الفصل السادس

هل الوعي في كلِّ مكان؟

يبدو أننا لا نمتلك أيةَ إجابات عن السؤالين اللذين بدَأنا بهما هذا البحث: حين نُمعِن النظر، لا يُمكننا العثورُ على أدلةٍ خارجية موثوقة تؤيد وجودَ الوعي، ولا يمكننا أن نُشير على نحوٍ قاطع إلى أي وظيفة محدَّدة يؤديها. كلتا هاتين النتيجتين تتناقض مع البديهة إلى حدٍّ بعيد، وهنا يبدأ لغزُ الوعي في الاصطدام بألغازٍ أخرى في الكون.

إذا كنا لا نستطيع الإشارةَ إلى أيِّ شيء يميِّز أيُّ مجموعاتِ الذرات في الكون هي الواعية، وأيُّها غير الواعية، فأين عسانا أن نأمُل في وضع الخط الفاصل بين الوعي واللاوعي؟ ربما يكون السؤال الأكثر إثارةً للاهتمام هو لماذا يجب علينا رسمُ خطٍّ من الأساس. عندما نرى تجربتنا الخاصة بالوعي بمثابة «رفيق في الرحلة» فحسب، فجأة نجد سهولةً أكبرَ في تخيُّل أن الأنظمة الأخرى تتسم بالوعي هي أيضًا. حينها لا نجد مفرًّا من التفكير في إمكانية أن تكون المادة «كلُّها» مشبعةً بالوعي بمعنًى ما — وهي وجهةُ نظر يُشار إليها بشمولية الوعي «بانسيكزم».1 إذا أمكن أن تقترن السلوكيات المختلفة للحيوانات بالوعي، فلماذا لا تكون استجابةُ النباتات للضوء، أو حتى دوران الإلكترونات، مقترنةً بالوعي؟ ربما يكون الوعي مدمجًا في المادةِ نفسِها، بصفته خاصيةً جوهريةً من خواصِّ الكون. «يبدو» ذلك ضربًا من الجنون، لكننا سنرى أنه سؤالٌ جدير بالطرح.

ظهرَ مصطلح شمولية الوعي في القرن السادسَ عشر وصاغه الفيلسوف الإيطالي فرانشيسكو باتريزي من الكلمة اليونانية «بان» التي تعني («الكل») وكلمة «سايكي» التي تعني («العقل» أو «الروح»). يوصَف الوعي في بعض نسخ شمولية الوعي بأنه منفصلٌ عن المادة ويتألَّف من مادة أخرى، وهو تعريفٌ يُذكِّرنا بالمذهب الحيوي والأوصاف الدينية التقليدية للروح. لكن على الرغم من أنَّ المصطلح قد استُخدِم لوصف نطاق كبير من أنماط التفكير عبر التاريخ، فإن الاعتبارات المعاصرة لشمولية الوعي تصفُ الواقع بطرقٍ مختلفة تمامًا عن الأوصاف التي كانت تقدِّمها النسخ السابقة، ودونما ارتباط بأي معتقدات دينية.

يقترح أحدُ فروع شمولية الوعي أن الوعي صفةٌ جوهرية في جميع أشكال معالجة المعلومات، حتى الأشكال غير الحية منها مثل الأجهزة التكنولوجية، ويذهب فرعٌ آخرُ إلى حدِّ القول بأن الوعي من القُوى والمجالات الأساسية الأخرى التي كشفَت لنا الفيزياء عنها — مثل الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوَّتَين النوويتين؛ القوية والضعيفة. إنَّ النطاق الكامل للمناقشات الجادة بشأن شمولية الوعي — سواءٌ أكانت تقتصر على أنواع معيَّنة من معالجة المعلومات أم تنطبق على مادة الكون بأكملها — يختلِف عن أغلب النظريات التي وُضِعت في الماضي بشأن شمولية الوعي. وإن التفكير الحديث بشأن شمولية الوعي يسترشد بالعلوم ويتماشى تمامًا مع مذهب الفيزيائية والاستدلال العلمي.

ثمَّة مقالٌ للفيلسوف فيليب جوف أحب عنوانه: «شمولية الوعي فكرةٌ مجنونة، لكنها أيضًا صحيحةٌ على الأرجح.» يتبع تفكير جوف المسارَ التالي:
فور أن نُدرك أن الفيزياء لا تُخبِرنا شيئًا عن الطبيعة الجوهرية للكِيانات التي تتحدَّث عنها، وأنَّ الشيء الوحيد الذي نعرِفه يقينًا عن الطبيعة الجوهرية للمادة هو أنَّ بعض الأشياء المادية على الأقلِّ لديها خبرة … فإن الضرورةَ النظريةَ المتمثلةَ في تكوين رؤيةٍ بسيطةٍ وموحَّدةٍ تتسق مع البيانات، تقودنا بشكلٍ واضح ومباشر في اتجاه شمولية الوعي.2

