المثالية ومحتوى المعرفة

يتناول هذا الفصل بالمناقشة مشكلة تأثير المثالية في موقف الإنسان من الوقائع الفعلية، ويبحث في تلك الظاهرة الفريدة: ظاهرة التضاد التام بين المواقف العملية والأفكار النظرية للفيلسوف المثالي، ويحاول استخلاص دلالة هذا التضاد.

ومن الواضح أن للمرء كل الحق في أن ينتظر من المثالية أن تؤثر في مواقف الإنسان العملية إزاء موضوعات أو أشياء هذا العالم؛ ذلك لأن المثالية تبدي رأيًا محددًا واضح المعالم في «طريقة وجود» هذه الموضوعات وعلاقتها بنا، ومن المعقول تمامًا أن يكون لهذا الرأي انعكاس على تصرفاتنا إزاء هذه الأشياء: فعندما كان الناس يؤمنون بأن محاصيلهم هبة من إله الزرع أو الخصب، كانوا يركزون جهودهم في الصلاة لذلك الإله ويتركون زرعهم تحت رحمته، أما عندما أصبحوا يؤمنون بأن جودة محاصيلهم تتوقف على ما يبذلونه فيها من جهد، فإن نشاطهم تحوَّل من الصلاة لإله الزرع إلى رعاية الأرض وتعهد النبات، وهكذا يؤدي تغيير طريقة التفكير النظري في الأشياء إلى تغيير في طريقة التعامل مع هذه الأشياء، ومن هنا كان من المشروع جدًّا أن ننتظر من المثالية — طالما أنها تفكر نظريًّا في مشكلة العالم الخارجي على نحو مخالف للطريقة التي تفكر بها في موقفنا الطبيعي — أن تؤدي إلى تصرفات عملية مخالفة لتصرفات الإنسان المألوفة إزاء العالم الخارجي في ظل الموقف الطبيعي، أو بعبارة أخرى: فإن الإنسان في موقفه الطبيعي يعد الأشياء ذات وجود خارج ومستقل عنه، ويتصرف عمليًّا على هذا الأساس، وها هو ذا المثالي يعد الأشياء ذات وجود غير مستقل عن الذهن — بمعانٍ مختلفة لهذه الكلمة — فلماذا إذن لا يتصورها على أساس اعتقاده هذا؟ ولماذا لم نجد مثاليًّا واحدًا يعامل الأشياء كما لو كانت «ذهنية» بالفعل، أي يستخرج النتائج العملية المتوقعة من تفكيره النظري، ويتصرف على أساسها؟

إن باحثي الفلسفة — فيما أعلم — لم يعيروا اهتمامًا كبيرًا لمشكلة التباين بين التفكير النظري والتصرف العملي للفلاسفة المثاليين، وربما كانوا ينظرون إلى المشكلة على أنها — في أساسها — «ساذجة»، ولكني لا أرى على الإطلاق ما يدعو إلى الاستخفاف بها، بل إنني أعتقد أن من الواجبات المقدسة لكل باحث نزيه في الفلسفة أن يفكر مليًّا في هذا التعارض، ويحاول استخلاص دلالته الحقيقية، وعلينا دائمًا — إذا شئنا أن نناقش هذه المسألة مناقشة لا تغفل أي طرف من أطرافها — أن نسأل المثالي: إذا كنت حقًّا تؤمن بأن العالم الخارجي معتمد على الذهن، فلماذا لا تتعامل مع ذلك العالم على هذا الأساس؟ ولماذا تسلك دائمًا في حياتك العملية كما لو كنت مؤمنًا «بالواقعية الساذجة» التي تعد الخروج عنها أول شروط التفلسف؟

ولست أدري ماذا ستكون إجابة المثالي على هذا السؤال، ولكن الإجابة الواضحة في رأيي — سواء أتت من جانب المثالي أو غيره — هي أن التعامل مع العالم الخارجي مستحيل إلا على أساس الموقف الطبيعي، فالشخص الذي يعامل الأشياء على أنها «ذهنية»، ويتصرف في حياته العملية تصرفًا متسقًا مع هذا التفكير، معرَّض للفناء لتوه، والشخص الذي يتعامل مع بقية الناس على أساس إنكار وجود الأذهان الأخرى أو الشك في وجود هذه الأذهان — وهي فكرة غير أصيلة — معرض للاصطدام الدائم — وربما الضار — بهؤلاء الناس، ولا أظن أن تاريخ الفكر قد عرف شخصًا استطاع أن يوفق بين اعتقاداته المثالية وطريقة نظرته إلى الأشياء وإلى بقية الناس.

