الإسلام في أوائل القرن العشرين

الاحتجاج بالمسلمين على الإسلام

ربما يسأل سائل فيقول: سلمنا أن طبيعة الإسلام تأبى اضطهاد العلم بمعناه الحقيقي وأنه لم يقع من المسلمين الأولين تعذيب، ولا إحراق، ولا شنق لحملة العلوم الكونية، ومقومي العقول البشرية، ولكن أليس العلماء من المسلمين اليوم أعداء العلوم العقلية، والفنون العصرية، أو ليس الناس تبعا لهم؟ أفلا يكون للأديب عذره فيما يراه ويسمعه حوله؟ ألم يسمع بأن رجلا في بلاد إسلامية غير البلاد المصرية١ كتب مقالا في الاجتهاد والتقليد وذهب فيه إلى ما ذهب إليه أئمة المسلمين كافة، ومقالا بين فيه رأيه في مذهب الصوفية، وقال إنه ليس مما انتفع به الإسلام بل قد يكون مما رزئ به أو ما يقرب من هذا — وهو قول قال به جمهور أهل السنة من قبله — فلما طبع مقاله في مصر تحت اسمه هاج عليه حملة العمائم، وسكنةُ الأثواب العباعب، قالوا إنه مرق من الدين، أو جاء بالإفك المبين، ثم رفع أمره إلى الوالي فقبض عليه وألقاه في السجن! فرفع شكواه إلى عاصمة الملك وسأل السلطان أن يأمر بنقله إلى العاصمة ليثبت براءته مما اختلق عليه، بين يدي عادل لا يجور، ومهيمن على الحق لا يحيف، إلخ ما يقال في الشكوى فأجيب طلبه، لكن لم ينفعه ذلك كله، فقد صدر الأمر هناك أيضا بسجنه ولم يعف عنه إلا بعد أشهر، مع أنه لم يقل إلا ما يتفق مع أصول الدين، ولا ينكره القارئ والكاتب، ولا الآكل والشارب.
ألم يسمع السامعون أن الشيخ السنوسي (والد السنوسي صاحب الجغبوب) كتب كتابا في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على أصول المالكية، وجاء في كتاب له ما يدل على دعواه أنه ممن يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، وقد يرى ما يخالف رأي مجتهد أو مجتهدين. فعلم بذلك أحد المشايخ المالكية (رحمه الله تعالى) وكان المقدم في علماء الجامع الأزهر الشريف٢ فحمل حربة وطلب الشيخ السنوسي ليطعنه بها لأنه خرق حرمة الدين، واتبع سبيلا غير سبل المؤمنين، وربما كان يجترئ الأستاذ على طعن الشيخ السنوسي بالحربة لو لاقاه وإنما الذي خلص السنوسي من الطعنة، ونجى الشيخ المرحوم من سوء المغبة، وارتكاب الجريمة باسم الشريعة، هو مفارقة السنوسي للقاهرة قبل أن يلاقيه الأستاذ المالكي.
هل غاب عن الأذهان ما كان ينشر في الجرائد من نحو ثلاث سنين بأقلام بعض علماء الجامع الأزهر من المقالات الطويلة الأذيال الواسعة الأردان، في استهجان إدخال علم تقويم البلدان (الجغرافية) بين العلوم التي يتلقاها طلبة الجامع الأزهر؟ وكان كتاب تلك المقالات يعرضون بمن أشار بإدخال هذا العلم وغيره بين تلك العلوم وأنه إنما يريد الغض من علوم الدين٣ ألم تنشر في العام الماضي فصول بأقلام بعضهم تشير إلى مطعن في عقيدة البعض الآخر وإرادة التشهير به مع أنه لم يجهر بمنكر ولم يقل قولا يبعد عن الكتاب والسنة؟

ألم يحمل إلينا الرواة ما عند علماء الأفغان والهند والعجم من شدة التمسك بالقديم، والحرص على ما ورثوه عن آبائهم الأقربين، وإقامة الحرب على كل من حاول أن يزحزحهم إصبعا عما كان عليه سلفهم، وإن كان في البقاء عليه تلفهم، وما عليه الحال اليوم في حكومة المغرب من الغلو في التعصب، والمعاقبة بقطع بعض الأعضاء في شرب الدخان، أو القتل في كلمة ينكرها السامعون، وإن أجمع عليها المسلمون الآخرون؟

ثم ألا يتخيل المتأمل أنه يسمع من جوف المستقبل صخبا ولجبا، وضوضاء وجلبة، وهيعات مضطربة، إذا قيل إنه ينبغي لطلبة الأزهر أن يدرسوا طرفا من مبادئ الطبيعة أو يحصلوا جملة من التاريخ الطبيعي؟ ألا تقوم قيامة المتقين، ألا يصيحون أجمعين أكتعين أبتعين: هذا عدوان على الدين، هذا توهين لعقدة المتين، هذا تغرير بأهله المساكين، ولا يزالون يشيدون بهذا إلى ألا يبقى شيء عرف له اسم في اللغة إلا ألصقوه بهذه البدعة في زعمهم.

هل هذه الحال جديدة على المسلمين، حتى يقال إنها عارض عرض عليهم، أو مرض من الأمراض الوافدة إليهم؟ لا يسهل على من يعرض أحوال المسلمين تحت نظره من قرون متعددة أن يظن أن هذه الحال من العلل الطارئة على أمزجة الأمم، خصوصا عندما يجد الوحدة في الصفات، والشمول في جميع الاعتبارات، فلو أخذ مسلما من شاطئ الاطلانطيقي، وآخر من تحت جدار الصين لوجد كلمة واحدة تخرج من فميهما وهي إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ولكنهم أعداء لكل مخالف لما هم عليه، وإن نطق به الكتاب، واجتمعت الآثار.

