء حظها الأنكد أن تُغرَم بشابٍّ جميل «نارسيس» (النرجس) وتهمُّ بمُغازلته فلا تستطيع؛ فنال منها الحزن والعار كلَّ مبلغ، وآوت إلى الصخور والجبال حيث أخذت تذوي وتذبُل حتى فنيَ منها الجسد، ولم يبقَ لها إلا الصوت تُردِّد به الكلمة الأخيرة مما تسمع، ولا تزال حتى اليوم نعرفها بصوتها. وشاءت المقادير أن تنتقم لها من نارسيس الذي رفض حُبَّها بل أشاح بوجهه عن العرائس جميعًا.

وذلك أن نارسيس رأى يومًا صورة وجهه معكوسة في الماء فأحبَّها، ولكن لا سبيل إلى ضمِّ هذا الحبيب.

لذلك اعتزل في حُزنه حتى مات؛ فأرادت العرائس أن تواري جسدَه في جدَثٍ يليق به، ولكنها لم تجِدْ من جسده إلَّا زهرةً تحمل اسمه، هي زهرة النرجس. ولعلَّها رمْز إلى زهرة النرجس التي تنمو على حافة المياه.

(١-٥) قصة بروزربين المُغتصَبة١٢

لم يستطيع بلوتو١٣ — إله جهنم — أن يُغري إلهة من الآلهات بزواجه، فظلَّ في مملكة الموت وحيدًا حتى ضاق بهذه الوحدة ذرعًا. وحدَثَ مرة أن كانت «سيريز»١٤ إلهة القمح والحصاد تجُول مع ابنتها «بروزربين» في سهلٍ مُزهر من سهول صقلية، فأخذت الفتاة تجمع الزهر مع جماعةٍ من الرفاق، فباغتَها «بلوتو» وقد أقبل في عربته مُسرعًا، وأحبَّها للنظرة الأولى فاختطفها لتكون قرينةً له في مملكته الصامتة المُوحِشة؛ فسقط الزَّهر من حجر الفتاة وأخذت تصيح مُستنجدة، ولكن الإله المُغتصِب استحثَّ جياده حتى وقف به الطريق عند نهر، فغضب بلوتو وضرب الأرض بصولجانه فانشقَّت له وهبط إلى جوفِها مع عروسه المُغتصَبة، فحُرِمت ضوء الشمس وهواء الأرض وأصبحت زوجة لملك الموت، وأخذت أُمُّها سيريز تبحث عن فتاتها في سَورة من الغضب والحزن، وأشعلَتْ سِراجَين وهَّاجَين على قمة «إطنة» لتبحث عن ابنتها في سواد الليل؛ فلم يجرؤ أحد من الآلهة ولا من الناس أن يُنبِئها خبر ابنتها خوفًا من بلوتو! ولبثتِ الأمُّ هائمة على وجهها تسعة أيام، حتى صادفت إلهةً أنبأتها قصة ابنتها التي أصبحت مَلكةً على دولة الأموات.
فأسرعت سيريز في عربتها إلى مقرِّ الآلهة لترفع إليهم شكاتها، فاستجاب لها «جوف»١٥ وأرسل عطارد١٦ يسترد بروزربين من خاطفها بلوتو، ولكنه اشترط لردِّها ألا تكون قد أكلت شيئًا من طعام العالَم السُّفلي، وذهب عطارد وكاد بلوتو يصدَع بأمر كبير الآلهة، لولا أنَّ بروزربين عندئذٍ شوهدت وفي يدِها رمَّانة تمتصُّ رحيقها، فكان ذلك مانعًا من ردِّها، ولكنهم اتَّفقوا آخِر الأمر أن يقِفوا من الطرفَين موقفًا وسطًا، فقُضِي على بروزربين أن تُنفِق نصف عامِها مع أمها والنصف الثاني مع زوجها.

وبروزربين في هذه القصة ترمُز لحبَّة القمح التي تقضي الشتاء راقدةً في مخبأ مظلم تحت التراب، ثم تعود فتبرز على وجه الأرض في الربيع مورقةً مزدهرة. أو بعبارة أخرى ترمُز هذه القصة لموات الشتاء تتلوه حياة الربيع إلى أبد الآبدين.

•••

هذا نموذج من الأساطير اليونانية وتُسمَّى الميثولوجيا١٧ وهو اسم يُطلَق على أساطير كلِّ أمَّةٍ تتعلق بآلهتها، فيقال الميثولوجيا اليونانية والمِيثولوجيا الهندية … إلخ.

وقد تناولها العلماء بالبحث في أصولها ونشأتها ورموزها، وسمَّوا هذا العِلم «ميثولوجيا» أيضًا، وهو علم واسع احتدَم فيه الجدل واختلفت فيه وجوه التفسير.

ولعلَّ أقدم محاولة كانت ما زعمه فلاسفة أيونيا من أنَّ الأساطير ليست إلا رموزًا لقوى الإنسان النفسية والأخلاقية، وعن هؤلاء الفلاسفة أخذ أفلوطين وفرفريوس وغيرهما من فلاسفة الإسكندرية، فأسرفوا في التخريج، وإن لم تخلُ آراؤهم من عمقٍ وجمال. خذ لذلك مثلًا قصة «يوليسيز» والساحرات المعروفات باسم سيرينا،١٨ فقد حدَّثنا هوميروس عن وجود أولئك الساحرات بأعلى الصخور في إحدى المضايق الخطرة، وقال إنَّ أصواتهنَّ كانت رائعة الجمال وإنهنَّ كنَّ إذا غنَّينَ أذهلنَ البحارة عن سُفنهم، فتركوها تسير مع المَوج إلى أن ترتطم بصخور المضيق وتتحطَّم. ولهذا عندما اقترب «يوليسيز» منهنَّ عائدًا من حرب طروادة أمر بحَّارته أن يسدُّوا آذانه وأن يَشدُّوه إلى شراع السفينة، وبذلك نجا من سحرهن، واستطاع أن يظلَّ يقظًا مَعنيًّا بقيادة سفينته وإصدار أوامره إلى البحارة.

في هذه الأسطورة يرى أفلوطين وتلاميذه أنها رمز للصراع بين العقل والغواية، وهو بعدُ تفسير قريب مقبول، ولكن موضع الخطر كان في تعميمهم لمثل ذلك الفهم ومحاولتهم تطبيقه على كافة الأساطير.

وفي القرن الرابع قبل الميلاد ظهر مذهب آخر يُعرف ﺑ «اليُهِيميرية»١٩ نسبة إلى الفيلسوف اليوناني يُهيميروس،٢٠ وهو يرى أن الأساطير ليست إلا قَصصًا خياليًّا لحوادث تاريخية، فالآلهة وأشخاص الأساطير الأخرى ليسوا عنده إلَّا ملوكًا وأبطالًا أصبحوا آلهة بعد موتهم؛ ﻓ «ريوس» مثلًا ليس إلا غازيًا شجاعًا مات بجزيرة كريت ودُفن بها، وبعد موته عُبِد على أنه إله. وبهذا المذهب أخذ رجال الكنيسة في التاريخ القديم وفي القرون الوسطى، لأنهم وجدوا فيه ما استطاعوا معه تجريح آلهة الوثنية. وهذا المذهب وإنْ كان في عبادة الأموات التي شاعت عند الشعوب القديمة ما يؤيده إلا أنه لا يمكن أن يفسِّر نشأة كل تلك الآلهة التي ملأ بها اليونان الأرض والسماء.

هاتان هما المُحاولتان الكبيرتان اللَّتان عرفهما القدماء ورجال القرون الوسطى في تفسير الأساطير. وأما العصور الحديثة — أعني منذ النهضة الأوروبية — فقد تفنَّنت في الفروض يضعها العلماء ثم يأخذون في البرهنة على صِحَّتها مُعتمِدِين على المقارنة. ولقد كان في اكتشاف أمريكا ومجاهل أفريقيا وجزر الأوقيانوس ما مكَّن العلماء من تدوين كثير من أساطير الشعوب الفطرية التي لا تزال تسكن بعض تلك الجهات. وعلى ضوء تلك الأساطير حاولوا تفسير الأساطير القديمة. فقال البعض إن الأساطير لم تُوضَع إلا لتفسير الطقوس الدينية التي توارثها الأقوام البُدائيون دون أن يفهموا لقِيامها معنًى، فأخذوا ينسجون لتفسيرها القصص، وقال آخرون إنها وُضِعت لكي تنفُث نوعًا من الحياة في الأصنام والتماثيل التي توارثها أولئك القوم. وقال آخرون إنها نشأت عن عبادة الشمس أو غيرها من قوى الطبيعة التي خشِيَها الإنسان البدائي وعجز عن فهمها فعبدَها. وهكذا تنوَّعت المذاهب مما لا سبيل إلى حصره، وفي كلٍّ منها شيء من الحق، ولكنها كلُّها لا تقوم إلا على الفروض التي لا تُفيد يقينًا.

والأساطير اليونانية لم تصِل إلينا على حالتها الفطرية الأولى، بل إنَّ الشعراء الذين أتوا بعدُ تلقَّفوا الأساطير من أفواه الشعب، وهم لم يقِفوا عند مجرَّد التدوين أو الصياغة الشعرية بل نمَّوا ما سمِعوا وفهموه بعقولهم الممتازة، ووجَّهوه نحو معانٍ جديدة عميقة، ثم عادوا فردُّوا إلى الشعب ما أخذوه عنه، وإذا بالشعب ينسى الصِّيغ الأولى لأساطيره ولا يعود يذكُر غير ما يرويه الشعراء. وعلى هذا النحو نستطيع أن نقول إنَّ الشعراء هم الذين خلقوا الأساطير التي بين أيدينا الآن.

وأقدم شعراء اليونان الذين خلقوا لنا ما كتبوا هو «هوميروس» الذي عاش على الأرجح في القرن العاشر قبل الميلاد. ولقد تحدَّث هوميروس عن الكثيرين من آلهة اليونان وذكر الكثير من خصائصهم وصفاتهم، ولكن ما ذكرَه ذلك الشاعر العظيم عن الأساطير لم يأت إلا عرضًا، وفي جلال قصصه للحوادث التي اتَّخذ منها موضوعًا لمَلحمتَيه اللتَين سنتحدث عنهما بعد. ومع ذلك فمن البيِّن أنه كانت لدى هوميروس فكرة جامعة عن روح الأساطير الإغريقية، تلك الروح التي نجدها شائعة في كل ما يقول وكأنه يفترِضها معلومة، وهي لا شكَّ كانت معلومة لسامعيه، وأما نحن الذين نجهلها فلا بدَّ لنا من الاعتماد على شاعرٍ آخر أتى بعد هوميروس بأربعة قرون تقريبًا، وحاول أن يعرض تاريخ الآلهة اليونانية والأساطير التي تتعلق بها، ولكن عرضَه لم يخلُ من تناقُض وتشتُّت، نُفسِّره اليوم بمحاولته التوفيق بين تقاليد المدن اليونانية المختلفة. ومن المعلوم أن بلاد اليونان كانت مُقسَّمة إلى عدة مدن تُكوِّن كل مدينة منها مملكة صغيرة، وكان لكل مدينة نُظمها وتقاليدها وآلهتها وأساطيرها، وإن تشابَهَ ما كان قائمًا بالمدن المختلفة، كما أن قيام الأعياد الإغريقية العامة والمسابقات الرياضية المشتركة، ووجود معابد في مدينة دلف وجزيرة ديلوس٢١ ومدينة أولمبيا وغيرها يحجُّ إليها الإغريق كافة، كل هذا ساعد على وجود آلهةٍ مشتركة موحدة الخصائص، ولكن دون أن يمحو الاختلاف في التفاصيل.
ذلك الشاعر هو «هزيود» الذي سيأتي ذكره، وكتابه الذي نُشير إليه هو «نسب الآلهة»،٢٢ وبإمعاننا في ذلك الكتاب نستطيع أن نفهَم الأساطير اليونانية فهمًا يوضِّح لنا الكثير من خصائص الأدب الإغريقي بل والرُّوح الإغريقية عامة.

والذي لا شكَّ فيه أن أساطير الإغريق كغيرها من الأساطير تدور حول العناصر الأبدية الثلاثة؛ (١) الإنسان. (٢) الطبيعة. (٣) الآلهة؛ فهذه العناصر الثلاثة هي أبطال كل تلك القصص. والذي شغل الإنسانية منذ أقدم الأزمنة — ولايزال يشغلها حتى اليوم — هو فَهم العلاقة بين هذه العناصر وحلُّ المشكلة القائمة بينها. ولقد استطاع اليونان أن يفهموا تلك العلاقة وأن يحلوا ذلك الإشكال حلًّا شعريًّا فيه تتركَّز كل خصائصهم الروحية.

ولعلَّهم لم يستطيعوا حلَّ تلك المشكلة العويصة — مشكلة الإنسان والطبيعة والآلهة — ذلك الحلَّ الشِّعرى إلا بفضل تلك الخاصية التي يُجمع النقَّاد على توفُّرها لديهم؛ ونعني بها أنهم قوم كانوا يفكرون بخيالهم، وبذلك استطاعوا أن يجمعوا بين نشأة الآلهة ونشأة العالم، حتى لنقرأ اليوم كتاب هزيود السابق فنرى فيه بوضوحٍ فلسفة للكون تُماشي تسلسُل الآلهة وتوزيع الاختصاص بينهم، وكانت هذه أول مرحلةٍ لحلِّ المشكلة، وكانت الثانية خلع صفات الإنسان على آلهتهم وبذلك قرَّبوها إليهم وحمَّلوها نزعاتهم، ومنذ أن أصبحت لهم آلهة شبيهة بالبشر أخذوا يتصوَّرون آلهة أخرى وربَّات في كل ما في الطبيعة من جبالٍ وأنهار وغابات وأشجار، حتى لنستطيع أن نقول: إذا كان الهنود يعتقدون بالحلول الإلهي في الكون، فإنَّ اليونان قد آمنوا بالحلول الإنساني في الآلهة، فالإنسان عندهم حالٌّ بكل شيء، حالٌّ بالآلهة ثم حالٌّ بالطبيعة التي تصوَّروها بملك كل خصائص الإنسان. وهكذا اتَّخذ اليونان من الإنسان محورًا للوجود كله ومَنبعًا له.

وعن خصائص هذا الحلِّ تصدُر خصائص الأدب اليوناني كله، فهو أدب (١) إنساني، أعني أنه يُعالج مشاكل الإنسان التي تمس حياته القريبة، ويسلط الضوء على النفس البشرية ليكشف عن أسرارها، وهذه الخاصية من الوضوح بحيث لم يجد علماء النهضة اسمًا يصدُق على الدراسات اليونانية اللاتينية خيرًا من الإنسانيات. (٢) وهو أدب تشخيص «دراما» ولقد أتته تلك الميزة من تشخيصه لعناصر الطبيعة التي ملئوها بالآلهة البشرية، فأصبح الوصف نفسه أشبَهَ ما يكون بالرواية التمثيلية التي تشتبِك فيها الإرادات المختلفة وتتعارَض أو تتعاطف. (٣) وهو أدب انسجام٢٣ تتناغم أجزاؤه ولا تصنُّع فيها، وتلك خاصية امتازت بها أساطيرهم التي غذَّت ذلك الأدب.
خذ لذلك مثلًا ما ذكَره هزيود من أنَّ الأرض «جيا»٢٤ لمَّا خُلقت وخَلقت السماء «أورانوس»٢٥ تزوَّجت الأرض السماء — وبهذا فسَّر الخيال اليوناني جُثوم السماء على الأرض عند الأفق — ونتج منهما أبناء نخصُّ بالذكر منهم الزمن «كرونس»٢٦ ولمَّا كان الزمن لا يُبقي على أحدٍ ولا على شيء، وكان قاسي الفؤاد لم يتورَّع عن أن ينال بمعونة أباه أورانوس نفسه يطعنه فيهوي إلى الأرض.
هوى أورانوس فحلَّ محله كرونس في السيطرة، ولقد كان من الطبيعي أن يتصوَّر اليونان سيطرة «الزمن» على الوجود، والتمس كرونس له زوجةً فلم يجد خيرًا من «ريا»٢٧ وريا معناها «الجريان»، وإذن فقد تزوَّج الزمن من جريانه وكانت لهما أبناء، ولكن كرونس الذي لم يُبقِ على أبيه أخذ يتلقَّف أبناءه بمجرد أن يُولدوا ويبتلِعهم، إلى أن كان يوم وُلِد له فيه «زيوس»،٢٨ ومعنى زيوس «النهار أو الضوء»، ونظرتِ الأم فوجدت ولدَها مُشرق المُحيَّا، فعزَّ عليها أن يبتلِعَه أبوه واحتالت لنجاته فلفَّت حجرًا في قماطٍ وألقمَتْهُ الأب وهربت بابنها إلى جزيرة كريت حيث أودعتْهُ عند جدَّته جيا.
بجزيرة كريت نما «زيوس» وترعرع، ولكنه لم يكَدْ يبلُغ أشدَّه حتى علم بوجود التيتان٢٩ أعمامه إخوة كرونس، فثار غضبهم؛ إذ إنهم لم يُسلِّموا لكرونس بالسيادة إلَّا على شرط ألا يُعقب أحدًا يمكن أن يخلفه في الملك، فأما وقد أفلتَ من أبنائه وَلَد فهم في حِلٍّ من عهدهم، بل لا بدَّ لهم من إنزاله عن عرشه ليتخلَّصوا منه ومن ولدِه. وكانت معركه حامية اهتزَّ لها الوجود كله وأوشك «كرونس» أن ينهزم وقد وجد نفسه وحيدًا أمام جموع إخوته التي تركزت فيها قوى العالم لولا أن خفَّ «زيوس» إليه. ونظر زيوس فرأى بوادر الهزيمة، فأسرع إلى أبيه يُجَرِّعه شرابًا لم يكد يتناوله حتى ردَّ ما ابتلَعَ من أبنائه، فقاموا بجوار أبيهم في مناهضة أعدائهم، حتى كانت لهم ولأبيهم الغلَبَة.

انتصر كرونس وكان الفضل الأكبر في انتصاره لزيوس الذي لم ينس أنه لم ينجُ من أبيه إلا بحيلة أُمِّه، والذي كان يَعلم حقَّ العِلم أن لا بقاء مع «الزمن» لشيءٍ ولا لأحد. وتطلَّع زيوس إلى الخلود فأخذ بتلابيب «كرونس» وألقاه إلى الأرض حيث سقط إلى جوار روما، فيما يروي «فرجيل» شاعر اللاتين الذي حسب أنَّ سقوطه بجوار تلك المدينة العريقة سيضمَن لها الخلود، ولكنَّنا لسُوء الحظِّ نلحظ أنَّ نزوله إلى الأرض لم يحفظ روما ولا حفِظ غيرها.

تخلَّص زيوس من كرونس فضمن الخلود.

وانتصار زيوس هو انتصار النهار على الزمن. انتصار هذا الجزء من اليوم الذي يعود كل صباح إلى الظهور، فهو انتصار الحياة المتجدِّدة على الفناء المُستمر. وهكذا عبَر الخيال اليوناني من الزمن المُدمِّر الذي يُفني بعضُه بعضًا إلى النهار الذي يعقبه الليل، إلى الحياة يتلُوها الفناء.

انتصار النهار على الزمن انتصار لمِقياس محدود وقانون مُطَّرد على امتداد الزمن الذي لا أول له ولا نهاية، فهو انتصار للمحدود على اللامحدود، انتصار للنظام على الفوضى، ومن هنا سَمَّى هوميروس زيوس «سيد النظام».

بذلك وصل الخيال اليوناني في فهمه لنشأة الآلهة ونشأة الكون إلى مبدأين أساسيين: (١) مبدأ الخلق والفناء. (٢) مبدأ النظام الذي يسود هذا الوجود.

انفرد زيوس بالسيادة وقد ضمِن الخلود بخلاصِه من الزمن، و«زيوس» كما رأينا رمز النظام. رمز هذا الخبر الذي يُسيِّر الوجود وفقًا لقوانينه، بحيث لا بدَّ لهذا الإله الجديد من إخضاع ما بقي من قوًى خلَّفتها الآلهة القديمة. فها هي الرياح ما تزال تهبُّ والبراكين تثور … إلخ، على غير سنَنٍ واضح، حتى لكأنها عناصر الثورة في هذا الوجود، ثورة إليها يرمُز الخيال اليوناني عندما يُحدِّثنا عمَّا كان من نشوب الحرب من جديد بين زيوس وبين إخوته وبني عمومته من العمالقة،٣٠ وأوشكت الهزيمة أن تحلَّ بزيوس لولا أن خفَّ إليه أحدُ بني عمِّه برومثيوس٣١ أي «المُتبصِّر» جد البشَر فيما يزعم البعض، ورمز الإنسانية وحاميها، فشدَّ من أزره حتى كان له النصر، ولا أدلَّ على أن هؤلاء العمالقة هم قوى الطبيعة من أنَّ هزيمتهم لم تتمَّ إلا بعَون البشر مُمثَّلين في برومثيوس، البشر الذين يتلخَّص تاريخ جهادهم الطويل في نفوذهم إلى قوانين الطبيعة نفوذًا يُمكنهم من السيطرة عليها. ثُم من هم أولئك العمالقة؟ أليسوا أمثال تيفون٣٢ الذي قضى عليه زيوس بعد الهزيمة بالسجن تحت جبل «الأتنا» حيث لا يزال إلى اليوم يثور من وقتٍ إلى آخر فينفُث الحِمَم لهيبًا، ثم أطلس٣٣ الذي ألقاه زيوس بشمال إفريقية حيث لا يزال جبلًا يحمِل على أذرُعِه قبَّة السماء؟

هكذا انتصر «زيوس» على العمالقة من قوى الطبيعة فساد الجبر عالَم المادة، ولكن هل سيبسط هو نفوذه أيضًا على البشر؟ وهل سيخضع له هؤلاء البشر في شخص برومثيوس أم لا بدَّ من قيام صراع بينهما؟ وإن كان فلِمَن ستكون الغلَبة؟

وفي الحقِّ أنَّ هذا الصراع لم يكُن منه بد، فبرومثيوس لم ينسَ أن له الفضل الأكبر في تمكين زيوس من الانتصار وبرومثيوس يُمثِّل هؤلاء البشر الذين يُحسُّون أن لهم إرادةً حرة أو يعتقدون أنها حرة، وفي تلك الحُرية أملُهم العذب ومصدر شعورهم بكرامة الإنسان المسئول عمَّا يأتي وما يدَع.

ولقد كانت لهذا الصراع قصَّة طويلة، وإنما يُهمُّنا الآن أن نُقرِّر أن زيوس وبرومثيوس، أو قُلْ إن مبدأ الجبر والبشرية قد وصلا إلى كلمةٍ سواء، فكفَّ زيوس عن البشَر أذاه وخضعت الإنسانية لأحكامه. ولكن بعدَ زمنٍ طويل تحوَّل فيه الإله عن طبيعته الاستبدادية إلى إلهٍ مقيد بقوانين الحق والعدل والخير، وأشرك معه في الملك من إخوته وأقاربه عددًا انفردَ كلٌّ منهم بالسيادة على جزءٍ من الوجود وإن ظلَّت له السيطرة العُليا، بل ودنا من البشر فاتَّخذ الكثير من خصائصهم، فأصبح يفرح ويحزن، ويلهو ويتألَّم، ويُحب ويكره، ويشتهي، كما يفعل البشر سواءً بسواءٍ.

فأمَّا مثل الخير والعدل والحق، فقد احتال لاكتسابها بأن ابتلع «الحِكمة»٣٤ التي استقرَّت برأسه يصدُر عنها في قيادة العالَم، إلى أن كان يوم ناءَ بحِملها فدعا إليه هفيستوس٣٥ إله الحدَّادين وأمرَه أن يشقَّ رأسَه بمِعولِه خرجت منه الحكمة مُشخَّصة في تلك الإلهة الرائعة أتينا «بالاس أتينا».٣٦ خرجت من عقل الإله وبيدِها رُمحها، وبرأسها خُوذتها، رمزًا لقوة الحكمة. ثم تزوَّج من «تيميس»٣٧ أي الشريعة، فولدت له «الساعات» وحدة الزمن ومِقياسه، وولدت إينوميا٣٨ «الحكم الصالح» تحمِل إلى العالَم العدل والسلام، ثم «البارك»٣٩ آلهة الأعمار الثلاثة تغزِل إحداهنَّ خيط آجالنا، وتطوي الثانية ما تغزِل الأولى، وأما الثالثة فتقطع الخيط عندما يحين الحين.
كذلك أشرَكَ معه في الملك إخوته وأقاربه بنزعةٍ ديمقراطية إغريقية بحتة، وممَّن أشركهم معه بوزيدون٤٠ الذي ولي سيادة البحار، وهديس٤١ الذي ذهب بالسيطرة على العالَم الآخَر، وأما هو فقد استقلَّ بالسماء ليُشرِف منها على مَن دُونه، بينما ظلَّ سطح الأرض ملكًا شائعًا للجميع بما فيه الأولمب، ذلك الجبل الجليل الذي اتَّخذته الآلهة ندوةً يجتمع بقمَّته حفلُها، وكان لهؤلاء الأرباب أبناء كثيرون انضمُّوا إلى آبائهم في السيادة، وقد انفرد كلٌّ منهم بظاهرةٍ من ظواهر الطبيعة المُتعدِّدة، فأصبح للبحار حوريَّات، وللأنهار والغابات والينابيع والمروج الرَّطبة ربَّات، وذهب الإله الرابع أبولو٤٢ بالفنون على رأس جوقةٍ جميلة من الفتيات التِّسع المُسميَّات بالميز،٤٣ ولكلٍّ منهنَّ اختصاص من مُوسيقى أو شِعر أو تاريخ … إلخ.

وأخذت كلُّ تلك الآلهة صفات البشر حتى قال بعضهم إذا كانت بعض الأديان تقول إنَّ الله خلق آدم على صورته. فاليوناني هو الذي خلق آلهته على صورته «صورة الإنسان».

ولمَّا كان كل أدبٍ قديمٍ وليد الدين وصورة له، فقد اتَّصف الأدب اليوناني بما اتَّصفتْ به آلهتهم، فجاء كما قُلنا أدبًا إنسانيًّا، أدب انسجام، أدب تشخيص فيه كل ما في أساطيرهم من صفات.

(٢) شعر الملاحم عند اليونان٤٤

في القرن التاسع أو العاشر قبل الميلاد، كان شاعر ضرير يتنقَّل بين المدن اليونانية في آسيا الصغرى يُنشد الأناشيد، ويُرتل الأساطير التي صِيغت في قوالب الشعر وقوافيه، ذلك هو هومر أو «هوميروس» الذي يُقال عنه إنه مُنشئ الإلياذة والأوذيسة.٤٥ وقد يكون القول صحيحًا، وقد يكون اسم «هوميروس» رمزًا لطائفة من الشعراء أخذ كلٌّ منهم بنصيبه في خلق هاتَين الآيتين. وأيًّا ما كان، فقد كان القدماء يروون هذا الشعر على أنه لشاعرٍ واحد يتنازَع شرَف مولِده كثير من البلدان.

ولسْنا ندري من أمر هوميروس في حياته الخاصة شيئًا؛ إذ إنه لمَّا أتيح لمؤرِّخي اليونان ونُقَّادهم في القرنَين الخامس والرابع قبل الميلاد أن يتعقَّبوا أشخاص التاريخ ويقفوا على أصولهم ليرووا صحيح أخبارهم، كان هوميروس بين أيديهم أسطورةً يعجزون عن تحقيقها كما هو اليوم أسطورة عند الباحث الحديث، فلم يكن اليونان في عصر أفلاطون وأرسطو يعلمون عن شعرائهم السابقين ما نعلمه نحن عن شعرائنا، لأن شعراءنا قريبو العهد بنا، وإذا تجاوزْنا الأوَّلين فقد كانوا يعيشون في عهد الكتابة، وفي خمسة القرون الأخيرة كانوا يعيشون في عصور مطبعةٍ ونشر. أما اليونان في عصر بركليز فلم يكن لهم بالطباعة عهد، وكان عليهم أن يحفظوا أشعار هوميروس عن ظهر قلب. والأرجح أنَّ تلك الأشعار لم تتَّخذ وضعَها وترتيبها كما هي اليوم إلا في القرن السادس قبل الميلاد.

ولم تنشأ رِيبة في نسبة هذه الأشعار إلى شاعر مُعين اسمه هوميروس إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وذلك حين أثار هذه المشكلة العالِم الألماني، «فردريك وُلْف»٤٦ وهي مشكلة لن تجدَ لها حلًّا حاسمًا.

وبعدُ، فما الإلياذة؟ وما الأوذيسة؟

(٢-١) الإلياذة

نشبت بين الآلهة خصومة إذ ألقت إلهة الشقاق «إيريس»٤٧ بين الأضياف — في حفلة عرس — تفاحةً نُقِشت عليها هذه الكلمات «إلى ربة الجمال.» وكان بين الحضور ثلاثُ إلهات هُن: «جوُنُو»٤٨ و«فينوس»٤٩ و«مينرْفا»٥٠ وكل منهن تزعم لنفسها السيادة في دولة الجمال، وترى أن لها الحق في التفاحة؛ فقرر كبير الآلهة «جُوبتَرْ»٥١ أن يكون «بارسْ»٥٢ بن «برْيام»٥٣ ملك طروادة حكمًا بين الإلَهات الثلاث؛ فحكم بارس لِفِينوس٥٤ وأعطاها التفَّاحة؛ فتعرَّض بذلك لسخط الإلهتَين الأُخريين.
وحدث بعد ذلك بقليلٍ أن أبحر «بارس» إلى بلاد اليونان ونزل ضيفًا على «مِينِلاوُس»٥٥ ملك إسبرطة، فأكرم الملك ضيافته؛ ولكنَّ الضيف أساء لمُضيفه؛ إذ أحبَّ زوجته «هِلِنْ»٥٦ وهي امرأة بارعة الجمال وأغراها أن تفرَّ معه من خِدْر زوجها إلى بلدِه طروادة، فثارت لذلك ثائرة «منلاوس» وأهاب بأخدانه ملوك اليونان وأبطالها أن يُعاوِنوه على ردِّ زوجته الهاربة؛ فلبَّى الدعوة من هؤلاء. يُوليسيز،٥٧ وأَخِيل،٥٨ وأَجاكس،٥٩ وديَومِدْ،٦٠ ونِسْطور،٦١ وأَجَامِمْنون،٦٢ أخو منلاوس، وكلهم من الأبطال الفُحول، واختير أجاممنون قائدًا للجيش اليوناني، وكان على رأس الجيش الطروادي «هكتُور» وهو الأبن الأكبر لبريام ملك طروادة وزوج أنْدْرُومَاك.٦٣ وانقسم الآلهة في القتال مُعسكرين، كل جماعة تُناصر فريقًا من المُتحاربين. أما «جونو» و«مينرفا» فكانتا بالطبع في جانب اليونان لتنتقِما من «باريس» وأهله. وأما «فينوس» و«مارس» — وهو إله الحرب — فكانا في جانب طروادة، ومال «نِبْتيون» إلى جانب اليونان، ووقف «جُوبتَر» و«أَبُولو» على الحياد ولبثت الحرب نحو تِسع سنين، ثم حدث خلاف بين أخيل وأجاممنون، ومن هذا الخلاف تبدأ قصة الإلياذة.

يُحدِّثنا الشاعر في السطور الأولى من ملحمته أن الجيش اليوناني الرابض أمام طروادة، قضى عليه الآلهة أن تفتِك به الأمراض، ففشا فيه الطاعون، فلمَّا سُئل العرَّاف عن تعليل هذا القضاء، وأجاب بأنَّ «أبولو» قد رماهم بحِرابه المسمومة، لأنَّ أجاممنون قد أبى أن يفدي ابنة كاهِنِه لمَّا وقعت أسيرةً في إحدى المدن التي فتحها اليونان فقسَّموا بينهم نساءها وأسلابها؛ فما إن سمِع أجاممنون جواب العرَّاف حتى ردَّ للكاهن ابنتَه، واستبدل بها «برْيِسِيس» التي كانت نصيب «أخيل» من السبايا؛ فلم يسَعْ أخيل إلا أن يقفل راجعًا إلى سفينته. وهو يكاد يتميَّز من الغيظ، وأعلن أنه لن يُحارب في صفوف اليونان بعد، وطلَبَ إلى أُمِّه ثيتس — وهي من عرائس البحر — أن تصُبَّ نِقمتها هي المُستبد الغاصِب، ودعا «جوف» أن ينتقِم له من قائد اليونان وجُنده، فأبى «جوف» أن يُنزل باليونانيين شرًّا لأنهم في حِمى زوجته.

وتضرَّعت «ثیتس» إلى «جوبتر» أن يكون لابنها أخيل عونًا على عدوِّه أجاممنون، فأوحى جوبتر إلى أجاممنون حلمًا زائفًا يزعُم له أن طروادة قد آنَ لها أن تسقُط في يدَيه، فعليه أن يُبادر بالهجوم. وانخدع أجاممنون بالحلم، وصفَّ جند اليونان في حَومة الوغى استعدادًا للقتال، إلَّا أخيل وأتباعه الذين غادروا المعمعة غاضبين. وتقدَّم جُند طروادة للقاء اليونان، وعندئذٍ تحدَّى «منلاوس» عدوَّه «بارس» أن يُبارزه بمُفرده، إذ كان هذان الفارسان هما سبب القتال، مُذ اختطف الثاني زوجة الأول، وأُعلنت الهدنة بين الجيشين حتى تتمَّ المبارزة بين القائدَين، فطوَّح بارس برُمحه ولكنه لم ينفُذ في درع مُقاتله، وتأهَّب منلاوس واستعان بجوف ثم:

هَزَّ رُمحه ورماه، فاخترم به درع بارس،
وكانت الضربة قوية فأطاحت بالفارس،
وتمزَّقت عليه الدروع، لكنه اجتنَب أن يُذيقه المَنون،
فأتْبع هذه الطعنة سيفًا سلَّه من غِمده الفِضي،
ورفع السيف ثُم هوى به على العدوِّ فوق الناصية؛
فتحطَّم السيف وانتثرت أجزاؤه من كفِّه البائسة،
وقال: «انظر! لم يصرَعْه رُمحي وتبدَّد السيف من يدي،
ونجا من السيف والرُّمح معًا.» قال هذا وكرَّ على العدوِّ مُهاجمًا،
وأمسك بجواده من غُرَّةٍ تدلَّتْ فوق الجبين
ليجذِبه إلى معسكر الإغريق، وذلك ما فعل؛
وبهذا أضاف إلى النصر مجدًا رائعًا،
لولا أن قطعَتْ فينوس الرباط، فنظَرَ الظافرُ إلى كفِّه؛
فإذا به لا يُمسك من عدوِّه شاكي السلاح إلَّا خوذة فارغة؛
فأدار الخوذة حول رأسه وألقى بها بين الأصدقاء،
وتجمَّع حول الخوذة الصحابُ في هرَج صائحين،
وجدَّد الفارسُ العزم أن يستلَّ من عدوِّه دماء حياته،
واندفع إليه بعُنف يهزُّ الرمح، وإذا بالمليكة التي يعشقها العاشقون.٦٤
تبدو من جديد لتنجد صاحبها من هذا اللقاء،
وأنجزتْ ما أرادت في يُسر وإسراع.
وإنها لتستطيع ذلك وهي الإلهة القادرة؛
فَلفَّتْه في سحابة من نضار وغيَّبتْه عن العيون.
وفي غرفته استعادت له الطَّلاقة والنشاط.
وزالت الهدنة المعقودة بين الجيشين حين غدَر «باندارُوس»؛٦٥ فطعَنَ «منلاوس» بسهم، وعندئذٍ التحم الجيشان، وأبلى «ديومد» وهو في صفوف الإغريق بلاءً حسنًا. ودخل هكتور المعركة، وكانت زوجته «أندروماك» ترقبه فوق سُور المدينة:
فأسرعتْ إلَّا هكتور ومعها ابنها الوليد تحمِله المُرضعة
وليد رقيق قلبُه ويداه، مُشرقة في جلال طلعتِه
كأنما هو لمحةٌ من سماءٍ رُصِّعت بالنجوم الساطعات
فابتسمَ من الفرَح هكتور، رغم حُزن قطع أنفاس الكلام
فصاحت أندروماك باكية، وشبَّكت يدَيها في يدَيه
وصبَّتْ حُبَّها طروادةَ في بكاها، وفي سبيل مجدِها قالت:
يا أشرفَ الرجال مقصدًا! كأني بك تُلقي بنفسك في اللهيب،
إذ يُلهبُ عقلك حُبُّ الخير للآخرين
هلَّا رحِمتَ وليدًا أو زوجة هي بعدَك أرملة
وتركتَ القتال! فإنْ فعلت فأنت هدف الضارِبين
فأجاب: كلَّا، لن تسطَعَ مِحنتي إلَّا في اللهيب؛
ففي شخص هكتور سيبلُغ المجد وطني وأبي والأصدقاء،
على أني أُحسَّ — بعقلي وروحي — أن سيغشى طروادة يومٌ عاصف
يومٌ تَدُكُّ فيه طروادة أبراجَها كأنها دموع المُنهزِم.
وستغمُر تلك الدموع الساقطات بريام بما لهُ من مَحتِدٍ وسُلطان
لكنَّ فجيعة أخلاقنا لا تحزُّ في نفسي،
كلَّا ولا يحزُّ فيها ما يُلاقي بريامُ وهكوبا٦٦ والأصدقاء من أحزان
(فهؤلاء جميعًا — على كثرتهم وجودتهم — مصيرُهم طعام الأعداء.)
إنما يحزُّ في نفسي أحزانك، يوم يحمِلك إغريقي وقِح ساكبةَ العبرات.

