الفصل الثاني

الضمير

(١) ماهية الضمير

يلاحظ الإنسان أن في أعماق نفسه قوة تحذره فعل الشر إذا أغرى به، وتحاول أن تمنعه من فعله، فإذا هو أصرّ على عمله أحس بانقباض نفسه أثناء العمل لعصيانه تلك القوة، حتى إذا أتم العمل أخذت هذه القوة توبخه على الإتيان به، وبدأ يندم على ما فعل، كالطالب يحاول الغش في الإمتحان فيحس صوتا باطنيا يناديه ألا يفعل، فإذا لم يسمع لهذا الصوت وبدأ يغش أحس أن هذه القوة تثبطه، فإذا استمر في عمله أنّبته وندم وعزم ألا يعود.

كذلك يحس أن هذه القوة تأمره بفعل الواجب، فإذا بدأ في عمله شجعته على الإستمرار فيه، فإذا انتهى منه شعر بارتياح وسرور، وبرفعة نفسه وعظمتها، كالطالب يرى آخر مشرفا على الغرق فينقذه، فحين إنقاذه يشعر بتشجيع نفسه على المضي في عمله فإذا أتم ذلك شعر بغبطة وسعادة.

هذه القوة الآمرة الناهية تسمى «الضمير»، وهى — كما رأيت — تسبق العمل وتقارنه وتلحقه، فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب، والنهي عن الرذيلة، وتقارنه بالتشجيع على الخير، والتثبيط عن الشر، وتلحقه بالإرتياح والسرور عند الطاعة والشعور بالألم والوخز عند العصيان.

هذا الضمير نشعر به كأنه صوت ينبعث من أعماق صدورنا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر ولو لم نرج مكافأة أو نخش عقوبة، نرى البائس الفقير يجد مالا أو متاعا وهو أشد ما يكون حاجة إلى مثله، ولم يكن رآه أحد إلا ربه، ثم هو يتعفف عنه ويؤديه إلى صاحبه، فما الذي حمله على ذلك! لا شىء إلا الضمير يأمر صاحبه بعمل الواجب لا لمثوبة ولا عقوبة إلا مثوبة نفسه بارتياحها، وعقوبة نفسه بالندم والتأنيب.

وهذا الضمير طبيعي حتى في الحيوانات الراقية، فنرى الكلب مثلا عنده نوع إدراك طبيعي للواجب، ويرقى هذا الإدراك بمخالطته للإنسان، حتى نراه أحيانا يفعل في الخفاء جرما كأن يسرق شيئا من سيده، أو يخالفه في أمر أمره به، فيظهر على الكلب حينئذ نوع من الإضطراب والقلق يعد جرثومه للضمير.

ونلاحظ كذلك جرثومة الضمير في الطفل الصغير، يعلوه الخجل أحيانا لخطأ ارتكبه فتتبينه في نظرته، ويدلنا اضطرابه وقلقه على أنه ارتكب خطأ — وينمو هذا الشعور بنمو الإنسان حتى يصل به إلى حد أن يملأه الفرح والغبطة إذا هو أدى الواجب، ويذوب أسفا وندما إذا عصى أمر الضمير، وهذا الشعور تجده يتبع حالة الإنسان، فهو في حالة سذاجه عند المتوحش، كشأنه في حديثه وعرفه وحالته الإجتماعية، فإذا رقى الإنسان رقى ضميره، حتى قد يدفعه إلى بذل نفسه دفاعا عن رأيه أو في سبيل إصلاح قومه.

(٢) اختلاف الضمير

ليس الضمير هاديا معصوما يأمر بالخير دائما، وينهى عن الشر دائما، ولا هو يأمر الأفراد في الأمم المختلفة أوامر واحدة متساوية في القوة، فإنا نرى أن الأمة التي تقدر النظام في الحياة تقديرا كبيرا يكون أبناؤها أشد إحساسا به، وضمائرهم أقوى في المطالبة باتباعه، وعلى العكس من ذلك الأمة التي لا تؤمن بفضيلة النظام هذا الإيمان.

وأفراد الأمة التي لا تسترذل الكسل لدرجة كبيرة لا يؤنبهم ضميرهم تأنيبا شديدا إذا استسلموا للكسل.

بل الأمة الواحدة يختلف ما يأمر به ضميرها باختلاف العصور، فقد رأينا مثلا منذ سنين قلائل أن كثيرا من المصريين كانوا يوسعون مجال الخلف بين المسلمين والأقباط، وتستحثهم ضمائرهم على الدعوة إلى ذلك، ويرتاح كل فريق بما يلقي من الخطب، ويكتب من المقالات، في تأييد فريقه والطعن على الفريق الآخر، واليوم نرى أن هذه الدعوة من أكبر الجرائم وأعظم الشرور، ولا تطاوعنا ضمائرنا إذا أردنا أن نمس هذه الوحدة بسوء.

بل الفرد الواحد قد يأمره ضميره بشىء في زمن ويأمره بعكس ذلك في زمن آخر، كالطالب يأمره ضميره أن ينهمك في القراءة والدرس من غير أن يراعي جسمه وصحته، فإذا درس قانون الصحة أو شعر بمرض فهم أن لجسمه عليه حقا ولعقله عليه حقا، وطالبه ضميره بأن يرعى صحته وعقله جميعا.