وبسبب قيمة البساطة، فإني أميل إلى تفضيل فرع شمولية الوعي الذي يصفُ الوعيَ بأنه صفةٌ جوهرية في المادة، على الوصف الذي يقتضي مستوًى معينًا من معالجة المعلومات حتى يكون الوعي موجودًا. ومرة أخرى، هذا نتيجة المشكلة الصعبة للوعي، والتي تَظهر حيثما حاولت رسم خط فاصل — سواءٌ أحاولت رسمَه عند المعالجة العصبية أم عند أشكالٍ أبسطَ من معالجة المعلومات. فعلى الرغم من أن استيعابَ وجهةِ النظرِ القائلةِ بأنَّ الوعي جوهريٌّ في المادة أصعب كثيرًا على عقولنا من نواحٍ كثيرة، فإنها تُعدُّ حلًّا أكثرَ إقناعًا بالنسبة إليَّ، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنها أكثرُ بساطةً (وإن كان ذلك بدرجةٍ ضئيلةٍ فحسب). ولنا في حقل هيجز مثالٌ على ذلك: أدرك الفيزيائيون أن مجال هيجز لا بد أن يكون موجودًا، وإلا فإن الإلكترونات والكواركات التي تُشكِّلنا جميعًا ستكون عديمةَ الكتلة وتنطلق بسرعة الضوء. على مدى سنوات قبل اكتشاف حامله، بوزون هيجز، افترض الفيزيائيون وجود مجال هيجز. وعلى الرغم من أن لا شيء بشأن تأكيد وجوده يدعم أيَّ نظرياتٍ عن الوعي (أو يُقدِّم أيَّ دليل عليها)، فإنه يُساعدنا على فهْم الافتراض المُناظر له في شمولية الوعي — وهو أن الوعي ربما يكون خاصيةً أخرى للمادة، أو للكونِ نفسِه، ولم نكتشفها بعد.