•••

قال هذا ومدَّ يدَيه لابنه يحمِلُه، والوليد بين ذِراعَيْ أبيه خائفٌ فزِع
وكانت على رأس هكتور شارة من شَعر الجياد
فأومأ لابنه فاهتزَّت الشارة المُخيفة، فأطبق الولد الذراعيْن وأعول باكيًا
وتكلَّف أبوه العظيم الضحك، وأزاح عن رأسه الخوذة المُخيفة جانبًا
ولمعَتِ الخوذة فاستضاءت الأرض بضوئها اللامع
ثُم أخذ الوليد الحبيب وقبَّله: زوجتي العزيزة لا تُحزنيني
بأحزانك هذي التافهة؛ ليس بين الأحياء من يُزهِق حياتي
أو يخترِم هذا الصدر الثابت. إنما ذاك من فِعل القدَر
وأين مَن بجناحَيه استطاع النجاة من القدَر؟!

ويمتشِق هكتور حُسامه ويدخل معمعان النزال، فيبارِز «أجاكس» مُبارزة تنتهي أول الأمر بالتعادل، فيتبادل البطلان كلماتٍ طيبات وهدايا كأنهما الصديقان، وبعدئذٍ يمتدُّ القتال إلى آلهة الأولمب أنفسهم، إذ يشتركون مع الفريقين في الحرب، وهنا يُحذِّر «زيوس» الآلهة مُتنبئًا بالهزيمة لفريق اليونان، ويُعِدُّ هكتور عُدَّته للهجوم على أعدائه في الصباح التالي، فيوجس أبطال اليونان خيفة، ويذهب منهم «يوليسيز» و«فينكس» و«أجاكس» إلى أخيل يُصلِحون ما فسَدَ بينه وبين أجاممنون، ويَعِدونه أن تُرَدَّ له فتاته المُغتصبة «بريسيس»، وأن يُسْمَح له بزواج إحدى بنات أجاممنون، وأن يُعْطى فوق ذلك المنح والهدايا، وبينها سبْعٌ من أجمل المدن، ولكنَّ أخيل يرفض كل هذا في حديثٍ هو أروع ما بلَغَتْه قُدرة الشاعر في البلاغة الخطابية.

فأجاب أخيلُ فخرُ الإغريق قائلًا:

إيه، «أجاكس»، يا رَبَّ المعارك، ومَن لشعبِه هادٍ وقائد.
قد أجدْتَ الخطاب، لكنك إذ نطقتَ باسم الطاغية
غضبتُ واحتدم الغضب، واضطرمَتْ نفسي بين الجوانح،
وإنَّ غضبتي لعادلة جديرة ببطلٍ مِغوار
نِيل من شرَفِه، وديست كرامته كأنه عبدٌ ذليل!
عودوا إذن أيها الأبطال واحمِلوا مِنِّي الجواب،
لم يَعُد القتال العظيم يَعنيني حتى تُراق من الإغريق الدماء،
وتسيل دفَّاقةً بين سفائن الأسطول الإغريقي الغريق،
فيصطبغ بها البحر القائم حتى يُصبِح قانيًا.
سأظلُّ رابضًا حتى تلتهِم النار — يُلقي بها هكتور في غضبته — سفائنكم، وحتى يدنو لهيبُها من سفينتي!
عندئذٍ ستبلُغ هذه المجزرة البشرية الفظيعة غايتَها؛
عندئذٍ ستسكُن المعركة؛ إذ يُحسُّ العدوُّ ضرب حُسامي.

وكانت ليلة مليئة بالأحداث، يتلوها صباح يشهد جُند طروادة — وعلى رأسهم هكتور — يهجمون على الإغريق هجمةً لا سبيل إلى ردِّها. وحاول «نبتيون» الإله أن يُنقِذ الإغريق من الأسْر فلم يستطع، لولا حِيلة نَسجَت حبائلها الإلهة «جونو» وجعلت الحُبَّ قِوامَها؛ فالحبُّ والحرب هما في الإلياذة ما يقصد إليه الآلهة والناس.

ذلك أنَّ «باتروكلس»٦٧ — من أبطال اليونان وصديق «حميم» لأخيل — رأى موجةَ الدمار تنصبُّ على جُند الإغريق كاسحةً طاغية، فأسرع إلى أخيل يستأذنه في أن يُساهم في القتال، وطلب إليه أن يُعيره عدَّته وشكَّته يقاتل بها إذا لم يكن في عزمِه هو أن ينهض للدفاع عن بني وطنه؛ فأذِن له أخيل بما أراد، وأعطاه درعَه، وظلَّ في سفينته غاضبًا.

حمل «باتروكلس» درع أخيل وعُدَّته — ما عدا الرمح الذي لا يستطيع القتال به غير سيِّدِه وصاحبه أخيل — ونزل المعمعة «باتروكلس» وصحبُه من أتباع أخيل.

… أرأيتَ في وعْر الجبال عرينَ الذئاب
في قلوبها بأسٌ شديد، تعهَّدته حتى تجاوزت به الحدود!
أرأيتَها عائدةً بعد أن نهشت وَعْلًا وفي أنيابها بقية من دماء؛
وجاءت إلى ينبوع ماء كدِرٍ وازدحم قطيعُها،
وأخذت بألسنةٍ رقاقٍ مُدَلَّاةٍ تلعَق الماء
فلمَّا كرعت صفوة الماء، راحت تتجشَّأ من رئاتها
مُنْجمد الدماء، تنفُث من نظراتها الرُّعب وهي لا تعرِف الرُّعب.
قد ملأت مَعِداتها في نهَمٍ حتى أُتخمت؟!
لو رأيتَ هذي الذئاب، فقد رأيتَ رجال أخيل العظيم قوةً ومظهرًا
حين دعاهم الداعي لهذا القتال المُخيف …

نزل «باتروكلس» المعمعة مُتَّشحًا بدرع أخيل. فلمَّا رآه الطرواديُّون ظنُّوه أخيل وفرُّوا هاربين، لكن «أبولو»، الذي كان هواه مع الطرواديين منذ استبى قائد الإغريق ابنةَ كاهنِه، نزع عن باتروكلس عُدَّته ليكشِف للطرواديين عن حقيقته، فهجم عليه طروادي من الخلْف فأسقَطَه، وأسرع إليه هكتور وأرداه قتيلًا؛ وهنا هبَّ من أبطال الإغريق «أجاكس» و«منلاوس» يُنقذان جثة البطل الصريع، وفرَّ هكتور، بعد أن انتزع من باتروكلس عُدَّته، وها هنا نقطة التحوُّل في حوادث هذه المأساة الكبرى التي أثارت آلهة السماء وأهل الأرض على السواء. فلمَّا جاء النبأ إلى أخيل بموت صديقه الحميم، غضِب غضبةً جبَّارة ارتفعت بها الملحمة إلى أسمى مراتب الشعور؛ فلم تكن غضبة أخيل الأولى — من أجل فتاة أسيرة — جديرةً بمأساةٍ عظيمة كالإلياذة، لكنها هذه الغضبة الثانية هي الخليقة بالبطولة.

فهذا هو أخيل يثور كاللَّيث الهائج، غاضبًا حزينًا على موت أعزِّ أصدقائه «باتروكلس»، ويحزُّ في نفسه ويُلطِّخ صفحة شرَفِه أن تؤخَذ دروعه، فذلك عار لا يحتمِله مُحارب حرٌّ كريم. وسمعت أمُّه ثيتس أنينَه وشكواه، فجاءت إليه مُسرعةً من جوف البحر — فهي من عرائس البحر — تُنذِره ألَّا يُنازل الأعداء حتى تذهب إلى «فلكان»٦٨ إله النار وتطلُب أن يُعِدَّ لابنها درعَا جديدة، لكنه لم يستمع لنُصح أمِّه، واستجاب لدعوة الإلهة «إيريس» فنهض من فوره إلى حومة الوغى.
ودنا من سور المدينة، وأرسل الصوت داويًا
وردَّد الصوت الصدى، فرنَّ الدويُّ قويًّا عاليًا
وسُمع الصوتُ الداوي فدبَّ الرُّعب في النفوس دبيبًا
فأنصتوا، وصاح البطل ثلاثًا
وثلاثًا في حومة القتال ارتدَّ أهل طروادة راجِعين.

وفي هذه الأثناء كانت «ثيتس» قد قصدت إلى «فلكان» وطلبتْ إليه أن يصنع للبطل درعًا جديدة يصفها هوميروس في مقطوعة هي من أجمل ما جاء في الإلياذة. ولم تكد ثيتس تتسلَّم الدرع الجديدة من صانعها، حتى هبطت بها من قمَّة الأولمب واثبةً كأنها البازي يندفع وراء فريسته.

ويتمُّ الصلح بين أخيل وأجاممنون، ويدَّرعُ أخيل بدرعِه الجديدة، ويهبط إلى ساحة القتال، يضرب بسيفِه هنا وهناك، فيقتُل عددًا من أبطال طروادة، ولكنه لا يبغي سوى هكتور ليُورِدَه الحتْف جزاء ما قتل صديقه الحميم، وذلك هو هكتور يأبى أن يحتمي بأسوار المدينة مع سائر الطرواديين الهاربين، ويظلُّ واقفًا في مكانٍ كأنما جاءت به إليه أيدي القدَر، وهذا أبوه الكهل «بريام» يجلس على سور المدينة، فيرى أخيل مُندفعًا إلى ابنه كأنَّه رسول القضاء، فيَصيح بريام الوالد وهكوبا الوالدة بابنهما هكتور أن يتوارى من عدوِّه داخل الأسوار.

هنالك أمُّه اندفعتْ، وبالعبرات عينها هطلت،
تعال! تعال، فالأسوار في وجه العِدى امتنعت،
إليها لُذْ، وبها تحصَّن، وقاتل ذلك العاتي،
ولا تلاقِ العدو وحيدًا!

ولكن هكتور يُعير والدَيه أذنًا صمَّاء، ويعتدِل للقاء عدوِّه؛ انظر إلى أخيل يقترب منه كأنه الأفعى الجبليَّة في عرينها، سار السُّمُّ في بدنِها، واحتدمَتْ بالغضب.

فارتجَّ هكتور في وقفتِه، ثُمَّ فرَّ وجلًا
يريد النجاة من يدٍ تُلقي في النفوس الفزع،
وانقضَّ أخيل كأنه الصقر، في سرعة يشقُّ الهواء،
يطارد حمامةً جزعت، لكنه ماضٍ في طِراده العنيف،
وتُسرِع الورقاء، ويتبع الصقر في رفيفٍ مُخيف،
ويدور يمنةً ويُسرة مع الورقاء حيث تدور.
هكذا كانت الحال حين انقضَّ أخيل على عدوِّه بدرعِه اللامعة، فأدرك هكتور في انقضاضه معنى الموت، وعمد إلى الفرار فزعًا، فتابَعَه أخيل حول أسوار المدينة كأنه البازِيُّ يُلاحِق حمامة، لينشب فيها أظفاره الشداد، ودارا حول الأسوار ثلاث مرات، وكان أرباب الأولمب عندئذٍ يرقبون، فقال «جوف»: «أنُنقِذ هكتور أم ندعه لأخيل يُعمِل فيه السيف»؟ فاحتجَّت الإلهة «مينرفا» أن يُنقِذ الآلهة من أراد به القدَر هذا القضاء منذ زمنٍ طويل، قالت ذلك «مينرفا» ثم نزلت إلى ساحة القتال مُتنكِّرة في هيئة «ديفوبس»٦٩ أخي هكتور، لتُوقِع بهكتور وتنصب له الحبائل؛ زعمت له أنها أخوه جاء يُعينه على عدوِّه، فدبَّت في هكتور الشجاعة من جديد، ووقف يتحدَّى أخيل أن يُنازله، ولكنه طلب إليه قبل النزال أن يتعاهدا — كما يتعاهد الأبطال — أنَّ من يسقط منهما في القتال صريعًا فلَهُ على صاحبه أن يُسلِّم جثمانه إلى أصدقائه ليُقيموا له ما يليق به من شعائر الموت، فرفض أخيل رفضًا حاسمًا، فلا تعاهُد اليوم بينَه وبينَه؛ وهل يكون تعاهد بين رجال وأُسُودٍ، أو بين ذئاب وخراف؟

ويقذِف أخيل برُمحه، فهبط هكتور جاثيًا، ويمرُّ الرمح فوق رأسه فلا يُصيبه فتتسلَّل منيرفا خفيةً وتُعيد الرمح إلى أخيل، ليُعيد البطل العظيم ضربته، ويقذف هكتور هذه المرة برُمحه، ولكنه لا يُصيب الهدف، فينادي بأخيه «ديفوبس» أن يُناوله رُمحًا جديدًا؛ ولكن أين «ديفوبس»؟ إنه ليس هناك، وهنا تُشرِق الحقيقة لهكتور أن «منيرفا» قد حبكتْ هذه الخيانة فخدعتْه، ويُدرك أن قضاءه محتوم، ولكنه يستلُّ حُسامَه ويهاجم عدوَّه لعلَّه يأتي عملًا من البطولة قبل أن يلفظ الروح، غير أنَّ أخيل يضرِب عُنقه بالرُّمح ضربةً تقضي عليه، ويسقُط المهزوم، ويضرَع إلى قاتله ألَّا يدع جُثمانه طعامًا تنهَشُه الكلاب التي يُطلقها الإغريق من سفائنهم، ولكن أخيل يُجيبه — ولا يزال الغضب في وجهه باديًا — «وددتُ لو أطاعني قلبي، إذن لمزَّقتُك إربًا إربًا، وطعمتُ بلحمك الآن، جزاء ما جرَّعْتني من غُصَصٍ وأوْرثتَني من كروب.»

وقضى هكتور نحبَه، فأنزل به أخيل شرَّ ما يُنزل عدوٌّ بعدوه؛ فقد ثقب قدَمَيه وشدَّ وثاقهما إلى عربته برِباطٍ من الجلد، ودفع الجياد دفعًا سريعًا، وجُثة عدوِّه برأسها تتمرَّغ في التراب، حتى بلغ به معسكر الإغريق.

وشهد «بريام» الوالدُ و«هكوبا» الوالدة مصرع ابنهما هكتور، وهما جالسان على قمَّة السور يرقُبان. أما زوجته «أندروماك» فلم تكن تعلَم أنَّ زوجها بقِيَ خارج الأسوار طريدًا لأخيل، حتى سمعت ضجيج الأصوات يملأ الفضاء!

فصعدت إلى بُرجِها، صُعِقتْ، سقط الغزل من يدِها، اضطرب فؤادها، نادت خدَمَها، إنها تُريد أن تعلَم ما وراء تلك الصيحة المشئومة؟ صاحت «تعالوا».

ومضتْ ثائرةً، وتبِعَتْها خادمتان — كما أرادت — أعانتاها على الصعود إلى قمَّة البرج … وأدارت بصرَها الملهوف نحو الجمع المُحتشِد.

فرأت هكتورها قتيلًا مشدودًا إلى عربة أخيل.

يَجذبه — في غير إكرام — إلى حيث سفائن الإغريق.

فغشيتها الغاشية كأنها الليل البهيم، وخار قدَماها، وسقطت في غير وعي …

وحزنت طروادة على بطلِها الصريع حُزنًا شديدًا. أما أخيل فقد أقام شعائر الجنازة لصديقه «باتروكلس»، وأقيمت لتكريمه الألعاب؛ حتى جاءت إليه أمُّه «ثيتس» مبعوثةً من الآلهة تأمُرُه أن يمنع سخطه على هكتور، فقد كفاه ما صنَع، وأن يُجيز للطرواديين أن يستردوا جثَّة فتاهُم مُقابل فدية للظافر. وذهبت الإلهة «إيريس» إلى «بريام» الوالد المحزون تعرض أن يدفع فديةً لأخيل يفتدي بها جثمان ولدِه هكتور؛ وما عتَّم الشيخ المكروب أن حمل أثمن الهدايا، وقصد إلى أخيل في خيمته، وجثا على رُكبتَيه أمام البطل مُستعطفًا مُسترحمًا:

«ارحم شيخًا عجوزًا مثل أبيك، وإن كنَّا في هذا مُختلفين:
أنا البائس الذي يرزَح تحت عبء الشقاء،
بما لم يرزح تحته رجل من قبل، وشفتاي التَّعِستان
عليهما أن يلثُما يدًا قتلت بُنَيَّ!» قال هذا
وانحنى برأسه على قدَمَي أخيل.٧٠

فاهتزَّ قلب أخيل رحمة بالشيخ، وطاعة للرسالة التي حملتْها إليه أمُّه ثيتس من عند الآلهة، فقبل الفدية وأذِن لبريام أن يحمِل جثمان هكتور، ومنحَهُ اثنَي عشر يومًا يقِف فيها القتال؛ ليتمكَّن الوالد الحزين من إقامة شعائر الجنازة على فقيده الكريم، وإنه بها لجدير.

ووضع الجثمان فوق النار حتى احترق، ثم جمع رمادَه في وعاءٍ من ذهبٍ دُفن في القبر.

•••

ولم يرَ الإغريق في الأجيال التالية فيما صنَعَه أخيل بجثَّة عدوِّه هكتور موضعًا للتمجيد، لأنهم يمقُتون التمثيل بأجساد المَوتى، ولم يغفروا قطُّ لأخيل هذه الغضبة الشنعاء وما انتهت إليه؛ ولذا لا تجد أحدًا من كتَّاب المأساة من بعدِه يتَّخِذ من أخيل بطلًا لمأساته، مع أن حياته أصلَحُ ما تكون لأبطال المآسي. وتنتهي الإلياذة بجنازة هكتور. أما طروادة فقد قوَّض الإغريق بُنيانها، ولم يذكُر الشاعر في الإلياذة شيئًا عن موت أخيل وبارس، ولكنهما قُتِلا أثناء الحصار.

(٢-٢) الأوذيسية

سقطت طروادة في أيدي الإغريق، واستعاد «منلاوس» زوجته «هِلن» وعاد بها إلى إسبرطة، كما عاد سائر أبطال الإغريق إلى أوطانهم، إلا «يُولِيسيز» الذي لبِثَت زوجته «بنلوب»٧١ وابنه «تلماكس»٧٢ يرقُبان عودتَه إلى وطنه «إثاكا».٧٣
لم يعُد يوليسيز مع من عاد لأنه خاطر وغامر، والأوذيسية هي قصة هذه المغامرات والمُخاطرات. ومن الممكن تقسيمها إلى ستة أجزاء كل جزءٍ يشتمل على أربع أغان؛ أما الجزء الأول فيدور حول ما لقيَه «تلماكس» من عنتٍ مع الذين جاءوا يخطبون أمَّهُ «بنلوب» ليظفروا بها وبمالها، وفي هذا الجزء وصفٌ لرحلة تلماكس إلى «بيلوس»٧٤ وإلى أسبرطة يتسقَّط الأنباء عن أبيه المفقود. ومضت عشر سنوات بعد سقوط طروادة، ولم تأتِ الأنباء بجديدٍ عن يوليسيز وما عسى أن يكون قد أصابَه من شرٍّ أو خير.
كان يوليسيز في عودته مع جماعةٍ من أتباعه، وبينا هُم في طريق العودة إلى «إثاكا» زلَّ رجاله زلةً فادحة وذبحوا ثيرةً يملكها أحد الأرباب، فأودَوا بحياتهم إلى التهلُكة، وبقي يوليسيز وحيدًا، فقذَفَه البحر إلى جزيرةٍ منعزلة كانت مسكنًا لإحدى عرائس البحر، وهي «كالبسو»،٧٥ وأُعْجبت كالبسو بيوليسيز وأحبَّتْه وأرادت أن تتزوَّج منه؛ فأخذت تُغريه بالزواج وبِنِسيان زوجته، ولم تشُكَّ لحظةً في أنَّ الرجل لا يُمانع أن يستبدل بزوجةٍ فانية زوجةً من عرائس البحر الخالدة، لكن خاب رجاؤها ورفض يوليسيز زواجها، فأمسكتْهُ على جزيرتها زمانًا طويلًا لعلَّه يقلع عن عنادِه فلم يفعل؛ فاجتمع الآلهة على الأولمب ودبَّروا عودة يوليسيز إلى وطنه؛ عودة الرجل الذي:
جاب قَصِيَّ البلاد،
بعد أن أتى على طروادة المقدَّسة وقوَّض أركانها،
وطوَّف حول عالَمٍ تباينَتْ فيه الشعوب
فكم رأي وكم عرَف من عاداتٍ وأفكار وأنماط،
وكم لاقى في لجَّةِ البحر من أحزان،
لشَدَّ ما كافح المهالِك لينجو
بنفسه وبصَحْبه في الطريق إلى الوطن،
لكن حطَّمَت صَحبَهُ الأقدارُ، ولم يستطع لها دفعًا.

اجتمع الآلهة ودبَّروا أن يعود يوليسيز إلى وطنه، وبعثوا بالإله «هرمس» — رسول الآلهة — يُنبئ كالبسو بهذا القرار. وفي الوقت نفسه بدت منيرفا مُتنكِّرة أمام تلماكس، وأشارت عليه أن يستطلِع أخبار أبيه من صديقَي أبيه: نسطور ومنلاوس.

فأرسل تلماكس في اليوم التالي مُنادين بجوسون خلال المدينة ليطلبوا إلى الناس أن يعقدوا جمعًا يسمعون فيه شكاة تلماكس من خاطِبي أمِّه الذين أحرجوه غايةَ الحرَج، وأرسلت بنلوب إلى هؤلاء الخاطبين تُماطلهم وتُخادعهم، ولبثت أربعة أعوام تزعُم لهم أنها تغزِل رداءً لأبي زوجِها، وظلَّت تغزل في النهار وتنقُض في الليل غزلَها.

وتنكَّرت منيرفا في هيئةٍ جديدة، وهيَّأت لتلماكس سفينةً أقلع بها إلى «بيلوس» ليلتقِيَ بصديق أبيه «نسطور» عسى أن يعلم منه شيئًا عن أبيه؛ فعلم منه نبأ الفتْك بأجاممنون — وهو أخو نسطور — لكنه لم يسمع شيئًا عن غَيبة أبيه. ونصح «نسطورُ» «تلماكس» أن يقصد إلى منلاوس في أسبرطة لعلَّه يعلَم عن أبيه شيئًا، وذهب الفتى إلى أسبرطة، وهناك التقى ﺑ «هِلن» فعرفته وذكَرَتْه، وأخذ أصدقاؤه يبكون أيامًا جميلةً مضت، ثم أخذ منلاوس يقصُّ على السامعين كيف جيء بالحصان الخشبي في طروادة يحمل في جوفِه أبطال الإغريق، وكيف أخذت هِلِنْ تدور حوله وتقرَعُه بكفِّها وتُنادي أبطال اليونان واحدًا فواحدًا، وتُقلِّد لكلِّ واحدٍ منهم صوت زوجته حتى تَستفزَّه للجواب، وكانت في تقليد الأصوات بارعةً حتى كاد الأبطال المُختبئون في جوف الحصان يلبُّون النداء، لولا أن رأوا في زميلهم يوليسيز رباطةَ جأشٍ كانت لهم جميعًا شكيمة رادعة. ثم أنبأ «منلاوس» «تلماكس» أنه شهد أباه في الجزيرة المُنعزلة التي تسكنها عروس البحر «كالبسو».

لقد شهدت ابن ليرتيز٧٦
في قصر عروس البحر كالبسو،
وقد أرغمتْهُ على البقاء في صُحبتها،
فما انفكَّ نادبًا أن حُرمت عيناه أرضَ الوطن.
إلى هنا ينتهي الجزء الأول من الأوذيسية. وأما الجزءان الثاني والثالث فيقُصَّان مغامراته وهو في طريقه إلى أرض الوطن؛ ذلك أن «كالبسو» حين جاءها رسول من الآلهة يُنبئها أنَّ الأرباب اجتمعوا على الأولمب وقرَّروا أن يرحَل يوليسيز إلى بلده، أباحتْ لمعشوقها السجين أن يُغادر أرضها، ولو أنها عجبت من أمر هذا الرجل الذي آثَرَ زوجته عليها وهي فتَّانة بارعة الجمال. هذا مع خطر الرحلة إلى زوجته في بحرٍ عاصف؛ لكنها أعدَّت له سفينةً وأقلع يوليسيز. وبينا هو يشقُّ العباب نحو الأهل والوطن، إذا بنبتون إله البحر يلمحه من بعيد — وكان نبتون كارهًا ليوليسيز لأنه قتل ابنه «سيكلوب»٧٧ — وأخذ نبتون يتربَّص بيوليسيز الدوائر ويُدبِّر له المكائد حتى لا يعود إلى وطنه، لكنه ارتحل إلى أرض أثيوبيا لبعض شأنه، فانتهز سائر الآلهة فُرصة غيابه وأذِنوا ليوليسيز بالسفر. أدرك نبتون كلَّ هذا حين رأى عدوَّه المَمقوت يسبح على المَوج بسفينته، فنفخ في البحر عاصفةً عاتية، فارتجَّتْ سفينة يوليسيز وهوى إلى اليمِّ. لكن «إينو» تنكَّرت في هيئة طائرٍ بحري وأعارته قناعًا مسحورًا يُعينه على السباحة آمنًا إلى البر. ورسا يوليسيز في أرض فيقيا،٧٨ ولم يكدْ يجِد له مأوًى حتى رقد منهوكًا وغطَّ في النوم، وعندئذٍ طارت «منيرفا» إلى «نوسكا»٧٩ ابنة ملك الإقليم الذي رسا بأرضه يوليسيز وبدتْ لها في الحلم:
وسرعان ما أشرق الصباح الجميل
فنهضت معه «نوسكا» ذات القناع الساحر
وفي نفسها ما رأتْهُ في حُلمها من ثناءٍ ملأها إعجابًا
وذهبت مع وصيفاتها إلى النهر يغسلنَ بعض الثياب، فلمَّا فرغنَ من غسلها:
غسلن أجسادهن، وبالدُّهن المُتلألئ
دلَّكْن بِيض جلودهن، ثم انتعشْنَ بعد عناء الكدْح
بشهيِّ الطعام. وأخذت نوسكا
تمرَح لاعبةً مع سائر العذارى …
وصاح الكل صياحًا عاليًا،
فاستيقظ مع الصياح يوليسيز الرَّزين،
وأسرع فأطلَّ من خلف الغصون كي يرى؛
فذاك صوتُ حسانٍ ما سمِع بمِثله،
فوقعتْ أنظار العذارى ناعماتِ الشعر على منظرِه.
… فما أبشعه منظرًا كان مظهره،
قد أذواه الطريق الصَّعب على متنِ العباب،
ففزعنَ لمنظرِه، وانتثر العذارى هاربات.
فررنَ جميعًا إلا نوسكا، وقفتْ في مكانها لا تُريم.
فقد بثَّتْ منيرفا الجرأة في صدر الفتاة،
فاحتبستْ رعدةُ خوفها في جوارحها،
وظلَّت واقفة تحدُج فيه كأنما صَمَّمت
أن تدري مَنْ هذا الرجل ومن أين جاء، فقال:
نشدتُكِ الله، أي مليكتي، أن تُحدِّثيني؛
أبشَر أنتِ أم من سلالة الأرباب؟
فإن كنتِ من آلهة السماء، فما أجد لك بين الآلهة
شبيهًا سوى «سنثيا»٨٠ ولدتْك من جوف.
وإن كنت وليدة بشَرٍ على سطح الأرض،
فأنعم ثلاثًا بوالدَين أخرجاك إلى الحياة!
وأكبر النُّعمى لِمن يكون خطيبًا لك،
فيُخْضِع هذا العنق المُتلالئ لنَير الزواج.

ثم طلب إليها يوليسيز أن تُنعِم عليه ببعض الثياب، لأنه خرج من البحر عاريًا، وأن تَهدِيَه إلى طريق المدينة. فنادت نوسكا وصيفاتها فأحضرن له طعامًا وثيابًا، وابتعدنَ قليلًا حتى يغسل جسده ويرتدي ثيابه. وبينما هو جالس وحدَه:

أخذت عينا نوسكا تهُزُّ بالفتنة قلبَها.
فما رأتْ منه حتى الساعة إلا نزرًا قليلًا،
لكنه قليل شفَّ عن جلالٍ كأنه جلال الآلهة.
وخشيت نوسكا أن تلوكها الألسنة، فأمرتِ الرجل أن يتبع وصيفاتها إلى قصر أبيها؛ فحلَّ يوليسيز في قصر الملك محلَّ إكرام، ولقِيَه أهل فيقيا أجمل اللقاء، وأقاموا له الألعاب، وأعدُّوا له مأدبة كُبرى، ومنحوه الهدايا ليدخلوا إلى قلبه المرح فيُقبل على عشائه بنفسٍ راضية. وبينما هم جالسون إلى مائدة العشاء أخذ المُغنِّي يُنشدهم ما أصاب طروادة من دمار، ويصِف بغنائه هجمة الإغريق على طروادة من الحصان الخشبي، فكان لذلك أعمقُ الأثر في نفس يوليسيز حتى سالت عبراته على وجهه، لكنَّ أحدًا لم يلحظ ذلك الدمع المَسفوح سوى الملك. فنهض الملك من فورِه يخطب الناس ويطلب إلى الضَّيف أن يبوح لهم باسمه؛ فأعلن يوليسيز عن نفسه وعن وطنه وما لقِيَه من مخاطرات ومغامرات منذ غادر طروادة قاصدًا بلدَه، فقال إنهم بعد تجوال كثيرٍ جاءوا إلى جزيرة «سيكلوب»،٨١ ونزل يوليسيز مع اثني عشر رجلًا من أتباعه في كهف سيكلوب، فلمَّا جاءهم العملاق ووجدهم في كهفه خاطبهم قائلًا:
من أنتم أيها الأضياف، ومن أين جئتم تذرَعون البحار؟
أللتجارة جئتم، أم تجوبون الأرض، لتسطوا كاللصوص
على الرحَّالة الغرباء المساكين، فتُعرِّضون بهذا السطو
أرواحَكُم للخطر، وحياتكم للهمِّ والأحزان؟
«أنت يا أعظم الأحياء، نحن — بحق الآلهة —
لرحمتك ضارعون!» فأجاب: «أيها الحمقى،
أجئتم هذا السفر البعيد لتُثقِلوا عليَّ
بأيمانكم وحُبِّكم المصطنع!
نحن — معشر السيكلوب — لا نبالي بإلهكم جوف،
ولا بغيرِه من الأرباب، فنحن عنهم بمنأًى هادئون.
بل إني لا أُبالي أن أتحدَّى جوف إلى نزال.»

ثم التهم «سيكلوب» اثنَين من رجالي ونام، ولم أستطع أن أقتُلَه وهو نائم لأنه قد سدَّ مدخل الكهف بصخرةٍ ضخمة لا قِبَل لنا بحملِها، فلو قتلْنا هذا العملاق لظللنا سُجناء في الكهف حتى يُدرِكنا الموت. ولما جاء الصباح أخرج «سيكلوب» قطيع غنمِه من الكهف وراح يرعاها بعد أن أحكم إغلاق الكهف بتلك الصخرة الكُبرى، وقبل أن يُغادر الكهف مع غنمه التهم اثنَين آخرَين من رجالي؛ وفي غيبته أعددْنا قضيبًا نفقأ به عينَه الواحدة إذا عاد، وعاد مع المساء يسوق قطيعَه ودخل الكهف وأغلقه.

واختطف اثنين آخرين من جُندي.
وذهب يُعِدُّ طعام العشاء.
فجمعتُ قوَّتي وخاطبته بهذه الكلمات.
وقدَّمت له — وأنا أحدِّثه — كأسًا من نبيذ:
«خذ هذا الكأس يا سيكلوب.» فشربه وقال:
«ما اسمُك كي أُجازيك خير الجزاء؛ فهذا
الخمر الشهي لعلَّه انساب مع النهر، إنه صُنع الآلهة …»
«اسمي يا سيكلوب، لا أحد.» فأجاب في عنف:
«لا أحد! سآكُلك بعد صحبك جميعًا. ونام.»
فأخذْنا القضيبَ وقد أرهفْنا حَدَّه، وغيَّينا السنان في عَينه.
فانتفض يزأر بصوتٍ كأنه الرَّعد.

واجتمعت عشيرة السيكلوب تسأل من اقترف الإثم، فقال لهم:

«قد فتَكَ بي (لا أحد) بخدعته لا بقوَّته.»
فأجابوه: «إنك لم يفتِك بك أحدٌ إلا نفسك؛
فالذي أنزل بك الأذى هو جوف الإله.»
فزمجر في كهفِه جيئةً وذهابًا، وتحسَّس
حتى بلغ الصخرة فأزاحها، وجلس عند الباب
يتحسَّس الأغنام عند خروجها كي لا يُفلِت
من أسْراه إنسان.

لكنَّا رصَصْنا الأغنام ثلاثًا ثلاثًا وربطنا أنفسنا في أسفل بطونها، وخرجْنا بها مُسرعين حتى بلغْنا السفينة، فما إنِ احتوتْنا حتى صِحْتُ قائلًا:

«أيها السيكلوب! إن سألك سائل؛
من فقأ عينك فأعماها،
فقل إنه يوليسيز بن ليرتيز الشيخ،
وطنُه إثاكا، وهو مَنْ بات يُدعى
باسم مُخرِّب المدن.»
فلمَّا سمع السيكلوب هذا صاح بصوتٍ داوٍ
حتى هزَّ الهواء من حوله بأصدائه،
واحتدم غضبُه فأمسك بصخرة
وألقى بها نحو السفين …
هكذا نجَوْنا، لكن سيكلوب أثار علينا سخط أبيه نبتيون إله البحر، فهيَّج البحر ونفخ فيه العاصفة، وبعد لأيٍ بلغْنا مغارة ربِّ الريح، وبعدَها وصلْنا أرض العمالقة، وهنالك لم تُفلِت من الهلاك إلَّا سفينة واحدة من سُفننا، ثم أدركْنا جزيرة تُسيطر عليها «سيرس»،٨٢ فأرسلتُ جماعة من زملائي يجوبون الجزيرة:
فأبصر الزملاء في وهدٍ دار «سيرس»،
وأمام بابها جثمت ذئاب وأُسُود
استأنسَتْها «سيرس» بما تملك من عقاقير؛
فلا ذئبَ منها ولا أسدَ عاد مُستوحشًا،
ورفعتْ أذنابها الطوال الضخام تهزُّها،
كما تبصبص الكلاب الأليفة بأذيالها،
فدُهِش أصحابي وظلُّوا عند الباب واقِفين،
وسمِعوا داخل الدار صوت الإلهة رنينًا ملائكيًّا؛
إذ كانت تُغنِّي وهي تغزِل غزلها غناءً رقيقًا جميلًا.

ودعتهم الإلهة أن يدخلوا، فلبَّوا إلَّا رئيسهم إذ ظلَّ يرقبُهم خارج الدار، فرآها تُطعِمهم شهيَّ الطعام، ثم مسَّتهم بعصاها السحرية فإذا هم خنازير! فلمَّا جاء رئيسهم يُنبئني بذلك قصدتُ إلى دارها مُسرعًا، ولقِيَني في الطريق رسول من الآلهة وأعطاني عُشبًا يَقيني سِحرها، ودخلتُ الدار فأطعمَتْني «سيرس» ومسَّتني بعصاها:

فسللتُ حُسامي وهاجمتُها لأفتك بها
كما دبَّرتُ، لكنها صاحت وثنَتْ رُكبتَيها
تحت سيفي، واحتضنَتْ بذراعيها رُكبتيَّ،
وقالت وعيناها تسفح الدمع الغزيرة: «مَنْ أنت
ومن أيِّ أسلاف أمجادٍ هبطتَ؟ لا بدَّ أن
تكون يوليسيز صاحب الهمَّة الشمَّاء!» فأجبتُها:
«أنا مَنْ ذكرتِ يا سيرس؛ هيا انزعي
أغلال السِّحر التي تغلُّ أصحابي،
ورُدِّي كرام أصدقائي أناسًا كما كانوا.»

ففعلتْ كما أمرتُها، وأكرمتْ بعدئذٍ ضيافتَنا، حتى طاب لنا المُقام فمكثْنا معها عامًا كاملًا، ولم نُغادِر ذلك المكان حتى زُرتُ العالَم الأسفل حيث التقيتُ بكثيرٍ من أعلام الرجال الذين ماتوا. وودَّعْنا سيرس بعد أن حذَّرتْنا ممَّا عساه أن يُصادفنا في الطريق من صعاب ومخاوف، وظللْنا نقع في الخطر بعد الخطر حتى بلغْنا جزيرةً يأكل من عُشبها ثيران الشمس، فهمَّ أصحابي أن يذبحوها، وحقَّتْ عليهم كلمة ربها وأُهلِكوا، ونجوتُ وحدي ورَسَوتُ في جزيرة كالبسو.

•••

ولمَّا فرغ يوليسيز من قصته، أرسله ملك «فيقيا» إلى وطنه «إثاكا» بكل ما معه من هدايا في سفينة أعدَّها له. وها هنا نعود مع يوليسيز إلى هذا العالَم الأرضي، بعد أن حلَّق بنا وهو يقصُّ مُغامراته في عالَم الآلهة والأرواح، وكان لا بدَّ له حين وصل إلى «إثاكا» أن يدخُل بحذَرٍ شديد خشية أن يقتُلَه خاطبو زوجته غيرةً وانتقامًا. ويصِل يوليسيز إلى داره فلا يعرِفه بادئ الأمر إلا كلبُه، لكن كلبه الوفي لا يُلاحِقه أو يُداعبه، لأنه لم يكد يعرِف سيِّدَه حتى يقضي نحبه. ثم يدخل يوليسيز داره في هيئة سائلٍ مسكين، فيُقابله الخدَم وخاطبو زوجته في زرايةٍ وعنف. وهكذا تشاء سخرية المقادير أن يُقاتله في داره قوم لا شأن لهم بها، وما دَرَوا أنه مُرسَل من القدَر لينتقم.

ولمَّا حانت ساعة الحساب، نشبت بين يوليسيز وأعدائه معركة هي أقرب إلى المذبحة منها إلى المبارزة والقتال، وأنزل يوليسيز وابنة تلماكس بالخدَم الذين خانوا عهد سيِّدهم ضروبًا من الانتقام المُر، نفرَتْ منها نفوس اليونان فيما بعد.

وأخيرًا يلتقي يوليسيز بزوجتِهِ الوفيَّة، فيضمُّها بين ذراعيه، وتبذُل «منيرفا» وُسعها لتُطيل ليل اللقاء بعد أن قضى الزَّوجان ما قَضَياه من أعوامٍ طويلة مليئة بالأحزان والصعاب.