وبعبارة أخرى: فالمثالية — على الرغم من أنها تتناول نظريًّا مشكلة الموضوعات الفعلية الموجودة في هذا العالم — لا تؤدي إلى أي تغيير فعلي في موقف الإنسان العملي من هذه الموضوعات، أي إن صورة العالم كما ترسمها المثالية ستظل، من الوجهة العملية، هي نفسها صورة العالم كما يكونها الإنسان في موقفه الطبيعي، ولكن مصوغة في «لغة أخرى»، فلنحاول إذن أن نثبت — بشيء من التفصيل — الفكرة القائلة: إن المثالية مجرد «لغة أخرى» لا تؤثر في صورة العالم الفعلية أدنى تأثير.

•••

ففي فلسفة باركلي المثالية تظهر محاولة من أكثر المحاولات تطرفًا لإنكار الوجود المستقل والمتميز للعالم الخارجي، ومع ذلك فقد اعترف باركلي نفسه بأن صورة العالم النهائية لن تتغير — من الناحية العملية — عن صورته المألوفة في الموقف الطبيعي، «فإذا كنت تعني بالأفكار ideas الموضوعات المباشرة للفهم، أو الأشياء المحسوسة التي لا يمكن أن توجد غير مدركة أو خارج ذهن، فإن هذه الأشياء (الشمس، القمر، النجوم، الأرض، إلخ …) أفكار، أما تسميتك لها بالأفكار فأمر ليست له أهمية كبرى؛ إذ الفارق كله يدور حول اسم، وسواء احتفظ بهذا الاسم أم لم يحتفظ به فإن معنى الأشياء وحقيقتها يظل كما هو، ونحن في حديثنا المعتاد لا نسمي موضوعات حواسنا أفكارًا وإنما أشياء، فلتظل تطلق عليها هذا الاسم، شريطة ألا تنسب إليها أي وجود خارجي مطلق، ولن أتنازع معك أبدًا حول كلمة.»١ وهنا يظهر بوضوح أن هدف باركلي الأساسي هو إنكار الوجود الخارجي المطلق للأشياء، مع الاعتراف بأن الأشياء — من حيث حقيقتها وواقعيتها — ستظل كما هي، وتتحدد هذه الفكرة بمزيد من الوضوح في مواضع أخرى كثيرة من كتابات باركلي يحرص فيها على أن يؤكد أن حقيقة العالم لا تتأثر على الإطلاق بنظريته، وأن كل الظواهر والقوانين الطبيعية تظل كما هي، وكل ما في الأمر أنها في فلسفته تُفَسَّر على أساس الأفكار لا المادة.٢
ويضرب باركلي مثلًا له دلالة بالغة في هذا الصدد: «فلنفرض — وهو فرض لا ينكر أحد إمكانه — أن هناك عقلًا يتأثر، دون مساعدة أجسام خارجية، بنفس سلسلة الإحساسات أو الأفكار التي تتأثر أنت بها، منطبعة في ذهنه بنفس الترتيب والحيوية، فهل تكون لدى هذا الذهن من أسباب الاعتقاد بوجود جواهر مادية تمثلها أفكاره، وتثير هذه الأفكار في ذهنه ما لديك أنت للاعتقاد بالأمر نفسه؟ هذا أمر لا جدال فيه، وهو يكفي وحده لتشكيك أي عاقل في قوة أية حجة قد يعتقد أنها تبعث فيه الاعتقاد بوجود الأجسام دون الذهن.»٣ وتتضح قيمة هذا المثل في أنه يؤدي إلى الاعتراف بأن الفارق بين الحالتين: حالة كون الأشياء مجرد أفكار تُثار في الذهن، وحالة كونها واقعية بالفعل، ليس فارقًا ينعكس على الصورة العملية للعالم وطريقة تصرفنا فيه، وإنما هو فارق في «تفسير» العالم فحسب، ويظل ذلك العالم على ما هو عليه، مهما اختلف التفسير، ويُلاحَظ أيضًا أن من الممكن استخدام هذه الحجة ذاتها بمعنًى عكسي، فكما قلنا من قبل: نستطيع أن نفترض عالمًا آخر فيه أشياء حقيقية فعلية، وعقولًا تدرك هذه الأشياء الفعلية من خلال حواسها، وسنجد أن هذه العقول سيتولد لديها نفس الشك المثالي في أن تكون الأشياء المدركة مجرد صور أو أفكار ذهنية، لا تناظر وجودًا خارجيًّا، وعلى أية حال فالفارق بين الحالتين لن يعدو أن يكون فارقًا في تفسير العالم، ومن المحال أن يؤدي إلى اختلاف في طريقة التعامل مع الأشياء.