والسبب في اختلاف أوامره أن الضمير يتأثر بعاملين كبيرين:
  • أولا: يتأثر بالحالة الإجتماعية للأمة وعرفها ودرجة رقيها، فالإنسان ينشأ في أسرة تستحسن أعمالا وتستقبح أخرى فيتبعها في استحسانها واستقباحها، ثم هو إذا خرج إلى الحياة العامة تبادل مع الناس الأخذ والعطاء فيلتقط آراءهم في الخير والشر، ويقلدهم في ذلك، ويسايرهم فيما يستحسنون وما يستقبحون، ويأمره ضميره أن يفعل كما يفعلون.
  • ثانيا: يتأثر ضمير كل إنسان بدرجة عقله وعلمه، فكلما زاد علم الإنسان ونما عقله ارتقى ضميره، ذلك أن الخبرة والتجربة ومعرفته بنتائج الأشياء النافعة والضارة توسع عقله، فيتبع ذلك ارتقاء ضميره، حتى قد يأمره ضميره بعد هذه التجارب بما كان ينهاه عنه من قبل، وينهاه عما كان يأمره به، لأن عقله عرف من الحقائق ما كان يجهله، بل هو إذا وصل إلى درجة كبيرة من رقي العقل كان ضميره تابعا لعقله أكثر من تبعيته لتقاليد قومه، واستطاع — إذا هو رزق وسائل الزعامة — أن يغير ما يستنكره من عادات قومه.

•••

ومع أن الضمير يختلف باختلاف الأمم واختلاف العصور وأنه قد يخطئ أحيانا في أمره ونهيه — كما رأيت — فإن كل إنسان ملزم باطاعة ضميره، لأنه مأمور بعمل ما يعتقد أنه الحق لا بعمل ما هو حق في الواقع، فالذي يعتقد شيئا حقا ويأمره ضميره بعمله ملزم أن يطيعه، وليس هناك مسئولية أخلاقية عليه إذا تبين خطأ ما أمره به ضميره، غاية الأمر أنه يجب عليه أن يضيء السبيل أمام ضميره بتوسيع عقله وتقوية فكره وتحرّيه الصواب، فإن هو فعل ذلك كان الضمير هاديا مرشدا، وكان له العذر إذا تبين خطأ ما أمر به ضميره.

(٣) الضمير والإرادة

لا قيمة للضمير يأمر وينهى إذا لم يدعم بإرادة تنفذ أمره ونهيه، فقد يشعر الإنسان بالواجب ويتأكد من أنه واجب ويأمره ضميره به ولكن يذهب كل ذلك هباء إذا لم يمنح إرادة قوية تخرج هذا الأمر إلى الوجود، فالإرادة هي القوة الفاعلة في الإنسان وبدونها تكون أوامر الضمير أحلاما وأماني لا قيمة لها، ولذلك يقول بعضهم: «إن جهنم مرصوفة بالأماني الطيبة» يريد بذلك أن الأماني الطيبة إذا لم تبرزها الإرادة إلى الوجود فأولى بها الجحيم لا الجنة، إنما يصلح للجنة الأماني الطيبة التي حولتها الإرادة إلى عمل ويقول الشاعر العربي:

من كان مرعى عزمه وهمومه
روض الأماني لم يزل مهزولا

قد تعترض أمام ما يأمر به الضمير عقبات، فالإرادة القوية تذللها وتشعر بارتياح من تذليلها والتغلب عليها.

وكما تحتاج إلى الإرادة في تنفيذ أوامر الضمير نحتاج إليها في تنفيذ نهيه، وذلك بمقاومة الميل إلى الشر وصده والوقوف في سبيله حتى لا يخرج إلى الوجود.

والإرادة القوية سر النجاح في الحياة — وفضائل الإنسان وملكاته تظل في سبات حتى توقظها الإرادة، فمهارة الصانع، وقوة عقل المفكر، والشعور بالواجب ومعرفة ما ينبغي وما لا ينبغي، كل هذا لا أثر له في الحياة ما لم تحوله قوة الإرادة إلى عمل.

(٤) تربية الضمير

الضمير ككل — ملكات الإنسان وقواه — تنمو بالتربية وتضعف بالإهمال، فبعصيان الضمير يضعف أو يموت، شأنه في ذلك شأن أديب يتذوق الشعر والأدب، فإذا هو أهمل قراءة الأدب واشتغل «بالرياضة» ضعف ذوقه الأدبي حتى قد يصل إلى درجة لا يدرك معها ما في الأدب من جمال، كذلك يعصى الإنسان ضميره مرة فيحس بلذع شديد من جراء عصيانه، فإذا تكرر منه العصيان أحس بلذع دون ما كان يشعر به عند أول مخالفة، ولا يزال الإنسان يتبع السيئة السيئة حتى لا يشعر بأي نوع من اللوم والتأنيب، لأن صوت ضميره قد خفت وسلطانه قد ضعف. وكما يضعف الضمير بالعصيان يضعف بصحبة الأشرار وإطالة القراءة في الكتب الساقطة، فكلا الأمرين يكرر منظر الشر أمام النفس حتى تعتاده، وكلاهما يتحدّث عن الشر حديث المستحسن فيتخدّر الضمير ويخمد صوته.

ويحيا الضمير بمداومة طاعته، وباستخدام الإرادة في تنفيذ أمره ونهيه وصحبة الأخيار وقراءة الكتب التي تدعو إلى الفضيلة، ومما يساعد على نموه قوانين البلاد، فإنها إن كانت صالحة شاركت الأخلاق في الأمر بالخير، فتساعد على حياة الضمير وتزيد في سلطانه.

خير شيء في الإنسان ضميره، فهو «الدليل» الذي يهدي سبيل السلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