•••

ولعلَّ الأوذيسية أن تكون بين آيات الأدب العالمي أشدَّها تحريكًا للمشاعر والعواطف، وهي في موضوعها أقوى وأجمل من أختها الإلياذة، فهذه سلسلة من دسائس ومعارك بين الآلهة فيها كثير من التكرار المَملول.

وأما سِيرة يوليسيز فتعبير جميل عن دوافع الحياة البشرية ونوازعها، وهي تمسُّ في قلب الإنسان شعوره الفِطري، وتَستثير منه مصادر الحيوية والنشاط.

أضف إلى ذلك أنَّ يوليسيز في حلبة البطولة أفحَلُ من أخيل، وانتصار يوليسيز يبعَثُ في نفس القارئ طمأنينة لا تشوبها شائبة من قلق؛ لأنَّ نصره نتيجة صبره وذكائه، وهو نصر أسمى منزلة من فوز يظفر به أخيل بجسمه القوي وعضلاته المفتولة. وفي أعمال يوليسيز ومغامراته تنوُّع سريع يستولي على قلب القارئ؛ فهو إنسان فيه الإنسانية بمعناها الصحيح، أو إن شئت فقل إنه إنسان أعلى.

فلا عجب أن يُخلَّد شخصه بين أعلام الشخوص الأدبية في آداب العالم جميعًا. وقد استوقفتْ شخصية يوليسير أقلام الشعراء فصوَّروها؛ فهذا «فرجيل»٨٣ يُصوِّره ماهرًا ماكرًا، وهذا «دانتي»٨٤ في «الجحيم» يصف موت يوليسيز في بضعة سطور فيبلُغ في جمال التصوير والتعبير حدًّا كبيرًا؛ وتناوَله بالوصف الشاعر الإنجليزي «تنسُنْ»٨٥ فأبدع وأجاد. وقد أصاب الأوذيسية من التوفيق عند قرَّاء الإنجليزية ما أصاب الإلياذة، فترجمَها «تشابمان»٨٦ ثم ترجمَها «بوبْ»٨٧ كما ترجما الإلياذة.

•••

وبعدُ، فهذه خُلاصة ضئيلة للإلياذة والأوذيسية، فإن أردت أن تستمتِع بجمالها — حقًّا — فليس لذلك من سبيلٍ سوى قراءتهما في أصولها أو في تراجمهما الوافية الدقيقة.

وقد نالتا إعجاب الأدباء في كل العصور، وتُرجِمَتا إلى أكثر اللغات، وتُرجِمت الألياذة إلى العربية، ولكنها فقدتْ كثيرًا من جمالها.

ويرجع ما لهوميروس وملحمتَيه من شُهرة أدبية خالدة إلى ما فيهما من البساطة، والقوة في الأسلوب، والصِّدق، والجمال.

فهوميروس في عرضِه للأحداث يؤثِّر ببساطته وإيجازه، فلا تَكلُّف، ولا إطناب، ولا تعقيد، وإنما هي بساطة كبساطة الطفل.

انظُر إليه في موقف هكتور وأندروماك وطفلهما الرضيع؛ فالولد يبكي من منظر والده، والوالد يضحك من بكائه، ثُم يخلع خوذته ويُقبله ويقول: «يا إلهي زيوس ويا جميع الآلهة، أدعوكم أن يبلُغ ابني بين أهل طروادة ما بلغْتُه من العظمة والقوة والشجاعة، وأن يكون ملكًا كبيرًا لطروادة.»

والزوجة تبكي مُشفقةً على زوجها، وهو يردُّها قائلًا: إنَّ القضاء المحتوم لا ينجو منه أحد. والزوجة تعود إلى بيتها حزينة، فيُثير منظرُها في وصيفاتها الأشجان؛ إذ توقَّعنَ ألا يعود سالمًا من الحرب.

كل هذه عواطف إنسانية تحدُث في كل عصرٍ ولكل الناس، عُرضت في سهولةٍ وبساطة. والطريقة التي عُولِج بها الموضوع بسيطة، والاهتمام كلُّه موجَّه إلى النُّقَط الأساسية للمأساة.

وبجانب البساطة، كان الفنُّ في تصوير الأشخاص والأحداث، كخُلُق أخيل، وموت هكتور، وموقف أبيه.

كذلك ممَّا امتاز به شعر هوميروس صِدقه، ولسْنا نعني بالصدق مطابقة الخبر للواقع، وإنما نعني به إجادة الفنان في التعبير عن شعوره؛ فهوميروس ليس آلةً صمَّاء، ولكنه يشعُر كل الشعور بما يقصُّه، ويُسبغ شعوره على ما يَحكيه، كما ترى في موقف أبي هكتور من أخيل.

كذلك امتاز هوميروس في ملحمتَيه بأنه — فيما يحكي — لا يتحيَّز، فالقارئ يعطف مثلًا على هكتور أكثر مما يعطف على أخيل، ولكن هوميروس يقف مُتجردًا يبتعِد عن هذا النزاع كلَّ البعد، وكان عمله الوحيد أن يسجِّل لكلٍّ منهما ما له وما عليه من غير أن يحكُم، وفي صراحة تامة.

إلى ذلك ما يراه قارئو الإلياذة والأوذيسية في أصولهما من جمالٍ فني رائع هو جمال البساطة والجمال الفطري الطبيعي.

كل هذا جعل للإلياذة والأوذيسية هذه القيمة الكبيرة التي لا تزال لهما إلى اليوم.

ومن شعراء اليونان «هزيود»٨٨ مُؤلِّف «الأعمال والأيام» وهي قصيدة تهذيبية لم يبقَ منها سوى ثمانمائة بيتٍ من الشعر، وله أيضًا «نسب الآلهة»، وهي قصيدة قِوامها ألف بيتٍ من الشعر، تدور حول أساطير اليونان. وأما سائر الشِّعر الذي يُنسَب إلى «هزيود» فقد بدَّدته الأيام. وليس يتردَّد ناقد في يومِنا هذا أن يحكم على شعر هزيود بقلَّة الشأن إذا قِيس إلى عظمة هوميروس، مع أنَّ اليونان أنفسهم لبِثُوا قرونًا طويلة يضعونه مع هوميروس في منزلةٍ واحدة من السُّمو والنبوغ، واتَّخذه الشاعر اللاتيني العظيم «فرجيل» أستاذًا احتذاه في قصائده «الريفيَّات» التي تُشبه «الأعمال والأيام» بما ورد في الكتابين من وصف لحياة الريف وأعمال الريف في فصول السنة المختلفة.

(٣) الشعر الغنائي عند اليونان

منذ أقدم العصور كان ببلاد اليونان قصص شعبي كما كان بها غناء شعبي، ونحن لا نستطيع أن ندَّعي أسبقية أحدِها في الظهور إلا أن يكون ذلك على سبيل الفروض التي لا تستنِد إلَّا إلى الحقائق النفسية العامة. وهنا قد نستطيع أن نُجازف فنقول بأسبقية الغناء لتأصُّله في طبائع البشر، ثم لأنَّ القصص لا ينشأ إلا بتراخي الزمن، وبعد اجتماع أحداثٍ تعود الشعوب أو القبائل إلى ذِكرها.

ذلك إذا نظرنا إلى هذين النوعَين كأدبٍ شعبي، وأما إذا نظرنا إليهما كأدبٍ فني فالثابت تاريخيًّا هو أسبقية القصص الشعري على الغناء. وتلك ظاهرة يُمكن تفسيرها من الناحية التاريخية إذ يمكن تتبُّع المراحل التي انقرض فيها شِعر الملاحم وحلَّ محلَّه الشعر الغنائي.

ويمكن القول بوجهٍ عام إنَّ الشعر القصصي الفني (شعر الملاحم) قد سيطر على بلاد اليونان ثلاثة قرون (من القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى القرن الثامن قبل الميلاد)، ثُم سيطر الشعر الغنائي ثلاثة قرون أخرى (من الثامن قبل الميلاد إلى الخامس). وأخيرًا سيطر الشعر التمثيلي خلال القرنين الخامس والرابع، ومنذ القرن الرابع يمكن القول بأن عصور الإنتاج الحقيقي قد انتهت بغزو المَقدونيين لبلاد اليونان وتحطيمهم لاستقلال مُدُنها.

برجوعِنا إلى الإلياذة والأوذيسية نجد إشاراتٍ إلى الشعر الغنائي؛ ففي مُناسبات كثيرة يُحدثنا هوميروس عن ترديد الجند لنغمات البيان Pean، وهو نشيد دِيني كانوا يُمجِّدون به أبولو أو غيره من آلهتهم. نذكر لذلك مثلًا غناء جُند «أخيل» عندما قَتل قائدهم هكتور أشجع أبطال طروادة. «والآن يا أبناء الآكيين لنعُدْ على نغمات البيان إلى سُفننا الجوفاء ساحبين تلك الجثة. لقد كسَبْنا مجدًا عظيمًا. لقد قتلْنا هكتور الإلهي، هكتور الذي كان أهل طروادة يُجلُّونه كإله.» وكذلك يُشير الشاعر إلى أغاني الرثاء المُسمَّاة باليونانية «ترينوس».٨٩ وذلك عندما بكى صديقه بتروكلس، وعندما بكى بريام وبكت هيكوبا ولدَها هكتور من أعلى الأسوار، وكذلك عندما بكتْهُ جوقة من النساء المُحترفات أولًا ثم سيدات المنزل: هيكوبا وهيلانة وأندروماك ثانيًا بعد أن ردَّ أخيل جثته إلى أهله، بل وفي الأوذيسية يُحدِّثنا هوميروس عن شاعرٍ غنائي مُتجوِّل هو ديمودوكس٩٠ الذي كان يُطرب الملوك في قصورهم بشعرٍ مرِح، فيه إقبال على الحياة.

وإذن، فالنصوص تؤيد وجود شعر غنائي مُعاصر للشعر القصصي أو سابق عليه، ومع ذلك لم يحرِص هوميروس على أنْ يصُوغ ذلك الشعر، ولا أنْ يرويه، وإنما انصرف جُهده إلى كتابة الشعر القصصي. لأنَّ الشعر الغنائي كان نواةً لم تكتمِل.

ثُم في القرون الثلاثة التي سبقت الحروب الميدية (من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الخامس) تطوَّرت بلاد اليونان من الناحيتَين السياسية والعقلية، فقد اختفت الملكيَّات القديمة التي تغنَّى بها هوميروس، وكثُرَت الغزوات والهجرات التي قلبَتْ أوضاع الحياة، وعلى أنقاض الملكية نشأت حكوماتٌ أرستقراطية وحكومات ديمقراطية. ومن حينٍ إلى حين نُظم استبدادية، وفي وسط تلك الحركات والانقلابات أُرهفَ الإحساس، ونمَتِ الشخصية، وتيقَّظ التفكير يبغي إخضاع الأشياء للعقل أو فَهم قوانينها، أو العبارة عن تأثيرها في النفوس.

هذا الانقلاب في الحياة العامة كانت له نتيجتان: الأولى ظهور الشخصية الفردية، والثانية نموُّ الحالة العقلية. وفي هاتَين النتيجتَين ما يُفسِّر انصراف الشعراء إلى الشعر الغنائي وتفضيلهم له على الشعر القصصي؛ فالشاعر الغنائي يضع نفسه في شعره، كما يصدُر فيه عن واقع الحياة التي يُدركها بحواسِّه، فتترُك في نفسه انفعالاتٍ شعورية، أو تُرسِّب بعقله أفكارًا.

ونحن بعدُ نستطيع أن نلمح مرحلةَ انتقالٍ بين القصص والغناء، تتمثَّل في الشعر المُسمَّى بالتعليمي،٩١ كشِعر هزيود الذي عاش على الراجح في القرن الثامن قبل الميلاد؛ فكتابه المُسمَّى «نسب الآلهة». واضِح فيه الحِرص على المعرفة المُنظَّمة والتسلسُل المنطقي، رغم تضارُب الروايات، وفي كتابه الآخر «الأيام والأعمال» نجده يتحدَّث عن أعمال الحقول، وفصول السنة، ويصِف الحياة اليومية وصفًا واقعيًّا، وفي الكتاب الأخير تظهر شخصية الشاعر بوضوح؛ تظهر آراؤه في الحياة وفلسفته في فَهمها، بل وتظهر بعض حوادث حياته، كالخِلاف بينه وبين أخيه في اقتِسام تركة أبيهما واحتكامهما إلى القضاة.

شعر هزيود التعليمي إذن مرحلةٌ بين القصص والغناء. مرحلة عابرة؛ إذ سرعان ما غلَب الغناء وأصبح هو الفن الشعري السائد في بلاد الإغريق كافة.

لقد كان اليونان ينشدون الشعر القصصي بمصاحبة القيثارة، ولكنَّ الموسيقى لم تكن تُماشي الشاعر عندئذٍ مقطعًا مقطعًا، بل كانوا يكتَفُون من الموسيقى بخلْق الجو، وأما في الشعر الغنائي فقد استخدموا الموسيقى — وبخاصَّة في الأغاني الشخصية وفي الأناشيد الجماعية — استخدامًا أشمل وأعمق، فتعدَّدت الآلات وتعدَّدت النغمات، وأصبحت كل نغمة تُماشي مقطعًا في التفاعيل، ولقد فطِنوا إلى استخدام كل آلةٍ فيما يُلائمها من موضوعات، فتراهُم يستخدِمون النايَ حينًا والقيثارة حينًا آخَر كما قد تجتمِع الآلتان في أناشيد النصر، وكل ذلك دون أن تطغى الموسيقى على الشعر كما نرى اليوم في الأوبرا. وقد استطاع اليونان ذلك لبساطة موسيقاهم، فهي موسيقى قريبة من موسيقانا الشرقية.

ولقد أتي على الإغريق زمن كانوا يُنشدون فيه الشعر القصصي دون أيِّ مصاحبةٍ موسيقية. وأما الشعر الغنائي بمعناه الدقيق الذي سنراه فيما بعدُ فقد ظل يُنشد مع الموسيقى، وكان المُميز لأنواع الشعر الغنائي المختلفة هو أوزانها الشعرية أولًا ثم موضوعاتها بعد ذلك.

والشعر القصصي مكتوب كله فيما يُسمَّى بالوزن السداسي hexameter، أعني ذلك الذي يُبنى البيت فيه من ستِّ تفاعيل، وهذا وزن سهل مُطرد رحب يلائم القصص. وأما الشعر الغنائي فليس له وزن واحد، وإنما تختلف أوزانه باختلاف موضوعاته، وهي بعدُ أوزان مُعقدة متنوِّعة غنية بموسيقاها.
والناظر فيما يُسمى بالشعر الغنائي عند اليونان يستطيع أن يُقسِّمه إلى نوعَين كبيرين:
  • (١)
    الشعر الإليجي والشعر الأيامبي elegy – iambic poetry.
  • (٢)
    الشعر الغنائي بمعناه الدقيق. وهذا ينقسِم إلى قِسمَين:
    • (أ)
      أغانٍ فردية song.
    • (ب)
      أناشيد جماعية دينية وغير دينية hymns & odes.

وأساس هذا التقسيم يستنِد قبل كلِّ شيءٍ إلى الأوزان الشعرية، فكلمة إليجي وكلمة إيامبى عند اليونان لا تصدُق إلَّا على وزنَين مُعيَّنين: الوزن الإليجي وَحْدتُه ما نستطيع أن نُسميه بالمثنوي، والمثنوي الإليجي عبارة عن بيتَين: أحدُهما سداسي التفاعيل والآخر خماسي، وطبيعة التفاعيل فيه تقرُب من تفاعيل الشعر القصصي. وأما الأيامبى فوَحْدَتُه البيت الواحد المُكوَّن من ستِّ تفاعيل إيامبية، والأيامب عبارة عن مقطعٍ قصير وآخَر طويل.

شِعر الإليجي إذن لا يتميَّز إلا بوزنه، وأما موضوعاته فمُتباينة أشدَّ التبايُن، ونحن لا نعرف لماذا سُمِّي بذلك الاسم، وإن يكن الرأي الراجح اليوم عند العلماء أنَّ لفظة elegy ليست إغريقية، وإنما هي أرمنية مُشتقَّة من كلمةٍ معناها الناي، وذلك لأنَّ هذا النوع من الشعر كان في أول نشأته يُتغنَّى به بمصاحبة الناي، بحيث نستطيع — إن أردنا — أن نُسمِّيه «أشعار الناي». وهذه اللفظة وإن غلَب عليها في العصور الحديثة معنى الرثاء والحزن والشكوى لمَوتٍ أو ألَم أو تعثُّر في الحب، فإنها عند اليونان لم تتخصَّص بموضوع بذاته، بل إن أقدم الأشعار الإليجية التي وصلتْ إلينا إنما هي أشعار حماسية وحربية.

وأما الرثاء، فلا نجده إلَّا عند أرخلوكوس، ثم عند الشاعرة سافو، وأخيرًا عند سيمونيدس الكِيُوسي أيام الحروب الميدية.

وأما الشعر الأيامبي، فاسمه مُشتق من فعلٍ يوناني معناه «يرمي» أو «يقذِف»؛ ولهذا استُعمل هذا الوزن السريع الدافق في الهجاء بحيث نستطيع أن نُسميه بالشعر الهجائي، وإن كان قد استُخدم فيما بعدُ في الحوار في المأساة (التراجيديا)، كما استُخدِم في المَلهاة (الكوميديا)، ومع ذلك فالشعر الذي لدَينا من هذا الوزن — بصرْف النَّظر عن الشعر التمثيلي — كلُّه في الهجاء: كشِعر أرخلوكوس وشعر سيمونيدس الأمورجي؛٩٢ وهما من شعراء القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.

هذان النَّوعان من الشعر — أشعار الناي، وأشعار الهجاء — ليسا من الشعر الغنائي بالمعنى الدقيق، لأنَّ الموسيقى لم تصاحبهما دائمًا، وإنما صاحبتْهما في أوائل نشأتهما، ثُم استقلَّا عنها منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وأصبحا يُنشَدان مجرَّد إنشاد، ولهذا يُميِّز النقَّاد بينهما وبين الشعر الغنائي بمعناه الدقيق.

والشِّعر الغنائي بالمعنى الضيِّق الدقيق لا يشمل غير الأغاني الفردية والأناشيد الجماعية، فهذان النوعان هما اللَّذان ظلَّت الموسيقى تُصاحِبهما حتى العصور المُتأخِّرة. وأكبر شعراء الأغاني هم: أنا كربون، وسافو، وألكيوس، وأما شعراء الأناشيد الجماعية، فزعماؤهم باخليدس وسيمونيدس الكيوسي،٩٣ ثم بندار أكبرهم جميعًا.

•••

ونحن إذا ما أخذنا نُفصِّل الحديث عن الشعر الغنائي عند اليونان، فجَأتْنا في أول الطريق خسارتان فادِحتان أصابَتا تاريخ الأدب، أما صُغراهما فهي أننا لا نجِد أحدًا، مهما بلغَتْ دراسته في اليونانية القديمة، يستطيع أن يقرأ الشعر اليوناني في صوتٍ إيقاعي على نحوٍ يُبيِّن تفاعيله ووقفاته بيانًا صحيحًا جميلًا، وأما كُبراهما فهي أنَّ مُعظم الشعراء الغنائيين من اليونان القُدَماء قد امَّحت آثارُهم، ولم يبقَ من تُراثهم إلَّا نُبَذٌ قليلة، وإنما عرفنا قيمة أشعارهم من تلاميذهم الفحول الذين اقتفَوا أثرهم وخلَّدوهم في شعرهم.

(٣-١) شعر الإليجي

وما كان أضخمَهُ من تراث أدبي لو حفِظ لنا الدهر كل ما جادت به قرائح اليونان من جيِّد الشعر! فهذا «صولون» المُشرِّع الحكيم الذي ظهر في أثينا بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وهذا «ثيوجنيس»٩٤ لم يبقَ لنا من أشعارهما إلا قليل، وهما من شعراء الإليجي، ويتَّضح من شعرهما ما سبق أن ذكَرْنا من أن الإليجي عند الإغريق لم يكن معناها المرثية كما هو معناها الآن عند الأوروبيين، وإنما كانت تتميَّز بوزنِها العروضي. فالإليجي عند صولون سياسية وطنية وعند ثيوجنيس كانت نظرات أخلاقية، وهما أبعدُ ما يكون عن رثاء الموتى والبكاء على بؤس الفقراء، بل إنَّ ثيوجنيس ليمقُت الفقراء ويزدريهم لأنه أرستقراطي مُعتز، شامخ الأنف، ولو أنه قد ينزِل من عليائه ليعطف على الفقراء أحيانًا.

وهاك مثالًا من شعرِه الذي وصَلَنا منه ما يقرُب من ١٤٠٠ بيت:

اختيار الأصدقاء

بُنَيَّ: لا تتَّخذ من عُصبة السوء أَخْدَانا؛
نصحتُك فالتمِس بين أهل الجاه إخوانا،
خالِطهم في طعامهم وشرابهم واتَّخِذهم رفاقًا وخِلَّانًا،
وادرُس العظماء، إنَّ في درْسِهم لذَّة ونعيمًا.
صاحبْ ذوي الجاه يزدَدْ منك العقلُ رُجحانًا،
وعاشِر أهل السوء تُحرَم الحِجى حرمانًا.

ومن شعره أيضًا:

لا تلُم فقيرًا على فقرِه

لا تَسْخَرَنَّ من فقرٍ مُدقِع قَتَّال.
لا تَنْقِمَنَّ على من ساءتْ حالُهُ بجيبٍ خالٍ؛
إن زيوس ينصِبُ يومًا بعد يومٍ قوائم الميزان،
فيمنح هذا المالَ العريضَ ويقضي على هذا بالحرمان.

ومن شعره أيضًا:

الأموات لا يشعرون

لا أُريد لعَظمي البالي فَخْمَ المراقدِ.
وأُوثرُ أن أقضي الحياة في عيشٍ راغد؛
فسواءٌ لدَى الجثمان وَثيرُ الفراش وصُلْدُ الجلامِد،
وما البساط الناعِم عند الموتى بخيرٍ من الأشواك الشدائد.

(٣-٢) الشعر الأيامبي

ومن أئمة شِعر الأيامب عند اليونان «أرخيلوكوس»،٩٥ ولعلَّه مُبتكر الوزن الذي يُستخدَم في قصائد الهجاء، وهو وزن يُشبِه إلى حدٍّ ما أوزان «درَيدن»٩٦ و«بوب» من شعراء الإنجليز فيما أنشداه من أشعار الهجاء اللاذع، ولكنَّ الزمن قد أغرق في موجِه آثار «أرخيلوكوس»، وعلينا أن نُصوِّره لأنفسنا من القليل الباقي، لِنتصوَّر فيه تلك الشُّعلة الحماسية التي أعجبت «هوراس»، وذلك اللفظ الفخم الذي قلَّده كثيرٌ من شعراء اليونان واللاتين.

ومن شعراء الهجاء سيمونيدس الأمورجي، وله هذه القصيدة الجميلة:

بضعي النساء

جَعَلَ الله عند الخلق طبائع النساء مُختلفات،
فجاءت إحداهنَّ كأنما أخرجَها الله من خنزير،
يسرَح بنُوها في الدار في فوضى واضطراب،
وتراهُم طرحى على الأرض يتمرَّغون في أشكالٍ من القذر مُتباينات،
بينا تَراها في أقذارها وثوبها المُتهدِّل
تمرَح كما تمرَح الخنازير في حظائرها، وتزداد شحمًا على شحم.

•••

وأخرى كأنما أخرجها الله من ثعلبةٍ ماكرة؛
فهي بكلِّ أمرٍ مُحيطة؛ لا تغفُل عن شيء،
شرًّا كان أو خيرًا. بكل شيء خبيرة عليمة،
كم تنطق بالشَّرِّ والأذى،
لكنها قد تفعل الخير: هكذا جُبلَت طبيعتها قُلَّبًا.

•••

وأُخرى كأنما هي الكلبة حركةً ونشاطًا،
يشُوقها أن تسمَع كلَّ شيءٍ وتكشف عن كلِّ خافية،
تجُوس أرجاء المكان فاحصةً مُتطلِّعة،
فإن لم تجِد شيئًا أطلقت بالسوء لسانها،
ولن يُجدي فيها وَعيد زوجِها،
كلَّا ولا يُسْكِتُها الغضبُ، ولا حَجَرٌ يُلْقى عليها فيُحطِّم أسنانها،
ولا تُجدي كلمةٌ طيبة ولا مسحٌ بكفٍّ عطوف،
بل وهي في ضيافة غيرها،
تظلُّ كالكلبة في صياحِها ونباحِها.

•••

وصاغت آلهة السماء من تُراب الأرض امرأة،
قدَّمَتْها على نقصها للرجل زوجةً،
يعُوزها العِلم، فلا خيرًا عرفت ولا شرًّا،
ولا تعرف عليها واجبًا إلا أنْ تأكُل،
إنْ لفحَها بردُ الشتاء فارتعشت،
فلن تُزحزح نفسها نحوَ النار تَصطلي.

•••

وأُخرى خُلقت كالبصر ذات طبعَين،
فيومًا تراها مُشرقةً ضحوكًا،
إنْ رآها في دارها غريب لم يدَّخِر ثناء،
قائلًا ليس على وجه الأرض مِثلها ظرفًا وسناءً
ويومًا تعبس فلا تقوى على الدُّنُوِّ منها والنظر إليها
فكأنما مَسَّها عندئذٍ مَسُّ من جنون؛
غضوب كما تكون الكلبةُ مع جرائها،
حقود تُصيبُ نِقمتها الجمعَ على السواء،
كأنها حجَر يتعثَّر به الأصدقاء والأعداء،
ولكنَّها كالبحر، قد تَسكنُ في هدوء رحيم،
كالبحر في الصيف، هو للملَّاحين بهجةٌ لا تُحَدُّ
ثم قد ينقلب السكون إلى جنون،
فيُدوِّي بموجِه دَوِيَّ الرعود،
مثل هذه المرأة تحنو على ذوي قُرباها،
وطبعها شَبيه باليمِّ في تقلُّبه.

•••

وأُخرى تراها نحلةً في دارها؛ فطوبى لحائزها!
لن يجِد اللَّوم في أخلاقها مُستقَرًّا
فهي تجعل الحياة مُنتجةً خصيبة،
وتُنجب من بنيها كلَّ مجيد نبيل،
حتى تبلغ الشيخوخةَ في حب زوجها،
وتزداد على مرِّ الأيام طِيبَ أحدوثةٍ بين لِداتها،
ويُفيض عليها الله من بركاته الطيِّبات
إنها لا تجد متعةً في المكث بين النساء،
حين يتحدَّثن في الحبِّ ولقاء الرجال.
مثلُ هذه المرأة نعمةٌ من الله لزوجها،
وهي بين الزوجات أكثرهنَّ فضلًا وحِكمة.

(٣-٣) الأغاني الفردية

ومن خير ما يُمثل الأغاني الفردية ما أنشده «ألْكيوس»،٩٧ وما أنشدته «سافو»،٩٨ وما أنشده «أنا كربون»، وقد فُقد أكثر شعره. أما أنَّ ألكيوس كان شاعرًا مجيدًا فذلك ما يشهد به «هوراس»٩٩ الشاعر اللاتيني العظيم الذي جرى على نسَقِه في شعره.

وأما أنَّ «سافو» كانت رائعة بارعة، فدليل ذلك أنها كانت في القرن السادس قبل الميلاد مُعترفًا لها بزعامة مدرسة للشعر في الزبوس، إحدى جزر اليونان ومهْد الأغاني فيما يذكُر القُدماء.

وإنَّ الأشعار القليلة التي بقِيَت لنا من نظمها لتنطق بعلوِّ كعبها، وبما كان لها من عاطفة حادة وإحساس شديد بنعيم الحب وجحيمه. وقد كانت «سافو» في أعيُن اليونان شاعرةً مجيدة وضعوها في صفِّ هوميروس، وسرعان ما أصبحتْ في أساطيرهم بطلةً تُحاك حولها الأنباء والأخبار. ولقد سُمِّي باسمها وزنٌ من أوزان الشعر ابتكرتْهُ أو وجدتْهُ هزيلًا فبلغت به حدَّ الكمال؛ وهذا الوزن «السَّافي» كان نموذجًا لكثيرٍ من شعراء اللاتين، وبخاصة هوراس.

ونحن نسوق لك مثالًا من شعر «ألكيوس» ثُم نتبعه بمثالٍ من شعر «سافو».

قال ألكيوس في أشعار من أغاني الشراب:

إنَّ «زيوس» مُزنُهُ هامية، وريح السماء صرصرٌ عاتية،
وفي الأنهار تجمَّدت مياهها الجارية.
هَدِّئْ من العاصفة قُوَّتَها؛ جَمِّع للنار جَذْوَتَها؛
امزُج — كما تشتهي — من الصهباء صفوتها،
ثم طوِّق منك الجبين
بأكاليلَ من رياحينَ.
لا تُسْلِمَنَّ القلب للأشجان؛
أيُّ خير ترتجيه من أحزان؟
ليس للداء يا صاح غير هذا الدواء:
الخمر؛ فاحْتسِ الخمر حتى تنتشي.١٠٠
إلى الشراب هيا! فيمَ انتظارُكَ المِصباح؟
لم يبقَ إلَّا ساعة ويدهَمُك الصباح.١٠١
هات الكئوس واختَرْ منها الضِّخام الكبار،
ها هي تَدَلَّت من المشاجِب فوق الجدار،
إنَّ «سملى» و«زيوس» أنجبا «باكوس»١٠٢ حفيدًا،
فخلقَ الحفيد لذيذَ الخمر خَلْقًا جديدًا،
ثم هيَّأها للإنسان وسقاها،
فكانت لهُمومِه بَلْسَمَها وسلواها.
اقتُلها بالماء: واجعل من الخمر قَدْرًا ومن الماء مِثليها؛
واملأ الأقداح مُتْرعَةً حتى نهايتها،
وأعطِني قدحًا وانتظِر حتى تراني
حسَوتُه، فقدِّم الثاني.

وهذا مثال من شعر سافو. قالت في امرأةٍ ستُنسى لأنها ليست فنَّانة:

صفيةٌ

غدًا سترقُدينَ في جمود الموت جُثمانًا،
وذِكْرُكِ لا يُحرِّك لسانًا أو يُثير جَنَانا؛
إذ لم تكوني في دوحة الفنِّ غُصنًا فَيْنَانا،
بل ستكونين في جنبات الجحيم
وفي زُمرة المُصفَّدين.
لن يُصاحِب ظلَّكِ ظلٌّ حبيب.١٠٣

المساء

إيهٍ يا مساء، قد عُدْتَ إلى الديار بساكنيها،
بعد أن بَعْثَرَهُم الفخرُ في الأرض، قاصِيها ودانيها؛
فإلى الحظائر عُدْتَ بالخِراف والنعجات،
ورجعتَ البنين إلى صدور الأمهات.
أما «أناكريون»١٠٤ الذي لم يبقَ لنا من شِعره إلَّا شذرات، فقد أدار غناءه على الحُبِّ والخمر في أسلوبٍ رقيق، ولكنه أقلُّ عاطفة من شعر سافو. وقد كانت رِقَّة لفظه مَبعثَ إعجاب الشعراء اليونان والمُحدثين، وقد كان له مُقلِّدون أنشدوا شعرًا في أسلوبه، وضاعت أسماؤهم، فظلَّ يُنسَب له خطأ قرونًا مُتلاحقات.

والعجب أن مُقلديه ومُترجميه من المُحدثين إنما يقلدون ويترجمون تلك الأشعار المنحولة، أكثر ممَّا يرجعون إلى أشعاره الصحيحة.

والحق أن مجموعة من هذه القصائد المنحولة قد جُمعت في ديوان اسمه «أناكرونيات»، وهي من الجَمال والروعة بحيث تستحقُّ النسبة إلى هذا الشاعر العظيم.

وهاك مثالًا منها:

الشيخوخة

لن يعود الشباب الحلو ويخطو إليَّ
بعد أن كان لي أصدقَ الخلَّان،
وابيضَّ رأسي فوق كتفيَّ،
كما ابيضَّ منِّي العارِضان
وأسناني؛ لقد تحطَّم اليوم بنيان أسناني.
سَلَخْتُ عُمري، ما أبقيتُ إلَّا قليلًا،
أَستمرِئ فيه نعيم اللذَّات،
ومَزَّقتْني الشكوك تمزيقًا وَبِيلًا،
وبقيت لهفتي وعويلي واحسرتاه،
ألا ما أعمقَ مراقِد الأموات!
ما أعمق ما يرقدون ولا يحزنون!
وقد تقطَّعَت بهم إلى العودة أسبابها،
وعلى الدَّرَج صُعُدًا لم يعودوا يملكون
أن يسلكوا الطريق بين إيَابها؛
فهم في الهوَّة السحيقة يرقدون!

إنَّ القصائد الغنائية التي أنشدَها «أناكريون» و«سافو» وغيرهما، فيها من الطابع الشخصي شيء كثير؛ فهي تعبير عن عاطفة فردية، إذ تلمس فيها أنَّةَ الحزن وصرخة الألم، وتسمع فيها ضحِك السرور وإشفاق الأسف، وغير ذلك مما كان يحسُّه الشاعر في حياته الشخصية.

(٣-٤) الأناشيد الجماعية

وأما الأناشيد الجماعية فقد قرضَها قارضوها لتُغنيها مجموعة من الناس، وهي تُعبر عن عواطف جماعةٍ لا عاطفة فرد. ومن أمثال ذلك التراتيل الدينية وأناشيد المجد التي كانت تُغَنَّى للأبطال الظافرين.

فأمثال هذه القصائد، وإن تكن بغَير شكٍّ مطبوعة بطبائع قارِضيها، إلا أنها من حيث موضوعها لا تمسُّ تجربة الشاعر في حياته اليومية، وإنما تُعبر عن الحياة الدينية والاجتماعية التي تُحيط به. وأعظم شعراء هذا الضرب من الشِّعر الغنائي هم «سيمونيدس الكيوسي»١٠٥ و«باخليدس»١٠٦ و«بندار»١٠٧ وثلاثتُهُم عاشوا في القرن الخامس قبل الميلاد.

أما «سيمونيدس» فقد أجاد في قصائد المدح يَتوجَّه بها إلى من أراد مدحَهُ من العظماء، وكانت طريقته أن يذكُر بطلًا من أبطال الماضي ليعرِضه على سبيل المقارنة بالعظيم الممدوح؛ ولذلك فقد حَفِظت لنا أشعاره كثيرًا من أساطير الأولين.

وهذه أمثلة من شعره:

موتى الإغريق في ترموبولي

إنَّ صرعى «ترموبولي» لَمِن العظماء الأمجاد،
فما أشرَفَها نهاية، وما أسماها غاية!
رقدوا هنالك تحت مذبح، إذ لا تُشَقُّ لهؤلاء اللحود،
ولا يَغشى مراقدهم الراثون النائحون،
إنما يحجُّ إليهم الذاكِرون المادِحون،
فلله ما أعظمَهُ من قُربانٍ مجيد،
لن يطمِسَه الصدأ، ولن يُفْنيه الزمان المُبيد!
قُدِّست أرضٌ باتت للأبطال مُستقرًّا ومراقدَ؛
فها هنا أقام «الشرَف الإغريقي» له معبدًا،
وها هنا بين الصَّرعى رجل جدير أنْ يُمَجَّدا:
«ليونيداس Leonidas» سليل ملوك أسبرطة
الذي خلَّف الأعقاب كاللآلئ النواصع
شجاعةً وشُهرةً؛
فاسمُه باقٍ على الدهر
يتوارَثه عصرٌ بعد عصر.

الصعود إلى الفضيلة

عن الفضيلة قال الرُّواة:
إنها على جبلٍ صعب مُرْتقاه،
وعرائس الجنِّ المُقدَّسات لها حُماة،
ووجهها في حِرزٍ هيهات لإنسانٍ أن يراه،
إلَّا رجلًا شقَّ الطريق مُصَعِّدًا،
لا يُبالي نصَبًا مُضنيًا وقلبًا مُجْهدًا،
حتى يبلُغ بالبأس ذاك المَرقَدا.

قبر

ها هنا دعهُم يرقدون، إنهم بالذِّكر خالِدون
قد قضَوا في سبيل «تيجيا»١٠٨ وهم على الرِّماح قابضون،
كانوا لحِصُونها الليوث الحُماة،
كانوا لقُطعانها الحُرَّاس الرُّعاة.
اتَّخذوا حُرية «هلاس» إكليلًا وتاجًا،
واندفعوا في حَومة الوَغى أفواجًا فأفواجًا؛
لتظلَّ «هلاس» باقيةً على الأيام،
فلا يُعفِّر إكليلَها غُبار الرُّغام.

وأما «باخليدس» فكان من شعراء الأناشيد تُغنَّى للظافرين. ومن أروع قصائده نشيد قالَه في تمجيد جواد كسَب السَّبْق في حلبة الألعاب الأولمبية. وقد كان الإغريق ينظرون إلى الرياضة البدنيَّة نظرةً فيها الروح الوطنية وفيها العبادة الدينية، ممَّا ليس لنا به عهد نحن المُحدَثين.