اللهم إلا فئة زعمت أنها نفضت غبار التقليد، وأزالت الحجب التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون الأحاديث لتفهم أحكام الله منها، ولكن هذه الفئة أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وإن أنكرت كثيرا من البدع، ونحت عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه، فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد والتقيد به، بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، وإليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء، ولا للمدينة السليمة أحباء.٤

هل يمكن أن ينكر جمود الفقهاء ووقوفهم عند عبارات المصنفين على تباينها واختلاف واضطراب الآراء في فهمها وإذا عرضت حادثة من الحوادث ولم يكن لمصنف معروف رأي فيها أحجموا عن إبداء الرأي، واجتهدوا في تحويلها عن حقيقتها إلى أن تتفق مع قول معروف في كتاب من الكتب، حتى لقد جاء طالب علم من بلد من بلاد الدول العثمانية وأراد الالتحاق بأحد الأروقة في الجامع الأزهر فوقع الشك: هل بلده مما لأهله استحقاق في ذلك الرواق على حسب نص الواقف؟ فقال قائل لشيخ الرواق: إن كتب تقويم البلدان تشهد بأن البلد داخل في شروط الواقف. فقال: إنني لا أقنع بما في تلك الكتب، وإنما الذي يصح أن آخذ به وهو أن يكون فقيه (ممن مات) قال إن هذا البلد من قطر كذا، وهو الذي وقف الواقف على أهله. وإذا قيل لأحدهم: إن الأئمة أنفسهم لم يعينوا مواقع البلدان ولم يضعوا لنا جدولا لبيان ما يحويه كل قطر وبيان الحدود التي ينتهي إليها، وإن أصول ديننا تسمح لنا بأن نأخذ بأقوال العلماء في هذه الفنون (وهم منا) وبتواتر الأخبار وما أشبه ذلك من البدهيات قال: إنما أريد نصا فقهيا، لا دليلا عقليا.

وإذا قيل لهم: اختلت الشئون، وفسدت الملكات والظنون وساءت أعمال الناس، وضلت عقائدهم، وخوت عبادتهم من روح الإخلاص، فوثب بعضهم على بعض بالشر، وغالت أكثرهم أغوال الفقر، فتضعضعت القوة، واخترق السياج، وضاعت البيضة وانقلبت العزة ذلة، والهداية ضلة، وساكنتكم الحاجة، وألفتكم الضرورة، ولا تزالون تألمون مما نزل بكم وبالناس، فهلا نبهكم ذلك إلى البحث في أسباب ما كان سلفكم عليه، ثم علل ما صرتم وصار الناس إليه؟ قالوا: ذلك ليس إلينا، ولا فرضه الله علينا وإنما هو للحكام ينظرون فيه، ويبحثون عن وسائل تلافيه، فإن لم يفعلوا — ولن يفعلوا — فذلك لأنه آخر الزمان، وقد ورد في الأخبار ما يدل على أنه كائن لا محالة، وإن الإسلام لابد أن يرفع من الأرض، ولا تقوم القيامة إلا على لكع بن لكع. واحتجوا على اليأس والقنوط بآيات وأحاديث وآثار تقطع الأمل، ولا تدع في نفس حركة إلى عمل؟!

رأي رينان في الإسلام

هذا الجمود — الذي لو أردنا بيان ما امتد إليه من طيات الأفكار، وثنيات الوجدان، لكتبنا فيه كتابا — هو الذي حمل المسيو رينان الفيلسوف الفرنسي المشهور أن يقول في عرض كلام له في تساهل المذاهب الدينية مع العلم، نقلته عنه الجامعة «على أنني أخشى أن يثبت الدين الإسلامي وحده في وجه هذا التسامح العام في العقائد، ولكنني أعرف أن في نفوس بعض الرجال المتمسكين بآداب الدين الإسلامي القديمة وفي بضعة من رجال الآستانة وبلاد الفرس جراثيم جيدة، تدل على فكر واسع، وعقل ميال إلى المسامحة، إلا أنني أخشى أن تختنق هذه الجراثيم بتعصب بعض الفقهاء، فإذا اختنقت قضي على الدين الإسلامي. ذلك أنه من الثابت الآن أمران:

الأول: أن التمدن الحديث لا يريد إماتة الأديان بالمرة لأنها تصلح أن تكون وسيلة إليه.
والثاني: أنه لا يطيق أن تكون الأديان عثرة في سبيله. فعلى هذه الأديان أن تسالم وتلين، وإلا كان موتها ضربة لازب».

هذا كلام رينان بتصرف لفظي قليل.

فمن أين يكون هذا الجمود العام، الذي سمح للطاعنين أن يحكموا على الإسلام، بأنه عثرة في طريق المسلمين يسقط بهم دون أن ينالوا فلاحا في سعيهم، أو نجاحا في أعمالهم؟ من أين يكون هذا الجمود إن لم يكن من طبيعة الدين؟ فإن لم تسلم بأن هذا اضطهاد، وأن الاضطهاد من لوازم الدين الإسلامي، فعليك أن تسلم بأنه عداوة للعلم أو اشمئزاز منه. أو استهجان له، أو احتقار لشأنه. واحد هذه الأمور كاف إذا عم بين المسلمين في أن ينفر بهم عن كل مجد، وأن يحرمهم كل نفع. وأن يحقق فيهم ما تنبأ به رينان وغيره فما قولك في هذا؟؟

الجواب

أقول هذا كلام فيه شيء من الحق، ولمعة من الصدق، أما ما نسمعه حولنا من سجن من قال يقول السلف، فليس الحامل عليه التمسك بالدين، فإن حملة العمائم إنما حركهم الحسد لا الغيرة. وأما صدور الأمر بالسجن فهو من مقتضيات السياسة، والخوف من خروج فكر واحد من حبس التقليد، فتنتشر عداوة فينتبه غافل آخر، ويتبعه ثالث، ثم ربما تسري العدوى من الدين إلى غير الدين — إلى آخر ما يكون من حرية الفكر (يعوذون بالله منها).