في كتابه «شمولية الوعي في الغرب»، يُقدِّم الفيلسوف ديفيد سكربينا دراسةً استقصائية لتاريخ الحجج العِلمية لشمولية الوعي، والتي تستند إلى العقلانية، والأدلة التجريبية، والمبادئ التطورية. بعد نشر نظرية داروين عن التطوُّر بالانتخاب الطبيعي (١٨٥٩)، وبعد أن كشفت التطوُّرات اللاحقة في مجالات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا أن البشر يتألَّفون من العناصرِ نفسِها التي تتألَّف منها المواد الأخرى، أصبح اللغز الحقيقي للوعي واضحًا. وأدَّى الفهْم الجديد المتمثِّل في أنَّ كل شيء في الكون يتكوَّن من اللبناتِ الأساسيةِ نفسِها إلى مزيدٍ من الدعم لمنظورٍ علمي وتطوري ينطوي على شكلٍ من أشكال شمولية الوعي. إنَّ النزعة الطبيعية للاستكشاف العِلمي هي التوصُّل إلى التفسير الأبسط قدْرَ الإمكان، ويُعَد مفهوم انبثاق الوعي عن موادَّ غيرِ واعيةٍ نوعًا من فشلِ الهدف النمطي للتفسير العلمي. في الفلسفة، يُشار إلى هذه القفزة من اللاوعي إلى الحالة الواعية للمادة بأنه انبثاق «جذري» أو «قوي».3 يقتبس سكربينا من عالِم الأحياء الشهير جاي بي إس هالدين — في سياقِ معارضته مفهومَ الانبثاق الجذري — بسبب التعقيد الحتميِّ الذي يُضيفه إلى أيِّ تفسيرٍ للوعي:
إذا لم يكن الوعي من خواص المادة، فهذا يعني القول بنظرية انبثاقٍ قويٍّ تتعارض مع العلم جوهريًّا. مثل هذا النشوء «يعارض روحَ العلم بشكلٍ جذري، وهي الروح التي حاولَت دائمًا تفسيرَ المعقَّد بالبسيط … إذا صحَّت وجهةُ النظرِ العِلمية، فسنجدها في نهاية المطاف [علامات وجود الوعي في المادة الخاملة] في شكلٍ بدائي على الأقل، في جميع أنحاء الكون.»4
ينقل سكوربينا القارئَ عبْر أكثرَ من ثلاثمائة سنةٍ من تأمُّلات العلماء الذين يتخذون منهجًا عِلميًّا نحو شمولية الوعي، من يوهانس كيبلر إلى روجر بنروز، والذين يصل الكثيرُ منهم إلى استنتاجٍ مفادُه أن التفسير الأبسط للوعي في حقيقة الأمر، هو شموليته. وفي ستينيات القرن العشرين — أي بعد نحو ثلاثين عامًا من هالدين — أكَّد عالِم الأحياء برنارد رينش أنه مثلما يوجد غموضٌ في التصنيفات عند دراسة تطوُّرِ شكلٍ من أشكال الحياة إلى شكلٍ آخرَ على مستوى الكائنات الحية الدقيقة والخلايا، فإنَّ الفصل الصارخ بين الأنظمة الحيَّة والأنظمة غير الحية مبهمٌ أيضًا، ومن المحتمل أن ينتقل التمييزُ الخاطئ إلى حدود الخبرة الواعية أيضًا.5
إضافةً إلى ذلك، عندما يفترض العلماء أنهم تجاوَزوا المشكلةَ الصعبة من خلال وصف الوعي بصفته خاصيةً منبثقة، أي ظاهرة معقَّدة لا تتنبأ بها الأجزاءُ المكوِّنة لها، فإنهم يُغيِّرون الموضوع. فجميع الظواهر المنبثقة — مثل مستعمرات النمل، ونُدَف الثلج، والأمواج — لا تزال وصفًا للمادة وسلوكها، مثلما نراها من الخارج.6 أما ما تبدو عليه توليفة من المادة «من الداخل» وما إذا كانت هناك تجربةٌ مرتبطة بها أم لا، فهو شيء لا يشمله مصطلحُ «الانبثاق». إن وصفَ الوعي بأنه ظاهرةٌ منبثقةٌ لا يُفسِّر أيَّ شيء في الواقع؛ لأنَّ المادة، من وجهة نظر المراقب، تتصرَّف مثلما تفعل على الدوام. فإذا كانت بعض المواد لها خبرةٌ وبعضها ليس له خبرة (وبعض الظواهر المنبثقة تتسم بالإدراك بينما لا يتَّسم به البعض الآخر)، فإن مفهوم الانبثاق، باستخدامه التقليدي في العلم، لا يُفسِّر الوعي.
fig2
شكل ٦-١: يُشار إلى الظاهرة التي لا تتنبَّأ بها الأجزاء المكوِّنة لها، والتي هي أعقدُ من مجموع أجزائها، بأنها ظاهرةٌ منبثقة.
ويذهب بعض الفلاسفة إلى حدِّ القول بأن الوعي لا يمثِّل مشكلةً عويصةً على الإطلاق، ويختزلونه في محضِ وهمٍ فحسب. غير أنَّ الوعي، كما أشار آخرون، هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن، بحكم تعريفه، أن يكون وهمًا. قد يظهر وهمٌ ما «داخل» الوعي، لكنك إما تختبر شيئًا ما أو لا تختبره، فالوعي ضروريٌّ لحدوث الوهم. يُحلِّل الفيلسوف التحليلي البريطاني جالين ستروسون فكرةَ الوعي بصفته وهمًا في مقالٍ بعنوان «منكرو الوعي»، ويُعرِب عن سخطِه من عدم اتساق الفكرة على الإطلاق: «كيف يمكن لأي شخصٍ أن يستنتج شيئًا سخيفًا للغاية مثل إنكار وجود التجربة الواعية، التي هي الشيءُ العامُّ الوحيد الذي نعرف أنه موجود بالتأكيد؟»7 يصف الفيلسوف نيد بلوك، الباحثُ بمركز العلوم العصبية بجامعة نيويورك، ظاهرةً يلاحظُها في طلابه عندما يُلقي محاضرةً عن المشكلة العويصة للوعي، تشبه اختلاف أنواع الشخصيات. يُقدِّر بلوك أن ثُلث طلابه تقريبًا «لا يدركون أهميةَ الظاهراتية [التجربة المحسوسة] والمشكلات الصعبة التي تثيرها»، ويعتقد أنه سيكون من المثير للاهتمام دراسةُ الاختلاف العصبي بين الأشخاصِ القادرين على فَهم المشكلة العويصة بشكلٍ حَدْسي وغير القادرين على ذلك (أو الذين يرونها وهمًا).8 وعلى أي حال، فإن إحالة الوعي إلى درجة الوهم ينمُّ في رأيي عن عدمِ فهْمٍ للظاهرة. الحق أنَّ تلك الإحالة ليست سوى إعادة تعريف للوعي بأنه «وهم الوعي». وحتى لو اتفقنا على وصف الوعي بأنه وهمٌ، وهو أمرٌ يبدو سخيفًا، فإننا سنظلُّ نتساءل عن مدى عمق هذا الوهم. هل هناك عملياتٌ معقَّدة أخرى، أو مجموعاتٌ أخرى من المادة، تخبُر هذا «الوهم»؟ سوف تظل جميعُ الأسئلة المتعلقة بالوعي وشموليته قائمةً أمامنا.9
في الواقع، يفترض ستروسون أن «شموليةَ الوعي هي أوجَهُ نظريةٍ يمكن للمرء تبنِّيها إذا كان طبيعانيًّا صِرفًا … يعتقد بصحَّةِ مذهب الفيزيائية»، وأنَّ «كلَّ ما يوجد بشكلٍ ملموس هو فيزيائي» وأنَّ «جميع الظواهر الفيزيائية هي صورٌ للطاقة.» ويخلُص ستروسون إلى أنَّ «شمولية الوعي هي ببساطة فرضيةٌ عن الطبيعة الجوهرية النهائية لهذه الطاقة، فرضيةٌ تقول بأن الطبيعة الجوهرية للطاقة هي الخبرة أو التجربة … لن تمسَّ هذه الفرضيةُ الفيزياء في شيء. فكلُّ ما هو صحيح في الفيزياء سيظل صحيحًا.»10
ومع ذلك، لا تزال الاعتبارات العِلمية لشمولية الوعي تُرى على أنها مثيرةٌ للجدل ومتعارضةٌ مع النظرة العلمية التقليدية. ورغم الصعوبة الشديدة لدراسة الوعي وحتى تعريفه، يعتقد أغلب علماء الأعصاب أنه ينتج عن عملياتٍ معقَّدة في الدماغ، وأننا سنكتشف السببَ الجوهري للوعي في نهاية المطاف من خلال دراسة العمليات العصبية المرتبطة به. غير أنَّ العديد من علماء الأعصاب يعترفون بأن المشكلةَ العويصةَ ستستمر؛ لأن الفهْم العلمي، أيًّا كانت درجة اكتماله، لا يتمتع بأي وسيلةٍ تقدِّم لنا رؤيةً مباشرة عن التجربة الشخصية المرتبطة بتلك الخصائص الفيزيائية؛ فدراسةُ نظامٍ كالدماغ لا تمدُّنا إلا بمزيد من المعلومات عن الخصائص الفيزيائية. على سبيل المثال، اعترف عالِمُ الأعصاب «في إس راماتشاندران» بأن «الكواليا» (الصفات التجريبية للوعي التي يُمكننا تسميتها، مثل الخبرة المتمثلة في رؤية اللون الأزرق أو الشعور بشيءٍ حادٍّ) ستظلُّ لغزًا:
تُعَد الكواليا مسألةً محيِّرة للفلاسفة والعلماء على حدٍّ سواء؛ لأنه على الرغم من أنها واقعية على نحوٍ واضح، ويبدو أنها تكمُن في صميم التجربة العقلية، فإن النظريات المادية والحسابية عن وظائف الدماغ تلتزم الصمتَ تمامًا بشأن كيفية ظهورها أو سبب وجودها.11
يولي علماء الأعصاب الذين يدرُسون الوعيَ أقصى اهتمامٍ للاختلافات على مستوى الدماغ بين «وظائف» الجسم التي تبدو واعيةً وتلك التي تبدو لا واعية (أنت على وعي بقراءة الكلمات الموجودة في هذه الصفحة في هذه اللحظة، ولكنك لستَ واعيًا بأنشطةِ كُليتَيك)، وبين «حالتَي» الوعي واللاوعي (كونك مستيقظًا أو نائمًا بعمق، على سبيل المثال). ثمَّة مجموعةٌ متنوعة من الفرضيات تشير إلى أن مناطقَ معيَّنةً من الدماغ، أو أنواعًا من المعالجة العصبية، تخلق تجربةً واعية؛ حتى إن بعض العلماء — ومنهم فرانسيس كريك وكريستوف كوخ — تكهَّنوا بأن التردُّد الذي تطلق عنده الخلايا العصبية إشاراتِها هو الذي يؤدي بها إلى خلق الوعي.12