وأعظم شعراء الأناشيد الجماعية التي تُقال في مواقف القلب والنصر «بندار»، وقد بقِيَ لنا من أدبه قصائد كاملة قِيلت في تمجيد السابقين الغالبين في حلبات الألعاب الأولمبية وما شابهها من المباريات. ولعظمة «بندار» وكثرة ما بَقِيَ من شعرِه، أصبحتِ الأناشيد في العصور الحديثة تقترِن باسمه، والقصيدة الغنائية من هذا الضرب كانت تُغنِّيها جوقة في نوع من الرَّقص في حلبة، فمقطوعة من القصيدة تُلازمها حركة الراقِصين من اليمين إلى اليسار، والمقطوعة التي تلِيها تُلازمها حركة من اليسار إلى اليمين، وفي المقطوعة الثالثة يقِف الراقصون في سكون؛ وهذه الوحدة الثلاثية يُكرِّرها الشاعر في قصيدته عددًا من المرات كما يشاء. وقد أصبح هذا البناء الفني للقصيدة الغنائية قالبًا هامًّا في الشعر الإنجليزي، ولو أنَّ القصائد الغنائية الإنجليزية تختلف كثيرًا من حيث الموضوع عن اليونانية. ومن أمثلة هذه الأغاني في الشعر الإنجليزي قصيدة «شلي»١٠٩ وعنوانها: «نشيد الرياح الغربية» وقصيدة «كيتس»١١٠ وعنوانها «أغنية العندليب» وقصيدة «سوْنبرْن»:١١١ «نشيد عيد الميلاد» وقصيدة «تنِسُنْ»١١٢ «الدُّوق ولنجتن»؛ فهذه كلها تُشبه أصلَها اليوناني في نقطةٍ رئيسية وهي وَقار موضوع القصيدة وما فيه من جدِّ العاطفة.

ولقد وصَلَنا من شعر بندار أربعةٌ وأربعون نشيدًا موزَّعة في أربع مجموعات حسب نوع الألعاب التي قِيلت فيها:

وها هو أحد أناشيدِه قالَه تمجيدًا لزينوقراط أمير مدينة «أجرجنتوم» بجزيرة صقلية. والنشيد مُوجَّه إلى «تراسيبولس» ابن الأمير المذكور. والراجِح أنَّ الشاعر قد كتب قصيدتَه بعد موت الأمير. قال:

(المقطوعة الأولى: تُنشدها الجوقة وهي تتحرَّك من اليمين إلى اليسار):

أي تراسيبولس! إنَّ القُدَماء الذين صعدوا إلى عربة ربَّات الوحي الذهبية ليأخذوا بأيديهم القيثارة النبيلة، لم يتوانَوا عن أن يُطلِقوا أناشيدهم الحلوةَ كالعسل، تمجيدًا لجمال الشباب،١١٣ أولئك الذين يدعونا شَبابهم المُحبَّب إلى أن نحلُم بأفروديت الإلهة ذات العرش المُشرِق.
إن ربَّة الوحي إذ ذاك لم تكن جشِعةً ولا أجيرة.١١٤ لم تكن «تربسيكورة»١١٥ تضَعُ قناعًا من القصة على وجهها، ولم تكن أغانيها العذبة الحُلوة تُباع بالمال، وأما الآن فها هي تدعونا إلى أن نقبَل تلك الكلمة القريبة من الحق، كلمة أحدِ أبناء «أرجوس»:

«المال. المال. هو الرجل.» قالها عندما فَقَد أصدقاءه لَمَّا فقد ماله. وأما أنت فرَجُل حكيم. إني أُشيد بنصرٍ لا يجهله أحد، هو النصر الذي وهبَهُ «بوسيدون» لزينوقراط مكافأةً لعربته، ذات الخيول الأربعة، ليُتوَّج بإكليل الآس.

(المقطوعة الثانية: تنشدها الجوقة وهي تتحرَّك من اليسار إلى اليمين):

لقد مجَّد فيه الإله سيد العربات النابه، مجَّد فيه فخر «أجرجنتوم»، ومن قبلُ قد رمقَه أبولون بعنايته في «كريسته»، حيث وهبه النصر هنالك أيضًا. وفي أثينا المُشرَّفة نال حظوة أبناء «إركتيوس»١١٦ الأماجد، ولم يجد مأخذًا على تلك اليد الماهرة في قيادة العربة، يد السائق «نيقوماخوس»،١١٧ نيقوماخوس الذي ساط الخيل في حرارة، حتى إذا جدَّ الجدُّ أطلق لها الأعنَّة. وهو الذي شاد بذِكره «الأليُّون»،١١٨ رسل مواسم الألعاب وحامِلو القربان إلى «زيوس»، وذلك عندما بلَوا كرمه، لقد حيَّتْهُ أصواتهم الجميلة عندما تلقَّاه النصر الذهبي على فخذَيه ببلادهم. تلك البلاد التي ندعوها حرم «زيوس» الأولمبي. لقد لقِيَ هنالك أبناء «أبنسيديموس» مجدًا خالدًا. آه! إن قصوركم — تراسيبولس! — لا تجهل الولائم المحبوبة، ولا تنقطِع عنها الأناشيد المجيدة.

(المقطوعة الثالثة: تنشدها الجوقة وهي ساكنة):

إن رسل عذارى «الهليكُون»١١٩ لا يصدمون بالصخور، ولا تتوعَّر بهم السبل عندما يخفُّون إلى النابهين من الرجال، حامِلين هدايا هؤلاء العذارى. ليتني أستطيع أن أصل بسهامي حيث وصَل زينوقراط بكرمِه النفسي العذب، مخلِّفًا وراءه الناس كافة. لقد حاطه مواطنوه بإجلالهم. لقد أحب تربية الخيل لكي يُساير تقاليد الإغريق في أعيادهم. لقد أقام دائمًا الولائم في بشاشةٍ تمجيدًا للآلهة. ولم تحمِله يومًا رياح الكرم التي تهبُّ حول مائدته على أن يطوي قِلاعه. في الصيف يُبحر حتى «فاسس»، وفي الشتاء يُبحر حتى ضفاف النيل. ولمَّا كانت آمال الحسد تهوم حول البشر، كان من واجب «تراسبولس» ألَّا يمسك قطُّ عن الإشارة ببطولة أبيه. عليه ألا يترك هذه الأناشيد تهوي إلى النسيان. إنني لم أكتُبها لكي تنام خامدة. أُحمِّلك — يا نيكاسيوس!١٢٠ — هذه الرسالة وأنت عائد إلى الكريم الحبيب إلى نفسي.

هذا النشيد الصغير يُرينا مثلًا من أناشيد النصر عند اليونان، فالشاعر يتغنَّى بجمال تراسيبولس الشاب الذي أرسل إليه مدحَه لأبيه، وهو يُشيد بذلك الأب لانتصاره في الألعاب في سباق العربات، وهو يذكُر ما كان من نصرٍ سابق في كريسه وفي أثينا وفي أولمبيا، نصر أحرزه الممدوح أو غيره من أسرته، ثم يُمجد سائق العربة، وأخيرًا يتحدَّث الشاعر عن نفسه مُعلنًا اعتزازه بشعره. وليست كل أناشيد بندار في هذا الاختصار؛ إذ إن من بينها ما يبلغ خمسمائة بيت تقريبًا، أي ما يقرُب من أغنية من أغاني الإلياذة أو الأوذيسية. والشاعر يلتمس عندئذٍ مادة لشعره في الأساطير التي تدور حول أجداد البطل أو حول مدينته.

وشعر بندار يمتاز بقوة التركيز، وهو شعر غامض حارت في فهمِه العقول. انظُر مثلًا إلى جمعِه بين «رياح الكرم التي تهبُّ حول مائدة الممدوح» و«رحلات الممدوح إلى الشمال حتى فاسس، وإلى الجنوب حتى ضفاف النيل.» التماسًا لوجاهة الثراء، وكيف جمع الشاعر بين المَعنيين الحقيقي والمجازي، واصلًا بينهما بقوله «إنَّ رياح الكرم لا تمنع الممدوح من أن يُبحر طلبًا للمال من التجارة.» فهذا تركيز لا يخلو من غموض، ولكنه من مصادر عظمة ذلك الشاعر الذي يرى فيه النقَّاد أكبر شاعر غنائي.

•••

كانت أثينا طوال ذلك الزمن الذي عاش فيه من ذكرنا من الشعراء زعيمة اليونان العقلية، ولكن المدنية اليونانية لم تقتصِر على أثينا، بل ترامت إلى آسيا الصغرى وإلى صقلية وجنوبي إيطاليا، وازدهرت الفنون في كثيرٍ من هاتيك المدن والأقاليم، وإنه لَمِمَّا يدلُّ على تنافُسهم وتسابُقها أن ادَّعى سبعٌ منها بنوَّة هوميروس، كل منها يدَّعيه لنفسه. وقد ظهر من ذكرنا من شعراء في مدن مختلفة من البلاد اليونانية، ولكنهم كانوا يحجُّون إلى أثينا؛ هذا يذهب إليها في زيارة قصيرة، وذلك يقصد إليها لإقامة طويلة.

فلمَّا بسط الإسكندر الأكبر سُلطانه على العالم، فقدت المدن اليونانية قوَّتها وإن لم تفقد طابعها، فأخذ الأدب هنالك يضعُف وتنهار دعائمه، ولم يعد — على مرِّ الزمن — تعبيرًا طبيعيًّا عن خواطر الشعب تجري على ألسنة شعرائهم؛ لم يَعُد الأدب — تدريجًا — صوت الحياة، بل أصبح موضوعًا يُدْرس في كتب، وأصبح الأثر الفنِّي تقليدًا وصناعة يؤدِّيها الأديب بعقله لا بقلبه.

وانتقلت الزعامة الأدبية إلى الإسكندرية بعد أثينا، الإسكندرية التي أسَّسها الإسكندر في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، وسُرعان ما بلغ سكانها ثلاثمائة ألف، وأخذت تجذب إليها أرباب العِلم وأصحاب الفن بسبب هذه المكتبة العظيمة التي أقامها فيها البطالسة؛ فازدهر العلم وازدهرت الفلسفة وقوي النقد، لكنَّ الشِّعر لم يزدهر لسببٍ لا ندريه، فَقَدْ فَقَدَ جزالته وضاعت قوَّتَه، ولعلَّ ما أدَّى إلى ذلك أنَّ الشاعر كان يكتُب قصيدته لتُقرأ لا لتُنشَد وتُسمَع، أصبح يكتبها للعَين لا للأُذن، فضاعَتْ من الشعر أنغامه الحلوة، وبَقِيَت له القوالب المُتحجِّرة والصور الفارغة، أو لعلَّ العبقرية اليونانية قد أفرغت جُعبتها، فلم يعُد لديها شعور جديد ولا أسلوب جديد، لكن لا! فقد ظهر بعد ذلك شاعر آخر كان له فكر جديد صاغه في أسلوب جديد، وذلك هو «ثيوقريطس»١٢١ الذي جَوَّدَ الشعر الريفي حتى أصبح هذا اللون من الشعر يُنسَب إليه كما يُنسَب الشعر الغنائي إلى «بندار»، والشعر الريفي إنما يجري على ألسنة الرعاة: يُعبِّر عن عواطفهم، ويقصُّ خُرافاتهم ويصف ما يُحيط بهم من مناظر الطبيعة الخلوية، ويسجل ما يدور بينهم من حوار، وما يترنَّمون به من أناشيد. وإن في محاورة الرعاة وأغانيهم لَرِقَّة وعذوبة وشاعرية حتى ظنَّ بعض النقاد في العصور التي سادت فيها الصناعة في الأدب، أن هؤلاء الأجلاف السذَّج لا تصدُر عنهم هذه العواطف الرقيقة، غير عالِمين أن الأغاني الشعبية الريفية كثيرًا ما تبلُغ حدَّ الإبداع في خيالها وجمالها وألفاظها وقوافيها.

استمدَّ ثيوقريطس أغانيه من أناشيد الرُّعاة الذين كانوا يعيشون في صقلية فوق تِلالها الخضراء، وتحت سمائها الزرقاء، يمرحون ويترنَّمون. وعلى الرغم ممَّا خلعه ثيوقريطس على تلك الأناشيد الحلوة التي جرَتْ على ألسنة أصحابها مع السليقة والطبع، من صناعةٍ لفظية أبعدته عن جمال الطبع، فإن ما في قصائده من صِدق التعبير ودقة التصوير لِهؤلاء الرعاة السذَّج جعله شاعرًا مجيدًا.

وهذا مثال من الشعر المنسوب لثيوقريطس:

الصيَّادون

إنه الفقر وحدَه يوقظ الفنون،
ويُلهم الحذق يد الصانع الصُّنَّاع،
ويُعَلِّمُ الكدْح فلا ينام العامل إلا غرارًا،
وترى العناء والهمَّ من حوله زاحفًا،
فإذا ما أخذه الكَرى دهَمَه العناء والهمُّ بزئيره الداوي،
انظر إلى هذين الشيخين — وقد حذقا صيد السمك —
يتَّخذان من أعشاب البحر الجافة مخدعًا وطيئًا،
تحت كوخ معروش بجانب جدار من أوراق الشجر،
والشباك مطروحةٌ على مقربة منهما،
وحولهما انتثرت قضبان وسِلال من الغاب،
كما انتشرت مشابك وشباك وخيوط جمَّدتها الأعشاب،
… وعلى مقربة منهما مِجدافان مُتآكلان،
وحبال تشابكت كلها في خليط،
وزَورق مشدود إلى اليابس في عُرض الطريق،
والوسادتان تحت رأسيهما مِعطفان رقيقان من صوفٍ غليظ،
والغطاء فوق جسديهما عُطَيْفَانِ سَميكان،
فهذه عندهما كل ما يملكان،
وما عداها فيضٌ ليس فيه غَناء،
فلا حاجة بهما للحراسة إلى مفتاح وكلب وباب،
فقد وقف الفقر من دونهما حارسًا أمينًا
فلن يتَّخذ جار من جوار كوخِهما مَوطنًا،
فما الجار عندهما سوى مدِّ البحر الزاحف في رفقٍ ولين … إلخ إلخ.

وقد أصبح الشعر الريفي بعد ثيوقريطس تقليدًا في كل اللغات الحديثة فالشاعر «فرجيل» في ديوانه «أناشيد الرعاة» تأثر خطو ثيوقريطس ثم أثَّر هو في الشعر الإنجليزي؛ فإليه يرجع الفضل في اصطناع الأدب الإنجليزي للشعر الريفي. ولئن كان كثير من الأدب الريفي في الآداب الأوروبية الحديثة كاذبَ العاطفة لبُعد ما بين قائليه وبين البيئة الريفية، فإنَّ كثيرًا من هذا الشعر الريفي قد بلغ الكمال لأنَّ قارِضِيه كانوا يسكنون الريف ويُحبُّونه فيَصدُرون عنه صدور الطبع لا عن تقليد وصناعة. وقد ظهر الشعر الريفي في الآداب الأوروبية الحديثة في أربعة ألوان:

أما اللون الأول فكانت فيه «أناشيد الرعاة» قصائد قصارًا تحمل طابع «ثيوقريطس» و«فرجيل» وقد دام هذا اللون زمانًا طويلًا، وهو يكثُر جدًّا في الأدب الإنجليزي في عصر اليصابات، وأشهر أناشيد الرعاة في هذا الأدب عندئذٍ هو قصيدة «سبنسر»١٢٢ وعنوانها: «تقويم الرعاة» كتَب فيها اثني عشر نشيدًا، كلُّ واحدٍ يصف شهرًا من شهور السنة. ولئن كان «سبنسر» مقتفيًا في قصيدته تلك أثر الآداب الكلاسيكية القديمة، إلا أنه عبَّر فيها عن الروح الإنجليزية أصدقَ تعبير، ثم ترى في القرن الثامن عشر «جون جاي»١٢٣ في قصيدته: «أسبوع الرُّعاة» يستخدِم هذه الأناشيد الريفية ليُصوِّر فيها حياة الفلاح الإنجليزي في جدِّه وشرفه وإخلاصه. والصورة الثانية التي شهدها الشعر الريفي، هي امتداد الحوار القصير حتى أوشك النشيد أن يكون رواية تمثيلية قصير. وخير مثال لهذا في الأدب الإيطالي هو قصيدة «أَمِنْتَا» للشاعر «تاسو»،١٢٤ وفي الأدب الإنجليزي قصيدة «الراعي الحزين» ﻟ «بين جونسن»،١٢٥ وفيها عبر الشاعر عن روح الغابة الإنجليزية ورواية «الراعية الوفية» للشاعر «جون فِلِيتْشرْ»،١٢٦ الذي استوحى فيها شعر «تاسو» والأساطير اليونانية.
واللون الثالث هو قصة نثرية خيالها شِعري، كما في رواية «أركاديا» للكاتب الإيطالي «سانازارو»،١٢٧ وعلى أساسها كتَب الكاتب الإنجليزي «فلب سدني» روايته «أركاديا» في أسلوب مُزوَّق مُزخرف لا يُدنيه من أوساط أهل الريف، بل لا يُدنيه من أية طائفةٍ أخرى غير طائفة الأدباء؛ والأدب الريفي النثري الذي يَعنينا هو القصة العاطفية التي تُصوِّر أهل الريف، مثل قصص «جورج ساند» في فرنسا و«توماس هاردي» في إنجلترا وقد لا يكون هذان الكاتبان متأثرين بثيوقريطس، ولكنهما مع ذلك ينخرطان في سلك «أدباء الريف»، لأن رُعاتهم صُوَرٌ حقيقية لأهل الريف.
واللون الرابع للأدب الريفي — وهو أعلاها في الروح الشعرية يتمثَّل أبرع تمثيلٍ في قصيدة «ليسيداس» للشاعر «مِلتن»١٢٨ وقصيدة «أدونيس» للشاعر «شلي»١٢٩ فهنا يرثي الشاعر صديقًا له مات، فيُصوِّر نفسه وصديقه شخصَين يونانيَّين، ويُشيع في القصيدة روحًا ريفية. ونرى «ملتن» في قصيدته المذكورة يرثي صديقه «كنج» — وهو من يُطلق عليه اسم ليسيداس — فيقول عن نفسه وعنه إنهما:

… أُرْضِعا رحيقَ تلٍّ واحد

وأُطعِما سويًّا قطيعًا واحدًا، إلى جانب الينبوع والظِّلِّ والجدول.

قال ذلك ليُعبِّر عن أنهما كانا طالبين زميلين في الجامعة، وبعدُ فالأرجح أن هذا اللون من الشعر قد ذهب زمانه، ولن يعود إلى الأدب الحديث عظيمًا كما كان.

(٣-٥) الرواية المسرحية عند اليونان

نشأت الرواية المسرحية عند اليونان — أول ما نشأت — في احتفالاتٍ دينية كانت تُقام تكريمًا للإله «ديونيسوس»١٣٠ إله الإيماء والإثمار وبخاصة العِنب والخمر، فكانت العادة — فيما يرى بعض المؤرخين — أن يقوم نفَر في تلك الاحتفالات، ويَظهرون على نَشَزٍ وسط قومهم على هيئة البشَر في نِصفهم الأعلى، وصورة الماعز في نِصفهم الأسفل، فيُمثِّلون أدوارًا ويُديرون حوارًا. ومن هذه البداية الساذجة تكوَّنت آخِر الأمر الرواية المسرحية على أيدي جماعة من فحول الشعراء؛ ومن هذه الأمساخ التي كانت تظهر بين الناس اشتقَّ اليونان كلمةً أطلقوها على المأساة، فلفظة «تراجيدي»١٣١ أي المأساة مُشتقَّةٌ من لفظة الماعِز ولفظة أغنية في مركَّب مزجي، على أنَّ ذلك التطوُّر قد تمَّ بغير شكٍّ في قرونٍ طوال.
وشعراء المأساة النوابغ عند اليونان ثلاثة، أوَّلهم «إسخيلوس»١٣٢ الذي بقِيَت لنا سبع رواياتٍ كاملة مما كتب، وقد بلغ ما كتبَهُ سبعين مأساةً تدور كلها حول موضوعاتٍ دينية أو أسطورية، شأنها في ذلك شأن سائر الروايات المسرحية عند اليونان؛ ففيها يصِف الكاتب كيف يُنزل الآلهة عقابهم ويصبُّون عذابهم على الناس جزاءً وفاقًا بما قدَّمت أيديهم من إثم، وما اعتزُّوا به من كبرياء، فوَراء الآلهة إله أعلى، هو «القدَر» يتربَّص بالناس الدوائر، وهيهات أن يُفلِت من براثنه أحد؛ فلئن كان اليونان ينظرون إلى الحياة أحيانًا في شيءٍ من التفاؤل والمرَح، ولئن كان كثيرٌ من حكمائهم — مثل سقراط — قد نظر إلى الأشياء والأحداث نظرةً باسمة بهيجة، إلَّا أن الفلسفة الأساسية التي أقام عليها كُتَّابُ المأساة فَنَّهم كانت — على الجملة — قائمة على روح الجِدِّ والصرامة الخلقية، وهي في ذلك شبيهة بأدب «العهد القديم».
كان إسخيلوس جنديًّا حارب في الجيش الأثيني الذي هزم الفرس في «ماراتون»١٣٣ هزيمة مُنكرة خلَّدها التاريخ، خلد فيها كيف تَغْلِب فئةٌ قليلة دولةً قوية عريضة السلطان.

وكان لهذا النصر الباهر أثرٌ عميق في شخصية إسخيلوس وفنِّه، فقد كتَبَ رواياته في عصرٍ يمُوج بذِكر البطولة والأبطال على أثَرِ هذا النصر العظيم، فصوَّر فيها مزيجًا من الإيمان الدِّيني والزهو بالوطن والجنس.

ولا عجَبَ، فقد كان بلده «إليوسس»١٣٤ مركزًا دينيًّا يحجُّ إليه الناس زرافاتٍ يلتمسون لمشكلاتهم حلًّا عند معابدها، فنشأ إسخيلوس على عقيدةٍ تملأ شعاب نفسه، وهي استحالة أن يُفلِت الإنسان من أيدي القدَر أينما حلَّ أو ارتحل، فلا حياة بغير عقيدةٍ وإيمان.
أخرج إسخيلوس أول مسرحيةٍ له في سنِّ السادسة والعشرين، وكان يقوم بدَورٍ في التمثيل كما فعل شيكسبير من بعده، وقد استقى مادة مسرحياته من أساطير قومه، وإنه ليعترِف أن رواياته «فتات تناثَر من مائدة هوميروس.» ولم يَطْرُقْ إسخيلوسُ في كتبه موضوع الحُب وما يؤجِّجه في القلوب من عاطفة، إنما عُني بالقوى العُليا التي تدخل أصابعها في الحياة الإنسانية، فتدفعها هنا وهناك، رضِيَ الإنسان أو غضب، وقد خلع على «القدر» و«الخوف» و«العدل» و«الظلم» صفاتٍ مشخصةً جعلت منها أفرادًا تتصرَّف وتروح وتغدو. وبلغ إسخيلوس في فنِّه حدًّا من السُّموِّ لم يألَفْه اليونان من قبل، فأُلْقيَ في رُوعهم أن الآلهة توحي إليه وحيًا مباشرًا، وتروي عنه الأسيُرُ أنه كُلِّف في يَفاعته حراسةَ كرمةٍ فغلبَه النعاس واستغرق في النوم فهبط إليه «ديونيسوس» وأمَرَه بكتابة مسرحياته، فلمَّا استيقظ شرع يكتُب وأصابه التوفيق من فورِه. وقد قال عنه سوفوكليس١٣٥ — وهو منافِسُه العظيم — إنه أجاد الرواية ولكن بغير وعيٍ منه، يريد أنها تصدُر عنه بغير تعمُّد وتدبير. وقال بعض مُعاصريه إنه كان يكتُب كتُبه وهو مخمور؛ قيل عنه هذا وذاك، لأنه بلَغ من العبقرية في الإنشاء والإبداع حدًّا دُهِش له مُعاصروه، فلم يسَعْهم إلَّا أن يلتمِسوا له تعليلًا خارِقًا لمألوف البشَر.
ونُرجِّح أن تكون رواية «برومتيوس المُصَفَّد»١٣٦ أجوَدَ رواياته السبع الباقية، وهي الوسطى من ثالوثٍ روائي ألَّفه إسخيلوس.

فأما أولاه. فرواية «برومتيوس حامل النار».

وأما الثالثة فهي «بروميتوس الطليق»، وقد ضاعت الأولى والثالثة، وبقِيَتْ لنا الوسطى التي نُلخِّصها فيما يلي:

يُسيء برومتيوس إلى زيوس، فيأمُر هذا إلهًا من أتباعه هو «هفَيْستوس»١٣٧ — إله النار والحدَّادين — أن يشدَّ برومتيوس إلى صخرةٍ عاتية؛ فقد كان زيوس حديث عهد بإنشاء أُسرةٍ له في السماء، ثم شاءت إرادته أن يمحو البشَر من وجه الأرض ليُفسِح مجالًا لمخلوقاتٍ جديدة أرق وألطف؛ فيثور برومتيوس على مشيئة الإله الأعلى زيوس؛ لأنه يحسُّ نحو الإنسانية عطفًا وحبًّا، ولا يريد لها هذا الدمار والفناء الذي قضى به زيوس، فسارع ووهَبَ الإنسان نعمة النار وعلَّمه كيف يُشعِلها، فكان ذلك أقدم ما عرَف الإنسان من فنون الحياة، ثم علَّمه النجارة والزراعة والطبَّ والملاحة، فكان عذابه عند زيوس ذلك العقاب الشديد الذي ذكرْناه. وقد شاءت عزَّة برومتيوس عندما شُدَّ وثاقُه إلى الصخرة ألا يتألَّم أو يتكلم أمام حارسه «هفيستوس»، ولكن لم يكدْ يمضي عنه حارسه حتى صاح برومتيوس بالأرض والشمس أن تنظُرا كيف أساءت إليه الآلهة وإنَّهُ لَإله من بينهم:
ها أنا ذا مُصفَّد في مكاني، أنا إلهٌ منكود الطالع،
ها أنا ذا أُناصبُ زيوسَ العداء.

ويَمقتني كلُّ مَن تناله قوَّته، وإنه على كل شيء قدير، وذنبي أني شديد الحُب للإنسان.

وتَفِدُ عرائسُ البحر إلى برومتيوس زائرةً فينبئها أنه يُعاني الآلام المُبرِّحة لأنه أراد الخير بالإنسان، لكن برومتيوس في مِحنته تلك لم ييئس، فلا يزال يلمع في أُفُق حياته بصيصٌ من الأمل، وذلك أنه يعلم — دون غيره — أنَّ قضاءً محتومًا يتربَّصُ الدوائر بزيوس الإله، وسيُنزل به من ذُروة سلطانه إلى أسفل سافلين. فتبلغ هذه النبوءة السيئة مسامع زيوس، ويرسل «هرميس»١٣٨ يستفسر من برومتيوس عن تفصيل الأمر، لكن برومتيوس يُمْسك عن الجواب، فيتهدَّده هرميس مُذكرًا إيَّاه كيف نزلتْ به النوازل حين أعلن على ربِّه العصيان، لكنه يُجيب:
لن أرتضي الرِّقَّ لهذا العقاب بديلًا
فالكرْب عندي خير من أن أعيش ذليلًا.

فما هي إلا أن تنصبَّ على الثائر ألوان العقاب، فيُرسِل الله نسرًا جارحًا ينهَشُ لحمه نهشًا، وهنا تنشقُّ الأرض وتغوص الصخرة التي شُدَّ إليها برومتيوس إلى أعماق الهاوية.

وقد روى المؤلف في الرواية الثالثة من ثالوثه المسرحي أنَّ برومتيوس وزيوس قد وصلا إلى اتِّفاق بينهما وانحسم الخلاف.

ولعلَّ الحِكمة التي قصد إليها الكاتب هي أنَّ الآلهة كانت في بداية الأمر تُريد أن تأخذ الإنسان بالقانون الصارم، لكنها بعد جذبٍ وشد، رأتْ أن تُخفِّف من حدَّة القانون الذي تفرِضه على الإنسان، فأصبح على نحوٍ ما يرى قانونًا مقبولًا معقولًا يجمع بين العدل والرحمة، والشدَّة واللِّين، والجبر والاختيار.

وإذا استثنَينا برومتيوس، فإنَّ أمتع شخصية خلقَها إسخيلوس في مسرحياته هي «كليتمنسترا»١٣٩ في روايته القوية «أجاممنون»، فهي امرأة صُلْبَةُ العود شديدة المراس؛ يُشَبِّهها النُّقَّادُ بشخصية «الليدي مكبث»١٤٠ عند شكسبير، فكانت كيلتمنسترا لا تخشى أن تَجْهر بما تراه الحقَّ في وجه الآلهة والناس، وقد قتلَتْ زوجها «أجاممنون»، ولم تُحسَّ على فعلتها أسفًا ولا ندمًا، ولم يعتوِرْها ضعف أو خوَر، فكأنما هي فيما فعلت يد «القدر» ورسول «العدل»؛ فشخصية أجاممنون ممقوتة، ولذا فغدْر زوجته به لم يَعْدُ ما هو جدير به، لكنَّ ذلك لا يُبرِّر جريمتها الشنعاء، ولا يشفع لها إذا جاء يوم الحساب، لذلك يُدبر «القدر» أن ينتقم ابنها «أورستيس»١٤١ لأبيه من أُمِّه فيقتُلها.

فتتعقَّبه الآلهة بالعقاب، ولكنها تعود — في رواية أخرى للكاتب — فتعفو عنه.

فكأنما أراد إسخيلوس أن يُقرِّر مذهبه وهو أن الخطيئة لا بدَّ أن تلقى جزاءها قبل العفو عنها.

وأعظم تجديد جدَّده إسخيلوس في الرواية المسرحية أنه أدخل أكثر من مُمثل واحد على المسرح في وقتٍ واحد، لأنه بذلك هيَّأ الظروف للمحاورة التي هي ركنٌ أساسي في المسرحية.

ولسنا ندرى — على وجه التحقيق — كيف كان بناء المسرح عند اليونان في عهد ازدهار الرواية المسرحية، ولا كيف كان مُمثِّلوهم يُمارسون صناعتهم المسرحية، إذ لم يَبْقَ لنا أثر لمسرح بُنيَ في القرن الخامس قبل الميلاد نستشهِد بمَعالِمه، فمسرح ديونيسوس الذي كشف عنه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر بسفح الأكروبول بأثينا لم يتمَّ بناؤه إلا في القرن الرابع ق.م.

ولكنَّا نُرجِّح أنهم بلغوا في ذلك من الدقة مَبلغًا عظيمًا، وإلا فكيف استطاعت الجوقة في رواية إسخيلوس؛ «برومتيوس المُصفَّد» أن تُمثل عرائس البحر سابحة في الهواء، وتظلُّ سابحة حتى يأمُرَها «برومتيوس» بالهبوط؟

وقد يكون تمثيلهم للمناظر على غير ما نفهمه في عصرنا الحديث، لأنَّنا إن قرأنا الرواية اليوم وجدناها أقرب إلى أن تكون قصةً تُروَى مصحوبةً بغناء الجوقة منها إلى أن تكون عملًا ومحاورة بين المُمثلين يراه النظَّارة ويسمعونه كما يحدُث اليوم. ومهما يكن من أمر، فقد كان لا يظهر على المسرح إلا مُمثِّلان يتبادلان حوارًا، يتبعه ويفسره غناء تُنشده الجوقة التي كان الغرض منها أن تعْلَمَ من مشيئة الآلهة وتدبير القدر ما لا يعلَمُه البطل في تخبُّطه ومِحنته.

•••

وثاني شعراء المأساة النوابغ عند اليونان هو «سوفوكليس» الذي يصغُر جيلًا عن «إسخيلوس». وقد كانت عادة الشعراء أن يتنافسوا من أجل جوائز مُعينة تُعطى للفائزين، وتنافس سوفوكليس وإسخيلوس في إحدى هذه المُساجلات، فظفر بالجائزة سوفوكليس.

ومنذ ذلك الحين أخذ نجاحُه يطَّرد اطِّرادًا موصولًا لا ينقطع، حتى وافته مَنيَّته حول سنة ٤٠٠ق.م. وكانت سنُّه إذ ذاك تِسعين عامًا.

كتب «سوفوكليس» أكثر من مائة رواية، بقِيَ منها سبع، وهي تدور حول الأساطير ومسائل الدين كروايات إسخيلوس، فلم يكن كُتَّاب الرواية المسرحية من اليونان — وهم في هذا مثل شيكسبير وبعض الشعراء المُحدَثين — يزعُمون لأنفسهم ابتكارًا في الموضوع، بل كان موضع التنافُس والفخر كيف يُعالَجُ موضوع معروف في قالَب الرواية.

ومن أشهر رواياته «أوديب الملك» و«أنتيجونا» و«إلكترا» و«أياس».١٤٢ وإن لهذه الروايات لأثرًا كبيرًا في الأدب الحديث،١٤٣ وفي مسارح العالَم أجمع.

ولعلَّ قصة أوديب الذي قتل أباه وتزوَّج من أمِّه عن غير عِلم، أن تكون من أروع وأبشَعِ ما يراه الإنسان مُمثلًا على المسرح، ولا بدَّ أن يكون أثرُها أشدَّ وقعًا في نفوس اليونان منه في نفوسِنا، لأنهم كانوا يعرفون القصة، فينظُر المتفرِّجون في إشفاقٍ إلى أوديب على المسرح يعمل غير عالِمٍ بما يُخبئه له القدَر من أحداثٍ جسام.

إنَّ ما كسبته المسرحية على يدي سوفوكليس، هو أنه حدَّ بعض الشيء من سلطان الآلهة على سلوك البَشَر؛ فقد كان ما يقضي به الآلهة عند إسخيلوس، هو ما يرسم للإنسان سلوكه. أما سوفوكليس، فقد جعل الإنسان مُسيَّرًا بقدرٍ هو نتيجة أعمال الإنسان نفسه إلى حدٍّ كبير.

وللمُصادفة عنده قِسطٌ موفور في تحديد تلك الأعمال، فالإنسان عند سوفوكليس كائن مجيد نبيل، فترى أشخاصَه يُجاهدون ويرسُمون لأنفسهم الخطط، وهم إذا جابهوا الكوارث، فإنما يُجابهونها كما يُواجِهُ السَّبَّاح الماهر مَوج البحر الهائج: يُصارعه ويُكافحه ما استطاع إلى الكفاح سبيلًا.

ولنا أن نتَّخِذ «أنتيجونا» نموذجًا لفنِّ سوفوكليس، فنحن نُلخِّصها فيما يلي: شاءت إرادة «كريون»١٤٤ ملك طيبة اليونانية١٤٥ أن تظلَّ جثة «بولينيس»١٤٦ الذي قُتِل أثناء الهجوم على المدينة في العراء، لا يُشَقُّ لها في جوف الأرض رَمْس تستقرُّ فيه؛ فقد «أُعلِن الأمر ألا يُدفن الشقيُّ بولينيس ولا يُبْكي، وأن يُترك — من غير أن يُقْبر أو تُؤدَّى إليه الشعائر الدينية — نهبًا لسباع الطير التي تتأهَّب لافتراسه.» لكن أنتيجونا أخت بولينيس تُصمِّم على دفن أخيها على الرغم من أمْر الملك.

«أما أنا، فلا بدَّ أن أواري أخي، فإذا أدَّيتُ هذا الواجب، فما أجملَ بي أن أموت، ولئن متُّ فإنما أنا صديقة لَحِقَت بصديقها، سأؤدِّي واجبًا عدلًا ملؤه التقوى، لأن الوقت الذي سأُقيم فيه بين الموتى أطول من الوقت الذي سأُقيم فيه بين الأحياء.»

فقَبَض عليها أولو الأمر لعِصيانها، وجيء بها بين يدي كريون، فلم تُحاول إخفاء ما فعلت، بل أعلنتْ أمام الملك أنها كانت عالمةً بأمره، مُقدِّرة ما يترتَّب على عصيانها من نتائج:

كريون : وكيف جرأت على مُخالفة هذا الأمر!
أنتيجونا : ذلك لأنه لم يصدُر عن «زيوس» ولا عن «العدل» مُواطن آلهة الموتى، ولا عن غيرها من الآلهة الذين يُشرِّعون للناس قوانينهم، وما أرى أن أمورك قد بلغت من القوة مبلغًا تجعل القوانين التي تصدُر عنك أحقَّ بالطاعة والإذعان من القوانين التي تصدُر عن الآلهة الخالدين، تلك القوانين التي لم تُكتَب، والتي ليس إلى محوها من سبيل.

وبعدَ حوارٍ طويل بين الملك وأنتيجونا، يقضي الملك أن تُدفَن الفتاة حيَّةً في غارٍ صخري.