فإن شئت أن تقول إن السياسة تضطهد الفكر أو الدين أو العلم فأنا معك من الشاهدين. أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن معنى السياسية ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة ومن كل خيال يخطر ببالي من السياسة، ومن كل أرض تُذكر فيها السياسة، ومن كل شخص يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس.

بذلك على أن العقوبة سياسية أن الرجل كان يقول بقول السلف من أهل الدين. لا تقول إن هذه السياسة من الدين، فإني أشهد الله ورسوله وملائكته وسلفنا أجمعين، أن هذه السياسة من أبعد الأمور عن الدين، كأنها الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ.

جمود المسلمين وأسبابه

وأما ما وصفت بعد ذلك من الجمود فهو مما لا يصح أن ينسب إلى الإسلام، وقد رأيت صورة الإسلام في صفائها ونصوع بياضها ليس فيها ما يصح أن يكون أصلا يرجع إليه شيء مما ذكرت ولا مما تنبأ بسوء عاقبته (رينان) وغيره. وإنما هي علة عرضت على المسلمين عندما دخل على قلوبهم عقائد أخرى ساكنت عقيدة الإسلام في أفئدتهم وكان السبب في تمكنها من نفوسهم وإطفائها لنور الإسلام من عقولهم، هو السياسة كذلك، هو تلك الشجرة الملعونة في القرآن عبادة الهوى وإتباع خطوات الشياطين — هو السياسة.

لم أر كالإسلام دينا حفظ أصله، وخلط فيه أهله، ولا مثله سلطانا تفوق عنه جنده، وخفر عهده، وكفر وعيده ووعده، وخفي على الغافلين قصده، وإن وضح للناظرين رشده، أكل الزمان أهله الأولين، وأدال منهم خشارة٥ من الآخرين، لا هم فهموه فأقاموه، ولا هم رحموه فتركوه، سواسية من الناس اتصلوا به، ووصلوا نسبهم بسببه وقالوا نحن أهله وعشيرته، وحماته وعصبته، وهم ليسوا منه شيء إلا كما يكون الجهل من العلم. والطيش من الحلم، وأفن الرأي من صحة الحكم.

انظر كيف صارت مزية من مزايا الإسلام سببا فيما صار إليه أهله: كان الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا، بعد أن كان يونانيا، ثم أخطأ خليفة في السياسة فأخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له. ظن أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي، لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم وغيرهما من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، ويصطنعها بإحسانه، فلا تساعد الخارج عليه، ولا تعين طالب مكانه من الملك، وفي سعة أحكام الإسلام وسهولته ما يبيح له ذلك، هنالك استعجم الإسلام وانقلب عجميا.

خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه أكثر من ذلك الجند الأجنبي وأقام عليه الرؤساء منه. فلم تكن إلا عشية أو ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء، واستبدوا بالسلطان دونهم، وصارت الدولة في قبضتهم، ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام والقلب الذي هذبه الدين، بل جاءوا إلى الإسلام بخشونة الجهل، يحملون ألوية الظلم، لبسوا الإسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه شيء إلى وجدانهم، وكثيرا منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته، ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته، ثم عدا على الإسلام آخرون كالتتار وغيرهم، ومنهم من تولى سلطته، ومنهم من تولى أمره.

أي عدو لهؤلاء أشد من العلم الذي يعرف الناس منزلتهم ويكشف لهم قبح سيرهم؟ فمالوا على العلم وصديقه الإسلام ميلتهم، أما العلم فلم يحفلوا بأهله، وقبضوا عنه يد المعونة، وحملوا كثيرا من أعوانهم أن يندرجوا في سلك العلماء وأن يتسربلوا بسرابيله، ليعدوا من قبيله، ثم يضعوا للعامة في الدين ما يبغض إليهم العلم ويبعد بنفوسهم عن طلبه، ودخلوا عليهم وهم أغرار من باب التقوى وحماية الدين، زعموا الدين ناقصا ليكملوه، أو مريضا ليعللوه، أو متداعيا ليدعموه، أو يكاد ينقض ليقيموه.

نظروا على ما كانوا عليه من فخفخة الوثنية، وفي عادات من كان حولهم من الأمم النصرانية، فاستعادوا من ذلك للإسلام ما هو براء منه، لكنهم نجحوا في إقناع العامة بأن في ذلك تعظيم شعائره، وتفخيم أوامره، والغوغاء عون الغاشم، وهم يد الظالم، فخلقوا لنا هذه الاحتفالات، وتلك الاجتماعات، وسنوا لنا من عبادة الأولياء والعلماء والمتشبهين بهم ما فرق الجماعة، وأركس الناس في الضلالة وقرروا أن المتأخر، ليس له أن يقول بغير ما يقول المتقدم، وجعلوا ذلك عقيدة، حتى يقف الفكر، وتجمد العقول، ثم بثوا أعوانهم في أطراف الممالك الإسلامية ينشرون من القصص والأخبار والآراء ما يقنع العامة، بأنه لا نظر لهم في الشئون العامة، وأن كل ما هو من أمور الجماعة والدولة فهو مما فرض فيه النظر على الحكام دون من عداهم، ومن دخل في شيء من ذلك من غيرهم فهو متعرض لما لا يعنيه، وأن ما يظهر من فساد الأعمال، واختلال الأحوال، ليس من صنع الحكام، وإنما هو تحقيق لما ورد في الأخبار من أحوال آخر الزمان، وأنه لا حيلة في إصلاح حال ولا مال، وأن الأسلم تفويض ذلك إلى الله، وما على المسلم إلا أن يقتصر على خاصة نفسه، ووجدوا في ظواهر الألفاظ لبعض الأحاديث ما يعينهم على ذلك، وفي الموضوعات والضعاف ما شد أزرهم في بث هذه الأوهام.