ولو تأملنا قضية باركلي الرئيسية — وأعني بها «وجود الشيء هو كونه مدركًا» — لوجدناها مؤدية في نهاية الأمر إلى تأييد الرأي الذي نقول به ها هنا من أن المثالية لغة نتحدث بها عن العالم، وتفسير لا يؤثر في سلوكنا الفعلي إزاء ما فيه من أشياء، فالمقصود من هذه القضية مجرد تعريف لفكرة «وجود الشيء»، وطالما ردَّد باركلي — وهو يبرر هذه الفكرة — قوله: هل في استطاعتك أن تعرف معنى وجود أي شيء إلا بكونه مدركًا؟ لو أتيت بتعريف آخر فسوف أتنازل عن رأيي وأسلم، وعلى أية حال، فمن الواضح أن مناقشة هذا الموضوع هي منذ البداية مناقشة تتعلق بالتفسير وحده: فإثارة حالة إمكان (أو عدم إمكان) وجود الشيء إن كان غير مدرك، هي إثارة لحالة مستحيلة، بل غير عملية على الإطلاق؛ لأن التحقق من وجود الشيء في حالة عدم إدراكه ليس من الأمور التي يمكن تصورها عمليًّا، ومن هنا كان إثبات هذه القضية أو نفيها لا يؤدي إلى أي تغيير في موقف الإنسان من هذا الشيء الموجود.

•••

وفي مستهل الفصل الثاني من الباب الرابع من كتاب هيوم الرئيسي «بحث في الذهن الإنساني»، يذكر هيوم أن هدفه هو البحث في «الأسباب» التي تدفعنا إلى الاعتقاد بوجود الجسم (أو العالم الخارجي)، لا البحث في هذا الاعتقاد ذاته؛ إذ إن من العبث التساؤل عما إذا كان ثمت جسم أم لا.»٤ ويفسر «برايس» معنى هذه العبارة الأخيرة — ولا سيما لفظ «من العبث» its in Vain — بأنه من المستحيل نفسيًّا، أو مما ليس له معنى من الوجهة المنطقية logically nonsensical،٥ ولكن التفسير المعقول لهذه العبارة في رأينا هو أنه من غير العملي توجيه هذا السؤال؛ لأننا في مواقفنا العملية نعترف حتمًا بوجود الأشياء، ومما يؤيد هذا التفسير المعنى العملي الواضح الذي تحمله كلمة «من العبث».
وتبعًا لهذا الرأي الذي نقول به يكون هيوم قد اعترف بأن أي موقف نتخذه في مسألة وجود العالم الخارجي إنما هو موقف تفسيري فحسب، وبأننا في الميدان العملي لا نثير هذا السؤال على الإطلاق. وهكذا كان هدفه يتجه إلى البحث في «أسباب» الاعتقاد، أي إلى بحث تفسيري لا يؤثر في المواقف العملية، ومما يؤيد هذا الفهم لرأي هيوم كل التأييد ذلك النص الذي يتعرض فيه هيوم لمسألة الاعتقاد بالوجود المستمر للأشياء، فيقول: «ولنبدأ بأن نلاحظ أن الصعوبة في هذه المسألة لا تتعلق بالأمر الواقع، أو بما إذا كان الذهن يستخلص مثل هذه النتيجة المتعلقة بالوجود المستمر لإدراكاته، وإنما تتعلق المسألة بالطريقة التي تُستخلص بها هذه النتيجة، والمبادئ التي تُسْتَمَد منها، فمن المؤكد أن البشر كلهم تقريبًا — بل والفلاسفة أنفسهم — ينظرون إلى إدراكاتهم، خلال الجزء الأكبر من حياتهم، على أنها هي ذاتها موضوعاتها، ويفترضون أن ما يتمثل للذهن هو ذاته الجسم الحقيقي أو الوجود المادي.»٦ وإذا كان هيوم قد تحدَّث هنا عن البشر كلهم «تقريبًا» — والفلاسفة أنفسهم «في الجزء الأكبر من حياتهم» — على أنهم يتصرفون عمليًّا حسب الموقف الطبيعي، فلنضف إلى ما قاله أن هذا ينطبق على البشر كلهم بلا استثناء أي بكل ما فيهم من فلاسفة، وذلك خلال حياتهم كلها، باستثناء لحظات التأمل المنعزل في العالم من وجهة النظر المثالية (لأن التفكير في حوار أو في محادثة يفترض وجود الأذهان الأخرى، وبالتالي وجود حقيقة خارج الذهن الفردي)، والتأمل المنعزل — على أية حال — لا ينتمي إلى التصرفات العملية.