حاول كريك وكوخ تحديدَ مصدر الوعي في الدماغ من خلال إجراء أبحاثٍ على النظام البصري. كانا يأمُلان أن يتوصَّلا إلى فهمٍ أفضلَ لأنواعِ المثيرات البصرية التي نُعالجها بوعي (أي مدركين أننا نرى)، والمثيرات التي يستجيب لها الدماغ ولكن ليس لدينا وعيٌ بها (المعالجة خارج حيز الوعي)، وأي مناطق من الدماغ هي المسئولة عن هذه الأنواع المختلفة من المعالجة. ورغم أن هذا النوع من الأبحاث مفيدٌ وممتع، فإنه محدود مرةً أخرى. إنه يُزيد من معرفتنا بالدماغ وتجربتنا الإنسانية، لكنه لا يستطيع أن يُخبرنا بأي شيء حول ماهية «الوعي من الأساس»، كما أنه لا يُساعدنا على فَهم ما إذا كانت هناك أنواعٌ أخرى من الأنظمة، سواء حية أو غير حية، يمكن أن تختبر هذا الوعي.

في الآونة الأخيرة، صاغ عالِمُ الأعصاب جوليو تونوني، مدير مركز جامعة ويسكونسن-ماديسون للنوم والوعي، بالاشتراك مع مارسيلو ماسيميني وفريقه بجامعة ميلانو، ما قد يصبح طريقةً لتحديدِ ما إذا كان الشخص واعيًا أم لا. في هذا الإجراء المعروف باسم «زاب آند زيب» zap and zip، يُستخدَم التحفيز المغناطيسي عبْر الجمجمة لإيصال نبضةٍ من الطاقة المغناطيسية إلى الدماغ، ثم تتم قراءةُ نشاطِ التيار الكهربائي التالي الذي يسري عبر الخلايا العصبية القشرية، بواسطة أجهزة التخطيط الكهربائي للمخ.13 تُعيَّن الأنماط الناتجة على «مؤشر التعقيد المضطرب» (PCI). يوضِّح كوخ أن الطريقة تُرْسي قيمةً حَدِّية لمؤشر التعقيد المضطرب «كعتبة حرجة — أي الحد الأدنى لنشاط الدماغ المعقَّد — تدعم الوعي.»14 تحاول هذه الطريقة اكتشافَ الوعي لدى الأفراد الذين يصعُب معرفة مستوى وعيهم من الإشارات الخارجية، ومن بينهم الأفراد الغارقون في نومٍ عميق، والأفراد الخاضعون للتخدير، والمرضى المصابون بغيبوبة. ونأمُل أن يقرِّبنا هذا خطوةً من تحديدِ ما إذا كان المرضى المصابون بتلفٍ في الدماغ، أو مَرْضى متلازمة المنحبس، أو مَن هم في مرحلةٍ متأخرة من مرض الخرف، في حالةٍ دنيا من الوعي أم في «حالة غيبوبة»، أو ما إذا كان المريض الخاضع لجراحة قد أصبح واعيًا تحت التخدير، وهي حالاتٌ لا نمتلك حاليًّا سوى أدواتٍ محدودةٍ للكشف عنها.