وقد انتشر بين المسلمين جيش من هؤلاء المضلين، وتعاون ولاة الشر على مساعدتهم في جميع الأطراف، واتخذوا من عقيدة القدر مثبطا للعزائم، وغلا للأيدي عن العمل. والعامل الأقوى في النفوس على قبول هذه الخرافات إنما هو السذاجة، وضعف البصيرة في الدين، وموافقة الهوى — أمور إذا اجتمعت أهلكت، فاستتر الحق تحت ظلام الباطل، ورسخ في نفوس الناس من العقائد ما يضارب أصول دينهم ويباينها على خط مستقيم كما يقال.

هذه السياسة — سياسة الظلمة وأهل الأثرة — هي التي روجت ما أدخل على الدين مما لا يعرفه، وسلبت من المسلم أملا كان يخترق به آفاق السماوات، وأخلدت به إلى يأس يجاور به العجماوات، فجعل ما تراه الآن مما تسميه إسلاما فهو ليس بإسلام، وإنما حفظ من أعمال الإسلام صورة الصلاة والصوم والحج، ومن الأقوال قليلا منها حرفت عن معانيها، ووصل الناس بما عرض على دينهم من البدع والخرافات إلى الجمود الذي ذكرته وعدوه دينا، نعوذ بالله منهم ومما يفترون على الله ودينه، فكل ما يعاب الآن على المسلمين ليس من الإسلام، وإنما هو شيء آخر سموه إسلاما، والقرآن شاهد صادق لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يشهد بأنهم كاذبون، وأنهم عنه لاهون، وعما جاء به معرضون، وسنوفي لك الكلام في مفاسد هذا الجمود، ونثبت أنه علة لابد أن تزول.

مفاسد هذا الجمود ونتائجه

طال أمد هذا الجمود لاستمرار عمل العاملين في المحافظة عليه، وولع شهواتهم بالدفاع عنه، وقد حدثت عنه مفاسد يطول بيانها، وإنما يحسن إجمال القول فيها.

كان الدين هو الذي ينطلق بالعقل في سعة العلم، ويسيح به في الأرض، ويصعد به إلى أطباق السماء، ليقف به على أثر من آثار الله، أو يكشف به سرا من أسراره في خليقته، أو يستنبط حكما من أحكام شريعته، فكانت جميع الفنون مسارح للعقول تقتطف من ثمارها ما تشاء، وتبلغ من التمتع بها ما تريد. فلما وقف الدين، وقعد طلاب اليقين، وقف العلم وسكنت ريحه، ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدريج.

جناية الجمود على اللغة

أول جناية لهذا الجمود كانت على اللغة العربية وأساليبها وآدابها فإن القوم كانوا يعنون بها لحاجة دينهم إليها — أريد حاجتهم في فهم كتابهم إلى معرفة دقائق أساليبها، وما تشير إليه هيئة تراكيبها، وكانوا يجدون أنهم لن يبلغوا ذلك حتى يكونوا عربا بملكاتهم، يساوون من كانوا عربا بسلائقهم. فلما لم يبق للمتأخر إلا الأخذ بما قال المتقدم، قصر المحصلون تحصيلهم على فهم كلام من قبلهم، واكتفوا بأخذ حكم الله منه بدون أن يرجعوا إلى دليله، ولو نظروا في الدليل فرأوه غير دال له بل دال لخصمه، بأن كان عرض له في فهمه ما يعرض للبشر الذين لم يقرر الدين عصمتهم، لخطئوا نظرهم وأعموا أبصارهم وقالوا: نعوذ بالله أن تذهب عقولنا إلى غير ما ذهب إليه متقدمنا، وأرغموا عقلهم على الوقفة فيصيبه الشلل من تلك الناحية. فأية حاجة له بعد ذلك إلى اللغة العربية نفسها، وقد يكفيه منها ما يفهم به أسلوب كلام المتقدم، وهو ليس من أولئك العرب الذين كان ينظر الأولون في كلامهم.

وهكذا كل متأخر يقصر فهمه على النظر في كلام من يليه هو غير مبال بسلفه الأول، بل ولا بما كان يحف بالقول من أحوال الزمان، فهو لا ينظر إلا اللفظ وما يعطيه، فتسقط منزلته في تحصيل اللغة بمقدار بعده عن أهلها حتى وصل حال الناس إلى ما نراهم عليه اليوم: جعلوا دروس اللغة لهم عبارة بعض المؤلفين في النحو وفنون البلاغة، وإن لم يصلوا منها إلى غاية في فهم ما وراءها فدرست علوم الأولين وبادت صناعتهم، بل فقدت كتب السلف الأولين رضي الله عنهم، وأصبح الباحث عن كتاب المدونة لمالك رحمه الله تعالى أو كتاب الأم للشافعي رحمه الله تعالى أو بعض كتب الأمهات في فقه الحنفية كطالب المصحف في بيت الزنديق، تجد جزءا من الكتاب في قطر وجزءه الآخر في قطر آخر، فإذا اجتمعت لك أجزاء الكتاب وجدت ما عرض عليها من مسخ النساخ حائلا بينك وبين الاستعادة منها.