•••

ولنتأمل طبيعة «الفلسفة الترنسندنتالية» كما عرضها كانت، في ضوء رأينا القائل بأن المثالية مجرد لغة أو نظرة تفسيرية لا تؤثر في الواقع كما نتعامل معها عمليًّا، فالفلسفة الترنسندنتالية — حسب تعريفها — تبحث في «شروط إمكان المعرفة»، ومعنى ذلك أنها محتوى المعرفة ذاته لا يمس في هذه الفلسفة، بل يدور البحث كله في «شكلها» أو الشروط الممهدة لها، فالكرسي الذي أدركه يظل على ما هو عليه في كل الحالات، سواء نظرت إليه من وجهة النظر الطبيعية أو الترنسندنتالية، وفهمي له وتصرفي إزاءه لا يتأثر على الإطلاق، وإنما تنحصر المسألة كلها في تحديد الشروط التي جعلت معرفتي له ممكنة، وحتى حين يتم الوصول إلى أن هذه الشروط ذاتية فلن يتغير شيء على الإطلاق، بل ستتغير «اللغة» التي فسرته بها فحسب، وليس هذا ما يحدث في حياتي الفعلية: فعندما أكتشف مثلًا أن ما ظننته شبحًا هو قط أسود يتغير تصرفي الحالي، فينعدم الخوف الذي كان يلازمني، وأستطيع أن أقترب من هذا القط وألمسه إلخ، وإذا اكتشفت أن ما أظنه نارًا مشتعلة تحول بيني وبين السير إلى الأمام هو مجرد خيال أثارته حالتي المرضية، فسأتابع سيري إلى الأمام، ويتغير سلوكي إزاء الموضوع تغيرًا أساسيًّا، أما في حالة اهتداء كانت إلى أن شروط المعرفة ذاتية فإن شيئًا لا يتغير على الإطلاق، ويظل كل شيء على ما هو عليه، ولقد كان كانْت ذاته هو الذي أكد أن مثاليته لا تؤثر في وجود الأشياء، ولا تؤدي إلى القول بأن الطبيعة كلها خداع شامل، بل تؤكد فقط أن تمثلنا الحسي للأشياء يتم عن طريق الزمان والمكان، وهما مجرد طرق للتمثل، لا أشياء أو تحديدات كامنة في الأشياء ذاتها،٧ بل إن كانت لينتقد ديكارت لشكه في وجود الأجسام خارجنا، وكل ما في الأمر أنه يود أن تُفْهَمَ كلمة أجسام بمعنى «ظواهر» لا أشياء في ذاتها، وأن تُفْهَمَ كلمة «خارجنا» بأنها تعني الوجود في المكان لا خارج أفكارنا،٨ وهكذا فكل ما تؤدي إليه مثالية كانت هو الحديث عن الأشياء الخارجية بلغة «الظواهر»، و«صور الحساسية أو الذهن» بدلًا من لغة الأشياء في ذاتها أو الوجود خارج الذهن.
وهذا هو الفارق الأساسي بين «الانقلاب الكبرنيكي» الذي أحدثه كانت في الفلسفة وبين الانقلاب الكبرنيكي الحقيقي، فقد بدا في وقت ما أن نظريات كبرنك لم تُحْدِث تغييرًا فعليًّا في علاقة الإنسان بالكون، وإنما هي «تفسير» مخالف لما كان سائدًا قبلها فحسب، أي إن علاقة الأرض بالشمس والمجموعة الشمسية والكواكب هي على ما هي عليه، وتنبؤاتنا الفلكية مستمرة كما هي (إذ كانت التنبؤات الخاصة بالكسوف والخسوف ممكنة بدقة في ظل النظام البطليموسي)، ولكن تفسيرنا للظواهر هو وحده الذي اختلف، ومع ذلك