لا شك أن هذا يُعَد من أهم الأعمال التي تجري في علم الأعصاب اليوم، ولكن مرة أخرى، لا تتناول الأسئلة المتعلِّقة بالوظائف الواعية مقابل الوظائف اللاواعية أو حالات الدماغ بالضرورة الأسئلةَ الكُبرى فيما يتعلَّق ﺑ «ماهية الوعي» ومدى تعمُّقه في الكون. ولكن تظل الحقيقة أن غالبية العلماء يعتقدون أن الوعي هو ظاهرةٌ منبثقة ناتجة عن المعالجة العصبية. ويفترض أغلبهم أنه إذا لم نكن «نحن» واعين بخبرات معينة وعمليات دماغية، فيجب ألَّا تكون ثمة خبرة مرتبطة بهذه الخبرات على الإطلاق. قد يكون هذا صحيحًا، لكن كما سنرى، قد لا يكون من المنطقي اتباعُ هذا الاتجاه الفكري.

لنرَ كيف يوجِّه هذا البحث (أو يفشل في توجيه) الآراء الخاصة بشمولية الوعي. ثمَّة تناقضاتٌ في العديد من الفرضيات التي طرحها العلماء والفلاسفة. وتظهر هذه التناقضات في:
  • (١)

    محاولات رسم خط فاصل بين الأماكن التي من المحتمل أن نجد فيها الوعيَ وتلك التي من غير المحتمل أن نجده فيها، وعادةً ما يكون لهذا صلةٌ بمعالجة المعلومات.

  • (٢)

    فشل العلماء والفلاسفة في التغلُّب على الحَدْس القوي، على الرغم من كونه خاطِئًا على الأرجح، القائل بأنه لا يمكن أن يكون ثمَّة أكثرُ من مركز أو نظام وعي واحد داخل جسد بشري واحد.

يُعد كريستوف كوخ أحد علماء الأعصاب الراغبين في النظر في تفسير شمولية الوعي؛ إذ قال لمحاورٍ أجرى معه مقابلة:
إذا اتبعتَ مقاربةً أكثرَ خيالية للوعي، فإن الأدلة تشير إلى أن ثمَّة العديدَ من الأنظمة الأخرى التي تمتلك وعيًا؛ ربما تكون جميع الحيوانات وجميع البكتيريا أحادية الخلية، وربما يسري ذلك على مستوًى ما، حتى على مستوى الخلايا الفردية التي لها وجودٌ مستقلٌّ. قد نكون محاطين بالوعي في كل مكان ونجده في أماكنَ لا نتوقَّعها؛ لأن حَدْسنا يقول إننا سنراه فقط لدى الأشخاص، وربما لدى القردة، والكلاب والقطط أيضًا. لكننا نعلم أن حَدْسَنا عرضةٌ للخطأ؛ ولهذا السبب نحتاج إلى العلم لإخبارنا بالحالة الفعلية للكون.15
أؤيده هنا تأييدًا تامًّا، لكنه يمضي بعد ذلك ليقول أشياءَ مثل: «نحن نعلم أن أغلب أعضاء جسدك لا تولِّد الوعي. كبدُك، على سبيل المثال، معقَّدة للغاية، ولكن لا يبدو أن لديها أيَّ مشاعر.»16 إذا كان بإمكان المرء أن يتخيَّل أن للدودة مستوًى ما من الوعي (وأنها ستحافظ على وعيها أثناء وجودها في جسمٍ بشري)، فإن إسهام الدودة في مجال الوعي الذي أختبره «أنا» في الوقت الحاليِّ من عدمه لا علاقةَ له بمسألةِ ما إذا كانت الدودةُ نفسُها تَختبر شيئًا ما. لذا فإن هذه الخيوطَ المنفصلة من الدراسة (ما يُسهم في وعيي «أنا» مقابل ما هو «واعٍ») تنتهي بتشويش السؤال الأكبر حول ما هو الوعي في المقام الأول، وأين سنجده في الكون.

ومن خلال التفكير في مفهوم أن البكتيريا أو الخلايا المفردة يمكن أن يكون لها مستوًى من الوعي، يبدو كوخ منفتحًا على نسخةٍ عصرية من شمولية الوعي، ولكن في الحوارِ نفسِه، يؤكِّد أن المخيخ، الذي يضمُّ تسعةً وستين مليارَ خلية عصبية، «لا يولد الوعي». لكن لمجردِ أن المخيخ غيرُ مسئول عن الجزء الذي يحكم اللغة من مخِّي أو غير مسئول عن تدفُّق الوعي الذي أعتبره «أنا»، فلا يعني هذا أننا لا نستطيع أن نتساءل عما إذا كان المخيخ «منطقةً أخرى» من الوعي (أو مناطق من الوعي)، تمامًا كما يُمكننا التكهُّن بأن دودةً أو بكتيريا قد تكون واعية. وعلى الرغم من أن كوخ يتعامل هنا مع الوعي في سياقَين مختلفَين — التفكير في وجهة نظر شمولية الوعي في السياق الأول، والإشارة إلى عمليات محدَّدة في الجسم ليست مدرَجة في التجربة التقليدية للوعي في السياق الثاني — فإن التفكير الإجمالي في هذا الموضوع في علم الأعصاب والفلسفة يميل إلى أن يكون متضاربًا؛ أو على الأقل، غالبًا ما يكون جزءٌ من النقاش مفقودًا.