لكن أنتيجونا كانت خطيبة «هيمون»١٤٧ بن «كريون»، فيتوسَّل هيمون إلى أبيه أن يعفو عن حبيبته، ولكنَّ رجاءه يُصادف من أبيه أذنًا صمَّاء. فيدور بين الابن وأبيه حوار غاية في القوة والحياة، وهو أقرب ما يكون شبهًا بالحوار في الرواية الحديثة:
كريون : لن أسمح بأن تكون زوجًا لك، إنها ستموت.
هيمون : لئن ماتت فليتبعَنَّ موتها موتُ آخَر.
كريون : كيف! أتبلُغ بك الجُرأة أن تُهدِّدني!
هيمون : أأهدِّدك حين أُحارب فيك عواطف ظالمة؟
كريون : سأُعلِّمك أن تكون أعدلَ في عواطفك وميولك!
هيمون : لو لم تكن أبي لقلتُ إن عواطفك تُضادُّ العقل.
كريون : أيها العبد الدنيء تملِكُه امرأة، لا تُثقِل عليَّ بلغَطِك.
هيمون : أَتُريد أن تتكلَّم من غير أن تسمع؟
كذلك يجعل كريون نصيحة «تريسياس»١٤٨ دبرَ أُذنه، وتريسياس عَرَّاف ضرير، فيُنذِر العراف الملك بأنه مُلاقٍ في سبيل عناده أشدَّ ألوان العقاب.
  • تريسياس: «إذًا فاعلم أنك لن ترى الشمس تطلُع مرَّات دون أن تُصابَ بموت كائنٍ أنت أبوه، دِيةً لمَوتِ آخر، لأنك ألقيتَ في بطن الأرض كائنًا كان يعيش على ظهرِها، ولأنك أخزَيت نفسك؛ حبَستَ حيًّا في القبر، وخلَّيت جثةً بالعراء، بعيدًا عن آلهة الموتى، في غير ما ينبغي لها من الشرَف والمأْوى.»
ويُنفَّذ أمر الملك في أنتيجونا، فيُزهِق هيمون نفسه بجوار قبرِها، فتطعَنُ أمُّه «يوريديس»١٤٩ نفسها حزنًا على موت ولدِها، ويظلُّ كريون «ذلك الأرعن الأحمق» يندب حظَّه دون أن يجد إلى جانبه من يُواسيه.
والغاية الخُلقية من الرواية تُلخِّصه الجوقة في ختامها:
إنَّ الحكمة لَأَوَّلُ ينابيع السعادة، لا ينبغي أن نُقصِّر في تقوى الآلهة. إنَّ صلَف المُتكبِّرين لَيُعلِّمهم الحكمة بما يجرُّ عليهم من الشر، ولكنهم لا يتعلَّمون إلا بعد فواتِ الوقت وتقدُّم السن.١٥٠
وثالث نوابغ المأساة عند اليونان «يوربيدس»،١٥١ وهو أصغر من سوفوكليس بأعوام قلائل، وقد لبِث الشاعران العظيمان نصف قرنٍ يتنافسان أمام النظارة من اليونان، ولكن القدر كان أرحمَ بآثار يوربيدس منه بآثار زملائه، فاحتفظ للأجيال التالية بتسع عشرة من رواياته التسعين. وكان «يوربيدس» شاعر الحُب بين كُتَّاب المسرحية اليونانية، لأنه أدار كثيرًا من قصصه حول هذا الدافع الإنساني.
ولم يكن الحُبُّ باعتباره حافزًا للإنسان في سلوكه، مجهولًا قبل يوربيدس. ألم يكن فِرارُ «بارس» مع حبيبته «هلانة» هو الذي أثار حرب طروادة، ولكن «يوربيدس» هو أول مَن اتَّخذ عاطفة الحُب وغيرها من العواطف الإنسانية مِحورًا أساسيًّا في سلوك أشخاصه؛ فالناس من البشر في رواياته أهمُّ من الآلهة، بل إنه حين يقصُّ عن الآلهة وأشخاص الأساطير فإنما يُطلق ألسنتهم بحديثٍ هو أقرب شيء إلى حديث الناس في مُضطرب الحياة؛ فقد كان «يوربيدس» أعرف الناس بالمجتمع اليوناني في عصره، عرف كم بلغَتِ المدنية والفلسفة والثقافة العقلية والشكُّ عند قومه، وكيف صرَفَهم هذا كله عن الإيمان الخالِص الساذج بآلهتهم. وأدرك أنه إذا أراد أن يُحرِّك العاطفة في نفوس نظارته، فليضرب على أوتار العواطف الإنسانية التي لا ترتكز على الدِّين؛ فهذه «ميديا»١٥٢ الساحرة — إحدى شخصياته الروائية — يُصوِّرها في الظاهر كما صوَّرتها الأساطير القديمة: ساحرة تقتُل أبناءها انتقامًا من «جيسُنْ»١٥٣ وتطير في عربةٍ مُجَنَّحَة، ولكنه يُجري من الكلام على لسانها، ويُثير من العواطف في قلبها، ما يجعلها امرأةً مُعذَّبة من هؤلاء النِّسوة اللائي يُصادِفْنَكَ في الحياة.

كان يوربيدس يميل إلى العُزلة، لأنه كان في نغمة عصره نشازًا لا ينسجِم مع ميول العامَّة من الناس، زاعمًا أنه يُؤثِر حياة الريف الساذجة على حياة المدينة المُتحضِّرة. وقد كان في فنِّه مُجدِّدًا، فكان تجديده ذاك وخروجه على التقليد المألوف موضع السخرية من شيخ الساخرين «أرستوفانس» الذي كان زعيمًا للرجعية وإمامًا، فقد كرِهَ كل جديد وسخِر منه، لكن يوربيدس كان مُرَّ النفس، ضيِّقَ الصدر، يكرَه أن يكون أضحوكةَ الضاحكين:

وإنَّ رُوحي لتمقُت
أولئك الساخرين الذين يُطلِقون للسخرية عنانها
فتقتحم خطير الأمور وجِدَّها.
ولعلَّ ما زاد صدر الشاعر حرجًا أنه تزوَّج مرَّتين، وكانت الزوجتان بعيدتَين عن الوفاء؛ فغادر أثينا في أخريات أيامه ناقمًا ساخطًا ليعيش في مقدونيا حيث ألَّفَ آخر رواياته وهي «كاهنات باخوس».١٥٤ وقد قرَّبَه الملك إليه، فأثار ذلك غيرةً في نفوس طائفة من رجال البلاط، فدَّبروا له فيما يزعُم القدَماء عددًا من الكلاب الضارية تُهاجِمه وتفتك به فتكًا مُروعًا ذريعًا.

ولكن إنْ جاء شاعرنا نشازًا في نغمة عصره، فقد كان مُتَّسقًا، مع ذلك العصر من بعض الوجوه؛ ذلك أنه شاطر زمانه ما سادَهُ من شكٍّ في الآلهة والعقائد، وكان شكُّه قائمًا على أساس خُلقي، فقد رأى في الأساطير القديمة ما ينافي الأخلاق، لأنه إن كانت تلك الأساطير صادقة فيا ترويه عن الآلهة، فليست الآلهة — إذن — جديرة بالعبادة والتقدير، وإن كانت الأساطير كاذبةً فقد انهدَمَ بناء الديانة الإغريقية القديمة من أساسِه، فإذا اتَّهمَه أرستوفانس بعد ذلك بالإلحاد، فلم يتَّهِمْه زورًا وباطلًا؛ لكنَّ يوربيدس يُصرُّ على أنَّ الشكَّ في الله أو الآلهة لا يَعني فساد الأخلاق عند الشَّاك، ولا تعجَبْ من مثل هذا الرأي يصدُر عن شاعرٍ يوناني؛ فالفضيلة عند اليوناني العريق تجتذِب النفس بجمالها لا بثوابها.

وقد عُني يوربيدس في رواياته بالتحليل الدقيق للشخصية الإنسانية، وبخاصة شخصيات النساء؛ وهذا الفهم العميق لأحوال المرأة ودوافعها النفسية هو الذي حدا ببعض الكتاب المُحدَثين أن يُطلقوا عليه: «إبْسِن العصر القديم».١٥٥

وخير مَسرحياته هي «ميديا» التي كتبها في صدر شبابه حين اضطرمَتْ في صدره جَذْوَةُ الشك، والتهبت نفسُه حُبًّا في الحقيقة الخالِصة.

وتبدأ الرواية إذ يكون «جيسُنْ» قد ضجرتْ نفسه من رفيقته الساحرة «ميديا»، فتزوَّج من الابنة الوحيدة لملك كورنثة، وتمضي السنون ويبلُغ جيسُنْ سنَّ الرجولة المُكتملة، فيملُّ شواغلَ الحبِّ ودواعيه، ويلمَح فيها سخفًا لا تحتمِله النفس، فيصدُف عنه ليُقْبل على شئون حياته بكلِّ ما وَسِعه من عناية وجهد، وعندئذٍ تكون «ميديا» قد أدركت سنَّ النساء وتَمتلئ مقتًا وبُغضًا؛ ويأمر ملك كورنثة بهذه الساحرة أن يَطوَّح بها في المنفي بعيدًا عن أرض الوطن ليخلو لابنته الجوُّ فلا تتهدَّدها «ميديا» ولا تُناصِبها العداء، لكنه يسمح لميديا بيومٍ واحد تقضيه في المدينة قبل نفيِها. وها هنا نشهد لقاءً مُرًّا بينها وبين «جيسن» تكيل له اللوم والتأنيب كيْلًا لما أبداه نحوَها من نكران للجميل.

ألم تكن هي التي عاونته حتى بلَغَ أوْج المجد؟! ألم تكن هي التي أنجتْه من خطرٍ كاد يُورِده موارد الهلاك؟! ألم تكن هي التي قتلتْ عمَّه «بلياس»١٥٦ الذي هَمَّ باغتصابه؟ حتى إذا ما فرغت ميديا من تقريع جيسُن قال رئيس الجوقة ما معناه:
إن القلوب إذا تنافَرَ ودُّها
مثل الزجاجة كسْرُها لا يُجْبَرُ

فيغضب جيسُن ويثور في نفسه السُّخطُ كما يصنع الرجال إذا سلقتْهم ألسنةُ النساء الحِداد:

وَدِدْتُ لو شاءَ اللهُ،
لنا نحن أبناء الفناء أن نُنْبِت الأجِنَّةَ،
في غير أجواف النساء.

لكنَّ ميديا لم تكُن المرأة التي تعفو وتغفِر، فأخذت تُدبِّر كيدَها لتصبَّ على أعدائها النقمة والانتقام؛ فَضَرَّتُها مصيرها الموتُ المَحتوم، ولكن لا يَكفيها أن يَعْدَمَ جيسُن الزوجةَ ويبقى له البنون. فَلْتُدَبِّر لقتْل هؤلاء الأسباب حتى ينال ذلك من أبيهم، ولكنهم أبناؤه منها، فهل تفتِكُ بفَلذاتِ كبدِها انتقامًا من غدر حبيبها؛ ولم لا تفعل، فهل للثأر عينٌ تُبصِر؟

فلن أبقي لجيسُن مِنْ ذرِّيَّتي أحدًا
تقرُّ به عيناه، كلَّا ولن يُنسِل أحدًا
من عروسِه الجديدة.

وحينما تلتقي «ميديا» بجيسُن مرة أخرى تتظاهر بالإذعان لما أراد لها القضاء من تعذيب، وتقع عيناها على أبنائها فتنفجِر باكية، وتعود لها العاطفة الإنسانية أمدًا قصيرًا:

أواه! كم لِقلبي الكسير فيكم يا بَنيَّ من أملٍ عريض؛
فأنتم أسَاتي إذا ما دهَمَ المَشيب،
وبأيديكم العزيزة سَتَلُفُّون كفني حول جثماني،
حين أرقُد جثةً باردة.

لكن هذه العاطفة الحنون سرعان ما تمضي، ويبلُغها نبأ موت ابنة الملك فتأخُذُها نشوة السرور، وتُصمِّم أن تُورِد أبناءها موارد الحتوف، وتستحثُّ نفسها لتقترِف ذلك الإثم الفظيع، ثُم يتمُّ لها ما دبَّرت. وكان جيسُنْ قد أُنبئ بما اعتزمتْهُ ميديا من قتل بَنيها وبنيه، فطار برأسِه الجنون، واندفع يُنقِذ الأبناء الأبرياء من تلك المرأة المُجرِمة الغشوم. وها هو ذا عند دارها يَدُقُّ الباب دَقًّا حتى ليكاد يَدُكُّ البناء دكًا، ولكن ماذا تُجدي لهفتُه؟ لقد سبق السيف العزل ونفذ القضاء المحتوم في الأبناء.

وتبدو ميديا في عربةٍ تجرُّها وحوش مُجَنَّحَة وعلى سطحها رُصَّتْ جُثَث أطفالها، فلما أبصرت جيسُنْ نظرت إليه مُحنَقة وتنبَّأت له بأفدح الخطوب.

أما أنت فانظُر! إنَّ الموت يدنو ليُطبق عليك.

وحِكْمَةُ الرواية أنَّ فعل الشرِّ يتبَعُه العذاب، فقد غدَر جيسُن بميديا وأنكر عليها ما صنعتْ له من جميلٍ فأُصيب بالكوارث تترى. وإنَّ ميديا لتعترِف أنها ضحية لقسوة قلبها. وقد يبدو للقارئ أو الرائي أنَّ العقاب كان أفظع من الإثم، ولكن هكذا الحياة التي حرص يوربيدس على تصويرها.

وفي روايته «هِيبُوليتس»١٥٧ ترى «فيدرا»١٥٨ تقتُل نفسها، لأنَّ ابن زوجِها لم يُبادلها حبًّا بحب، وتلمس فيها امرأة تصلُح شخصيةً لرواية في العصر الحديث،١٥٩ ولكن على الرغم من حُسن لفتات يوربيدس نحو العواطف الإنسانية في رواياته، مما جعله يمتاز عن أقرانه، فإن آيتَهُ الكبرى هي رواية «كاهنات باخوس» التي تدور كلها حول الآلهة وما قد يُنزلونه من عقابٍ على بني الإنسان ملوكًا كانوا أو صعاليك، إنْ حَدَّثَتْهم النفسُ بمُعارضة العقائد الدينية وشعائر العبادة.

فإنَّ يوربيدس يعتقد عقيدةً جازمة بأنَّ العقاب لا مندوحةَ عنه للقصاص من الخطيئة.

فالإثم دَيْن على الآثِم ولا بدَّ من الحساب ليتمَّ للدَّيْن الوفاء، ولا عِبرة بعد ذلك إن جاء العقاب أخفَّ من الجُرم أو أشدَّ وأقسى.

ذلك هو يوربيدس الذي مجَّد فيه أرسطو العبقرية والنبوغ. ولما جاءته مَنيَّتُه لبس عليه سوفوكليس ثوب الحداد، كما حزن لفقدِه أهل المدينة جميعًا.

وبموته انتهى عصر المأساة (أو التراجيدي) الذهبي عند اليونان.

(٣-٦) الكوميديا (الملهاة)

معنى لفظ كوميديا في اليونانية — على الأرجح — «أغنية الكوموس» Komses-Odia والكوموس معناه عيد أو وليمة، والمقصود بذلك هو تلك الولائم والأعياد التي كانت تُقام احتفالًا بالإله باكوس (المُسمَّى أيضًا ديونيسوس) وهو إله العنب والخمر، وتلك أعياد مرحة كان اليونان يجتمعون فيها فيأكلون ويشربون ويُغنُّون، سائرين في مواكب على رأسها مُغنٍّ يُغني وبقية أفراد المَوكِب يُردِّدون غناءه أو يُجاوبونه، وكان موسم تلك الأعياد في الشتاء، حول آخِر يناير وأول فبراير، ففي ذلك الحين كان الفلَّاحون يحمِلون إلى آثينا دنان الخمر التي عصروها، ولهذا سُمِّيت تلك الأعياد بأعياد العصير.

فأعياد العصير إذن هي الأصل الشعبي للكوميديا الإغريقية، كما أنَّ أعياد العنب كانت الأصل الشعبي للتراجيديا، فكِلا الفنَّين قد نشأ من عبادة باكوس. التراجيديا بعد الجَنْي، حول شهري نوفمبر وديسمبر عندما يأخُذ العنب في الجفاف فيبكُون إلهه، والكوميديا عندما يبيعون العصير فيعبَثون ويمرَحون. وإلى جانب هذين العيدَين نشأت أعياد كبيرة في آثينا كانت تُقام في شهر مارس، وكثيرًا ما كان يجتمع فيها الفنَّانِ؛ التراجيديا والكوميديا. وقد بلغت من الشُّهرة في بلاد اليونان كافة مَبلغًا عظيمًا حتى إنَّ الكثيرين من الإغريق كانوا يأتون من كافة المدن لحضورها.

كانت الكوميديا إذن تُمثَّل في أعياد العصير، ولقد أصبحت فنًّا أدبيًّا بأثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان ظهورها في هذا المظهر مُتأخرًا عن التراجيديا بنحو ثلاثين أو أربعين سنة؛ إذ إن الثابت تاريخيًّا هو أن الدولة لم تُنظِّم مسابقات الكوميديا إلا قبل سنة ٤٥٨ق.م. بقليل.

ذلك في أثينا، ولكن الكوميديا قد عُرفت في البلاد اليونانية الأخرى حتى إنَّ أرسطو في كتابه عن «الشعر» لَيُحدِّثنا عن زعْم الدوريين — وهم أحد شعوب الإغريق — أنهم خالِقُو الكوميديا، زعم ذلك أهل «ميغارا» قائلين إنَّ الكوميديا قد نشأت عندَهُم في القرن السادس قبل الميلاد عندما وصلوا في مدنيتهم إلى الحُكم الديمقراطي الذي مكَّن شعراءهم من أن يستخدموا هذا الفن الأدبي في النقد السياسي والاجتماعي، وهم يزعمون أنَّ شاعرًا لهم اسمُه سيسريون١٦٠ هو الذي رحل إلى أثينا سنة ٥٧٠ق.م. ناقلًا إليها ذلك الفن، وزعم ذلك أيضًا أهل صقلية، وزعْمُهم أقوى تاريخيًّا من زعم المِيغاريين، فقد ظهر بالفعل في بلادهم شاعر كوميدي كبير هو إبيكارموس١٦١ الذي يضَعُه أفلاطون في قمَّة شعراء الكوميديا، كما يضع هوميروس على رأس شعراء الملاحِم. ولقد أخذ هذا الشاعر يؤلِّف الكوميديات منذ سنة ٤٨٦ق.م. فيما يروي القُدَماء. ولقد بلغ من ذيوع الصِّيت أن استدعاه حُكَّام سيراقوصة إلى مدينتهم حيث استقرَّ زمنًا طويلًا، وعاش فيما يقولون حتى بلغ التسعين من العمر وألَّف ما يقرُب من أربعين كوميديا، ولكنَّ مؤلفاته لِسوء الحظ قد ضاعت ولم يبقَ لنا منها إلا فقرات صغيرة لا تكفي للحُكم على فنِّهِ حُكمًا شاملًا، ومع ذلك فأرسطو يُحدِّثنا أن إبيكارموس قد أحدث تجديدًا خطيرًا في الكوميديا إذ جعل لها موضوعًا، أي قصة تُشبه قصة التراجيديا، فأصبحت تتناول حادثةً بعَينها تُعالجها في مراحلها المُختلفة حتى تنتهي بها إلى حَل. وبذلك أصبحت الكوميديا روايةً مسرحية بعد أن كانت مكوَّنة من عِدة مناظر وأغانٍ مُفكَّكة يُرتَجَل معظمها. والظاهر أنَّ إبيكارموس كان يأخُذ موضوعاته من الأساطير ومن الحياة الواقعية على السَّواء، بل إنه ليبدو لنا من بعض الفقرات التي وصلتْ إلينا أنه قد عرف كيف يصِف الحالات النفسية والخُلقية بروحٍ فلسفية تجعل منه في مجال الكوميديا شبيهًا ليوربيدس في ميدان التراجيديا، وربما كان هذا هو السبب في إدراج القدماء له في عداد الفلاسفة الفيثاغوريين.

وها هي فقرة يصِف فيها شاعرنا «الرجل الطُّفيلي»:

«أتناول العشاء مع أي إنسانٍ يُريدني. يكفي أن يدعوني أحد، بل وأتناوله مع من لا يُريدني، فلا داعي للدعوة. وأنا على المائدة حاضر النُّكتة أُضحِك الجميع وأمدح مُقدِّم العشاء، وإذا سوَّلت لأحدٍ نفسه أن يُعارضه في شيءٍ وقفتُ ضدَّ هذا المُعارض، وأخذتُ قتاله على عاتقي، حتى إذا أكلتُ وشربتُ ملء بطني انصرفتُ والمصباح بيدي لا يَصحبني عبد. أسير وحيدًا وسط الظلام وأتعثَّر أحيانًا، فإنْ قابلتُ الحرَّاس مصادفة حمدت الله إذا لم يقتلوني واكتفَوا بأن يُطوِّقوني بعصيهم. وعندما أصل في النهاية إلى منزلي وقد نضح جلدي أضطجع على الأرض الصَّلدة، ولكنَّني لا أستطيع أن أنام قبل أن يُحدِث النبيذُ النقيُّ أثره الطيِّب بوعيي.»

ولا شكَّ أنَّ مثل هذا الوصف يدلُّ على نزعةٍ واقعية تعتمد على الملاحظة المباشرة.

ولعلَّ الكوميديا قد ازدهرت في صقلية قبل أن تزدهر في أثينا لوجود نوع من الأدب الشعبي عُرف بتلك الجزيرة يُشبه الكوميديا، ونَعني به ما يُسمَّى «حِوَار المحاكاة» وهو عبارة عن حوار واقعي بين فردين من أفراد الشعب: بين امرأتَين أو بين رجُلين يتبادلان فيه حديثًا عاديًّا كالذي نسمَعُه كلَّ يوم في الأزقَّة والحارات. ولقد وصلتْنا أسماء كتَّاب صقليين برعوا في ذلك الفن خلال القرن الخامس قبل الميلاد. ولقد قلَّدهم فيما بعد شعراء الإسكندرية وعلى رأسهم ثيوقريطس نفسه. وقيمة هذا الفن إنما تأتيه من بساطته ورصدِه للحياة وتُخيُّره للتفاصيل الدالة على النفوس وما يَشغلها من توافِهَ. وهو بذلك يُعالِج عقلية السواد الأعظم من الشعب كما يعالج الحياة في مظاهرها البدائية الشائعة؛ لهذا كان يُكتَب في أول الأمر نثرًا ليكون أقرب إلى الواقع.

ويُلاحظ أنَّ سكان صقلية كانوا مَيَّالين بطبعهم إلى السخرية والمرح والمحاكاة وكثرة الحركات المُعبرة. لقد كانوا يُحاكون كلَّ أمر جِدِّي ليُحيلوه إلى سخرية، حتى ولو كان ذلك الأمر من الأساطير الدينية. وكانت لهم فيما يظهر مقدرة واضحة على الملاحظة والنقد، وكل هذه خصائص الكوميديا.

نشأت إذن الكوميديا بصقلية فنًّا أدبيًّا قبل أن تنشأ بأثينا، وكان فيما أحدثه إبيكارموس من تجديد أن جعل للكوميديا موضوعًا كما كان لحوار المحاكاة الذي تَحدَّثنا عنه أثرٌ كبير في الوصول إلى مرتبة النضوج، ومع ذلك فلا شكَّ أنها قد تأثَّرت أيضًا بالتراجيديا الأثينية من حيث الموضوع والشخصيَّات والتمثيل. وأيًّا ما كان فالكوميديا في جُملتها فنٌّ أثيني وإن كانت الدولة الآثينية قد تردَّدت طويلًا في تنظيمها وإدخالها في الأعياد الرسمية. ولعلَّها كانت تخشاها لِما فيها من نقدٍ لاذع لرجال الحُكم. ولقد حدث بالفعل أن قيَّدت الدولة من حُرية شعراء الكوميديا، ولكن تلك القيود لم تدُم طويلًا، ولم يلبَثْ هؤلاء الشعراء أن تمتَّعوا بحُرية كاملة وإن لم يُفلتوا دائمًا من المُحاكمة أمام القضاء.

وللكوميديا بأثينا تاريخ طويل تطوَّرت في خلاله وتغيَّرت رُوحها وموضوعاتها. ولقد كانت الكوميديا والفلسفة المظهرَين الوحيدين للنشاط العقلي بأثينا بعد سقوط تلك المدينة العظيمة في يدِ المقدونيين، في النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد؛ إذ ذوت عندئذٍ كل فنون الأدب والتفكير فلا ملاحِم ولا غِناء ولا تراجيديا ولا خطابة ولا تاريخ، فلمْ يبقَ كما قُلنا غير الفلسفة ثم الكوميديا.

وإذن فاستمرار الكوميديا حيَّةً مُزدهرة بأثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، ثم خلال القرن الرابع — رغم انحطاط الفنون الأدبية الأخرى بل وانقراضها — قد أدَّى بذلك الفنِّ إلى التطوُّر؛ ولهذا نرى مؤرِّخي الأدب اليوناني يقسِّمون الكوميديا الأثينية إلى ثلاثة أقسام: (١) الكوميديا القديمة. (٢) الكوميديا المتوسِّطة. (٣) الكوميديا الحديثة.

(٣-٧) الكوميديا القديمة

هذه هي كوميديا القرن الخامس حتى سنة ٤٠٠ق.م. وتمتاز هذه الكوميديا بأنها كانت سياسية أو شخصية؛ فهي تتَّخِذ صِيغة الحوار وتعتمِد على قصة لا لتصوِّرَ شخصياتٍ ولا لتُحلِّل حالاتٍ نفسية، ولكن لتنقُد نظامًا قائمًا، ولتسخَر من حالةٍ اجتماعية بذاتها، أو لتخرج شخصية من الشخصيات البارزة: لقد كانت أشبَهَ ما تكون ﺑ «الهجاء التمثيلي» وروحها روح هزلٍ صُراح؛ هزل لا يتحرَّج من أقبح الألفاظ، فهي مُسرفة في الواقعية، ومع ذلك فقد استطاع أكبر مُمثِّل لتلك الكوميديا وهو أرستوفان أن يُعبِّر بذلك الهزل عن كثيرٍ من الحقائق، بل وأنْ يجمع إلى الهزل أرقَّ الشعر؛ فلقد ترى جوقات كوميدياته تتكوَّن من السُّحب أو الضفادع أو الزنابير، ومع ذلك تسمع تلك الجوقات تتغنَّى بأجمل الغناء. وهكذا يأتي الشعر مُصاحبًا لهزل الشخصيات الروائية فتُدهَش لمقدرة ذلك الشاعر العظيم على العبور من الشِّعر الرقيق إلى العبَث المُسفِّ في هذا اليُسر وتلك القوَّة. ولعلَّ أغاني الجوقات في كوميديا أرستوفان هي التي أوحتْ إلى ناقدٍ لاتيني كبيرٍ قولَه عن الكوميديا القديمة: «لقد كانت الكوميديا القديمة الفنَّ الأدبيَّ الوحيد الذي احتفظ بنقاء اللغة الأتيكية ورشاقتها الأصيلة؛ فهي فصيحة فصاحة صريحة رائعة في نقدِها للرذائل، مليئة بالقوة في الوصول إلى ما تريد. لقد امتازت بالعظمة والرشاقة والسِّحر، وفي ذلك تركَّزت خصائصها.» فهذا الحكم يصدُق على الأجزاء الغنائية وعلى بعض الحوار، ولكنه لا يصِف تلك الكوميديا وصفًا شاملًا إذ نجد فيها إلى جانب الرشاقة والعظمة القُبح والإسفاف في اللفظ.

أكبر مُمثِّل لتلك الكوميديا — كما قُلنا — هو أرستوفان المولود حوالي سنة ٤٥٠ق.م. وُلِد هذا الشاعر الموهوب لأبوَين أثينيَّين من أصلٍ حُر، وكان لوالديه إقطاع صغير بجزيرة «إيجينا» يستغلَّانه فيقوم بأوْدِهما. وقد عاش الشاعر مُنقطعًا لفنِّه فكل ما نعرفه عنه إنما يتصل بذلك الفن، ومن كوميدياته نفسها استقى المؤرخون معلوماتهم عنه، وذلك لوجود عنصر في الكوميديا القديمة هو «الاستطراد» وفيه يتحدَّث الشاعر دائمًا عن نفسه وعن روايته وعما يريد أن يُدلل عليه. ولقد كان أرستوفان مُبكِّر النضوج، فمنذ سنة ٤٢٧ق.م. أخذ يقدِّم للمسرح كوميدياته وكانت أولاها بعنوان «ضيوف هرقل» وهي مفقودة، ولكننا نعلَم أنَّ الشاعر قد هاجم فيها الاتجاه الذي أخذ يسود إذ ذاك تربية الشبَّان وتوجيههم نحو النقد الفلسفي للتقاليد القديمة؛ دينيةً كانت أو اجتماعية. وفي السنة التالية ٤٢٦ق.م. قدَّم «البابليون» ونال بها الجائزة الثانية، وهذه الرواية أيضًا مفقودة، ولكنَّا نعلَم أنه قد هاجم فيها الزعماء الشعبيين وبخاصَّةٍ كليون. ولقد قُدِّم للمُحاكمة من أجل تلك الرواية، ولم يستطِع أن يُفلِت من العقاب إلا بعدَ مشقَّة كبيرة، ولكنه خرج من المُحاكمة أشدَّ إقدامًا وأحمى قلمًا، وقدَّم في سنة ٤٢٥ق.م. رواية جديدة في «الأكارنيون» وهي أقدم رواية وصلتْ إلينا من رواياته. ولقد نال بها الجائزة الأولى، وفي تلك الرواية يعرِض الشاعر قصَّة فلَّاح أتيكي ملَّ الحرب (حرب البلبونيزيا التي كانت قائمة وقتئذٍ بين أثينا وإسبرطة) التي أكرهته على التخلِّي عن حقله والالتجاء إلى المدينة، ومن ثَم فهو يريد السلام ولكنه يريده وحدَه، ولهذا نراه يعقِد — وحدَه وباسمه الخاص — الهُدنة مع الأعداء. ويصِل الخبر إلى المُحامين وهم الذين يكوِّنون الجوقة فيُسرعون إلى الرجل ليقتلوه كخائن، ولكن فلَّاحَنا ينجح في أن يُقنعهم بمزايا السِّلم، وبأنه كان على حقٍّ فيما فعل. ونراه عندئذٍ ينعم بكل خيرات السِّلم فيشتري ويبيع ويُولِم ويمزَح، بينما الآخرون يتضوَّرون جوعًا ويَصْلَون ويلات الحرب. وفي سنة ٤٢٤ق.م. قدَّم رواية «الفرسان» وفيها أعنف هجوم على «كليون» خصمِه اللدود، مع أنَّ هذا الزعيم الشعبي كان عندئذٍ في أوْج المجد بفضل انتصاراته الحربية. وفي سنة ٤٢٣ق.م. قدَّم رواية «السحب» وهي من أشهر رواياته، وفيها يعود إلى نقد التربية الفلسفية. وقد اختلطت الفلسفة عنده بالسفسطة. ومن غريب الأمر أنه عدَّ سقراط كبير السوفسطائية. وقصة الرواية تتلخَّص في أن فلَّاحًا بسيطًا نشيطًا مُقتصدًا له ولدٌ مُسرف ما فتئ يُبدِّد أموال أبيه حتى أثقلت الرجل الديون وعجز عن دفعها، فأراد أن يتعلَّم البلاغة مُعتقدًا أنها الفن الذي يُمكِّنه من العبَث بدائنيه والإفلات من القُضاة. وقد بلغه أنَّ مُعلم هذا الفن هو سقراط الذي يُمثله الشاعر محتالًا كبيرًا. وذهب الفلاح إلى سقراط ولكنه كان أصلد عقلًا من أن يعي دروس الأستاذ، ولذلك أرسل ابنه بدلًا منه، وتعلَّم الابن فنَّ البلاغة وحذَقَه، ولكنه بدل أن يستخدمه مع القضاة والدائنين استخدَمَه مع أبيه يضرِبُه ويعبَثُ به ويُقنعه بأنه هو المُخطئ، وهذه هي مزايا التربية الجديدة التي تستطيع أن تجعل الحق باطلًا والباطل حقًّا. وهاج الأب الفلَّاح وغلى دمُه فأخذ نارًا واتَّجه إلى بيت سقراط وأشعلها فيه. والسُّحب في الرواية هي التي تُكوِّن الجوقة، وهي تُمثل الأبخرة التي يعبدها الفلاسفة. وبرغم قوة هذه الرواية لم يَنلِ الشاعر بها غير المرتبة الثالثة، ولكنه مع ذلك قد أصاب نجاحًا واضحًا؛ إذ كانت روايته من الأسباب التي مهَّدت الرأي العام لقَبول الحُكم على سقراط بالموت بعد ذلك بخمسٍ وعشرين عامًا. ونحن اليوم لا نملك أنفسنا من الدهشة عندما نرى شاعرًا كبيرًا كأرستوفان يُمثِّل أبا الفلاسفة في هذه الصورة الظالمة، وإنه لمِمَّا يسُوء أن يتحمَّل الشاعر نصيبًا في مأساة تلك الرُّوح النبيلة الخالدة رُوح سقراط، وفي سنة ٤٢٢ قدَّم الشاعر رواية «الزنابير» وموضوعها أنَّ رجلًا مُسنًّا تطنُّ من حوله الزنابير الذين يُمثلون رجال المحاكم ولكنَّ ابنه يأخذ في علاج داء أبيه، ومحاولات الابن في هذا السبيل هي التي تكوِّن الجزء الأساسي من الرواية، ولقد شُفي الرجل من دائه فتخلَّص من هموم المحاكم والدعاوى وراق له العيش، ومن هذه الرواية استوحى الشاعر الفرنسي راسين روايته الشهيرة «المُتقاضون» وهكذا. ولكن ابتداءً من سنة ٤١٤ق.م. تتتابَعُ رواياته التي تُمثِّل مرحلةً ثانية في فنِّ الشاعر؛ إذ أصبح أقلَّ عنفًا وأكثر بُعدًا عن الهجاء الشخصي، ففي تلك السنة قدَّم رواية «العصافير» وموضوعها أن رَجُلين أثينيَّين قد سَئما مُعاناة العمل من الصباح إلى المساء فهجَرا البشر ليعيشا مع الطير. وقد اتَّفَق مِزاجهما ومزاج الطير، واستطاعا حمْل الطير على بناء مدينةٍ جديدة مُعلَّقة بين السماء والأرض. وعندما يُحاول الدسَّاسون من رجال الأرض أن يشقُّوا سبيلهم إلى تلك المدينة يُحال بينهم وبين ذلك بالضرب بالعِصى. وأما الآلهة فعبثًا تُحاول السيطرة على تلك المدينة، وأخيرًا يعقدون صلحًا مع أولئك الآلهة ويقبل «زيوس» أن يتخلَّى عن السيطرة لأحد الرَّجُلين.

والظاهر أنَّ الشاعر قد قصد بهذه الرواية إلى المرَح أكثر ممَّا قصد إلى درسٍ أخلاقي بعَينه، وكل ما نستطيع استخلاصه منها هو مهاجمته للدسَّاسين والمُحتالين.

ويختتم الشاعر هذه الدَّورة برواية الضفادع وهي من أهم روايات أرستوفان، وفيها وصفٌ كامل لفنِّ يوربيد الذي كان قد مات فأخذ ديونيسوس القلق إذ لم يعُد للتراجيديا من يُمثِّلها فصمَّم على الذهاب إلى العالَم الآخر ليعود بأحد شعراء التراجيديا، ولكن بمن يعود؟ هنا مَوضع الحيرة فالإله يتردَّد بين أسكيلوس ويوربيد وأخيرًا يُقرِّر تنظيم مسابقة بين الشاعرين اللذين يأخُذان في مهاجمة أحدهما الآخر. وبذلك ينقُد كل منهما شِعر صاحبه نقدًا دقيقًا مُفصَّلًا من الناحيتَين الأخلاقية والشعرية، وينتهي الأمر بأن يظهر يوربيد في مظهر السوفسطائي الذي أفسد التراجيديا وحطَّ من المُثُل العُليا وأنزل الاضطراب بالنفوس وساق إلى انحلال الأخلاق، وبذلك يُفضِّل ديونيسوس أسكيلوس ويعود به إلى الأرض.

في سنة ٤٠٤ق.م. كانت الهزيمة قد حلَّت بأثينا فسلَّمت لإسبرطة بما تريد فعم الحزن المدينة ولم يعُد للمرَح مكان، وهنا نرى أرستوفان يحدُّ من مزاجه ويكتُم من ضحكاته وقد تطوَّر فنُّه فماشى الحالة الجديدة ولكنه لم يعُد في قوَّته الأولى. وأقدم رواية بعد سنة الهزيمة هي «جماعة النساء» التي قدَّمها سنة ٣٩٢ق.م. وفيها يعرض نساء أثينا وقد ثُرْن فسيطرنَ على مجلس الشعب وقرَّرنَ الأخذ بالاشتراكية المُطلقَة فلا ملكيةَ ولا أُسرة، والذي يُريده الشاعر هو إظهار نتائج اشتراكية كهذه، فلا ترى في الرواية نقدًا لذَوي الأمر أو هجاءً لأشخاص، وإنما يريد الشاعر أن يُهاجِم شيئًا لا وجود له، وإنما هو مجرَّد فرْض وشبَح فكرة؛ إذ ليس من الثابت تاريخيًّا أنه قد هاجم بذلك الفكرة التي سيقول بها أفلاطون فيما بعد، ونحن لا نعلم لتلك الفكرة وجودًا تاريخيًّا في ذلك الحين. وفي روايته الأخيرة المُسمَّاة «بلوتس»١٦٢ أي إله الذهب نجِد نفس المَنحى. وموضوعها أن أحد رجال أثينا قد عثَر بإله الذهب الأعمى وقادَهُ إلى معبد أسكلبيوس١٦٣ إله الطب حيث شُفِي الإله، وذهب الرجل إلى منزله، وبذلك أثرى هو وجيرانه وعمَّهم البذخ، ولكن آلهة الفقْر لم تلبَثْ أن ظهرت لتُدافع عن مزاياها، ولعلَّ في ظهور تلك الآلهة ما يُشير إلى مغزى الرواية، فأصل الثراء ليس الذهب وإنما هو عمل الإنسان، فلو أنَّ الأرض امتلأت ذهبًا وجلس الناس بجواره لماتوا جوعًا وهُم لن يأكلوا الذهب. ولقد كانت هذه الرواية فيما يظهر آخِر رواية قدَّمها أرستوفان الذي يَحكي أحد القدماء أن أفلاطون قد كتب على قبره «إن ربَّات الحِجال عندما بحثنَ عن معبدٍ لا يُصيبه الفناء لم يجدنَ خيرًا من روح أرستوفان فأوَينَ إليها.» وفي الحقِّ أن أرستوفان لم يكن شاعرًا كبيرًا فحسب، بل كان قوة اجتماعية لها خطرُها. ولقد رأيناه يتناول المشاكل الكبيرة في عصره يُدلي فيها بآراء لا تقف صحَّتها عند عصره بل تسري إلى كافة العصور، فتفضيل السِّلم على الحرب، ومهاجمة السفسطة الفلسفية، ومناهضة الاشتراكية وتجريح التهريج الذي يَستخدمه الزعماء الشعبيون، كل هذه مشاكل إنسانية خالدة وأرستوفان بوجهٍ عام رجل محافظ، وفي المحافظة التي لا تبلُغ التحجُّر خيرٌ لا شكَّ فيه؛ وذلك لما هو معروف من أن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تتماسك إذا تفكَّكت التقاليد القديمة.