فمما لا شك فيه أن كل التطورات العملية التالية قد أيدت رأي كبرنك، وأصبحت المسألة في وقتنا الحالي تزيد على مجرد فرض تفسيري، وأصبح القول بأن الأرض هي الثابتة متعارضًا مع عدد هائل من الوقائع العلمية المؤكدة، وهكذا أصبح الانقلاب الكبرنيكي — في ميدان الفلك — يمثل تغييرًا نظريًّا وعمليًّا في الآن نفسه، ويؤدي إلى اختلاف أساسي في طريقة تعاملنا مع موضوعات علم الفلك، أما في ميدان الفلسفة، فماذا كان ذلك «الانقلاب الكبرنيكي» الذي أحدثه كانت في نظرية المعرفة، حين جعل الأشياء تدور حول الذات بدلًا من أن تدور الذات حول الأشياء؟ لا شيء من وجهة النظر الفعلية، فلم يطرأ على موقف الفلاسفة أو العلماء أو الناس العاديين من العالم الخارجي تغيير، ولم يحدث في «محتوى» معرفتنا بذلك العالم أدنى تحول، ولم تكن المسألة — كما قال كانت ذاته، وكما أشرنا من قبل — إلا «فرضًا» نجرب به طريقة أخرى لتفسير الأشياء: فرضًا نجرب به المنهج — الذي أدى إلى جعل الرياضة والطبيعة علمَيْن دقيقَيْن — على الميتافيزيقا وعلى نظرية المعرفة بوجه خاص، «فقبل الآن كان الفرض السائد هو أن معرفتنا ينبغي أن تطابق الأشياء، ولكن كل محاولة لتوسيع نطاق معرفتنا بالأشياء عن طريق إيجاد شيء متعلق بها «أوليًّا» — بواسطة التصورات — كانت تنتهي على أساس هذا الفرض إلى الإخفاق؛ لذلك كان من واجبنا أن نرى إن كنا نحرز نجاحًا أعظم في ميدان الميتافيزيقا إذا افترضنا أن الأشياء ينبغي أن تتفق مع معرفتنا.»٩
وعلى أية حال، فإن الفرض الذي يتخذ من الذات — أو من طريقة معرفتنا لا من الأشياء — نقطة بداية، يؤدي إلى نتائج ممتنعة من وجهة النظر المنطقية، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل، وليس أدل على مدى تعارض هذا الفرض مع الموقف الطبيعي من أنه يثير أسئلة تبدو في نظر ذلك الموقف غريبة حقًّا: مثل: «كيف تكون الطبيعة ممكنة.»١٠ وهنا تصبح الطبيعة في حاجة إلى مبرر، وتكون وسيلة إمكان الطبيعة — تبعًا لرد كانت على هذا السؤال — هي التركيب الخاص لحساسيتنا وذهننا، ومن الطبيعي أن يتبادر السؤال التالي إلى ذهن المرء بعد ذلك مباشرة: وكيف يكون تركيب حساسيتنا وذهننا ممكنًا؟ فيكون الرد غير المقنع الذي يأتي به كانت: «هنا تتوقف الحلول والإجابات؛ إذ إن هذه الأمور أي الحساسية إلخ، هي التي ينبغي أن نلجأ إليها دائمًا من أجل كل إجابة وكل تفكير عن الأشياء.»١١

وهكذا يقدِّم كانت حلًّا دائريًّا واضحًا للمشكلة، أي إنه إذا سُئل: كيف تكون الطبيعة ممكنة؟ أجاب: لأن تركيبنا من شأنه أن يسمح بإمكانها، وإذا سُئل: وكيف يكون تركيبنا ممكنًا؟ أجاب: لأنه هو الذي يسمح بإمكان الطبيعة (أو تجربتها)!