وكما ذكرنا سابقًا، فرغم أن تعريف توماس ناجيل لكلمة «الوعي» (أي كونه «مثل شيء») هو أصح طريقة للحديث عن التجرِبة الذاتية، فثمَّة مجموعة متنوِّعة من الطرق التي يستخدم بها الناس الكلمة (القدرة على التأمُّل الذاتي، اليقظة، الانتباه، وما إلى ذلك)، وهو الأمر الذي يُسبِّب حيرةً إضافية. لكن يمكننا الاستمرارُ في طرح الأسئلة بشأنِ ما إذا كان الوعي موجودًا خارج الأنظمة التي يمكنها الإفادة بوجوده؛ وعلينا فقط القيام بذلك على مستوًى آخَر من المحادثة. حين أكون غيرَ واعٍ خلال مدةٍ من النوم العميق، على سبيل المثال، فكلُّ ما نعرفه هو أن الجزء من النظام الذي يُشكِّل «أنا» قد توقَّف؛ وتتوقَّف معه استمرارية (وحتى واقعية) تجربتي لمدةٍ من الوقت؛ لأن عمل هذا الجزء من النظام يتوقَّف لهذه المدة من الوقت. ولكن ما إذا كان الوعي نفسُه مستمرًّا في مناطقَ أخرى من دماغي أو جسدي بينما تكون خبرة «أنا» متوقفة، فذلك لا يزال سؤالًا ينتظر الإجابة.

وبغضِّ النظر عن مقدار المعرفة التي نكتسبها حول كيفية عمل الدماغ، من المرجَّح أن يبقى السؤال المطروح دون إجابة هو: ما عمقُ انتشار الوعي في الكون؟ في كتاب «العقل الواعي»، يقترح ديفيد تشالمرز أن الوعي يمكن أن يتجلَّى في عمل شيء أساسي مثل جهاز تكنولوجي بسيط:
بينما نتحرَّك على طول النطاق الممتد من الأسماك والرخويات عبْر شبكاتٍ عصبية بسيطة وحتى ننتهيَ بمنظِّمات الحرارة، أين يجب أن يختفيَ الوعي؟ … يبدو أن منظِّم الحرارة (أو الترموستات) يُنفِّذ نوعَ معالجة المعلومات التي تحدث في سمكة أو رخوية عند تجريدها إلى أبسط أشكالها؛ لذلك ربما يكون لديه أيضًا نوعٌ مُناظِر من الظاهراتية في أكثرِ أشكالها تجريدًا. إنه يميز واحدًا أو اثنين من الاختلافات المهمة التي تُحدِّد ما يجب عمله؛ وبالنسبة إليَّ، على الأقل، لا يبدو من غير المعقول أن تكون هناك اختلافاتٌ مُناظِرة في التجربة.17

لذا، إذا كان من المعقول أن تكون الديدان أو البكتيريا (أو منظمات الحرارة!) مصحوبةً بمستوًى ما من الوعي، مهما كان ضئيلًا ومهما كان مختلفًا عن خبرتنا أنفسنا، فلماذا لا نتَّبع المنطقَ نفسَه عندما يتعلَّق الأمر بالأعضاء في الجسم، أو المخيخ (الذي يحتوي على معظم الخلايا العصبية في الدماغ)؟ هل مجرَّد عدم ظهور شيءٍ ما في مجال ما «أنا» أخبره يعني استبعادَ احتمالِ وجودِ العديد من أشكال الوعي في الوقتِ نفسِه داخل حدود جسدي؟

وثمَّة مصدرٌ محتمل آخَر للحجج الخاطئة ضد شمولية الوعي يستند إلى التطوُّر، حيث إن أغلب الدعم العلمي والفلسفي لفكرةِ أن الوعي يقتصر على الأنظمة العصبية للكائنات الحية يعتمد جزئيًّا على الزعم بأن الوعي هو نِتاجٌ للتطوُّر البيولوجي. المنطق مفهوم، بالنظر إلى أن أكثر أساليبنا تطورًا للبقاء على قيد الحياة يبدو أنها تتطلَّب الوعي. ولكن إذا لم يُحدِّد الوعي سلوكَنا كما كنا نفترض في المعتاد، فإن حجَّة التطور لا تصمد. فكيف يمكن أن يَزيد الوعيُ من احتمالات البقاء على قيد الحياة إذا لم يؤثِّر على سلوكنا بالمعنى التقليدي؟