هذا كله من أثر الجمود وسوء الظن بالله وتوهم أن أبواب فضل الله قد أغلقت في وجوه المتأخرين، ليرفع بذلك المتقدمين وعدم الاعتبار بما ورد في الأخبار من أن المبلغ ربما كان أوعى من السامع وأن هذه الأمة كالمطر لا يدرى أوله خير أو آخره وقلة الالتفات إلى أن ذلك قد أضاع آثار المتقدمين أنفسهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لا ريب أن القارئ يحيط بمقدار ضرر هذه الجناية على اللغة، يكفيه من ذلك أنه إذا تكلم بلغته لغة دينه وكتابه وقومه لا يجد من يفهم ما يقول، وأي ضر أعظم من عجز القائل عن أن يصل بمعناه إلى العقول؟

جناية الجمود على النظام والاجتماع

وأعظم من هذه الجناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفريق المذاهب والشيع في الدين. كان اختلاف السلف في الفتوى يرجع إلى اختلاف أفهام الأفراد، وكل يرجع إلى أصل واحد لا يختلفون فيه، وهو كتاب الله وما صح من السنة، فلا مذهب ولا شيعة، ولا عصبية تقاوم عصبية، ولو عرف بعضهم صحة ما يقول الآخر لأسرع إلى موافقته كما صرح به جميعهم، ثم جاء أنصار الجمود فقالوا يولد مولود في بيت رجل من مذهب إمام فلا يجوز له أن ينقل من مذهب أبيه إلى مذهب إمام آخر، وإذا سألتهم قالوا: «وكلهم من رسول الله ملتمس» لكنه قول باللسان، لا أصل له في الجنان، ثم كانت حروب جدال بين أئمة كل مذهب لو صرفت آلاتها وقواها في تبيين أصول الدين ونشر آدابه وعقائده الصحيحة بين العامة، لكنا اليوم في شأن غير ما نحن فيه، يجد المطلع على كتب المتخلفين من مطاعن بعضهم في بعض ما لا يسمح به أصل من أصول الدين الذي ينتسبون إليه. يضلل بعضهم بعضا، ويرمي بعضهم بعضا بالبعد عن الدين، وما المطعون فيه بأبعد عن الدين من الطاعن. ولكنه الجمود، قد يؤدي إلى الجحود.

كان الاختلاف في العقائد على نحو الاختلاف في الفتيا تخالف أشخاص في النظر والرأي، وكان كل فريق يأخذ عن الآخر ولا يبالي بمخالفته له في رأيه، مسجدهم واحد وإمامهم واحد وخطيبهم واحد فلما جاء دور الجمود — دور السياسة — أخذ المتخلفون في التنطع وأخذت الصلات تتقطع وامتازت فرق وتألفت شيع كل ذلك على خلاف ما يدعو إليه الدين، وقد بذل قوم وسعهم في تمييز الفرق تمييزا حقيقيا فما استطاعوا وإنما هو تمييز وهمي، وخلف في أكثر المسائل لفظي. وإنما هي الشهوات وضروب السياسات، أشعلت نيران الحرب بين المنتسبين إلى تلك الشيع حتى آل الأمر إلى هذه الفرقة التي يظن الناظر فيها أنها لا دواء لها.

قال قائل٦ من عدة سنين: إنه ينبغي أن يعين القضاة في مصر من أهل المذاهب الأربعة لأن أصول هذه المذاهب متقاربة وعبارات كتبها مما يسهل على الناظر فيها أن يفهمها وقال إن الضرورة قاضية بأن يؤخذ في الأحكام ببعض أقوال من مذهب مالك أو مذهب الشافعي تيسيرا على الناس ودفعا للضرر والفساد، فقام كثير من المتورعين، يحوقلون ويندبون حظ الدين، كأن الطالب يطلب شيئا ليس من الدين، مع أنه لم يطلب إلا الدين، ولم يأت إلا بما يوافق الدين، وبما كان عليه العمل في أقطار العالم إلى ما قبل عدة سنين، فأين قول هؤلاء «وكلهم من رسول الله ملتمس»؟ لكن هو جمود المتأخر على رأي من سبقه مباشرة وقصر نظره عليه دون التطلع إلى ما وراءه. أو هي السياسة تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء، وتصحح ما تشاء، وتعطل ما يشاء، والناس منقادون إليها بأزمة القوة أو الأهواء.

جناية الجمود على الشريعة وأهلها

هذا الجمود في أحكام الشريعة جر إلى عسر حمل الناس على إهمالها: كانت الشريعة الإسلامية أيام كان الإسلام إسلاما سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق عن أهلها، حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقي إليها، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى سواها.

صعب تناول الشريعة على الناس حتى رضوا بجهلها عجزا عن الوصول إلى عملها، فلا ترى العارف بها من الناس إلا قليلا لا يعد شيئا إذا نسب إلى من لا يعرفها. وهل يتصور من جاهل بشريعة أن يعمل بأحكامها؟ فوقع أغلب العامة في مخالفة شريعتهم بل سقط احترامها من أنفسهم لأنهم لا يستطيعون أن يطبقوا أعمالهم بمقتضى نصوصها. وأول مانع لهم ضيق الطاقة عن فهمها لصعوبة العبارات وكثرة الاختلاف.

سألت يوما أحد المدرسين في بعض المذاهب: هل تبيع وتشتري وتصرف النقود على مقتضى ما تجد في كتب مذهبك فأجاب أن تلك الأحكام قلما تخطر بباله عند المعاملة بالفعل وإنما يفعل ما يفعل الناس. هكذا فعل الجمود بأهله، ولو أرادوا أن تكون للشريعة حياة يحيا بها الناس لفعلوا، ولسهل عليهم وعلى الناس أن يكونوا بها أحياء.