وهكذا يقدم كانت فرضًا تفسيريًّا محضًا لا يغير من محتوى المعرفة على الإطلاق، وحتى من حيث الشكل ذاته يثير ذلك الفرض أسئلة مفرطة الطموح مثل السؤال عن كيفية إمكان الطبيعة، وهو السؤال الذي يفترض أن الذات هي الثابتة والطبيعة هي التي تحتاج إلى مبرر، ولكنه يعجز عن المضي في التبريرات الشكلية للفرض الذي وضعه، ويطلب منا أن نسلِّم مقدمًا بأمور معينة لا يستطيع المرء أن يمتنع عن التساؤل عنها، حتى يتسنى لنا المضي في فرضه إلى النهاية، فتكون النتيجة إخفاقًا للفرض حتى من الناحية الشكلية ذاتها.

•••

ومما يؤيد القول بأن المثالية موقف تفسيري لا يغير شيئًا من محتوى المعرفة البشرية بالعالم الخارجي: ظاهرة تهرب كثير من المثاليين من مذهبهم، وحرصهم على إخفاء الوجه المثالي لذلك المذهب، والظهور بمظهر مخالف لحقيقته.

فالمحاولات التي بذلها «كانت» لنقد المثالية معروفة، وهو يحرص على تفنيد «المثالية المادية» بنوعيها: الإشكالية Problematic والتوكيدية dogmatic،١٢ ويؤكد أن وجود الموضوعات الخارجية أمر لا سبيل إلى الشك فيه، بشرط أن تُفْهَمَ على أنها «ظواهر» لا أشياء في ذاتها، أي إنك تستطيع أن تحتفظ بكل آرائك ومعارفك عن الأشياء الخارجية، وتعاملها دائمًا على نفس النحو، وكل ما هو مطلوب منك هو أن تفسرها من خلال لغة «الظواهر» لا «الأشياء في ذاتها»، وعلى أية حال فقد نظر كانت إلى فلسفته ذاتها على أنها تمثل نوعًا آخر من المثالية الترنسندنتالية أو النقدية، وهي مذهب يؤكد مثالية «شروط المعرفة»، ويدع كل شيء على ما هو عليه بشرط أن يُفهم من خلال شروط المعرفة المثالية هذه، وكما أوضحنا من قبل، فليس الفارق بين مثالية كانت والأنواع الأخرى التي انتقدها من المثالية خطيرًا إلى الحد الذي يبرر نظر كانت إليها على أنها مذهب «يفنده» مذهبه الخاص في المثالية.
كذلك ينتقد شوبنهور مثالية فشته الذاتية، ويؤكد أن مذهبه ليس ماديًّا ولا مثاليًّا،١٣ هذا في الوقت الذي ينطق فيه كتابه «العالم إرادة وتمثلًا» بلغة المثالية منذ أول جملة فيه، وفي الوقت الذي انتقد فيه كانت لأنه حذف في الطبعة الثانية من «نقد العقل الخالص» كثيرًا من الأفكار «المثالية» التي تضمنتها طبعته الأولى،١٤ وعلى أية حال فإن شوبنهور يؤيد الرأي الذي نقول به تأييدًا أوضح؛ إذ يقول: «إن المثالية تترك الحقيقة التجريبية للعالم دون مساس.»١٥ وكل ما في الأمر أن معنى موضوعية ذلك العالم لا يُفْهَم إلا من خلال الذات.

ومثل هذا الموقف — الذي كان فيه دون شك متأثرًا بتعاليم كانت — يدل على إدراك ضمني للطبيعة التفسيرية لمذهبه الخاص في المثالية.

وإذا كنا نصف المثالية هنا بأنها لغة أو تفسير لا يمس محتوى المعرفة بل يمس شكلها فحسب، ولا يؤثر آخر الأمر في تعاملنا الفعلي مع الأشياء، فإن هذا يتضمن نقدًا للاتجاهين: الاتجاه القائل إن المثالية تؤدي إلى نوع جديد من المعرفة بالأشياء، والاتجاه القائل إنها تعوقنا عن معرفة الأشياء.