(٣-٨) الكوميديا المتوسِّطة والكوميديا الحديثة

لقد رأينا في الكوميديا القديمة آثار التطوُّر فروايات أرستوفان التي كتبها بين ٤٢٦ و٤٢١ تُغاير تلك التي كتبها بين ٤١١ و٤٠٤؛ إذ خفَّت حدَّة الشاعر وهدأت مُهاجمته للأشخاص نوعًا ما، وأخيرًا جاءت روايتاه الأخيرتان «مجمع النساء» و«بلوتس» من منحًى جديد، فهو لا يُعالج فيهما نظمًا قائمة بل يتصوَّر مجرد فروض كفرْض الاشتراكية وفرْض الثراء العام، ويبحث ما ينتُج عن ذلك من مشاكل، وهذه هي خصائص الكوميديا المتوسِّطة التي يَعتبِر العلماء روايتَي أرستوفان بدءًا لها.

ولو أنَّنا أضفْنا إلى ذلك اختلاقًا فنيًّا في بناء الكوميديا المتوسطة — هو خلوُّها من الجوقة ومن الاستطراد — لكَمُل لنا تعريف الكوميديا المتوسطة، فهي رواية تُعالج مسائل فرضية يتصوَّر الشاعر حدوثها ثُم يُعالج نتائجها كمشاكل الغِنى والفقر والتطفُّل والغرور. وهي قد تَستخدِم لذلك الأساطير ترمُز بها لما تريد كما قد تُتصوَّر بالخيال المواقف والأوضاع.

ونحن لسوء الحظ لا نملك شيئًا من تلك الروايات وإن كنَّا نعرف أسماء بعض الشعراء المؤلِّفين مثل أنتيفانس الذي كتب فيما يقولون ما يقرُب من ٣٠٠ رواية أو يزيد، والذي تُوِّج بالنصر ثلاث عشرة مرة، ثم ألكسيس١٦٤ الذي كتب ٢٤٥ رواية وغيرهما كثير.

تطوَّرت الكوميديا إذن من معالجة المسائل الواقعية إلى معالجة الفروض، وبذلك انتقلنا من الكوميديا القديمة إلى الكوميديا المتوسطة، ولكن التطور لم يقف عند هذا الحد، فلم تلبث الكوميديا المتوسطة أن أسلمت مكانها للكوميديا الحديثة وهي الكوميديا الأخلاقية النفسية التي تصِف الحياة كما هي، وتصوِّر الحالات الأخلاقية.

وإن كان هناك فرق في معالجة ما يُسمَّى بالكوميديا المتوسطة وما يُسمَّى بالكوميديا الحديثة لتلك الموضوعات فإنه يقوم كذلك في جودة العلاج فالكوميديا الحديثة هي التي وصلت بتلك الشخصيات إلى حدِّ الصور الأخلاقية، وإن لم تصِل إلى مستوى كاتب كبير كموليير في القرن السابع عشر، وذلك لأن هذا الشاعر الفرنسي الكبير لم يصور شخصياتٍ واقعية فحسب، بل صوَّر شخصيات نموذجية؛ صوَّر البخيل والمنافق وكارِه البشر … إلخ، على نحوٍ يجعل الرجل البخيل يتعرَّف صفاته المُستترة في نفسه على ضوء الصورة التي رسمَها موليير «هار يجون» مثلًا. وهذه مرحلة لم يصل إليها الإغريق قط. لقد صوَّر الإغريق الواقع ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى الواقع النفسي الدفين ولا أن يحسِموا خفايا القلوب.

ثُمَّ إنَّ الكوميديا الحديثة قد استغلَّت موضوعًا لا نجد له أثرًا في الكوميديا القديمة، وهو موضوع الحُب. شابٌّ يُحب شابة يجهل كل شيءٍ عنها، وتقوم عدَّة صعوبات في سبيله، كأصل الفتاة أو فقرِها أو إرادة أبيها، ولكنَّ الفتى يستخدِم عبدًا ماكرًا في تذليل الصعوبات، ويتناوب الشابُّ النجاح والإخفاق، والأمل واليأس، وأخيرًا يكتشف أن الفتاة من أصل حُرٍّ أو أنها قد ورِثَت، أو يغير الأب رأيَه لسببٍ من الأسباب وينتهي الأمر بالزَّواج. وفي مثل هذه الموضوعات نرى الروح الأبيقورية التي كانت منتشرة عندئذٍ تغزو المسرح، وهي واضحة لا في الناحية الخُلقية أو العقلية فحسْب بل وفي الناحية الفنية، ناحية الحبكة المسرحية؛ فكثير من الروايات تنتهي بفضل المُصادفة البحتة كتعرُّف شخصٍ حقيقة آخَر أو حدوث أمرٍ غير متوقَّع، والأبيقوريون — كما نعلم — قد قالوا بالمُصادفة نتيجة لإنكارهم وجود إلهٍ يحكُم سَير العالَم. ومع ذلك فلا يجوز أن نتوهَّم أن المسرح قد أخذ يُطبِّق الأبيقورية كمذهبٍ شامل.

لقد كانت للكوميديا القديمة مُثُلها العُليا: الشرَف في السياسة والبساطة في الخلق؛ فنقدُها إذن كان نقدًا سليمًا قويًّا. وأما الكوميديا الحديثة فأصبحت لا تهتمُّ بالنقد قدْرَ اهتمامها بإثارة الضحك، بفضل إظهارها ما في البشر من مواضع ضَعفٍ ومُضحكات وشهوات لا يُحكم قِيادها.

وأكبر مُمثِّل لتلك الكوميديا الحديثة هو «مناندر»١٦٥ الذي قلَّدَه فيما بعدُ كِبار مؤلِّفي الكوميديا من اللاتين كتيرانتيس١٦٦ وبلوتس١٦٧ بل إنَّ بعض رواياتهما ليست إلا ترجمة عن الشاعر الإغريقي.

وُلِد مناندر بأثينا سنة ٣٤٠ق.م. ودرس بنوع خاص يوربيد، وتعرَّف فيما يقولون بأبيقور، وقدم أول رواية له سنة ٣٢٢ق.م. أي بعد موت الإسكندر بعامين. والظاهر أن الحوادث المُؤلِمة التي اجتاحت بلاد الإغريق في ذلك الحين لم تؤثِّر كثيرًا في شاعرنا الأبيقوري المُستهتِر، إذ أُولِع بإحدى الفتيات وعاش معها في بيريه ميناء أثينا، وعبثًا حاول بطليموس سوتير أن يُغرِيَه بالمجيء إلى مصر.

ولقد جعل كل همِّهِ كتابة الكوميديات حتى أنهم ليقولون إنه قد كتب مائة كوميديا خلال ثلاثين عامًا وكانت وفاته سنة ٢٩٢ق.م. بعد أن نال الجائزة في ثمان مسابقات.

ولقد كنَّا لا نملك ممَّا كتَب مناندر إلا فقرات صغيرة ولكنها غنية بمعانيها حتى كانت سنة ١٩٠٧م فاكتُشفت بمصر أوراق بردي عليها أجزاء طويلة من ستِّ روايات لذلك الشاعر العظيم وهي الحارث، المُتملِّق، البطل، التحكيم، السامية (نسبة إلى ساموس)، المرأة المقصوصة الشعر.

وأطول قطعةٍ وصلتْنا تبلغ خمسمائة بيتٍ وهي من رواية «التحكيم» وهي تُمكِّننا من استقراء خصائص الشاعر ومواضع قوَّته، من غريزة تمثيلية قوية، إلى مقدِرة على وصف الحالات الأخلاقية، إلى تملُّك لوسائل الإثارة العاطفية، مُجتمِعة مع المهارة في تحريك الضحك، وأخيرًا نلمح في تلك القطعة اتجاهه نحو المزْج بين معارك الشهوات ومبادئ الأخلاق وإضاءة أحدِهما الآخر.

وثمَّة خاصيَّة أُخرى امتدحها جميع النقَّاد القدماء عند هذا الشاعر وهي تفوُّقُه في القصص وفي خُطَب الدفاع، ولدَينا فصلٌ من فصول «التحكيم» يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء النُّقَّاد، وهو يعرِض عبدَين أحدهما راعٍ والآخر فحَّام، يحتكِمان إلى حكَمٍ وذلك أنَّ الراعي كان قد عثَر بطفلٍ أعطاه للفحَّام، ولكنه احتفظ بما كان على الطِّفل من حُلِيٍّ دليلًا على أنه هو الذي عثَر على الطفل وأعطاه للفحَّام، ويأبى الفحام إلَّا أن يُطالِب بالحُلِي. وأخيرًا يحتكِمان إلى حكَمٍ كما قُلنا، ويعرِض كلٌّ منهما وجهة نظره ويدافع عنها دفاعًا قويًّا. ومَوضع قُدرة الشاعر في هذين الدفاعين هو في الكيفية التي استطاع بها أن يُظهِرنا على خُلق كلٍّ من الرَّجُلين بنوع دفاعه وطبيعة الحجج التي يُدلي بها. وما ننتهي من قراءة الدفاعَين حتى نُحسَّ أنَّنا أمام رَجُلين من أبناء الشعب وأنَّ لكلٍّ من الرَّجُلَين صفاته، فالفحَّام رجل أَثِر، به جشَع مادي ولكنه مُخلص مؤمن بحقِّه. والراعي رجل كريم خيالي مِثالي في سذاجة، وما نظنُّ أن تلك القدرة العجيبة على تصوير الشخصيات بِخُطَب يقولونها قد استطاعها عددٌ كبير من شعراء الإنسانية وكتَّابها.

هذه هي التخطيطات العامة للكوميديا الإغريقية، نخلُص منها بأنَّ هذا الفنَّ قد نشأ كما نشأت كافَّة الفنون الأدبية عند الإغريق نشأةً شعبية، حتى إذا توفَّر عليه الشعراء أصبح فنًّا أدبيًّا. ولقد كان في أول أمرِه مُختلطًا بالأساطير والعبادات ولكنَّهُ لم يلبَث أن تخلَّص منها ليُصبح نقدًا سياسيًّا وشخصيًّا، نقدًا يُقصَد منه إلى مهاجمة الواقع وتغييره والدعوة إلى ما يُخالِفه. وهذه هي الكوميديا القديمة، وبتراخي الزَّمن وتغيُّر الحالة السياسية والعقلية في أثينا بسبب الهزيمة التي لحِقَت بتلك المدينة العريقة في حرب بلبونيزيا ثم سقوطها في يد المَقدونيين، تغيَّر منحى الكوميديا، ولعلَّه قد حدَّ من حُريتها فلم تعُد تنقُد الواقع وتريد تغييره، ولم تعُد تُهاجم الشخصيات البارزة وتعمل على هدمِها، بل أصبحت تكتفي بتصوير ذلك الواقع كما هو، وقد عدَلَت عن التجريح إلى تصوير حالاتٍ خُلقية أو شخصيَّات روائية. وهذه هي الكوميديا الحديثة التي لم تكن الكوميديا المتوسطة إلا تمهيدًا لها. وكانت الروح الفلسفية قد أخذت تنمو أيام الكوميديا الحديثة، ولهذا جاءت ملاحظات كتَّابها النفسية أنفذَ وأعمق، وإن تكن رُوح الضحك الصُّراح قد ضَعُفَت كما ضعُفَت جرأة الشعراء وقوَّة نفوسهم وحِرصهم على خير مدينتهم. ومن المعلوم أن الكوميديا من بين فنون الأدب فنٌّ يُمكن أن يوضَع في خدمة الحياة الأخلاقية والاجتماعية للدول دون أن يفقد شيئًا من قيمتِه.

كانت الكوميديا القديمة إذن نقدًا سياسيًّا شخصيًّا، وأصبحت الكوميديا الحديثة رواياتٍ أخلاقيةً وبقِيَت مرحلة أخيرة لم يصِل إليها الإغريق ولا اللَّاتين هي مرحلة الكوميديا ذات الشخصيات النموذجية، وهذه كما أشرْنا من قبلُ هي المرحلة التي حقَّقها موليير أكبر شعراء فرنسا بل أكبر شعراء الكوميديا في العالَم.

(٤) النثر عند اليونان

(٤-١) التاريخ والمؤرِّخون

نشأة النثر: لم يظهر النثر الفني عند اليونان إلا مُتأخرًا، وبعد أن ظهر الشعر بقرون؛ فليس لدَينا منه — سواء في الفلسفة أم في التاريخ — نصوص أقدم من القرن السادس قبل الميلاد. أما الشعر فقد سبق أن قُلنا إنَّ الإلياذة والأوذيسية يرجعان إلى القرن العاشر قبل الميلاد تقريبًا.

ولقد حاول المؤرِّخون تعليل تلك الظاهرة، فرجَعَها بعضهم إلى الجهل بالكتابة وعدم وجود البردي. ومن المعلوم أن وزن الشعر يساعد على روايته الشفوية، كما يحفظ تلك الرواية من الاضطراب. وأما النثر فليس من السهل حفظه. ولكن هذا التعليل قد ثبَت عدم صحته؛ فالإغريق كانوا يعرفون الكتابة قبل ذلك بزمنٍ طويل، والدليل على هذا يمكن استنتاجه من طبيعة الكتابة الإغريقية ذاتها، فهي مأخوذة عن الكتابة الفينيقية، وقد كانت العلاقات قائمة بين الإغريق والفينيقيين منذ أقدم الأزمنة، ثم إنَّ هناك نصوصًا قديمة نثرية كُتبت على بعض الآثار. وأما عن البردي فنحن نعلم أنَّ الإغريق كانوا يكتُبون على الجلود قبل أن يعرفوا البردي، وبذلك حدَّثنا هيرودوت.

وإذن فهذا التعليل غير صحيح، وسبيل فَهمِنا لتلك الظاهرة هو أن ننظُر في طبيعة الشعر وطبيعة النثر وفي موضوعاتهما، فنرى أنَّ أقدم الشعر كان قصصًا للماضي؛ لماضٍ بعيدٍ يتَّخِذ شكل التاريخ وهو في باب الأساطير أَدخَلُ، ولكنَّ الإغريق آمنوا بأنه تاريخ، وكانت النفوس ساذجة لم تستيقِظ فيها بعدُ ملكة التفكير أو النقد، ومن ثم قامت الملاحم مَقام التاريخ، والشعر أنسبُ شيءٍ لهذه الأساطير وهذه الملاحم التي يسُودها الخيال. ولم يشعُر أحد بحاجةٍ إلى كتابة التاريخ الدقيق نثرًا. وأما الفلسفة فمِن الواضح أن نشأتها لم تكن مُنتظرةً قبل القرن السادس، وهي دليل نضوج عقلي وتفتُّح لفهم حقائق الوجود.

ولقد كانت نشأة النثر بأيونيا في آسيا الصغرى، حيث كانت نشأة الشعر أيضًا؛ وذلك لأنَّ تلك البلاد — لاتِّصالها بالحضارات الشرقية القديمة ولتوفُّر أسباب الحضارة المادية بها — كانت أسبق من بلاد الإغريق الأوروبية في كافَّة مظاهر النشاط العقلي؛ ففيها ظهرت الفلسفة وفيها ظهر التاريخ، وهذان هما المَظهران الأوَّلان للنثر.

وكان بعد ذلك أن استولى الفُرس على كثيرٍ من بلاد الإغريق بآسيا الصغرى فخفَّ لنجدتهم إغريق أوروبا، وكان لأثينا في ذلك الفضل الأول، فأصبحت تلك المدينة المجيدة أقوى مُدن اليونان وأغناها وأشدَّها مِنعةً وأوفرها حُرية، وإذا بالنثر يزدهر بها بعد أن ازدهر الأدب التمثيلي، وإذا بالأثينيين يكتبون في الفلسفة والتاريخ ويُضيفون إليهما الخطابة. ومن ذلك الحين لم يُكتَب نثر قطُّ في غير اللغة الأتيكية — لغة مقاطعة أثينا — ولقد استطاعت أثينا — مدينة بركليس — أن تجمع كل ألوان الأدب والتفكير لأنها أصبحت زعيمة العالَم الإغريقي كلِّه ما يقرُب من نصف قرن، وذلك في المدَّة التي تقع بين الحروب الميدية وحروب البيلونيزيا خلال القرن الخامس قبل الميلاد.

نشأ النثر إذن بأيونيا في القرن السادس قبل الميلاد، ونقتصِر هنا على الحديث عن النثر التاريخي؛ فنُلاحِظ أنه في أول الأمر كان يتناول نفس الموضوعات التي تناولها الشِّعر القصصي، وأنه لا يكاد يُفرِّق بينه وبين ذلك الشعر شيء غير الوزن، فهو قصصي نثري، بل إنَّ لُغتَه ذاتها لم تخلُ من تأثُّرٍ بلغة الشعر.

لقد سبق المؤرَّخين في أيونيا جماعةٌ من الكُتَّاب يُسمَّون اللوجوجراف١٦٨ أي الكُتَّاب الناشرين، مُعارضةً للميثوجراف١٦٩ أي الشعراء من قُصَّاص الأساطير. وكان هؤلاء الناثرون يتحدَّثون عن نشأة المُدن القديمة وتاريخ بنائها وعن الأبطال الذين فيها والآلهة التي هيمَنَتْ على مصائرها، وعن المعارك الخارِقة التي كسبها أبناؤها. كانوا بالجملة يكتُبون نثرًا عن موضوعاتٍ تُشبِه موضوعات الشعر القصصي. ولقد كان في كتابات هؤلاء الناثرين ما مهَّد السبيل لظهور المؤرِّخين، فكتاباتهم وسط بين الشعر القصصي وكُتُب التاريخ التي يُعتبر كِتاب هيرودوت أقدم أنموذج لها.

(أ) هيرودوت

وُلِد هيرودوت — أقدم مُؤرِّخي الإغريق في آسيا الصغرى — بمدينة هليكرناسوس سنة ٤٨٠ق.م. وكانت تلك المدينة الدورية الأصل قد اصطبغت في ذلك الحين بالحضارة الأيونية اصطباغًا تامًّا، فأصبحت لُغتها اللغة الأيونية.

وُلِد هيرودوت من أسرةٍ عريقة، كان من بين أفرادها من أُولعوا بالتواريخ القديمة وبقراءة الشعراء واحترام التقاليد الدينية. وكانت هليكرناسوس — مَسقط رأسِه — قد وقعت في قبضة الفُرس الذين لم يكفَّ سكان المدينة عن مُناهضتهم، وكان مؤرِّخُنا من أنصار الحزب القومي الذي لم يلبَث رئيسه — وهو أحد أقرباء هيرودوت — أن قُتِل، فنُفِي هيرودوت إلى جزيرة ساموس لمدةٍ قصيرة، ثُم عاد إلى وطنه، ولكنه لم يكد يستقرُّ حتى نُفِي مرةً ثانية سنة ٤٥٤ق.م. فقام عندئذٍ بسياحاته الطويلة التي زار فيها مصر وجابَها حتى معبد الفيلة، كما زار الفُرس وأوغل فيها حتى وصل إلى ما بعدَ سوس، وفي الشمال سافر حتى وصل إلى البوسفور فيما يُحدِّث هو عن نفسه، ونضيف إلى ذلك أنه قد زار أيضًا آشور وفينيقيا وطبرق وقُبرص، وأنه قد استقرَّ في آخِر حياته بجنوب إيطاليا في مدينة توريم١٧٠ الإغريقية حيث مات فيما يُرجَّح سنة ٤٢٥ق.م.

وأما أثينا فقد زارها بلا رَيب غير مرة، وأقام فيها إقاماتٍ طويلة، وهُم يُحدثوننا أنه قد قرأ في سنة ٤٤٦ق.م. جزءًا من كتابه في الساحة العامة بتلك المدينة فنال إعجاب السامعين، وكافأته المدينة مكافأةً مالية كبيرة، وفي سنة ٤٤٠ق.م. حيَّاه الشاعر سوفوكليس تحيةً شعرية جميلة عند عودته إلى مدينة بركليس.

لقد كتب هيرودوت كتابه عن الحروب الميدية،١٧١ وهي الحروب التي نشِبت بين الفرس والإغريق من سنة ٤٩٢ق.م. إلى سنة ٤٤٩ق.م. ولهذا سُمِّي كتابه «عرض للبحث»١٧٢ أي بحثه عن نشأة تلك الحروب وأسبابها ووقائعها ونتائجها، وذلك فيما يقول: «لكيلا تُمحى ذِكرى وقائع الماضي بِمُضي الزمن، ولكي تظلَّ أعمال البطولة التي قام بها الإغريق والبرابرة عنوان المجد، وأخيرًا لكي يعلَم اللاحِقون لماذا قامت تلك الحرب.» ولكنه في الحقيقة لم يقتصِر في كتابه على تلك الحرب، بل تناول الحديث عن الدول التي اشتركت في تلك الحروب حديثًا مُفَصَّلًا استطرد فيه إلى ذِكر ماضيها ونُظمها وأخلاقها، كما وصف بلادها أو البلاد التي اتصلت بها تاريخيًّا عن طريق المُحالفة أو الغزو؛ فهو في الواقع لم يتحدَّث عن الحروب الميدية إلا في النصف الأخير من كتابه، وأما النصف الأول فقد كتبَهُ عن الإمبراطورية الفارسية وممتلكاتها، بما فيها مصر.
كتاب هيرودوت مُقسَّم إلى تسعة كتُب، كل كتاب منها يحمِل اسم إحدى ربَّات الوحي التِّسع،١٧٣ وإليك مُلخَّصًا لموضوع كل كتاب:
(١) الكتاب الأول يحمِل اسم كليو١٧٤ ربة التاريخ، وبه يتحدَّث المؤلف عن نشأة الإمبراطورية الفارسية وتاريخ نموِّها، وعن أخلاق وعادات الميديين والفُرس. (٢) الكتاب الثاني يحمِل اسم إيتربه١٧٥ ربَّة الموسيقى، وبه تاريخ قمبيز من (٥٢٩–٥٢٢ق.م.) وحملته على مصر ثم وصفٌ مُسهب لمصر. (٣) الكتاب الثالث يحمل اسم تاليا١٧٦ ربة الكوميديا، وفيه أخبار استيلاء قمبيز على مصر ونهاية حُكمه وإصابته بالجنون، ثم حُكم دارا (٥٢١–٤٨٥ق.م.) وتنظيمه للإمبراطورية في عشرين مُقاطعة. (٤) الكتاب الرابع باسم ملبومينا١٧٧ ربة التراجيديا، وبه حديث الحملة التي قام بها دارا على بلاد السكيت١٧٨ وفشَل تلك الحملة فشلًا ذريعًا، ثم وصفٌ لتلك البلاد الواقعة على البحر الأسود في شمال الدانوب ووصف لأخلاقِ أهلها. (٥) الكتاب الخامس باسم تربسيكورا١٧٩ ربة الرقص، وفيه يبدأ المؤلِّف حديثه عن الحروب الميدية فيقصُّ أنباء ثورة أيونيا على الفُرس واستيلاء هؤلاء على مدينة سرد.١٨٠ (٦) الكتاب السادس باسم كراتو١٨١ ربة الشعر الغنائي، وبه أخبار الحرب الميدية الأولى أي حملة دارا على بلاد الإغريق بأوروبا وانتهائها بمعركة مرتون الخالدة في تاريخ اليونان (٤٩٠ق.م.). (٧) الكتاب السابع باسم بولمنيا١٨٢ ربة الأناشيد المُتعدِّدة الاختصاص، وفيه حديث الحرب الميدية الثانية — إعداد إكسرسيس للحملة وبَدء الحرب حتى معركة الترموبولي (٤٨٠ق.م.). (٨) الكتاب الثامن باسم أورانيا١٨٣ ربة الفلك، وبه بقية الحرب الميدية الثانية حتى معركة سلامين البحرية (٤٨٠ق.م.). (٩) الكتاب التاسع باسم كليوبه١٨٤ ربَّة الشعر الحماسي والخطابة، وبه المراحل الأخيرة للحرب الميدية الثانية حتى معارك «بالاتيه» «وميكال» واستيلاء الأثينيين على مدينة سستوس١٨٥ سنة ٤٧٩ق.م.

ومن ذلك نرى أن الكتُب الخمسة الأولى تتحدَّث عن إمبراطورية الفرس، وأن الأربعة الأخيرة هي التي تقصُّ أنباء الحروب الميدية.

وأما تقسيم الكتاب على هذا النحو وتَسميته بهذه الأسماء فلسْنا نعرف على وجه التحقيق سببَه، وإن يكُن القدماء قد أخبرونا بأنَّ الإغريق جميعًا قد اتَّفقوا على تسمية كلِّ جزءٍ باسم ربَّةٍ من ربَّات الوحي بعد قراءةٍ تامَّةٍ للكتاب في أولمبيا أثناء انعقاد مسابقاتها الرياضية الشهيرة، ولكنَّ قولهم هذا أشبَهُ ما يكون بالأسطورة، وربما يكون هذا التقسيم من عمَل علماء الإسكندرية.

ولقد تناقش العلماء المُحدثون مناقشاتٍ كثيرة في قِيمة هذا الكتاب وفي وحدته وفي تاريخ تأليفه وتأليف أجزائه المختلفة، وبحثوا في هل هو تامٌّ أم ناقص إلى غير ذلك من الأبحاث التي لا تزال مُستمرة. ولكننا نكتفي بأن نقول إن الكتاب كما هو الآن يُكوِّن وحدة متسلسلة متجانسة. وأما قِيمته التاريخية فليست سواء في كل أجزائه، فالكتُب الخمسة الأولى ليست في قيمة الأربعة الأخيرة، وهذا أمر من السهل تعليلُه، فالمؤلف عندما يتحدَّث عن تاريخ الفُرس القديم وعن مصر أو بلاد السكيت لم يكن لِمعلوماته ولا لِمصادره من اليقين ما كان لحديثه عن الحروب المِيدية التي عاصرَها وسمع عنها ولقِيَ شهودها، ومع ذلك فحتي النصف الضعيف من كتابه لا نزال حتى اليوم نستقي منه أقدم المعلومات نُقارِنها بنتائج الأبحاث الأثرية فنهتدي إلى الكثير من الحقائق التاريخية الثابتة.

ثُم إنَّ المؤلف كان يتمتَّع بالكثير من الصفات التي نتطلَّبها في المؤرِّخين المُحدثين، فهو بعيد عن التحيُّز حتى لَنراه يعترِف للفُرس بمزاياهم كما يعترف للإغريق سواءً بسواء، وهو وإن كان قد أخطأ في بعض التفاصيل فإنه كان يملك القدرة على إدراك الكليَّات وعرْضها عرضًا شاملًا، ثم إنه قد حرص على جمع أكبر كميةٍ مُمكنة من المعلومات التي أخذها عن ألسنة الرجال أو عن مشاهداته أثناء سياحاته المختلفة، وأخيرًا عن النصوص المكتوبة کنبوءات العَرَّافات التي يُورِدها بنصِّها، وعن كتابات اللوجوجراف الذين أشرْنا إليهم فيما سبق.

وأما مواضع ضَعفه فهي في سذاجته التي حملته على الإيمان بكثيرٍ من الخُرافات ثُم في عدَم دقَّته، كما نُلاحظ ذلك في وصفِه للمعارك وفي النقص الواضح في تثبُّته من المعلومات التي تُروى له.

وأعظم عيب يؤخَذ على كتابه هو عدَم نفاذه إلى معنى الحوادث التاريخية وأسبابها وعدَم تعمُّقه في فهم النفس البشرية ودوافعها، ولهذا قلَّما نعثُر عنده على تحليلٍ دقيق لعقلية القادة والزعماء، وهو في هذا يُغاير «ثيوسيديد» كل المُغايَرة.

وإذا كانت لهيرودوت فكرة جامعة عن سَير التاريخ فهي سيطرة القضاء على حياة البشر وغِيرة الآلهة من صلَف الإنسان، فكم من مرةٍ يقِف ليُحدِّثنا عما أنزلت الآلهة بهذا الرجل أو ذاك من عقابٍ عندما أخذَه الغرور وتطاوَل إلى حيث لا ينبغي له.

هذا عن قيمة الكتاب التاريخية. وأما قِيمته الأدبية فالإجماع مُنعقد على توفُّرها. وإنك لتقرأ كتابه فلا يأخذك ملل أو فتور قط، وذلك لأنَّ هيرودوت يُطلعك أحيانًا على سذاجةٍ ساحرة يلهو بها العقل فيُمسك عن أعمال النقد، ويُطلعك أحيانًا أخرى على قوَّة في التصوير والقصص، فإذا بك كأنك تحضُر المعركة الحامية فتنفعل وتُستثار، وهو يمرُّ بك طورًا بعد طورٍ من القصص إلى الحوار إلى الخُطب في أسلوبٍ سهلٍ واضح قريب.

(ب) ثيوسيديد

وُلِد ثيوسيديد سنة ٤٦٩ق.م. أي بعد هيرودوت بعشرين عامًا فقط، ومع ذلك يُخيَّل إلينا عندما نقرأ كتابه ونُقارنه بكتاب هيرودوت أن بينهما قرونًا طوالًا.

لقد رأينا المؤرخ الأيوني يقصد إلى تمجيد أعمال البطولة وتخليد ذِكراها وأما ثيوسيديد فيُعلن في أول كتابه أنه لا يريد أن يُبهر الناس بروائع القصص وإنما يريد أن يصِل إلى الحقيقة العارية وأنْ يعرضها في غير تحيُّز فيقول: إنه يودُّ أن يترك للإنسانية «شرعية أبدية»، ولهذا يرفُض أن يأخُذ معلوماته عن كل طارق، ويحرِص على التثبُّت أدقَّ حِرص؛ ومن ثم جاء كتابه أقربَ ما يكون إلى كتُب المؤرخين المُحدثين من حيث تحرير الحقائق التاريخية. وقد استطاع ذلك المؤرِّخ العظيم ما لم يستطِعه إلا القليل من كِبار الكتَّاب في تاريخ الإنسانية كلها: استطاع أن يشقَّ الحُجُب عن النفوس وأن يستخرج دوافعها الخفيَّة، وكتابُه من هذه الناحية لا يُعتبر كتاب تاريخ فحسب، بل كتابًا إنسانيًّا يجِد فيه المفكرون وقادة الشعوب بل والفلاسفة كثيرًا من الحقائق الخالدة التي لا نزال حتى اليوم نبحث عنها في زوايا النفوس أو نتلمِسها في مضمون الحوادث؛ سياسيةً كانت أو أخلاقية أو اجتماعية.

وُلِد ثيوسيديد في إحدى ضواحي أثينا من أُسرة نبيلة ثرية، وهُم يُحدِّثوننا أنه قد استمع وهو طفل لهيرودوت يقرأ جزءًا من تاريخه ففاضت دُموعه إعجابًا، وأن هيرودوت قد هنَّأ أباه بأن له ولدًا مُولعًا بالمعرفة ذلك الولَع القوى. والعلماء يرجِّحون أنه قد تتلمذ للسوفسطائي أنتيفون١٨٦ مُعلم الخطابة الشهير، كما تتلمذ للفيلسوف أنكساغوراس الذي سمَّاه مُعاصروه في شيءٍ من السخرية ﺑ «الروح». والذي لا شكَّ فيه أنَّ أثر السوفسطائية في ثيوسيديد واضح، ونحن لا نقصِد بذلك إلى المعنى المَرذول من السوفسطائية وهو القُدرة على قلب الحقِّ باطلًا وإنما نقصد إلى مَقدرتِهم القوية على الحاجة والتصرُّف في مفردات التفكير والإمعان في إدراك المُفارقات الدقيقة، وكذلك الأمر في تأثُّره بأنكساغوراس فثيوسيديد يكاد يكون ذكاءً خالصًا. وإنك لتقرأ كتابَهُ فلا تَعثُر بإحساس مؤلِّفه الخاص يُسفِر عن وجهه، وإنما هو كما قُلنا ذكاء خالص يجمَع الوقائع ويعرِضها ويستخرج دلالتها فيما يُشبِهُ البرود التام، فإذا انفعلتَ — وأنت لا بدَّ منفعل — جاء ذلك من فنِّ ثيوسيديد الرائع في ترتيب القصص أو صياغة الخُطب على نحوٍ يُحرِّك القارئ ويهزُّ مشاعره.

كتاب ثيوسيديد عنوانه «حرب البلبونيزيا» وهي تلك الحرب التي قامت بين أثينا وإسبرطة وحُلفاء كلٍّ منهما بعد انتهاء الحرب الميدية بما يقرُب من نصف قرن، وسبب قِيامها كانت الغيرة التي استشعرتْها إسبرطة وغيرها من مدن اليونان نحو أثينا التي تمكَّنت بفضل جهودها الرائعة في الحرب ضدَّ الفُرس من أن تتزعَّم مُدن اليونان كافة وأن تضرب عليها نفوذها. ولقد دامت تلك الحرب المُدمرة ما يقرُب من ستٍّ وعشرين عامًا (من ٤٣١ إلى ٤٠٤ق.م.) وانتهت بهزيمة أثينا، بل بتحطيم بلاد اليونان كلها ممَّا مهَّد السبيل إلى استيلاء المَقدونيين في القرن الثاني على مُدن اليونان كافة والقضاء على ما كان لها من حُريةٍ ومجد.

والظاهر أنَّ ثيوسيديد قد أخذ، منذ بدء تلك الحرب، في جمع الوثائق والمعلومات، ونحن نعلَم أنه قد عُيِّن (قائدًا) في سنة ٤٢٤ق.م. وكُلِّف أن يَحمى المقاطعة الساحلية المجاورة لمدينة أمفيبوليس١٨٧ في تَرَاقيا، ولكنه لِسُوء الحظِّ لم يستطِعْ أن يمنع الإسبرطيين من الاستيلاء على تلك المدينة الهامَّة، فاتُّهِم بالخيانة وحُكم عليه بالنفي، فعاش عشرين عامًا في تراقيا حيث كانت له مناجم معدنية يستغلها. وفي تراقيا أخذ يُعِد كتابه. ولقد قام بعِدَّة رحلاتٍ وصل فيها إلى إيطاليا وصقلية ليجمَع الوثائق وليتحرَّى المعلومات. وفي سنة ٤٠٤ق.م. استُدعِيَ للعودة إلى وطنه فعاد حيث كتَبَ جزءًا من كتابه، ومات فيما بين سنة ٤٠٠ق.م. وسنة ٣٩٥ق.م. دون أن ينتهي من كتابةِ تاريخ تلك الحرب؛ إذ يقِف مُؤلَّفُه عند حوادث سنة ٤١١ق.م.

كتاب ثيوسيديد ينقسِم إلى ثمانية كتُب، وَلكن هذا التقسيم لا يرجع إلى المؤلِّف نفسه، ولقد قسَّمَه القدماء أحيانًا إلى ثمانية كتُب وأحيانًا إلى تسعةٍ وأحيانًا إلى ثلاثة عشر، وإن يكن التقسيم المُستقِر اليوم هو التقسيم الثُّماني.

وبالنظَر في الكتاب يبدو لنا أن مُؤلِّفه كان قد قسَّمَه إلى قِسمين:
  • القسم الأول: من الكتاب الأول إلى الفصل الخامس والعشرين من الكتاب الخامس، وبه مُقدمة الكتاب ثم أخبار الحرب حتى معاهدة نكياس سنة ٤٢١ق.م.
  • القسم الثاني: يبدأ من الفصل السادس والعشرين من الكتاب الخامس ويستمرُّ إلى آخِر الكتاب الثامن، وبه مُقدِّمة أخرى، ثُم حوادث الحرب من معاهدة نكياس حتى آخِر سنة ٤١١ق.م. وهناك أدلَّة كثيرة تُرجِّح أنَّ الجزء الأول كان قد نُشِر منفردًا.

وخطَّة ثيوسيديد في تأليف كتابه هي مُتابعة الزمن، فهو يُقسِّم كلَّ عام إلى صيفٍ وشتاء، ويتتبَّع الحوادث تتبُّعًا تاريخيًّا حتى ليُشبِهُ كتابه اليوميات. وهو في هذا يُغاير المؤرِّخين المُحدَثين الذين يُقسِّمون كتُبَهم إلى موضوعاتٍ فيُعالجون كلَّ موضوعٍ في فصلٍ خاصٍّ. ومن مجموع تلك الفصول نخرُج بفكرةٍ جامعة عن العصر الذي يتحدَّثون عنه من نواحيه المختلفة: السياسية والحربية والاجتماعية والثقافية. وإنما أملى على ثيوسيديد خُطَّتَه طبيعة الموضوع الذي كتَب فيه، فهو يُريد أن يقُصَّ أنباء حرب البلبونيزيا كما قصَّ هيرودوت من قبلُ أخبار الحروب الميدية.

وليس معنى هذا أنَّ ثيوسيديد لم يُحدثنا إلا عن المعارك التي حدثت، فكتابُه أعمق وأهمُّ بكثيرٍ ممَّا يدلُّ عليه عنوانه، وما تدلُّ عليه خُطته، ولعلَّ مصدر غِناه يأتيه من أنه ليس قصصًا فحسْب بل قصصٌ وخُطَبٌ. في الكتاب ما يقرُب من أربعين خطبةً طويلة تُعَدُّ من أثمن ما خلَّفت العبقرية اليونانية، وهذه الخُطَب ينسِبها المؤلِّف إلى القادة والزعماء، وهو يُخبرنا أنها لم تُقَل بحرفها، وذلك لأنه قد حاول أن يُورِدها نقلًا عمَّن سمِعَها. ومِن الواضح أنه ليس من السهل أن نروي خُطَب الغَير نقلًا عن سامعيها، ولهذا لم يكن بدٌّ للمؤلف من أن يستعين بما رُوي له منها مجرَّد استعانة في كتابةِ تلك الخُطَب التي هي في الواقع من أسلوبه الخاص، ولكنها مع ذلك لا تفقِد شيئًا من قِيمتها، بل لعلَّها قد اكتسبت من القيمة التاريخية والإنسانية أكثرَ ممَّا كان لها، وذلك لِعِظم ذكاء المؤلِّف الذي عَرف كيف يُلخص المواقف ويكشف عن الدوافع ويناقش الأهواء ويستعرض النظر في تلك الخطب الرائعة.

ولثيوسيديد ملَكة قوية في إدراك فهم الأشياء، فبالرَّغم من أنه قد كتَب حوادث عاصرَها فغمرته من جميع النواحي إلا أنه قد استطاع أن ينظُر إليها وكأنَّ بينه وبينها أعوامًا بل قرونًا، فميَّز الأهمَّ من المُهم، ووضع كل حادثةٍ في مكانها وأعطاها أهميَّتَها بلا إفراطٍ ولا تقصير، وتلك ملكة لم يُوهَبَها إلا القليل.