عندما ننظر خارجَ سياق الحياة الحيوانية، حيث يسهُل علينا أن نتخلَّى عن حَدْسِنا الفطري المغروس فينا، نجد أنه من الصعب في الواقع أن نستشعر المنطقَ القائل بأن أيَّ قدرٍ من معالجة المعلومات — بغضِّ النظر عن مدى تعقيدها — سوف يتسبَّب فجأةً في أن تُصبح «تلك العمليات» واعية. عندما تركض كلبتُك لاستقبالك في نهاية اليوم، يبدو وعْيُها واضحًا لك تمامًا مثل أي حقيقةٍ أخرى. ولكن كما رأينا، حتى عندما نتخيَّل روبوتاتٍ تبدو وتتصرَّف مثل البشر، يبدو أننا نكون غيرَ قادرين على تحديدِ ما إذا كانت ستصبح واعيةً أم لا. وبسببِ أننا نَخبُر الوعيَ بسهولة، وأننا ننسبه إلى أشكال الحياة الأخرى عن طريق القياس بسهولة، فإن الوعي يبدو لنا كأنه مقدرةٌ واضحة (ولا نشعر بصدمةٍ مستمرةٍ لكوننا نخبُر شيئًا ما في كل لحظة من لحظات يقظتنا).18 يجب أن نندهشَ إزاء واقعِ أو حقيقة وعينا تمامًا كما كنا سنندهش لو علِمنا أن أحدثَ هاتف ذكي في الأسواق يمتلك وعيًا.
إن إحساسي الشخصي بالتحليل الصحيح لسرِّ الوعي، سواءٌ أكنَّا قادرين على الوصول إلى فهمٍ حقيقي أم لا، لا يزال منقسمًا حاليًّا بين تفسيرٍ قائم على الدماغ وتفسيرٍ قائم على شمولية الوعي. لكن على الرغم من أنني لستُ مقتنعةً بأن شمولية الوعي تُقدِّم الإجابةَ الصحيحة، فإنني مقتنعةٌ بأنه فئةٌ صالحة من الحلول الممكنة التي لا يمكن رفضُها بسهولة كما يعتقد كثيرٌ من الناس. ومع الأسف، يظل من الصعب على العلماء الانضمامُ إلى الحوار دون المخاطرةِ بتعريضِ مصداقيتهم للخطر. في مقالٍ نُشِرَ عام ٢٠١٧ بعنوان «عقلنة المادة»، يُعبِّر آدم فرانك، أستاذُ الفيزياء الفلكية بجامعة روتشستر، ببلاغةٍ عن كلٍّ من لغز الوعي وممانعة العلماء لاقتراح نظريات مغامرة تتجاوز النظرَ إلى الوعي كنتيجةٍ للمعالجة في الدماغ:
الأمر بسيطٌ بقدرِ ما هو لا يمكن إنكاره: فبعد أكثرَ من قرن من الاستكشافات العميقة في العالم دون الذرِّي، فإن أفضلَ نظرية لدينا عن «سلوك المادة» لا تزال تُخبرنا بالقليل عن «ماهية المادة». يُناشد الماديون الفيزياء أن تفسر العقل، لكن في الفيزياء الحديثة، تظل الجسيمات التي تُشكِّل الدماغ، بطرقٍ عديدة، غامضةً مثل الوعي نفسه … وبدلًا من محاولة التخلُّص من لغز العقل عن طريق إسناده إلى آليات المادة، يجب أن نتصدَّى للطبيعة المتشابكة للاثنين … قد يكون الوعي، على سبيل المثال، مثالًا على ظهورِ كِيانٍ جديد في الكون غير موجود في قوانين الجسيمات. هناك أيضًا احتمالٌ أكثرُ جذرية وهو ضرورة إضافةِ شكلٍ بدائيٍّ من الوعي إلى قائمة الأشياء، مثل الكتلة أو الشحنة الكهربائية، التي صُنِعَ منها العالم.19

لكن بينما يستطيع الفيزيائيون النظريون بكلِّ بساطة اقتراحَ أفكارٍ مثل التنبؤات بنظرية الأوتار — من عشرة أبعاد (أو أكثر) من الفضاء إلى المشهد الشاسع لأكوانٍ محتملة — ويتمتعون بالإنصات الكافي لأبحاثهم، فلا يزال يُعدُّ من المجازفة بسمعة المرءِ أن يشير إلى أن الوعيَ قد يوجد خارج الدماغ. يشير فرانك إلى وجودِ معيارٍ مزدوج مماثل يُطبَّق على تقييم التفسيرات المختلفة لميكانيكا الكم: «لماذا تُعَدُّ لا نهائية الأكوان المتوازية في تفسير العوالم المتعدِّدة موقفًا رصينًا وغايةً في الجِدية، بينما تضمين موضوع الإدراك [الوعي] يتعرَّض للإدانة باعتباره عبورًا إلى شواطئ مناهضة العلم في أحسن الأحوال، أو الصوفية في أسوأ الأحوال؟»