أما عن الاتجاه الأول، فمن الواضح — من كل ما ذكرنا في هذا الفصل — أن تعاملي الفعلي مع موضوعات العالم الخارجي سيظل على ما هو عليه سواء أكنتُ مثاليًّا أم ماديًّا، ولن يستطيع أحد أن يجد فارقًا بين صاحب المذهب المثالي وصاحب المذهب المادي في نظرته إلى الشمس أو البحر أو الجبل أو المنضدة من حيث هي أشياء يتعامل معها (ولنكرر هنا ما قلناه من قبل من أن الفلاسفة يبحثون في موضوعات الموقف الطبيعي، أو في العالم الأكبر المنظور والملموس، ولا يمكنهم اتخاذ الموقف العلمي إلا بطريقة غير مباشرة، وبعملية اقتباس مستمدة من مجال العلم، وعلى العموم فمثل هذه الموضوعات أو الأشياء السابقة هي التي كان الفلاسفة المثاليون يحاولون إثبات مثاليتها)، وسيظل كل منهما يسلك نحو هذه الأشياء نفس السلوك، ويفهمها نفس الفهم، وإن يكن «يفسرها» بلغة مختلفة.

ونفس هذا الرد ينبغي أن يوجَّه إلى أصحاب الاتجاه الثاني، فالمثالية — من حيث هي نظرية في معرفتنا لموضوعات العالم الخارجي — لا تعوقنا عن معرفة شيء، وهي لا تنكر أي موضوع من موضوعات ذلك العالم، ولكنها تفسره بلغة مختلفة فحسب، ولم يحدث أنْ قال شخص من المتأثرين بالمثالية: إن هذا الجبل صورة في ذهني، أو راجع إلى صورة كهذه، فليس هناك ما يدعوني إلى كشفه أو ارتياده، ففي مجال التعامل مع الأشياء الواقعية تستوي المثالية والمادية معًا، ولا ينعكس رأي أي مذهب منهما على سلوك الإنسان الفعلي مع هذه الأشياء، أو على درجة معرفته لها.

وإذا كنا قد اتخذنا هنا موقفًا مضادًّا للمثالية على الدوام، فليس هذا راجعًا إلى اعتقادنا بأنها تعوق معرفتنا بالعالم الخارجي أو تؤثر فيها على أي نحو من الأنحاء، وإنما لأنها تقدم تفسيرًا «يتناقض» مع سلوك الإنسان الفعلي، أي لأن الإنسان لا يستطيع أن يسلك في هذا العالم إذا حاول أن يطبق الآراء المثالية على سلوكه هذا تطبيقًا حرفيًّا، فهناك إذن «هوة» بين الآراء المثالية النظرية وبين سلوك الإنسان الفعلي، وهي هوة أشار إليها الفلاسفة المثاليون أنفسهم حين أكدوا أن الإنسان — والفيلسوف نفسه — يعيش في «معظم» أوقات حياته حسب الموقف الطبيعي، ويسلك كما لو كانت الأشياء ذات وجود خارجي بالفعل.

لهذا السبب كان اعتراضنا على المثالية رغم كونها لا تؤثر في «محتوى المعرفة» أدنى تأثير، ولكن هل يعني هذا أن الموقف المثالي لا تأثير له على الإطلاق؟ وهل يعني ذلك أن اتخاذ فيلسوف معين لهذا الموقف إنما هو مجرد اختيار اعتباطي لا يعبر عن شيء؟ وهل الفارق بين الموقف المثالي والموقف الطبيعي فارق في الشكل أو في لغة التفسير، ولا ينعكس على المجال العملي على أي نحو من الأنحاء؟

ليس هذا ما نرمي إليه على الإطلاق، فللمثالية — من حيث هي موقف فلسفي — تأثير فعلي، وهي تعبر فعلًا عن شيء، بل إن لها أصداء عملية غاية في الأهمية، ولكن هذا الصدى أو التأثير يتعلق «بالإنسان» نفسه، وهذا هو موضوع الفصل التالي من هذا البحث.

١  Dialogues Between Hylas & Philonous. (Works, Vol. 1) p. 471.
٢  انظر مثلًا: Principles of Human Knowledge, 1st. part, §. 36, 50.
٣  Ibid, §. 20.
٤  Hume, Treatise … p. 187.
٥  H. H. Price. Hume’s Theory of the External world (Oxford U. P. 1948) P. 10–13.
٦  Trearise, p. 206, Part IV, § Section 2.
٧  Prolegomena, §. 13, Note 3.
٨  Ibid, §. 49.
٩  Prolegomena, §. 36.
١٠  Ibid.
١١  Ibid.
١٢  Critique, B. 274.
١٣  Vol. 1, p. 34.
١٤  Ibid, p. 441ff.
١٥  Vol. II, p. 8.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١