وثيوسيديد مؤرخٌ ثبْتٌ دقيق يعرِف كيف ينقد مصادره، وهو يرفض التسليم بخوارق الأمور فلا يقبَل من الخُرافات ما قَبِل هيرودوت، وهو لا يقِف عند الحوادث ليُعلق على ما تُوحي به من فلسفةٍ أخلاقية رخيصة عن تفاهة الحياة أو بؤسِها ونعيمها كما يفعل هيرودوت. ثيوسيديد مؤرخ جافٌّ غزير التفكير مُركَّز الأسلوب، وهو أحرص على فهم النفوس منه على دروس الأخلاق المُبتذَلة.

وباستطاعة القارئ أن يعود إلى قراءة خطبة بركليس في تأبين جُند أثينا الذين قُتلوا في السنة الأولى من الحرب ليرى الكثير من المواهب التي تميَّز بها مؤرخنا، فالخطبة لا شكَّ من تحرير المؤلف نفسه، وإن يكن من الراجح أن يكون بركليس قد قال من المعاني ما يقرُب ممَّا ورد فيها.

يبدأ الخطيب بالحديث عن نُظم أثينا الديمقراطية، تلك النُّظم التي عنها صدر مجد المدينة وبفضلِها أحبَّ المواطنون مدينتهم فقاتلوا في سبيلها حتى قُتل منهم مَن قُتل، وأخيرًا يصِل إلى التأبين، وهنا يظهر ذكاء الخطيب أو على الأصح ذكاء المؤرِّخ، فهو يُدرك «أنه من الشاقِّ أن يدعو الآباء إلى التعزِّي بالمجد عن فقْد أبنائهم وأمامهم فرَح الغير بسلامة أبنائهم يُذكِّرهم بما كانوا فيه من فرحٍ هم أيضًا بأبنائهم.» والمُتكلِّم يعلَم «أنَّنا لا نألَم للحرمان من شيءٍ لم نألَفْه قدْر ما نألَم لفقْد ما اعتدنا المُتعة به.» ولهذا يدعوهم «إلى الشجاعة والتزوُّد بالأمل في أن يكون — لمن يستطيع منهم — خلَف جديد يعوِّض مَن فُقد. وأما من لم تعُدِ السنُّ تسمح له بخلَفٍ جديد فعليه أن يذكُر أن معظم حياته قد تُقضى سعيدًا، وأنَّ ما بقيَ هو الأقل، وأنه سوف يجد في ذِكرى أبنائه المجيدة ما يُخفِّف من آلامه.» هذا حديثه إلى الآباء وفيه تُحسُّ ما أشرنا إليه من فهم عميق للنفس البشرية، فهو لا يتجاهَل حقائق تلك النفس وإنما يُسلِّم بها ثُم يلتمس لها علاجًا، وإنه لَمِن الحُمق ألا نُسلِّم للمتألِّم بأسباب ألَمهِ ظانِّين في ذلك ما يصرِفُه عنه، وإنما السبيل هو أن تُجاري إحساسه وأن تُسلِّم له بمشروعية ذلك الإحساس، ثُم تُحاول بعد ذلك أن تُخفِّف عنه حِمله. وفي حديثه لإخوة وأبناء الموتى حقائق نفسية أخرى يعترِف بها الخطيب في قوَّة خُلقية وإنسانية نقِف أمامها حَيارى. انظُر إليه يُخاطبهم: «وأما أنتم، أبناءَ هؤلاء الأبطال وإخوتهم! فأمامكم صراع عنيف، وإنه لحبيبٌ إلى كل نفس أن تمتدِح ما مَضَى، ولهذا أرجو لكم أن تصِلوا إلى ما وصَل إليه هؤلاء الأبطال أو على الأصح إلى ما يُدانيهم، وذلك لأنَّ الحسد ينال دائمًا من فضل الأحياء، حتى إذا ذهب الموت بما يُلقون على مُعاصريهم من ظلالٍ تغمرهم بظُلمتها نزل فضلُهم من كل القلوب منزلة التقديس.» أليس في هذه الصراحة النفسية ما يرفع من قدْر قائلها وهو يعترِف بأن الحسد شيء طبيعي في النفوس، وأنه من الخير أن يُوطِّد كل فردٍ نفسه على قَبوله مِن الغير مُدركًا أنه ليس من السهل على النفوس أن تقبل «الظلمة»، التي يُلقيها عليها «ظلُّ الغير»، وأنه ليس للأحياء أن يرَوا الناس مُجمِعين على فضلِهم، فهذا لن يكون إلا بعد موتهم! وتلك حقيقة فيها أكبر العزاء لبطولة الأحياء، كما فيها أكبر دافعٍ إلى الإقدام وطرْح ما يمكن أن يُصيب النفوس الخيِّرة من يأسٍ يُوحيه ما يَهُولها من عدم الاعتراف بما لها من فضل.

وأما النساء فكلُّ ما يطلُبه إليهنَّ هو «أن يلتمسنَ المجد في ألا يُظهرنَ من ضعفٍ غير ما تقضى به فطرتهن، وأن يتنافسنَ في أن يكون تأثيرهنَّ في الرجال أقلَّ ما يكون سواءً أكان هذا التأثير في الخير أم الشر.»

هذا هو الذكاء الخارق الذي تحدَّثنا عنه. الذكاء الذي يُدرِك حقائق النفوس ويُسلِّم بتلك الحقائق، وعلى هذا الأساس يصُوغ أقواله ويضع خُطَطه.

ومَقدرة ثيوسيديد الفذَّة لا تظهر في الخُطَب فحسْب بل وفي القصص والوصف، وباستطاعة القارئ أن يعود إلى حديث١٨٨ المؤلَّف عن الطاعون الذي تفشَّى بأثينا في ذلك الحين ليرى مقدرة الكاتب الخارقة على الوصف وصفًا قاسيًا مُثيرًا، وكأنَّنا نرى المرضى «يَجُرُّون أجسامهم على الأرض جرًّا ليُلقوا بأنفسهم إلى الآبار لعلَّها تُطفئ النار التي ترعى أجوافهم … إلخ.» مما تقشعرُّ له الأبدان.

هذا هو ثيوسيديد الكاتب القوى والمؤرخ الثَّبْت. رجل عبقري من كِبار العقول اليونانية بل العقول الإنسانية على الإطلاق، وهو بعدُ مؤلِّف ليست قراءته أمرًا سهلًا لا في أصلِه اليوناني ولا في ترجماته المُختلفة، وذلك لِعُمق تفكيره عُمقًا يُشبه الغموض، وإن لم يكن من الغموض في شيءٍ لأنك بالصبر وإمعان النظر تستطيع دائمًا أن تُدرك ما يُريد قوله، وإنما يكون الغموض عندما يعجز عقل الكاتب عن أن يُدرك بوضوح ما بنفسه من أفكار ثم يتعجَّل صياغتها. وثيوسيديد أبعدُ الناس عن هذا العجز، وذلك لأن عقله كان من القوة بحيث استطاع دائمًا أن يسيطر سيطرة مُهيمنة على كل ما تحدَّث عنه.

(ﺟ) أكسينوفون

لم يظهر في القرنَين التاليين لوفاة ثيوسيديد أي مؤرخ كبير، ومؤلَّفات من كتَب في التاريخ خلال هذين القرنَين قد ضاع مُعظمها إنْ لم يكن كلها. ومع ذلك فمن الواجب أن تَستثني أكسينوفون الكاتب المعروف في تاريخ الفلسفة، وذلك لأن أكسينوفون قد كان مؤرخًا كما كان فيلسوفًا، وإن لم يصِل في التاريخ إلى ما يُداني من قريبٍ أو بعيد ثيوسيديد، كما لم يصِل في الفلسفة إلى ما يدنو من مستوى أفلاطون مع أن كلَيهما قد تتلمذ لسقراط وكتَبَ عنه في صيغة الحوار.

ومع هذا فلِأكسينوفون أهميتُه في تأريخ التاريخ عند الإغريق، وذلك لأنه قد كتب فيه بعض الكتُب التي نخصُّ بالذكر منها «التقهقُر إلى البحر».١٨٩ ولعلَّه خَير كُتُبه، كما كتب كتابًا عن «حكومة إسبرطة» وفيه يصِف نُظم تلك المدينة كما وصف أرسطو «نظم الحُكم عند الأثينيين»، وأخيرًا كتابه المُسمَّى «الهلينيات» الذي يقصُّ فيه تاريخ بلاد الإغريق منذ سنة ٤١١ق.م. وهي السنة التي يقِف عندها تاريخ ثيوسيديد إلى سنة ٣٦٢ق.م. وهو تاريخ معركة مانتينيه الشهيرة.

وُلِد أكسينوفون فيما يُرجَّح سنة ٤٣٠ق.م. ومات سنة ٣٠٠ق.م. تقريبًا. وُلِد في إحدى ضواحي أثينا لأسرةٍ أرستقراطية غنيَّة وتتلمذ لسقراط، وفي سنة ٤٠١ق.م. صحِب الحملة التي وجَّهها الإغريق إلى آسيا الصغرى لمُحاربة الفُرس وأتباع الفُرس. ولم يكن أكسينوفون في تلك الحملة جُنديًّا ولا ضابطًا ولا قائدًا، كما يقول، بل مجرَّد هاوٍ، وكان ما كان من هزيمة الحملة بعد قتْل قُوَّادها غدرًا. وهنا يتولَّى أكسينوفون رياسة الجند ويتقهقر بهم إلى البحر، وهو يصِف لنا ذلك التقهقُر وما اعترضه من عقبات، وكتابه أشبَهُ ما يكون بالمُذكرات، ومع ذلك ففيه كثيرٌ من الملاحظات الهامَّة عن الأراضي التي مرُّوا بها وعن فنون القتال، كما أنَّ قَصَصه لا يخلو من يُسرٍ وجمال.

عاد أكسينوفون إلى أثينا فوجَدَ أنَّ سقراط قد حُكِم عليه بالموت ونُفِّذ الحُكم فيه وإذا به هو الأخير يُقضى عليه بالنفي إما لأنه كان تلميذًا لسقراط وإما لِما كان معروفًا عنه من مَيله إلى إسبرطة التي كان يُعجَب بنُظمها وحياتها القائمة على الأرستقراطية. وبالفعل نجِد أكسينوفون في إسبرطة ونعلَم تاريخيًّا أنه قد صاحب ملِكَها أجيسيلاس١٩٠ في حملته على آسيا الصغرى سنة ٣٩٦ق.م. ثم في حروبه ضدَّ طيبة الإغريقية، بل وضدَّ أثينا نفسها مَسقط رأس أكسينوفون، وذلك في سنة ٣٩٤ق.م.

بعد ذلك التاريخ استقرَّ أكسينوفون في ضَيعةٍ اشتراها بإحدى مقاطعات البلبونيزيا حتى سنة ٣٧١ق.م. إذ ضرب المُغيرون ضَيعته، وهنا ينتقِل إلى كورنثة يُقيم فيها حتى تعود أثينا عن قرار نَفيه وتسمح له بالعودة إلى وطنه حيث مات.

لأكسينوفون أربعة عشر كتابًا من بينها الثلاثة التي ذكرناها، وأما بقيَّتها فمنها ما تتعلَّق بتربية الخَيل وركوبها والحرب على ظهورها، ومنها ما يتعلَّق بالصيد ومنها ما يتعلق بالاقتصاد وإدارة الأموال، كما أن منها الكتُب الفلسفية.

لقد كان أكسينوفون رجلًا أرستقراطيًّا مُولعًا بالخيل والصيد، رجلًا سهلَ الطبع، راضيًا عن الحياة، ولكنه سطحي، وكل هذه الصفات واضحة في أسلوبه وفي كتاباته.

(د) بوليبوس

وجاء بعدُ بوليبوس مؤرخ مُتأخر عاش من سنة ٢٠١ق.م. إلى سنة ١٢٠ق.م. ولكنه مؤرخ كبير يكاد يكون ثاني مؤرِّخي الإغريق بعد ثيوسيديد؛ فهو من ناحية الدقة التاريخية وفَهم الحوادث وتحليلها وشرح أسبابها لا يقلُّ عن مؤرخ حرب البلبونيزيا إن لم يفُقْه، وأما من الناحية الأدبية ومن الناحية الإنسانية فهو يَنحطُّ عن ثيوسيديد بمسافاتٍ بعيدة.

وُلِد بوليبوس بمقاطعة أركاديا في البلبونيزيا من أسرة أرستقراطية وكان صديقًا لزعماء الحرب والسياسة في ذلك العهد، وقد تعلَّم من أبيه فنَّ الحرب واشترك في الحياة السياسية والحربية، وفي سنة ١٦٨ق.م. وقع أسيرًا في يد الرومان الذين قادوه إلى روما حيث ظلَّ حتى سنة ١٥٠ق.م. ولقد استطاع أن يُصادق كبار زعماء روما، وبفضل تلك الصداقة لم يحجِز في إحدى مُدن إيطاليا كما حجز غيرُه من الأسرى، بل تُرك طليقًا بروما حيث استطاع أن يبحث في محفوظات الدولة وأن يدرُس التاريخ الروماني.

وفي أثناء إقامته الطويلة بتلك البلاد أُعجِب بخُلق الرومانيين، ذلك الشعب الحكيم الصبور الجاد إذا قِيس بإغريق ذلك العهد الخِفاف الأحلام المُتقلِّبي الأهواء. وفي سنة ١٥٠ق.م. سُمح له بالعودة إلى بلاد الإغريق وإن كان قد عاد إلى روما غير مرة؛ إذ أصبحت تلك المدينة بمثابة وطنٍ ثانٍ له. ولقد صاحب أسكبيون القائد الروماني الشهير في حملاته ضدَّ القرطاجانيين وشهد استيلاءه على قرطاجنة عاصمة مُلكهم. ولقد حاول أن يمنع ثورة الإغريق الأخيرة ولكنه لم يستطِع، وكان أن أخضع الرومان بلاد الإغريق كلها بعد استيلائهم على كورنثة، وبذلك أصبحت اليونان مُقاطعة رومانية سنة ١٤٦ق.م. ولم تقُم لها بعد ذلك قائمة. وأما بوليبوس فقد استخدَم نفوذه عند أصدقائه الرومانيين ليُخفِّف من قسوة الشروط التي أملَوها على مواطنيه. ولقد قام بوليبوس بعدَّة سياحاتٍ في سبيل الدرس، وزار ليبيا وإسبانيا وبلاد الغال، ومات وهو في الثانية والثمانين من عمره، إذ سقط من فوق حصان.

وكتاب بوليبوس عنوانه «التاريخ العام»،١٩١ تاريخ بلاد الإغريق وبلاد الشرق وبلاد قرطاجنة مُجتمعة حول روما. ولقد كان كتابه مؤلَّفًا من أربعين كتابًا، ولكن لم يبقَ منها سوى الخمسة الأولى، ثم فقرات من الخمسة والثلاثين كتابًا الأخرى. ومنهجه في التأليف منهج عملي، فهو يريد أن يقصَّ الوقائع لينفع بكتابه رجال الدولة، وذلك بتحليلِه للحوادث وأسبابها تحليلًا دقيقًا. وهو حريص بنوع خاص على أن يُظهر كيف أصبحت روما سيِّدَةَ العالَم، ولذلك يدرُس دستورها ويُقارِن حكومتها بالحكومات الأخرى، وعلى الخصوص بحكومة قرطاجنة، وهو — لحِرصه على الدقة — قد حذف من كتابه كُلَّ الخُطَب التي حرص غيره من المؤرخين السابقين له واللاحِقين أن يُورِدوها. وهو يفعل ذلك مُكتفيًا بأن يُلخِّص الأقوال التي قِيلت فعلًا إن لم يستطع أن يُورِدها بنصِّها، وهو يُفضِّل إذا كان يَجهلُها ألا يخترِعَها.

فكتابه من الناحية التاريخية عظيم الأهمية، وذلك لاعتماده على محفوظات الدولة كما ذكرنا وعلى كل كتُب سابقيه، ثم على أقوال من شهِدوا الوقائع التي يتحدَّث عنها، وأخيرًا لأنه قد رأى كثيرًا من الحوادث التي وردت في كتابه. وهو بعد ذلك يملك القدرة على مناقشة مصادره وإعطاء كل منها ما يستحق من أهميته، كما أنه قد خلا من كل تحزُّب. وهو في كتابه يتتبَّع خُطى الزمن ولكنه كثير الاستطراد إلى مسائل تتعلق باشتقاق الأسماء والألفاظ وبمناقشة التواريخ وبالمسائل الفلسفية، ثُم إنه كثيرًا ما يقِف ليحاجَّ سابقيه محاجَّات طويلة.

وأما عن قيمة كتابه الأدبية فضعيفة كما قُلنا، وذلك لبرودة قصصه وخلوِّه من كل تلوين، ثُم لثِقل أسلوبه وتعثُّره وغموضه لكثرة الاصطلاحات الفنية والألفاظ المجرَّدة. وليس هذا لعدَم حِرصه على فنِّ الكتابة — فأسلوبه لا يخلو من عناية مُتكلَّفة — بل لأنه لم يكن يملك هبة الأسلوب ذاتها.

(ﻫ) بلوتارك

ويمضي قرنان آخران قبل أن يظهر بلوتارك، الذي يُعتبر آخر مؤرِّخ إغريقي كبير.

ولد بلوتارك في مقاطعة بيوشيا سنة ٤٦ بعد الميلاد وعاش حتى سنة ١٢٠ بعد الميلاد، وهو لم يكتُب في التاريخ فحسب، بل وفي الفلسفة التي كتب فيها عدة كتب.

تربَّى بلوتارك في أُسرته حيث أشرف أبوه وجدُّه على تعليمه، ثم قام بعدة رحلات إلى أثينا وروما، وألقى بالمدينتين عدة محاضرات عامة باليونانية وباللاتينية فلقي نجاحًا عظيمًا، وأخيرًا عاد إلى مَسقط رأسه حيث مضى الجانب الأكبر من حياته موزَّع الجهد بين حياته الخاصة كرَبِّ أسرة، وبين مهامِّه كأديب ومؤرخ وفيلسوف بل وعُمدة لمدينته.

لقد كان بلوتارك رجلًا شريفًا وديعًا هادئًا سمْح الخلق، شديد التعلق بدينه الإغريقي، وبخاصة بعبادة أبولون الدلفي حيث كان يقوم ببعض أعمال الكهنوت. وكان إلى جانب هذا رجلًا مُتفتح النفس للمعرفة والبحث عن الحقائق، فدرس كافة العلوم التي كانت معروفةً في عصره، وبخاصة التاريخ والفلسفة الأخلاقية.

ولقد ألف بلوتارك في الفلسفة الأخلاقية عدَّة كتُب نذكر منها: «مُهلة القضاء الإلهي» وفيه يعالج مشكلة القدر، و«كتاب الحُب» وهو دفاع عن الحب الشرعي، و«عزاء لزوجته عند وفاة بنتها»، و«كيف نقرأ الشعراء»، و«التطيُّر»، و«الزواج»، و«النبل»، و«صمت العرَّافات»، و«إزيس وأوزيريس» وفيه يتحدَّث عن الميثولوجيا بوجهٍ عام، و«كيف نُنصِت»، و«كيف نُميِّز الصديق الحق من المُتملِّق»، و«كيف نمدح أنفسنا دون أن نجرح غيرنا»، و«عن كثرة الأصدقاء»، و«عن فائدة الأعداء»، و«عن الصحة»، و«عن الثرثرة»، و«عن شيطان سقراط»، و«عن الموسيقى»، و«أحاديث المائدة» … إلخ.

وهو يعلن عن أخذه بمذهب أفلاطون، ولكنه في الحقيقة قد أخذ عن جميع المذاهب، كما حاول أن يوفِّق بين الميثولوجيا وفلسفة أفلاطون. وهو يقول بوجود إلهٍ واحد مُسيطر ومن دونه آلهة ثانوية تقوم على أمور البشر، وهي آلهة خيِّرة وشريرة، تعيش عدَّة قرون، وتُسرِف على التطيُّر والعَرَافة.

فلسفة بلوتارك في الواقع ضعيفة الأصالة، وهي ليست سبب مجدِه، وإنما اشتُهر بلوتارك وظلَّ يُقرأ طوال القرون الماضية حتى يومنا هذا من حيث هو مؤرخ كتَبَ كتابًا كان له ولا يزال أكبر الأثر في الكُتَّاب في مختلف الأجيال، ونعني بذلك كتابه المُسمَّى «الحَيَوَات المتوازية»، وفيه يورِد أربعًا وأربعين حياة كلُّ حياةٍ لكبيرٍ من كبراء الإغريق مقارنة بكبيرٍ من كبراء الرومان: تيموستكليس وكاميل، ليساندروس وسيلا، الإسكندر ويوليوس قيصر، أجيسيلاس وبومبيوس، ديموستين وشيشرون، ألسبيادس وكوريولانوس … إلخ.

كتابه — إذن — عن حياة العظماء اليونان والرومان، وقد آخى وقارن في كل فصلٍ بين اثنين من هؤلاء العظماء: قائد مع قائد، وخطيب مع خطيب، وإمبراطور مع إمبراطور، وهكذا. ولقد قرأ بلوتارك الكثير من الكتُب التي ألَّفها سابقوه، ولهذا جاء كتابه غنيًّا بالمعلومات التاريخية الهامة؛ ولكنه كان رجلًا جمَّاعًا حظُّه من النقد قليل، وأثَرُ السرعة وعدم التمهُّل واضح في كتابه، وهو أقل حرصًا على الحقيقة العارية منه على مغزى الوقائع ودروسها الأخلاقية؛ ومن ثَمَّ تراه يسوق الكثير من القصص لمجرد جمالها. وهو — وإن حاول ألا يتحيَّز — لا يخلو من مَيلٍ إلى الإغريق.

لقد حرص بلوتارك على أن يُصوِّر الشخصيات أكثر من حرصه على أن يقصَّ الوقائع؛ ومن ثم لم يكتُب تاريخًا سياسيًّا كما فعل ثيوسيديد أو بوليبوس ولكنه قد نجح فيما أراد نجاحًا رائعًا، فشخصيَّاتُه حية واضحة المعالِم، وكتابه من هذه الناحية فريد في بابه.

بلوتارك كاتب جذَّاب له حسٌّ صادق بعناصر الإثارة في الإنسان، وهذا سِرُّ مجده وإقبال الناس على قراءته، وأما أسلوبه فلا روعة فيه ولا جمال، ولهذا كان من الكُتَّاب القلائل الذين تزداد قيمة كتُبهم إذا تُرجِمت؛ ففي فرنسا مثلًا لا شكَّ أن ترجمة «أميو»١٩٢ التي ترجع إلى عصر النهضة، خير بكثيرٍ من أصلها، ولقد عمِلت تلك الترجمة في شهرة بلوتارك بفرنسا أكثر مما يستحقُّ الأصل؛ فهي رائعة الأسلوب.

ولقد كان لبلوتارك تأثير قوي على الكثيرين من الكتَّاب وبخاصة شيكسبير الذي صدر عنه في تصويره لكوريلانوس ويوليوس قيصر وغيرهما.

وهاك مثلًا من كتابه:

ديموسثنيس وشيشرون

حسبنا أن نرى ما بين الرَّجُلين من تَشابهٍ في الميول لنعلَم أن الطبيعة قد أنشأت هذين الخطيبين العظيمين منذ البداية في صورة واحدة؛ فكلاهما يطمح لغايةٍ بعَينها، وكلاهما يُحب الحرية، وكلاهما جبانٌ في الوَغى ومواقف الخطر. كذلك تشابهت السيرة عند الرَّجُلين، فكلاهما نشأ من أصلٍ مغمور وشقَّ طريقه إلى مناصب النفوذ والسلطان، وكلاهما عارَضَ الملوك والطغاة، وكلاهما نُفِي عن أرض الوطن ثم عاد عَوْدَ الكريم ثُم اضطرَّ أن يلوذ بالفرار، ثم وقع في أيدي الأعداء. وذهب بذهاب كلٍّ من الرجلين حُرية بلاده.

فلمَّا كان ديموسثنيس في نعومة الطفولة يافعًا في السابعة فَقَدَ أباه وبدَّد ثروته أوصياؤه الذين لم يكونوا بالوصاية جديرين، لكن طموح الفتى قد اشتعل في سِنِّهِ الباكرة حين سمع «كايسْتراتس»١٩٣ الخطيب ينفُذ بخطابته إلى قلوب سامعيه، وحين أدرك ما عسى أن يعود به فنُّ الخطابة على الخطيب المُوفَّق من أسباب الشرَف؛ فلم يلبث أن خصَّص جهده لممارسة هذا الفن فدرَس البلاغة على «إيزاوس»١٩٤ حتى إذا ما بلغ أشُدَّه ظهر في ساحة القضاء يتَّهِمُ أوصياءه بانتهاب ثروته.

وعلى الرغم من نجاح ديموسثنيس في دعواه تلك، كان عليه أن يواصِل الدرس ليُتمَّ نقصًا كبيرًا، إذ كانت أولى خُطَبه تُثير في سامعيه الضحك، فقد كان أسلوبه عنيفًا ومضطربًا، وصوته خافتًا مُتلعثِما وإلقاؤه مقطوع الأنفاس، لكن هذه الأخطاء أُصلِحت كلها بالمِران الطويل الشاقِّ الذي قام به في جُبٍّ أنشأه لنفسه تحت الأرض، كان يُقيم فيه شهرين أو ثلاثة دَفْعَةً واحدة. وقد أزال من لسانه اللعثمة بالتحدُّث والحصا مِلْءُ فِيه، وزاد من قوَّة صوته بالجري صاعدًا فوق سطح الجبل يصيح وهو يلهَث، وكان يُطيل النظر إلى موقفه وحركاته في المرآة.

ولم يُلْقِ ديموسثنيس الخطاب ارتجالًا إلا نادرًا، فقد كان الناس يَصيحون به في المجامع ليَخطُبَهم لكنه كان يظلُّ صامتًا، إلا إنْ كان قد أعَدَّ ما يُلقيه، وكانت عادته أن يكتب الشطر الأعظم من خطابه — إن لم يكتبُه بأجمعِه — قبل أن يُلقيه؛ ولذا كان يُعْترضُ عليه بأنَّ الحجج في خُطَبه تفوح برائحة المصباح، ولكنه مع ذلك قد خطب في حالاتٍ قليلة بغير إعداد فجاءت خطابته عندئذٍ وكأنَّها تتدفَّق من مَعين خارِقٍ لقُدرة البشر.

وكان حقودًا بطبعه، يُقاوم ما استطاع، فلم يُجارِ عصره قطُّ قولًا ولا عملًا، إنما استمسك حتى النهاية بوجهة نظره السياسية التي اعتنقها منذ البداية، ومَطمحه الأول هو الدفاع عن قضية اليونان ضدَّ فيليب.١٩٥ ومعظم خُطَبه بما فيها هذه «الفيلبيات»١٩٦ كتبها على مبدأ أن الخطة القويمة الجديرة بأن تُتَّبع يجب أن تُختار دون سواها من أجل نفسها لا لغايةٍ وراءها، فهو لا يستحثُّ بني وطنه إلى أداء ما هو ملائم ويسير ونافع، ولكنه يدعوهم إلى ما يؤدي بهم إلى مواضع الشرف؛ فلو كان الله قد حبا ديموسثنيس فوق مطمحه النبيل وسموِّ مبدئه في خطابته، شجاعةً في الحرب، ولو كان طهَّر يديه من دنَس الرشوة، لكان جديرًا أن يُوضَع في منزلةٍ واحدة مع «سيمون»١٩٧ و«ثيوسيديد» و«بركليز».

كذلك لمعت عبقرية شيشرون العظيمة في أيام دراسته، فقد كانت له القدرة كما كان له المَيل إلى تعلُّم الفنون كلها، وإن يكن أميلَ إلى الشِّعر منه إلى غيره من الفنون. وجاء يومٌ عرفتْهُ فيه روما أمجد الشعراء وأعظم الخطباء في آنٍ معًا؛ فبعد دراسته للقانون وتدريبه في أعمال الحرب، أوى إلى حياة العُزلة يدرس الفلسفة.

ولكنه اضطرَّ أن يظهر في ساحة القضاء ليدافع عن «روسكيوس»١٩٨ الذي اتُّهم ظلمًا بقتْل أبيه؛ فسرعان ما ذاعت شُهرته في الخطابة.

وكان شيشرون مُعتلَّ الصحة لا يستطيع أن يأكُل إلا طعامًا قليلًا، ولا يكون ذلك إلَّا في آخِر النهار، وكان صوته أجشَّ عاليًا مرذولَ النغم، لكنه كسلَفِه ديموسثنيس استطاع بمرانٍ طويل أن يُهذِّب من نغمة صوته، حتى أصبحت مليئة مُنغمة حلوة الرنين، ودراسته على فحول البلاغة قوَّمت من فصاحته.

وإنَّ ما عُرف عنه من مثابرةٍ وعدل واعتدال قد تجلَّى في مسلكه في المناصب السياسية؛ في هجمته على مؤامرة «كاتلين»١٩٩ بيَّن كيف يمكن للبلاغة أن تُضيف إلى الحقِّ سحرًا، وأنَّ العدالة لا تُهزَم إن وجدَتْ من يؤيدها على وجهٍ صحيح.

إنَّ ديموسثنيس قد ركَّز كلَّ قوته في فنِّ الخطابة وحدَه، فبات لا يُشقُّ له غبار في قوة فصاحته وجزالتها ودِقَّتِها. أما شيشرون فقد كان أوسع مدًى في دراسته، فلم يُجاهد أن يكون خطيبًا نابغًا وكفى، لكنه أراد أن يكون كذلك فيلسوفًا وعالمًا. واختلاف الخطيبَين في المزاج مُتبيِّن في اختلافهما في الأسلوب، فديموسثنيس في خطابته دائمًا صارم جادٌّ يَنشُد الفكرة الجافة. أما شيشرون فيُحِبُّ النكتة، وقد يبلُغ به المزاح في الحديث أحيانًا حدَّ المُهاترة، ولم يكن الخطيب اليوناني يمدح نفسه في خُطبه إلا إن قصد بذلك هدفًا ساميًا، وحتى إنْ فعَل ففي تواضُع وفي غير اعتداد. أما الخطيب الروماني فلا يحاول أن يُخفي غرورَه بنفسه إلى حدِّ الإسراف، ممَّا جعله مَمقوتًا عند كثيرٍ من مُعاصريه.

وكان للرجُلين جميعًا مقدرة سياسية ممتازة، لكن بينما نجد ديموسثنيس لا يشغل منصبًا سياسيًّا قط، ويُشَكُّ في أنه أحيانًا كان يبيع موهبته لِمن يُجزِل له العطاء، نرى شيشرون يحكُم إقليمًا في عصره كان الجشع فيه قد بلغ أقصى درجاته، لكنه لم يُعرَف عنه إلَّا العطف الإنساني وازدراء المال حتى لَيرفُض الهدايا البريئة.

إلى هنا ننتهي من استعراض المؤرِّخين الإغريق، ونخلُص مما رأينا بأن فنَّ كتابة التاريخ عند اليونان وإن يكن قد وصَل أحيانًا من العُمق في الفَهم إلى أبعدِ المراحل، إلا أنه لم يصِل في الواقع إلى ما وصل إليه المؤرِّخون المُحدَثون؛ وذلك لأنه ظل جزئيًّا، يتحدَّث عن ناحيةٍ خاصة من نواحي الأُمَم ويُهمِل ما عداها، فهُم لم يكتبوا مثلًا تاريخ عصرٍ من العصور يُفضِّلون فيه القول عن الحياة السياسية والحياة العقلية والحياة الحربية والحياة الاجتماعية، بحيث يخرُج القارئ بصورةٍ تامَّة لذلك العصر. ولكنَّنا عندما نذكُر أنَّ هذا المنهج الشامل في كتابة التاريخ لم يهتدِ إليه المؤرِّخون إلَّا في القرن التاسع عشر، نستطيع أن نتصوَّر أنه لم يكُن من المُمكن أن يقفِز الإغريق إلى الكمال.

ومع ذلك فقد امتاز المؤرِّخون الإغريق بصفةٍ هامَّة هي عدم التحيز، وكانت لهم فوق ذلك قدرة عجيبة على فهم النفس البشرية وإيضاح دوافعها، وفي هذا ما يضمَن لكُتُبهم الخلود، لا من حيث هي مصادر التاريخ فحسب، بل ومن حيث هي كتُب أدبٍ إنساني خليق بأن يُخصب النفس ويشحَذ الإدراك.

(٤-٢) الفلسفة والخطابة

(أ) الفلسفة

أُغرِم العقل اليوناني — بعد أن قطع مرحلة الأساطير والإمعان في الخيال — بإطالة التفكير والتأمُّل فيا يصادف من ظواهر، فيحاول تعليلها وتعقُّب أسبابها. وإنك لتقرأ عن اليونان وفلسفتهم فتحسب القوم يتنفَّسون الفلسفة مع الهواء. وما ظنُّك بجماعة تُناقش موضوعات الفلسفة إذا التقوا في الأسواق، أو صادف بعضهم بعضًا في عرْض الطريق! وحسبُك أن تقرأ ما كتبَه أفلاطون وأرسطو، وما بلغت إليه الفلسفة في العصر الحديث، لتعلم أن الإنسانية لم تكد تخطو — في الفلسفة — إلى الأمام بعد اليونان خطوات، بل لِتعلَم أن الإنسان الحديث في ركضه السريع يُوشِك أن يتخلَّف عمَّا أدركه اليونان من حِكمةٍ في بعض النواحي. ولْنَمضِ مُسرعين على هامات القرون، مُخلِّفين وراءنا فلاسفة اليونان الأولين، فأولئك على عظيم قدرهم لا يتَّسع لهم مقام كتابنا.

ولنقِفْ عند القرن الخامس قبل الميلاد، حيث سوفوكليز ويوريبيد يعرضان على المسرح آياتهم، لننظُر إلى هذا الفيلسوف الذي يذرَع شوارع أثينا ويغشى أسواقها، يناقش ويحاور في منطقٍ سليم وأسلوب أخَّاذ، لننظُر إلى سقراط جالسًا ومن حوله مُعارضوه ومُؤيدُوه؛ فما يزال يُلقي هنا سؤالًا وهناك سؤالًا، ويتلقَّى من هذا جوابًا ومن ذاك جوابًا حتى يستقيم له الموضوع الذي يناقِشُه، ويبلُغ النتيجة التي يريد، مُتهكِّمًا ساخرًا بمن زعموا لأنفسهم العِلم وهم جاهلون، مُستحثًّا الشباب أن يفكروا لأنفسهم ليُدركوا الحق بأنفسهم مُعلنًا أنه لا يدري شيئًا، وأنه إنما ينشُد الحِكمة عند الآخرين مُسَيَّرًا في ذلك كله بصوتٍ باطني لعلَّه أن يكون وحيًا من الآلهة. ولقد أحبَّ سقراط من فهِموه، وسخط عليه من كانت لهم في نفوس الناس مكانة علمية فزلزلَها سقراط وعرَّضهم لسخرية الساخرين؛ فرفع ثلاثة من هؤلاء أمر سقراط إلى القضاء بتُهمة إفساد عقول الشبَّان، وإنكار الآلهة، ومهاجمة الدولة ونظامها. وكانت المُحاكمة وكان الحُكم، فإذا هو أن يجرَع سقراط كأسًا من السُّمِّ ليموت، فلم يظهَرْ من شخصية سقراط عندئذٍ إلَّا جانب الفيلسوف. وقضى آخِر أيامه في السجن يحاور تلاميذه في النفس وخلودها! وهل ترى أَمرَّ سخريةً في تاريخ الإنسانية كله من هذه الحقيقة المرة: وهي أنها تقتُل من أبنائها من يَعْلُو وَيَنْبُغ.