تعلم ما وصل إليه الناس من فساد الأخلاق والانحراف عن حدود الشريعة لو سألت عن سببه في القرى وصغار المدن لوجدته أحد أمرين: إما فقد العارف بالشريعة والدين وسقوط القرية أو المدينة في جاهلية جهلاء يرجع بعض أهلها إلى بعض في معرفة الحلال والحرام وليس المسئول بأعلم من السائل وكلهم جاهلون، وإما عجز العارف عن تفهيم من يسأله، لاعتقال لسانه عن حسن التعبير بطريقة تفهمها العامة، فهو إذا سئل يقرأ كتابا أو يسرد عبارة يصعب على السامع فهمها وعلى المتكلم إفهامها. وذلك للحرج الذي وضع فيه نفسه، فلا يستطيع التصرف فيما يسمع ولا فيما يعلم. فإذا قلت للعارف: تعلم من وسائل التعبير ما يقدرك على مخاطبة الطبقات المختلفة من الناس حتى تنفع بعلمك، واعْلُ بنفسك إلى أن تفهم الغرض من قول إمامك فتجد لا صلة انطباقا على هذه الحادثة مثلا وإن لم يأت ذكرها بنفسها في قوله أو قول من جاء بعده من أتباعه … قال: سبحان الله، هل فعل ذلك أحد من المشايخ؟ يريد ألا يأتي شيئا إلا ما أتى به شيخه الذي أخذ عنه يدا بيد، ولو أبعد بنظره لوجد قدماء المشايخ قد فعلوه وبالغوا فيه حتى خالفوا من أخذوا عنه في بعض رأيه ثم إذا حاججته في ذلك لم يبعد من رأيه أن يعدك زنديقا، وأنك تدعوه إلى الخروج من دينه، ولا يدري المسكين أنه بذلك يخالف نصوص دينه، وأنه يتهيأ للخروج منه، نعوذ بالله تعالى.

كان كلام بيني وبين أحد المدرسين في أخذ الطلبة بالنصيحة وتذكيرهم بفضائل الأخلاق وصالح الأعمال، خصوصا عند إلقاء الدروس الفقهية ودروس الحديث والتوحيد، فقال لي: إنه لا فائدة في ذلك قطعا، وهو تعب في غير طائل. فقلت له: ذلك حق عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وليس عليك أن يأتمر المأمور ولا أن ينتهي المنهي. فقال: إذا تحققت استحالة المنفعة كان الأمر والنهر لغوا.

فانظر كيف اعتقد استحالة الانتفاع بنصحه لبلوغ الفساد من النفوس غايته كما يزعم؟ ولم ينظر في الوسيلة إلى اقتلاع هذا الفساد، مع أن الدين يدعوه إلى ذلك وهو يعمل كل يوم عمله لتعليم من لا سبيل إلى إصلاحه، هذا كله لأنه لم ير نفسه أهلا لأن يتخذ وسيلة لم يتخذها من أخذ عنه، أو لم يرشده إليها من تعلم هو بين يديه ولم يتذكر عند ذلك شيئا من الأوامر الإلهية، وأن اليأس من روح الله إنما يكون من القوم الكافرين أو الضالين.

لا بل إذا قلت له: إن هذا الضرب من ضروب التعليم عقيم لا ينتج المطلوب منه، أو أن هذا الكتاب الذي تعود الطلاب قراءاته قد يضر بقارئيه وغيره أفضل منه. كان يظن أن قولك هذا مخالف للدين، ورأي العدول عما تعوده نوعا من الإخلال بالدين، وقد يقيم عليك حربا يعتقد نفسه فيها مجاهدا في سبيل الله.

إذا قلت له: إن دروس السلف كانت تقريرا للمسائل وإملاء للحقائق على الطلاب، ولم يكن لأحد منهم كتاب يأخذه بيده ويقرئه تلاميذه، ولم يكن بأيدي الطلبة إلا الأقلام والقراطيس يكتبون ما يسمعونه من أفواه أساتذتهم. قد يعترف لك بصحة ما تقول ولكنه يستمر في عمله، اعتمادا على أنه وجد الناس هكذا يعملون، فهل يخطر ببال عاقل هذا الجمود من الدين؟ وهل يرتاب من له أدنى إدراك في سوء عقباه على الدين وأهل الدين؟

جناية الجمود على العقيدة

ذلك جمودهم في العمل، وأشد ضررا منه الجمود في العقيدة: نسوا ما جاء في الكتاب وأيدته السنة من أن الإيمان يعتمد اليقين، ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وأن العقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته والتصديق بالرسالة، وأن النقل ينبوع فيما بعد ذلك٧ من علم الغيب كأحوال الآخرة وفرض العبادات وهيآتها، وأن العقل إن لم يستقل وحده في إدراك ما لابد فيه من النقل فهو مستقل لا محالة في الاعتقاد بوجود الله، وبأنه يجوز أن يرسل الرسل فتأتينا عنه بالمنقول — نسوا ذلك كله، وقالوا: لابد من مذهب خاص في العقيدة، وافترقوا فرقا وتمزقوا شيعا كما قلنا ولم يكفهم الإلزام باتباع مذهب خاص في نفس المعتقد، بل ذهب بعضهم إلى أنه لابد من الأخذ بدلائل خاصة للوصول إلى ذلك المعتقد فيكون التقليد في الدليل كالتقليد في المدلول، وكأنهم لذلك جعلوا النقل عمادا لكل اعتقاد ويا ليته النقل عن المعصوم، بل النقل ولو عن غير المعروف، فتقررت لديهم قاعدة: إن عقيدة كذا صحيحة، لأن كتاب كذا للمصنف فلان يقول ذلك، ولما كانت الكتب قد تختلف أقوالها صار من الصعب أن يجد الواحد منهم لنفسه عقيدة قارة صافية غير كدرة ولا متزعزعة. وقد سرى ذلك من قراء المقلدين إلى أمييهم فتراهم يعتقدون كل ما يقال وينقل عن معروف الاسم، وإن لم يكن في حق الأمر من أهل العلم، وتتناقض عقائدهم على حسب تناقض مسموعاتهم.