على الرغم من أن بعض العلماء قد انقادوا على نحوٍ طبيعي إلى رأي شمولية الوعي بشكلٍ أو بآخر، إلا أن المصطلح لا يزال يُعَدُّ مصطلحًا روحيًّا شبه ديني. يوضِّح ديفيد سكربينا أنه عند ذكر فكرة أن العالم غير الحي يمتلك وعيًا للمرة الأولى، تبدو الفكرة مُعاديةً للعلم لدرجةِ أنها تُثير معارضةً غريزية ومشتركة:
بمجرَّد عرض موقف مؤيِّد لشمولية الوعي، فإن المرء يُواجه على الفور تهمةَ أنه يعتقِد أن «الصخور واعية» — وهي جملةٌ تُعَدُّ مثيرةً للسخرية على نحوٍ واضحٍ لدرجةِ أنه يمكن بطريقةٍ آمنة وسريعة رفضُ مفهومِ شمولية الوعي … قد نرى أوجُهَ تماثُلٍ قويةً بين العقل البشري وبعض الحيوانات؛ ولذا فإننا نُطبِّق المفهوم [الوعي] عليها بدرجاتٍ متفاوتة من الثقة. قد لا نرى مثل أوجُهِ التماثُل هذه مع النباتات أو الأشياء غير الحية؛ لذا فإن عزوَ وعيٍ إليها يبدو سخيفًا. هذا هو انحيازُنا البشري. وللتغلُّب على هذا المنظورِ البشري، يطلب منا شموليُّ الوعي رؤيةَ «عقلية» الأشياء الأخرى ليس من حيث الوعيُ «الإنساني»، ولكن كجزءٍ يسيرٍ من «خاصيةٍ كونية» معيَّنة للأشياء المادية، خاصيةٍ تَعُدُّ كلًّا من عقلية الكائنات غير الحية والوعي الإنساني تجلياتٍ خاصةً لها.20
ورغم أن جميعَ الهجمات على شمولية الوعي التي قرأتها تفتقر إلى حُججٍ موضوعية ومفصَّلة، فإن هذه الهجمات كانت شرسة. فمن «موسوعة الفلسفة» (إدواردز، ١٩٦٧) إلى دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، اتُّهِمَت شمولية الوعي بأنها «غير مفهومة» و«غير معقولة إلى حدٍّ مذهل»، وشُبِّه أنصارها ﺑ «المتعصبين الدينيين».21

وعلى أولئك الذين يرغبون في دفعِ هذه المحادثةِ إلى الأمام أن يلتزموا التزامًا مهمًّا بالتمييز الواضح بين وجهات نظر شمولية الوعي وبين الاستنتاجات الخاطئة التي يميل الناسُ إلى استخلاصها منها — وعلى وجه التحديد أن شمولية الوعي تُبرِّر أو تفسِّر إلى حدٍّ ما مجموعةً متنوِّعة من الظواهر النفسية — المتأتية من الافتراض غيرِ الصحيح أن الوعي لا بد أن يستلزم عقلًا له وجهةُ نظرٍ واحدة وأفكار معقَّدة. إن عزو مستوًى معيَّن من الوعي للنباتات أو المواد غير الحية ليس معناه أن نعزوَ لها عقولًا بشرية لها رغبات وأهداف ومقاصد مثل عقولنا. وأيُّ شخص يعتقد أن الكون لديه خُطة لنا أو أنه يمكن أن يتشاور مع «نفسه العليا» للحصول على مشورةٍ طبية لا ينبغي له أن يشعرَ بأنه مدعومٌ من وجهة نظر شمولية الوعي الحديثة. فشمولية الوعي لا تدعم أيَّ شيء من هذا القبيل. والبكتيريا التي تمتلك حدًّا أدنى من الوعي المتدفِّق عبْر ذرَّاتها تظل مجرَّد «بكتيريا». ستظل تفتقر إلى أدمغةٍ وعقولٍ معقَّدة، فما بالك بالعقول البشرية.

وكما يُشير الفيلسوف جريج روزنبرج، عندما نفكِّر في فكرةِ أن البكتيريا أو الذرة تتمتَّع بمستوًى من الخبرة الواعية، «من الواضح أننا لا نعزو إليها صفاتِ خبراتنا أنفسنا»، ولكن بدلًا من ذلك يمكننا أن نتخيَّل «نوعية حقل له طابَع بمعنًى «مجرَّد» للغاية مثل حقل تجارِبنا، ولكن لا يمكننا تصوُّره «على وجه التحديد»، ولا يشبه تلك الخاصة بنا [خبرتنا الواعية].»22 وبالطبع، فإن الاستنتاجات الخاطئة المستخلَصة من سوء فهْم شمولية الوعي — المتمثِّلة في أن الذرات، أو الخلايا، أو النباتات، تملك خبرةً مماثلة لخبرة العقل البشري، على سبيل المثال — هي ذاتها التي تُستخدم في الغالب للجدال ضد شمولية الوعي. ومع الأسف، يبدو من الصعب علينا جدًّا أن نتخلَّى عن الحَدْس بأن الوعي مُساوٍ للفكر المعقَّد. ولكن إذا كان الوعي في الواقع جانبًا أساسيًّا أكثرَ مما كان يُعتقَد سابقًا، فإن ذلك لا يُعطي فجأةً مصداقيةً لإيمان جارتك بأنها قادرةٌ على التواصل عن بُعد مع شجرة اللبخ لديها. وفي الواقع، إذا كانت ثمَّة صيغةٌ صحيحةٌ لمفهوم شمولية الوعي، فكل شيء سيظل يبدو لنا ويسلك السلوكياتِ نفسَها التي يسلكها حاليًّا بالضبط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