و إن أردت أن تقرأ ما نطق به سقراط في محاوراته مع الناس، فارجع في ذلك إلى تلميذه الأكبر «أفلاطون» الذي كان كأستاذه محاورًا، ولكن بالقلَم لا باللسان؛ فأخذ يكتُب «المحاورات» يُديرها بين النابهين من أهل أثينا، ويتَّخِذ من سقراط شخصية رئيسية ليُجري على لسانه ما يريد لنفسه من أفكار؛ فبات مُتعذرًا أن نُميز بين آراء سقراط وآراء تلميذه التي أجراها على لسان أستاذه، ولكن هل يَعني ذلك شيئًا عند من ينشُد حكمة اليونان؟ كلَّا! فاقرأ المحاورات الأفلاطونية تقرأ حِكمةً يونانية، وحَسْبُكَ ذاك، وسترى في تلك المحاورات أسلوبًا فنيًّا رائعًا يضَعُ أفلاطون في الصف الأول بين الأدباء؛ ففيها أخذٌ ورَدٌّ، وسؤال وجواب، وموافقة واعتراض، مما جعلها قطعةً حية بين آيات الأدب. وتبلغ هذه المحاورات في عددها ما يقرُب من عشرين، تكاد لا تستثني شيئًا من جوانب الفكر الإنساني إلا مَسَّتْهُ مَسًّا رقيقًا أو عميقًا، حتى قيل: إن بذور الفكر الإنساني كلِّه قديمه وحديثه تراها منشورةً مبذورة في محاورات أفلاطون، لا تَسْتثْنِي من ذلك عقائد المسيحية نفسها! هذا ما يقوله عنها أبرع مُترجميها إلى اللغة الإنجليزية وهو «بنيامين جووت»٢٠٠ الذي أصبحت ترجمته لها تُعد في نفسها قطعةً من الأدب، ومُقدِّماته لتحليلها آيةً في النقد، وتُرجِم إلى اللغة العربية قبَسٌ منها.٢٠١ ولا بدَّ لك — إن أردتَ أن تعلَم ما قاله أفلاطون — مِن قراءته. وحسبُنا في هذا الموضوع أن نُشير إلى فكرتَين أساسيَّتين: الأولى فكرة سقراط في الفضيلة بأنها العِلم والرذيلة بأنها الجهل، أي أنَّ الإنسان لا يُسيء السلوك إلا عن جهل، ولو عرَف لاهتدى، وهذا رأيٌ له قيمتُه ونصيبه من الصواب. وقد عبَّر سقراط عن ذلك حين ذُكِرَ قاتلوه ساعة مَوته، فقال: «سامِحوهم فإنهم لا يعرفون ما يعملون.» والفكرة الرئيسية الثانية في «المحاورات» هي رأي أفلاطون بأن عالَم الأشياء الذي يُحيط بنا إنما يُصوِّر عالَمًا آخَر قِوامه أفكار عقلية، فكل شيء هنا شبَحٌ لفكرةٍ هناك، فإذا ما أحببتَ إنسانًا جميلًا أو زهرةً جميلة فأنت إنما تُحِب في حقيقة الأمر فكرةَ الجمال التي تتمثَّل في الإنسان والزَّهرة، لا هذا الإنسان الشخص بعَينِه، ولا تلك الزهرة بذاتها، وهذه خلاصة مُوجزَة «للحُبِّ الأفلاطوني»، الذي أخذت تلُوكه الألسنة في غير معناه حتى أفسدَتْه. ولعلَّ أجمل ما يُمتِّع القارئ الذي لا يريد أن يغوص في الفلسفة العميقة محاورة «الجمهورية» ومحاورة «الدفاع» ومحاورة «المأدبة»؛ ففي «الجمهورية» وصفٌ للدولة المُثلى التي يجِب أن يكون على رأسها فيلسوف مُفكر يُسيطر عليها كما يُسيطر العقل على شئون الجسد، وفي «الدفاع» رواية جميلة لمُحاكَمة سقراط ودفاعه عن نفسه أمام قُضاته، وفي «المأدبة» شرح مُفصَّل للحُب الأفلاطوني صِيغ في أسلوبٍ هو أجود ما جرَتْ به براعة الفيلسوف في جمال التعبير. وفيما يلي مِثال لنثر أفلاطون، وهي قطعة خُتِمت بها محاورة فيدون، وفيها يُصوِّر موت سقراط:

… نهض ودخل غُرفة الحمَّام، يصحَبُه أقريطون، الذي أشار إلينا بأن ننتظِر؛ فانتظرنا نتحدَّث ونُفكر في أمر الحوار وفي هَول المُصاب. لقد كنَّا كمن ثكِل أباه، وأوشكْنا أن نقضي ما بقي من أيَّامنا كالأيتام. فلمَّا تمَّ اغتساله جيء له بأبنائه (وكانوا طفلَين صغيرَين ويافعًا)، كما وفدَتْ نساءُ أسرتِه، فحادَثَهنَّ وأوصاهنَّ بعضَ نُصحه، على مسمعٍ من أقريطون، ثم صَرفهُنَّ وعاد إلينا.

ها قد دنت ساعة الغروب، فقد قضى داخل الحمام وقتًا طويلًا، وعاد بعد اغتساله فجلس إلينا، ولكنَّا لم نُفِض في الحديث. وما هي إلا أن جاء السجَّان وهو خادم الأحد عشر، ووقف إلى جانبه وقال: لستُ أتَّهِمُك يا سقراط بما عهدته في غيرك من الناس من سورة الغضب، فقد كانوا يثورون ويصيحون في وجهي حينما آمُرُهم بتجرُّع السُّم، ولم أكنْ إلا صادعًا بأمر أولي الأمر. أما أنت، فقد رأيتُك أنبلَ وأرقَّ وأفضل ممَّن جاءوا قبلك إلى هذا المكان، فليس يُخامرني شكٌّ أنك لن تنقِم عليَّ، فليس الذنب ذنبي، كما تعلَم، إنما في جريرة سواي … وبعد، فوداعًا، وحاوِلْ أن تحمل راضيًا ما ليس من وقوعِه بُد، إنك لتعلَم فيمَ قُدومي إليك. ثم استدار فخرج مُنفجرًا بالبكاء. فنظر إليه سقراط وقال: لك منِّي جميل بجميل، فسأصدَعُ بما أمرتَني به، ثم التفتَ إلينا وقال: يا له من فاتن! إنه ما انفك يزورني في السجن، وكان يُحادثني الحين بعد الحين، ويُعاملني بالحُسنى ما وسِعَتْه … انظر إليه الآن، كيف يدفعُه فضلُه أن يحزَن من أجلى! فلِزامٌ علينا، يا أقريطون، أن نفعل ما يُريد. مُرْ أحدًا أن يجيء بالقدَح إن كان قد تمَّ إعداد السُّم، وإلا فقُل للخادم أن يُهيئ شيئًا منه؛ فقال أقريطون: ولكنَّ الشمس لا تزال ساطعةً فوق التلاع، وكثيرٌ ممَّن سبقوك لم يجرعوا السُّمَّ إلا في ساعةٍ متأخِّرة بعد أن كانوا يأكلون ويشربون وينغمِسون في لذائذ الحسِّ، فلا تتعجَّل إذن؛ إذ لا يزال في الوقت مُتَّسع!

فقال سقراط: نعم يا أقريطون، لقد أصاب من حدَّثتَني عنهم فيما فعلوا، لأنهم يحسبون أنَّ وراء التأجيل نفعًا يَجنونه، وإني كذلك لعلى حقٍّ في ألَّا أفعل كما فعلوا، لأني لا أظنُّ أني مُنتفع من تأخير شراب السُّمِّ ساعةً قصيرة! إنني بذلك إنما أحتفِظ وأُبقي على حياةٍ قد انقضى أجلُها فعلًا، إني لو فعلتُ ذلك سخرتُ من نفسي. أرجو إذن أن تفعل ما أشرتُ به ولا تعصِ أمري! فلمَّا سمِع أقريطون هذا، أشار إلى الخادم فدخل، ولم يلبَثْ إلا قليلًا حتى عاد يصحَبُه السجَّان يحمِل قدَح السُّم؛ فقال سقراط: أي صديقي العزيز! إنك قد مُرِّنت على هذا الأمر، فارشِدْني كيف أبدأ؟ فأجاب الرجل: لا عليك إلَّا أن تجُول حتى تثقُل ساقاك، ثم ترقُد فيَسري السُّم. وهنا ناول سقراط القدح، فحدَّق في الرجل بكلِّ عينَيه، يا أشكراتس، وأخذ القدَح جريئًا وديعًا لم يُرَع ولم يُمتَقَع لون وجهه؛ هكذا تناول القدَح وقال: ما قولك إذا سكبتَ هذا القدح لأحد الآلهة؟ أفيجوز هذا أم لا يجوز؟ فأجاب الرجل: إنَّنا لا نُعِدُّ يا سقراط إلا بمِقدار ما نظنُّه كافيًا. فقال: إني أفهم ما تقول، ومع ذلك فيحقُّ لي بل يجِب عليَّ أن أُصلِّي للآلهة أن تُوفِّقني في رِحلتي من هذا العالَم إلى العالَم الآخر؛ فلعلَّ الآلهة تَهَبُني هذا؟ فهو صلاتي لها، ثم رفع القدَح إلى شفتَيه وجرَع السُّمَّ حتى الثُّمالة رابِطَ الجأش مُغتبطًا، وقد استطاع مُعظمنا أن يكبَحَ جماح حُزنه حتى تلك الساعة، أما وقد رأيناه يشرَب السُّمَّ، وشهدناه يأتي على الجرعة كلها، فلم يعُد في قوس الصبر مَنزِع، وانهمَر منِّي الدمع مدرارًا على الرغم منِّي، فسترتُ وجهي وأخذت أندُب نفسي … حقًّا، إني لم أكن أبكيه، بل أبكي فجيعتي فيه حين أفقد مِثل هذا الرفيق، ولم أكن أول من فعل هذا، بل إن أقريطون، وقد ألفى نفسه عاجزًا عن حبس عبراته، نهض وابتعد، فتبعتُه، وهنا انفجر إيولودورس الذي لم ينقطع بكاؤه طول الوقت في صيحةٍ عالية وضعتْنا جميعًا مَوضع الجبناء، ولم يحتفظ بهدوئه منَّا إلَّا سقراط. فقال: ما هذه الصرخة العجيبة؟! لقد صرفتُ النسوة خاصةً حتى لا يُسِئنَ صنيعًا على هذا النحو؛ فقد خُبِّرتُ أنه ينبغي للإنسان أن يُسْلِمَ الرُّوح في هدوء، فسُكونًا وصبرًا … فلمَّا سمِعنا ذلك اعترانا الخجل وكفكفْنا دموعنا، وأخذ سقراط يتجوَّل حتى بدأت ساقاه تتخلخلان — كما قال — ثم استلقى على ظهرِه، كما أُشير له أن يفعل. وكان الرجل الذي ناوَلَه السُّم ينظُر إلى قدَمَيه وساقيه حينًا بعد حين، ثم ضغط بعد هنيهة على قدَمَيه وسألَه: هل أحَسَّ فأجاب أَنْ لا، ثم ضغط على ساقِه، وهكذا صعدَ ثم صعد، مُشيرًا لنا كيف أنه بَردَ وتصلَّب. ثم لمس سقراط نفسُه ساقَيه وقال. ستكون الخاتمة حين يصِل السُّم إلى القلب. فلمَّا أخذت البرودة تتمشى في أعلى فخذَيه كشف عن وجهه، إذ كان قد دثَّر نفسه بغطاءٍ وقال (وكانت هذه آخِر كلماته):

إنَّني يا أقريطون مَدين بدَين لأسكلبيوس،٢٠٢ فهل أنت ذاكِر أن تَرُدَّ هذا الدَّين؟ فأجاب أقريطون إنه سيُوفِّي الدَّين، ثم سأله إن كانت لدَيه رغبة أُخرى، ولم يكن لهذا السؤال من جواب. وما هي إلا دقيقة أو دقيقان حتى سُمِعَت حركة؛ فكشف عنه الخادم، وكانت عيناه مفتوحتَين فأقفل أقريطون فمَهُ وعينَهُ.

هكذا يا أشكراتس قضى صديقُنا الذي أدعوه بحقٍّ أحكمَ مَنْ قد عرفتُ من الناس، وأَوْسَعَهم عدلًا وأكثرهم فضلًا.

ثم جاء أرسطو الذي شقَّ للفلسفة طريقَها مدى عشرين قرنًا، فقد لبِثَ حتى القرن السابع عشر يُعرَف بين الفلاسفة ﺑ «الفيلسوف»، وبلغت سيطرته على عقول الناس حدًّا لم يعرفه فيلسوف سواه، حتى جاء رجال النهضة — بيكون في إنجلترا، وديكارت في فرنسا — فرفعوا لواء الثورة على رجُل الفلسفة الأكبر، وطالبوا بحقِّهم في التفكير المُستقل الذي لا يعرف الحدود والقيود. وما كان أرسطو نفسه ليُنكِر على أحدٍ هذا الفكر الحر، لكنهم تابِعُوه ومُشَايِعوه خلال القرون هم الذين وضعوه من الناس موضِع المُعلم الذي تجري كلماته مجرى القضاء الذي لا يُرَد. وكيف يُنكر أرسطو على أحدٍ حرية الفكر، وهو ذاك الرُّوح الطليق، والعقل المُتطلِّع، والعالِم الذي يبحث ويبحث حتى ينتهي ببحثه إلى الحق؟! أخذ أرسطو عن أستاذه أفلاطون ثم انشقَّ عليه؛ وأهمُّ ما يختلفان فيه هو فِكرة المُثلُ، أو العالَم العقلي الذي جزم أفلاطون بوجوده نموذجًا تجيء على نسَقِهِ الأشياء. فما كان لأفلاطون الحالِم الشاعر الفنان سوى أن يُمزِّق بخياله حجُب المادة التي تُحيط به ليرى من ورائها أفكارًا مجرَّدة هي من الأشياء بمثابة الأصل من الصورة. أما أرسطو ذو العقل العِلمي والفكر المنطقي فحصر نفسه في حدود ما يرى ويلمس، فهذه الأشياء في الحقائق ذاتها ولا شيء وراءها، وليس للمعاني المُجرَّدة وجود إلا في عقل الإنسان الذي يُجرِّدها. وماذا يعني تاريخ الأدب من هذا الفيلسوف؟ يَعنيه أسلوبُه العلمي الواضح الدقيق، فلئن كان أفلاطون بمثابة قصيدةٍ من الشعر الطائر بأجنحة الخيال، فأرسطو قِطعة من النثر الرزين الرصين؛ اقرأ له كتاب الأخلاق،٢٠٣ واقرأ له كتاب السياسة، ثم اقرأ كتابه في «الشعر» الذي لا يزال عُمدةً للنقَّاد إلى هذا اليوم فلن تقرأه قراءة الدرس العميق حتى يكون منك ناقدٌ صائب الحُكم على إنتاج الأدباء.

(ب) الخطابة

وكانت الخطابة من الفنون الأدبية التي بلغتْ من الكمال حدًّا بعيدًا في أثينا. والخطابة إنما تكون أدبًا حين تحتفظ الألفاظ المنطوقة بقوَّة فصاحتها إذا ما خُطَّتْ على الورق لتُقْرَأ، فما أكثر ما تفنى خُطب الخطباء مع الهواء كما تَفنى ألحان المُنشدين وأصوات المُمثلين. والخُطَب ثلاثة أنواع: خطب تُسمَع ولا تُقْرَأ، وخُطَب تُقْرَأُ ولا تسمع، وثالثة تشمل بتأثيرها العيون والآذان؛ فها هو ذا «غلادستون»٢٠٤ مثلًا حَرَّك النفوس بِخُطَبه، ولكنها حين صُبَّتْ في أحرُفِ المطابع بردت نارُها، وذلك هو «إدْمَنْدْ بيْرك»٢٠٥ لم يكن له من القدرة الخطابية ما يُقنع أعضاء البرلمان الإنجليزي، ومع ذلك فخُطَبه — مكتوبةً — ساحرة فاتنة، وهي تحتلُّ مكانةً رفيعة في الأدب الخالد. وأما خطباء اليونان فقد بلغوا بهذا الفن — كما قُلنا — حدًّا بعيدًا من الكمال. وذلك لأنَّ حظوظهم السياسية كانت ترتكِز — إلى حدٍّ بعيد — على قُدرتهم الخطابية، وذلك طبيعي في عصرٍ لم يعرِف الصحف اليومية التي تَشيع بين الناس فتحمِل إلى أعينهم عشراتٍ من المقالات، وهي خُطَب يُلقيها رجال السياسة من أسنَّةِ الأقلام، وأول من نذكُرُه من خطباء اليونان خطيب صامت! خطيب لم يكن من أهل أثينا في عُرْف القانون، فلَم يكن له حقُّ الكلام في ساحات القضاء أو الخطابة أمام جموع الشعب؛ ذلك هو «لِسْيَاس»٢٠٦ الذي أخذ يكتُب الخُطَب بقلمِه ليُلقيها غيرُه بلسانه، ولم يخطب «لسياس» في الناس إلا مرةً واحدة؛ حين دبَّر أحد الطغاة قتْلَ أخيه. وعاصر «لسياسَ» خطيبٌ آخر يكتب خُطَبه ولا يُلقيها، ذلك هو «إسقراط»٢٠٧ الذي أخذ يستحثُّ دويلات اليونان أن تمتشِق الحُسام ضد الفُرس، ووجَّه دعوته إلى مقدونيا. فلمَّا أن رأي مقدونيا تستغلُّ ما غنِمَتْهُ من حروب الفُرس في تدبير جيشٍ يُخضع أثينا نفسها ندِم «إسقراط» على دعوته إيَّاها وكَفَّرَ عن سيئته بأن حرَّم على نفسه الطعام حتى مات، وأهم خُطبةٍ له «الثناء على أثينا». وأما أعظم خطباء اليونان جميعًا فهو «ديموسثنيس»،٢٠٨ وقد بلغت قُدرته على الخطابة مبلغًا أغرى الرُّواة أن ينسجوا حولها الأساطير؛ فقالوا مثلًا — إنه قَوَّمَ لسانه بوضْع الحصا في فمه، والصياح بذلك الفم المملوء على شاطئ البحر. ومهما يكن من أمره فقد كانت بلاغته تَفْتنُ سامِعيه، وخُطَبه الباقيات قِطَع من النثر الممتاز. وكان مذهبه السياسي أن يكون الحُكم لصالح اليونان كلها بقيادة أثينا، لا أن يكون الحُكم موجهًا لصالِح أثينا وحدَها أو أي بلدٍ آخر، لذلك خاصم فيليب المقدوني أبا الإسكندر؛ إذ كان يرى أن يَحكُم حكمًا مقدونيًّا بحتًا. وكانت أشهر خُطَب «ديموسثنيس» ما وجَّهه إلى أهل أثينا ليُحرِّضهم على فيليب المقدوني الذي كانت جيوشُه تجتاح مدائن اليونان، مُمَهِّدةً لابنه الإسكندر أن يُقيم دعائم مُلكِه، ومن أجل هذه الهجمات القوية العنيفة التي وجهها «ديموسثنيس» إلى «فيليب»، سُمِّي هذا اللون من الخطابة — مكتوبًا كان أو منطوقًا: ﺑ «الخطابة الفليبية».٢٠٩ وتفصيل ذلك أنَّ أثينا حين أَثْرَتْ في عهد «بركليز» أَلْهَاها التكاثُر، ففقد الأثينيون ما كان لهم من نشاط، وكرِهوا أن يُساهموا في نفقات الدولة، بعد أن كانت واجباتُ الأثيني تقضي أن يُشارك الأغنياءُ في إعداد الجيش وبناء الأسطول، وكان فيليب الناهض إذ ذاك يُجهِّز جيشه للفُتوح، فقام ديموسثنيس يُوجِّهُ الخطاب إلى قومه: «يجِب أن تُعدُّوا أنفسكم فتقصدوا بأنفسكم إلى العدو في سفائنكم.» فقد كان الأثينيون يُلقون بأعباء الحروب على عواتق الجُند المأجورة والعبيد لينعموا هم في مدينتهم الغنية بالأمن والعافية، ولكنَّ خطيبهم لم يجِد بدًّا — إذا أرادت أثينا أن تظفر بالنصر — من أن ينهض الأثينيون أنفسهم إلى الدفاع، بعد أن أصبح خطر الغزو داهمًا، واجتاح فيليب بعض المدائن: «لا تظنُّوا أنَّ قوة فيليب الحاضرة خالدة له أبدَ الدهر كأنه إلهٌ من الآلهة: كلَّا! إنه مكروه مَخُوف محسود، حتى من أنصاره الذين يُظْهرون له اليوم قلوبًا مُخلصة.» ولكنَّ الأثينيين لم تُحرِّكهم أول الأمر هذه الخُطَب، وخدعتْهم النعْرَة الكاذبة، وظلُّوا على عقيدتهم أنَّ المقدونيين جماعة مُزدَرَاة لا تستحقُّ أن يُخشى لها بأس، واكتفَوا بأن يُرسلوا إلى فيليب الرُّسل؛ فأفسد عليهم فيليب سُفراءهم بما أجزلَ لهم من العطاء، حتى كَوَّنَ له من هؤلاء الرُّسُل أنفسهم حزبًا قويًّا في أثينا يُظاهره ويُناصِره، وعلى رأس هذا الحزب «إيسكِنِيزْ»٢١٠ الذي أصابه من رشوة فيليب نصيب الأسد. وكان إيسكنيز هذا خطيبًا مُصقعًا، لا يبذُّه إلا ديموسثنيس الذي ما زال بالناس يخطبهم حتى أفلح في أن يبعث الأثينيون جيشًا صغيرًا يُحاصِر الغزاة في شعاب الجبل، ونجح في صدِّه عن البلاد، فاقترح «تسيفون» أن تَصنع الدولة تاجًا ذهبيًّا ليكون إكليلًا يُجَلِّلُ هامَّة ديموسثنيس مُنقذ الوطن، فعارَضه «إيسكنيز» في خُطبةٍ رنَّانة بارعة، تُسمَّى «خطبة التاج»، يزعم للناس أنَّ «تسيفون» يريد أن يجعل من ديموسثنيس حاكمًا بأمرِه، فردَّ ديموسثنيس بخُطبةٍ هي خطبة من الطراز الأول وتُسمَّى أيضًا «خطبة التاج»، وقد كان لها من الأثر في نفوس الناس أن «إيسكنيز» لم تَطِبْ له الإقامة في أثينا بعدُ، ففرَّ منها إلى رُودِسْ، ويُقال إنه أثرى هنالك من مدرسةٍ فتحها ليُعلِّم الشبَّان أصول البلاغة. واستأنف ديموسثنيس خُطَبَهُ «الفيلبيَّة»، ولكن ماذا تُجدي الألفاظ أمام الرِّماح؟! لقد غُلِبت أثينا على أمرِها وأصبحت جزءًا من إمبراطورية الفاتح الغازي. وحدَث بعد موت الإسكندر أن طلب حاكِم مقدونية إلى أثينا أن يُهادنها ويُسالِمها إذا دفعت له ديموسثنيس ثمنًا، ولكنَّ خطيبنا سارع إلى أحد المعابد وجرَع السُّمَّ وأسلم الرُّوح سنة ٣٢٢ق.م. وأهمُّ ما تمتاز به خطابته بالقياس إلى مُنافسيه أنها لم تُعنَ كثيرًا بزُخرف اللفظ وتزويق العبارة، إنما وجَّهت عنايتها إلى الحجج الدوامغ تسُوقها حجةً في إثر حجة، حتى إذا ما بلغ الخطاب خِتامه كان مُقنعًا مُفحمًا.
غُلبت اليونان على أمرها أمام المقدونيين الغزاة، ثم غُلبت على أمرها مرة أخرى أمام الرومان، ولكن المغلوب في كلتا الحالتَين ظلَّ يُحتفظ له بالسيادة العقلية على الغالِب، وظلَّتْ أثينا في كِلتا الحالتَين حاكمةً في دولة الفكر، فكان الروماني المُثقَّف يتكلَّم اليونانية ويكتُبها ليدلَّ على ثقافته، ولكن هذه السيادة لم تَدُمْ؛ فما جاء القرن الرابع الميلادي حتى اتَّسع سلطان الرومان وسادت الكنيسة الرومانية، فأفسحت اليونانية مكانَها للُّغة اللاتينية وبقِيَت اليونانية مغمورةً قرونًا عشرة، حتى بعثَتْها مِن مراقدها حركةُ النهضة الأوروبية التي كانت لثقافة أوروبا بمثابة الميلاد الجديد. ولا نستطيع أن نطوي صفحات اليونان الأخيرة قبل أن نذكُر لهم كاتبًا ساخرًا هو لوسيان،٢١١ الذي كان لعصرِه في الفكاهة الساخرة ما كان «سوِفْتْ»٢١٢ و«فولتير»٢١٣ و«مارك توين»٢١٤ لزمانهم، وكتابه: «التاريخ الصحيح» يصِف رحلةً إلى القمر، وقصته في هذا الكتاب — عمَّا نشِب بين أهل الشمس وأهل القمر من قتال — قِطعةٌ من الأدب الساخر، لعلَّها أوحتْ إلى «سوِفْتْ» شيئًا في كتابه «رحلات جَلِفَرْ».٢١٥ وقد عاش «لوسيان» في عصرٍ من الشك، فجاء شكَّاكًا لا يؤمِن بشيء، يَطعَن في آلهة اليونان وفلاسفة اليونان، ولم يحترِمْ منهم سوى ثلاثة: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو؛ فالدين عند لوسيان خُرافة هزيلة، والفلسفة سفسطة فارغة.
١  Cupid and Psyche كيوبد إله الغرام، وسيكه معناها النفس.
٢  Venus.
٣  Diana and Endymion.
٤  Phaeton.
٥  Apollo.
٦  Jupiter.
٧  Eridanus.
٨  Cygnus.
٩  التمُّ نوع من الإوز طويل المنقار.
١٠  Echo and Narcissus.
١١  Diana.
١٢  Proserpine.
١٣  Pluto.
١٤  Ceres.
١٥  Jove.
١٦  Mercury.
١٧  Mythology.
١٨  Serenae.
١٩  Euhemerism.
٢٠  Euhemeros.
٢١  Deloe.
٢٢  Theogony.
٢٣  Harmony.
٢٤  Gea.
٢٥  Ouranos.
٢٦  Cronos.
٢٧  Rhea.
٢٨  Zeus.
٢٩  Titans.
٣٠  Giants.
٣١  Prometheus.
٣٢  Typhon.
٣٣  Atlas.
٣٤  Metis.
٣٥  Hephaistos.
٣٦  pallas athenée.
٣٧  Themis.
٣٨  Eunomis.
٣٩  farques.
٤٠  Posiedon.
٤١  Hadès.
٤٢  Apollno.
٤٣  Muses.
٤٤  اعتاد الفرنج أن يُقسِّموا الشعر إلى ثلاثة أقسام كبار يتفرَّع منها فروع كثيرة: فالقِسم الأول شِعر الملاحم، وهو الشعر الذي يسرُد الوقائع والأخبار ويتضمَّن أساطير الآلهة وحوادث الحروب، أخذًا من الملحمة وهي الوقعة العظيمة. والقِسم الثاني الشعر الغنائي، وهو في الأصل الشعر الذي كان يُتغنَّى به على القيثارة وهي آلة تُشبه العود، ثم أطلق على كل شعر يُعبر عن عواطف الشاعر من غزلٍ ومديح ورثاء وفخر ونحو ذلك. وهذان القِسمان مُتقابِلان يصحُّ أن يشملا الشعر كلَّه، لأنه إما تعبير عن أمورٍ خارجية وسِيَر ووقائع ونحو ذلك فهو الملاحم، وإما تعبير عن أمورٍ نفسية داخلية عاطفية وهو شِعر الغناء. ولكنهم في العادة ضمُّوا إليهما قسمًا ثالثًا باعتبار مظهرِه وهو الشعر التمثيلي، ويقصدون به المنظوم من الروايات التمثيلية. وهذه الروايات وإن كانت مزيجًا من القصص والغناء إلَّا أنها لا تقِف عند الجمع بين هذَين العُنصرين بل تُسبغ عليهما صيغةً فنية خاصة في الحوار وتصوير الشخصيات وعلاج المشاكل النفسية والأخلاقية والاجتماعية والدينية، وفي هذه الخصائص ما يُميز الشِّعر التمثيلي عن النوعَين السابقين.
٤٥  Iliad and Odyssey.
٤٦  Friedrich wolf.
٤٧  Iris.
٤٨  Juno.
٤٩  Venus.
٥٠  Minerva.
٥١  Jupiter.
٥٢  Paris.
٥٣  Priam.
٥٤  الأسماء الواردة هنا هي الأسماء اللاتينية لا اليونانية وقد جرَيْنا عليها متابعةً للمُترجمين الإنجليز والفرنسيين. و«جونو» إلهة الزواج ورمز قداسته و«فينوس» إلهة الغرام والجمال الجسمي و«منرفا» إلهة الذكاء وجمال الروح. والأسطورة تُشير إلى النزاع والمُنافسة بين الزواج الخلقي وبين جمال الجسم والغرام وبين الذكاء وجمال الروح. ويُقابل «جونو» باليونانية «هيرا» ويقابل «فينوس» «أفروديت» ويقابل «منرفا» «أثينا» ويقابل «جوبتر» «زيوس».
٥٥  Menelaus.
٥٦  Helen.
٥٧  Ulysses.
٥٨  Achilles.
٥٩  Ajax ويُترجِمُه بعضهم أياس.
٦٠  Diomedes.
٦١  Nestor.
٦٢  Agamemnon.
٦٣  Andromache.
٦٤  يقصد فينوس وقد أخذت في نفسها حماية بارس أثناء القتال.
٦٥  Pandarus.
٦٦  Hecuba هي أم هكتور.
٦٧  Patroclus.
٦٨  Vulcan.
٦٩  Deiphobos.
٧٠  قد تصرَّفنا في الترجمة تصرُّفًا يسيرًا أحيانًا واختصرْنا الأصل أحيانًا.
٧١  Penelope.
٧٢  Telemachus.
٧٣  Ithaca.
٧٤  Pylos.
٧٥  Calypso.
٧٦  Lacertes وهو أبو يوليسيز.
٧٧  cyclop.
٧٨  Phaeacia.
٧٩  Nausica.
٨٠  Cynthia وهي إلهة القمر.
٨١  Cyclops: عملاق ذو عينٍ واحدة في جبهته.
٨٢  Circe.
٨٣  Virgil.
٨٤  Dante.
٨٥  Tennyson.
٨٦  Chapman.
٨٧  Pope.
٨٨  Hesiod.
٨٩  Threnos.
٩٠  Demodocos.
٩١  Didactic.
٩٢  Semionides of Amorgos.
٩٣  Simonides of Ceos.
٩٤  Theognis: عاش حوالي ٥٢٠ق.م. وهو من بلدة مينارا، وقد خاض الانقِسامات السياسية. فانتهى به الأمر إلى النَّفي والتشريد، واضطرَّتْهُ حالته أن يُنشِد قصائد المدح — كارهًا — لمن أضافوه، لأنه معروف بكبريائه.
٩٥  Archilocus: عاش أرخيلوكوس حوالي ٦٥٠ق.م. وهو من مدينة باروس Paros ويُعتبر أعظم شعراء «الأيامب» في قصائده الهجائية، وقد اضطرَّ لمُغادرة وطنِه حيث حطَّ رحاله في «ثاسوس» Thasos وهي على حدِّ قوله «جزيرة خبيثة جرداء، وعْرة الأديم تعلو في البحر كأنها ظهر خنزير.» وكان معه في هجرته جماعة من سِفلة الأشرار، وقد اشتبكوا في معركةٍ مع أهل جزيرة ثاسوس اضطُرَّ فيها الشاعر أن يُلقي سلاحه ويعمَد إلى الفرار. وله في هذه الحادثة فُكاهات جيدة. وغادر الجزيرة واشتغل بالجُندية في بعض الجهات آنًا، وبالقرصنة آنًا آخر، حتى قُتل في إحدى المواقع.
٩٦  Dryden.
٩٧  Alcaeus: عاش ألكيوس في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، وأنفق حياته في الحروب الخارجية والداخلية، ولما وضعت الحرب أوزارها غادر ألكيوس وطنه «جزيرة لزبوس» وغاب عنه خمسة عشر عامًا، أنفق بعضها في مصر جنديًّا مأجورًا بسبب نفيه من وطنه بعد هزيمة الحزب السياسي الذي كان مُنتميًا إليه.
٩٨  Sappho: كانت سافو مُعاصِرة ومواطنة لألكيوس، والأرجح أنها كوَّنت جماعة أدبية من النساء، منهنَّ الشاعرات ومنهن المُشتغلات بدراسة الأدب، وقد أُحرق جزء كبير من شعر سافو علنًا في روما وفي القسطنطينية عام ١٠٧٣م، إذ خَشي أولو الأمر عندئذٍ أن يكون له أثر سيِّئ في الأخلاق. لِما فيه من قوةٍ وعنفٍ في التعبير عن الحُب تتوجَّه به امرأة لامرأة.
٩٩  Horace.
١٠٠  هذا كقول أبي نواس:
إذا خطرت منك الهموم فداوِها
بكأسِك حتى لا تكونَ همومُ
١٠١  في ذلك يقول أبو نواس:
وجاء بمِصباح له فأناره
وكل الذي يبغي لدَيه قريب
فقلت أرِحْنا، هاتِ إن كنت بائعًا
فإن الدُّجي عن مُلكِه سيغيب
١٠٢  باكوس هو إله الخمر في الأساطير اليونانية وهو ابن زيوس كبير الآلهة.
١٠٣  هكذا وردت الترجمة في الإنجليزية فعرَّبْناها وإن اختلفت الأبيات الأخيرة بعض الشيء في الأصل اليوناني.
١٠٤  Anacreon (٥٦٣–٤٧٨ق.م.).
١٠٥  Simondes.
١٠٦  Bacchylides.
١٠٧  Pindar.
١٠٨  Tegea.
١٠٩  Shelley: Ode to the West wind.
١١٠  Keats: Ode to the Nightingale.
١١١  Swinburne, Birthday Ode.
١١٢  Tennyson, Duke of Wellington.
١١٣  إشارة إلى تراسيبولس ابن الممدوح وإليه قد بعَثَ الشاعر كما قلنا بهذا النشيد. فهو هنا يتغنَّى بجمال الشباب عند تراسيبولس؛ ذلك الجمال الذي يحمِلُنا على أن نحلُم بأفروديت إلهة الجمال والحُب. ولقد كان الشاعر صديقًا مُحبًّا لتراسيبولس الذي كان في سنِّ الشاعر.
١١٤  الظاهر أنَّ الشاعر يُعرِّض هنا بمُعاصِرِه ومُنافسه «سيمونيدس ألكيوس» الذي اتُّهم بالجشع والحِرص على صِلات ممدوحيه. ومِن الثابت أنَّ «بندار» كذلك كان يتقاضى أجرًا على أناشيده، ولكنه هنا يُريد أن يُفرِّق بين مَديحه وبين مديح مُنافسه؛ فهو صادق وأما مُنافِسه فمُرتزِق.
١١٥  Terpsychara: هي ربة الرقص عند اليونان.
١١٦  إركتيوس: هو أحد الأثينيين الخرافي.
١١٧  نيفوماخوس. هو سائق العربة، وذلك لأن الأمراء أصحاب العربات لم يكونوا يقودونها بأنفسهم، بل كانوا يتَّخذون سائقًا يقف إلى مُقدَّم العربة والأعنة بيدَيه وصاحب العربة جالس خلفه.
١١٨  «أليُّون» نسبةً إلى مدينة «إليا» والقدماء ينسبون إلى سكان تلك المدينة الفكرة الأولى في إقامة الألعاب الأولمبية، ولذلك كانوا هم الرسل الذين يتَّجهون إلى بلاد اليونان المختلفة ليُخبروا الناس بموعد تلك الألعاب، كما كان من بينهم كهنة معبد زيوس بأولمبيا.
١١٩  الهليكون جبل بتساليا وهو مأوى من مآوِي ربَّات الوحي المُسمَّيات هنا بعذارى الهليكون ورسلهنَّ هم الشعراء.
١٢٠  نبيكاسوس هو رسول تراسيبولس إلى الشاعر ليطلُب إليه هذا النشيد ويحمِله إلى الأمير.
١٢١  Theocritus.
١٢٢  Spenser: Shepherd’s Calendar.
١٢٣  John Gay: Shepherd’s Week.
١٢٤  Tasso: Aminta.
١٢٥  Ben Jonson: Sad Shepherd.
١٢٦  John Fletcher: Faithful shepherdest.
١٢٧  Sannazaro: Arcadia.
١٢٨  Miltou: Lycidas.
١٢٩  Shelley: Adonais.
١٣٠  Dionysus.
١٣١  Tragedy.
١٣٢  Æschylus.
١٣٣  Marathon.
١٣٤  Eleusis.
١٣٥  Sophocles.
١٣٦  Prmetheus Bound.
١٣٧  Hephœstus.
١٣٨  Hermes.
١٣٩  Clytemenestra.
١٤٠  Lady Macbeth.
١٤١  Orestes.
١٤٢  Œdipus the King; Antigone; Electra.
١٤٣  ترجم هذه الروايات الأربع الدكتور طه حسين.
١٤٤  Creon.
١٤٥  Thebes.
١٤٦  Polynices.
١٤٧  Hœmon.
١٤٨  Teiresias.
١٤٩  Eurydice.
١٥٠  من ترجمة الدكتور طه حسين بك.
١٥١  Euripides.
١٥٢  Medea.
١٥٣  Jason.
١٥٤  Bacchae.
١٥٥  سمَّاه المستر the classic Ibsen: Gilbert Murray.
١٥٦  Pelias.
١٥٧  Hippolyius.
١٥٨  Phœdra.
١٥٩  ولقد استغلَّها راسين فكتَب رواية «فدر» الشهيرة.
١٦٠  susarion.
١٦١  Epicharmos.
١٦٢  Ploutos.
١٦٣  Asclepios.
١٦٤  A exis.
١٦٥  Menandros.
١٦٦  Terentius.
١٦٧  Plantus.
١٦٨  Logographes.
١٦٩  Mythographes.
١٧٠  Thurium.
١٧١  سُمِّيت بالميدية نِسبة إلى الميديِّين وهم الفُرس القدماء.
١٧٢  كلمة Historia في اللغة الإغريقية معناها البحث، وإما أفادت معنى التاريخ بسبب عنوان كتاب هيرودوت الذي كان أول كتابٍ من نوعه، فأصبح كل من يكتُب في التاريخ يُسمَّى كتابه Historia، وبذلك أفادت اللفظة معنى التاريخ.
١٧٣  Muses.
١٧٤  Clio.
١٧٥  Euterpa.
١٧٦  Thalia.
١٧٧  Melpomena.
١٧٨  Scythes.
١٧٩  Terpsichora.
١٨٠  Sardes.
١٨١  Crato.
١٨٢  Polymnia.
١٨٣  Urania.
١٨٤  Calliopa.
١٨٥  Sestos.
١٨٦  Antiphon.
١٨٧  Amphipolis.
١٨٨  الكتاب الثاني من الفصل ٥٧ إلى الفصل ٥٤.
١٨٩  Anabosis.
١٩٠  Agesilas.
١٩١  Historia.
١٩٢  Amyot.
١٩٣  Callistratus.
١٩٤  Isaeus.
١٩٥  Philip.
١٩٦  Philippics.
١٩٧  Cimon.
١٩٨  Roscius.
١٩٩  Catiline.
٢٠٠  Benjamin Jowett.
٢٠١  ترجم الجمهورية الأستاذ حنَّا خبار، وترجم بعض المُحاورات زكي نجيب محمود.
٢٠٢  Asclepius.
٢٠٣  ترجمة أحمد لُطفي السيد باشا.
٢٠٤  Gladstone.
٢٠٥  Edmund Burke.
٢٠٦  Lysias.
٢٠٧  Isocrates.
٢٠٨  Demosthenes.
٢٠٩  Philippic.
٢١٠  Æschines.
٢١١  Lucian.
٢١٢  Swift.
٢١٣  Voltaire.
٢١٤  Mark Twain.
٢١٥  Galliver’s Travels.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