انجر التساهل في الاعتماد على النقل إلى الخروج عما اختطه لنا السلف رضي الله عنهم، فقد كانوا ينقبون عن صفات من ينقلون عنه، ويمتحنون قوله، حتى يكونوا على شبه اليقين من أنه موضع الثقة. ولكن جمود المتأخر على ما يصل إليه من المتقدم صير النقل فوضى، فتجد كل شخص يأخذ عمن عرفه وظن أنه أهل للأخذ عنه بدون بحث ولا تنقيب، حتى شاع بين الناس من الأقوال وموضوعات الأحاديث ما ترتفع الأصوات بالشكاية منه من حين إلى حين. وكل ما تراه من البدع المتجددة فمنشؤه سوء الاعتقاد الذي نشأ من رداءة التقليد، والجمود عند حد ما قال الأول بدون بحث في دليله ولا تحقيق في معرفة حاله، وإهمال العقل في العقائد على خلاف ما يدعو إليه الكتاب المبين والسنة الطاهرة. دخلت على الناس لذلك عقائد يحتاج صاحب الغيرة على الدين في اقتلاعها من أنفسهم إلى عناء طويل، وجهاد شديد، وسلاحه الكتاب وسلاحه أعدائه أقوال بعض من تقدم ممن يعرف ومن لا يعرف — وما أكثر عدد من ينصر أعداءه اليوم وما أقلهم غدا إن شاء الله.

سأل سائل الأستاذ شيخ الجامع الأزهر عن حكم عمل من الأعمال الجارية في المساجد يوم الجمعة — ومنزلة الشيخ من الرياسة في أهل العلم بالدين منزلته — فأفتى بما ينطبق على السنة وما يعرفه العارفون بالدين وقال: إن العمل بدعة من البدع يجب التنزه عنها. أتظن أن المستفتي أمكنه العمل بمقتضى الفتيا؟ كلا. حدث قيل وقال، وكثرة تسآل، ودخلت السياسة ثم قيل: إن الزمان ناصر الحقيقة، وقد وجدنا الأمر كذلك من قبلنا. وسكت السائل وماذا يصنع المجيب؟

نعم هذا من شؤم ذلك الجمود فقد فصل بين العامة ومن يرجى فيهم تقويم ما اعوج منها ووكلت إلى أناس منها لا علم لهم بالدين ولا بالأدب وقد غرسوا في أذهان الدهماء شر الغرس، ولا تجني الأمم منه إلا أخبث الثمر فلو قام العالم بالدين وأراد أن يبين حكم الله المصرح به في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المجمع عليه عند السلف قاطبة انتصب له ناعر من العامة يصيح في وجهه (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) ويريد من آبائه الأولين من رآهم بعد ولادته أو ذكرت له أسماؤهم بلسان مضليه حتى صار إرشاد العامة اليوم من أصعب الأمور وأشقها على طالبه.

ماذا يمكن أن أقول؟ أصبح الرجل يرتكب في وسائل العبادة أقبح المنكرات في الدين وإذا دُعي إلى ترك المنكر نفر وزمجر وأبى واستكبر. انظر ماذا يصنع الموسوسون ومن يقرب منهم في الاستبراء من البول على مرأى من المارة وفيهم النساء والأطفال وهم يظنون أنهم يتقربون إلى الله بما يفعلون.

هذا هو شأن العامة يرون ما ليس بدين دينا، ويصعب على حفاظ الدين إرشادهم بفضل جمودهم على ما ورثوا من ملقنيهم بدون تعقل.

فهذا معظم الأمة تراه قد تملص من أيدي منذريه. ولو شاءوا لأقصل كل منهم على صاحبه، وهو أيسر شيء على حملة الشريعة، وما هو إلا أن يرجعوا إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سعة الدين وسماحته، ثم العمل على حفظه وحياته.

ثم إن الجمود قد أحدث لنا فريقا آخر وهو فريق المتعلمين على الطرق الجديدة إما في مدارس الحكومة الإسلامية وإما في المدارس الأجنبية داخل بلادهم أو خارجا عنها. لا أتكلم عن هذا الفريق في بلاد القرم أو القاقاز أو سمرقند أو بخارى أو الهند، فإني لا أعرف كثيرا من أحوالهم ومن رأيته منهم رأيت فيه خيرا وأرجو أن يكون منهم لقومهم ما ينتظره الإسلام من العارفين به، فقد رأيت أفرادا قليلين من هؤلاء تعلموا في البلاد الأوربية ودرسوا العلوم فيها درسا دقيقا، وهم أشد تمسكا بلب الدين الإسلامي وروحه من كثير ممن يدعون الورع والتقوى ولا يسمحون لأنفسهم بترك عادة صحيحة من العادات التي أورثها دينهم قومهم، فنعم المتعلمون هؤلاء، أكثر الله منهم.

وإنما أتكلم عن هذا الفريق من المتعلمين في مصر وسورية وسائر بلاد الدولة العثمانية. سماحة الإسلام وسعة حمله للعلم أباحتا للمسلمين أن يرسلوا أولادهم ليأخذوا العلم في المدارس الرسمية وغير الرسمية عن أساتذة فيهم المسلم وغير المسلم، أو أساتذة كلهم غير مسلمين، بل في مدارس لم تبن إلا لترويج دين غير الدين الإسلامي وأباحتا لغير آباء هؤلاء التلاميذ أن يسكتوا وألا ينكروا عليهم عملهم، مادامت العقيدة سالمة من الهدم أو الضعضعة.

جمود تلاميذ المدارس الأجنبية

هؤلاء التلاميذ إن كانوا في مدارس أجنبية لا أثر لتعليم الدين الإسلامي فيها، بل ربما يعلم فيها دين آخر فقد يسري إلى عقائدهم شيء من الضعف، وقد تذهب عقائدهم بالمرة وتحل مكانها عقائد أخرى تناقضها، كما شوهد ذلك مرارا. ولو كان آباؤهم على علم بطرق الاستدلال الإقناعية لعقائد دينهم لدعموا من عقائد أبنائهم وحفظوها من التزلزل أو الزوال، وكيف يكون لأولئك الآباء شيء من هذا العلم مع الجمود على طرق قديمة لا يصل إلى فهمها من ينقطع لتعليمها، فضلا عن أولئك المساكين، بل لو كان هناك مرشدون على طريقة يسهل فهمها لتيسر لهؤلاء التلاميذ أن يهتدوا بهديهم ولكن الجمود صير كل شيء صعبا وكل أمر غير مستطاع.

فهذه جناية من جنايات الجمود على أبناء المسلمين الذين يتعلمون في مدارس أجنبية، يخرجهم من دينهم من حيث لا يشعرون. ويا ليتهم يستبدلون بالدين رادعا آخر من الأدب والحكمة كما يرجوا بعض المغرورين الذين لا يعلمون طبائع هذه الأمم، أو كما يروجه بعض من لا يريدون الخير بها، ولكنه ترك أفئدتهم خواء خالية من كل زاجر أو دافع، اللهم إلا زاجرا عن خير أو دافعا إلى شر، فاتخذوا إلههم هواهم وإمامهم شهوتهم. فهلكوا وأهلكوا، ومن هؤلاء ورثة الأغنياء الذين تصيح من شرور أعمالهم الجرائد كل يوم، فالجهل خير مما يتعلم هؤلاء بدون ريبة، وليت الإسلام لم يرحب صدره لمثل هذا الضرب من التعليم والتعلم.

جمود تلاميذ المدارس الرسمية والأهلية

أما المتعلمون في مدارس رسمية أو غير رسمية للتعليم الديني فيها شيء من البقية فهؤلاء ينشئون على شيء من المعارف في الفنون المختلفة، وتقرر لهم حقائق في الكون السماوي أو الأرضي أو في الاجتماع الإنساني، ومن عرف شيئا انطلق لسانه بالخوض فيه، وقد يسمعه متنطع ممن يلبس لباس أهل الدين وهو جاهد على ألفاظ سمعها، فلو سمع شيئا غيرها أنكره وظنه مخالفا للعقيدة الصحيحة فيأخذ يلوم المتعلم ويوبخه، ويرميه بالمروق من الدين، هذا والمتعلم لا يشك في قوة دليله، ولجهله بالدين يعتقد أن ما يقوله خصمه منه، فينفر من دينه نفرته من الجهل، ولو قال له قائل: ارجع إلى كتب الدين تجد فيها ما يسرك وينصرك على نفسك وخصمك، حار لا يدري إلى أي كتاب يرجع، ولم يسهل عليه فهم تلك العبارات التي ورثها القوم على ما فيها من تشعيب وتعقيد وأبقوها كما ورثوها، فيعود إلى النفور من الدين نفور طالب الفهم مما لا يمكنه فهمه.

لهذا يعتقد أكثر هؤلاء أن الدين شيء غير مفهوم، بل قد يعده بعضهم خرافة «نعوذ بالله» فيأخذون عنه جانبا، ويتركون عقائده وفضائله وآدابه، ويلتمسون لهم آدابا غيره، وقلما يجدونها، فتراهم وقد فترت قلوبهم وقصرت هممهم، فلا يطلب إلا ما تطلبه العامة من كسب معيشة أو علو جاه «مادام الشرف محفوظا» فإذا وجد بينهم من يدعي الوطنية أو الغيرة المليّة أو نحو ذلك، فإنما ينثر الألفاظ نثرا لا يرجع فيها إلى أصل ثابت، ولا إلى علم صحيح. ولهذا يطلب لبلاده من الوجه الذي يؤدي إلى المفسدة. وهو يشعر — أو لا يشعر — على حسب حاله. ومنهم من يصيح باسم الدين ولا تتحرك نفسه لمعرفة حكم من أحكامه أو درس عقيدة من عقائده، فشأنهم كلام في كلام، ولبئس ما يصنعون، ولولا هذا الجمود لوجدوا في كتب دينهم وفي أقوال حملته ما تبتهج به قلوبهم، وتطمئن إليه نفوسهم، ولذاقوا طعم العلم مأدوما بالدين. وتمكنوا من نفع أنفسهم وقومهم ولوجدت منهم طبقة معروفة. يرجع إليها في سير الأمة وسياسة أفكارها وأعمالها الاجتماعية.

١  هذا الرجل هو السيد عبد الحميد الهراوي الحمصي الشهير رحمه الله.
٢  هو الشيخ عليش الذي كان ينكر على السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده أيضا طريقتهما في تحقيق المسائل الشرعية على طريقة السلف.
٣  يعني الأستاذ بهذا نفسه فهو الذي أشار بتعليم هذه العلوم.
٤  إنه يعني بهذه الفئة الوهابيين، فهو يحمد منهم ترك البدع والاهتداء بالسنن وتقديم الأثر، على آراء البشر، ولكنه ينكر عليهم ضيق العطن دون العناية بما أرشدت إليه النصوص من علوم الأكوان، ومقدمات المدنية والعمران.
٥  الخشارة بالمعجمتين كالحثالة وزنا ومعنى: الرديء وما لا خير فيه من كل شيء. من خشارة الشعير وهي ما لا لب له، وخشارة الثمر هي رديؤه والشيص منه، وحثالة الطعام ما سقط منه إذا نُفي.
٦  القائل هو الإمام الكاتب وله فيه اقتراح رسمي في تقريره الذي وضعه لإصلاح المحاكم الشرعية.
٧  يعني أن الأخذ بما جاء به الرسل متوقف بالفعل — وفقا لنظر العقل على التصديق بأن الله أرسلهم، فهو لا يكون إلا بعده، وهذا قطعي بالنسبة إلى من يدعى إلى الدين من الكفار وإلى إقامة الحجة على المنكر، وأما الناشئ في الإسلام فلا ترتيب عنده في ذلك فهو يأخذ العلم بالله وصفاته وأدلتها العقلية من القرآن مباشرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