مقدِّمة

١

نسألك اللهم الإلهام والتوفيق. وبعد؛ فقد يسر الله تعالى منذ عشرة أشهر ترجمة ديوان بيام مشرق الذي نظمه بالفارسية الشاعر الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله، وتم طبع الديوان بالعربية في مدينة كراجي حين الذكرى الثالثة عشرة لوفاة الشاعر في شهر نيسان/أبريل سنة ١٩٥١.

وقدمت جماعة إقبال الديوان العربي إلى حاكم باكستان العام في احتفال رسمي حاشد.

وكانت ترجمة أحد دواوين إقبال إلى العربية تحقيق أمنية كبيرة للشاعر رحمه الله، واستجابة لأمل قديم في نفسي، وبلوغ غاية حاولت المسير إليها مرات فعوقتني الشواغل.

وكان لهذه الترجمة أثر بليغ في نفوس علماء باكستان وأدبائها وساستها، وقبول حسن عند قراء العربية.

٢

دعاني هذا الظفر إلى الاستقامة على الطريق لأترجم دواوين أخرى للشاعر العظيم، وهوَّن عليَّ المضيَّ فيما بدأت، واحتمال المشقة فيما تَصدَّيْتُ له، ودعا كثيرًا ممن يعرفني من أهل باكستان إلى أن يتوجهوا إليَّ ناظرين ترجمة أخرى.

وذكرت الديوان الذي هممت بترجمته من قبل، وهو «جاويد نامه» القصة التي بيَّن فيها إقبال كثيرًا من أحوال المسلمين وكثيرًا من آرائه وفلسفته أثناء رحلة في الكواكب دليله فيها الشاعر الصوفي الكبير جلال الدين الرومي صاحب المثنوي.

وما ترددت في إيثار جاويد نامه بالترجمة بعد «بيام مشرق»، ولكن صديقًا أديبًا من محبي إقبال المعجبين به، العارفين بشعره وفلسفته وسيرته، ومن الذين خالطوه كثيرًا في حياته، ولم يدخروا جُهدًا في بيان دعوته والتعريف به؛ اقترح عليَّ ترجمة ديوان آخر.

قال الصديق الأستاذ أحمد برويز: أرى أن تترجم «ضرب كليم»؛ لأنه آخر ما نشر المؤلف وآخر ما نظم إلا ديوان أرمغان حِجاز الذي نشر بعد وفاته، وهو، إلى هذا، تتجلى فيه فلسفة إقبال القوية، ودعوته الصريحة، في أمور معيَّنة جعلها في الديوان فصولًا، ثم جاويد نامه منظومة واحدة طويلة عميقة يحتاج قارئها إلى زاد كثير من الفلسفة والتاريخ، ولا يتيسر إدراك مراميها إلا لقارئ أوتي حظًّا موفورًا من العلم والأدب، ومترجمها لا يبلغ غايته حتى ينتهي منها؛ على حين أن مترجم ضرب كليم ينهي عملًا بترجمة كل قطعة فيه، ويبلغ غاية كلما انتهى من فصل، وهو بعد هذا وذاك، أقل أبياتًا، وأيسر كلفة.

وما زال الصديق يوالي الحجج، حتى وافقته على أن أقدم «ضرب كليم» على «جاويد نامه» مؤخرًا هذه القصة مرة أخرى، والله المستعان.

٣

رأينا أن نجتمع على قراءة الكتاب، واستقصاء معانيه، والتعمق في عباراته وإشاراته، قبل بدء الترجمة.

وتواعدنا أن نجتمع في دار السفارة المصرية من مدينة كراجي، ونوالي الاجتماع كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا حتى نفرغ من الديوان.

وحرصنا على ألا نتفرق عن مجلس حتى نتفق على موعد المجلس التالي؛ خشية أن تصرفنا الأشغال عن هذه المجالس، وكانت أفئدتنا تهفو إليها، وذكراها تحبب إلينا أن نسارع إليها.

كنت أنا والأستاذ أحمد برويز والأستاذ سيد عبد الواحد مدير الغابات في باكستان، وهو أحد المؤلفين في سيرة إقبال وفلسفته، أركان هذا المجلس، وكان يختلف إلينا إخوان من محبي إقبال منهم من يشهد مجالس متتابعة، ومنهم من يشهد جلسة أو جلستين ثم يغبُّ أو ينقطع، فكانت الحلقة تضيق وتتسع.

وكنا بين الحين والحين ندعو إلى وليمة نستكثر فيها من أعضاء جماعة إقبال في كراجي، وندعو إليها رئيسها الفاضل نذير أحمد وزير الصناعة حينئذ.

وكان الأخ أحمد برويز شيخ المجلس، يتولى القراءة والشرح، ويفيض في الإبانة عن آراء إقبال، ويستطرد إلى كلام في الشعر أو الفلسفة، وإلى وصل كلام إقبال بالقرآن الكريم.

وقد سميت المجلس «مجلس إقبال» أو «مجلس الإقبال» وسميت حاضريه «دراويش إقبال» أو «قلندران إقبال» وسميت أحمد برويز شيخ الدراويش أو «شيخ قلندران إقبال».

•••

شرعنا في القراءة عقب عيد الفطر من سنة ١٣٧٠ﻫ، فلما فرغنا كتبت في بياض بالصفحة الأخيرة من الكتاب:

تمت القراءة عشاء يوم السبت خامس المحرم سنة ١٣٧١ﻫ/٦ أكتوبر سنة ١٩٥١م. والحمد لله أولًا وآخرًا ورحم الله إقبالًا.

فقد قرأنا الكتاب في ثلاثة أشهر، ولا جرم أننا شغلنا عن المجلس أحيانًا فلم نتابع مجالسنا على ما قدَّرنا.

وشرعت في الترجمة ليلة الاثنين حادي عشر شوال سنة ١٣٧٠ﻫ/١٦ تموز ١٩٥١م، فلما فرغت منها كتبت تحت السطور التي أرخت فيها إتمام القراءة:

يسر الله الفراغ من الترجمة عشاء ليلة الأحد ١٨ صفر الخير سنة ١٣٧١ﻫ/٨ تشرين الثاني ١٩٥٢م.

فقد شغلتني الترجمة زهاء أربعة أشهر وفرغت منها بعد شهر ونصف من إتمام القراءة.

٤

آثرت أن أطبع الديوان في مصر؛ لأبلغ فيه ما فاتني في بيام مشرق من وضوح الحروف واستكمال الشكل، ولبثت أرتقب سفري إلى الوطن المبارك، فلما بلغته في السادس من كانون الأول/ديسمبر شرعت أُبيِّضُ الديوان وأعده للطبع، بين شواغلَ وأسفارٍ متواليةٍ، وتولى رقمه١ ولدنا الفاضل محمود جعفر الجبالي المفتش بمصلحة الضرائب.

ورغبت إليَّ «جماعة الأزهر للنشر والتأليف» أن يكون الديوان من مطبوعاتها فسلمته إليها شاكرًا، ووددت أن ينجز طبعه وأنا في مصر؛ لأنظر في تصحيحه، ووضع كلمة مكان أخرى أثناء التصحيح، ولكن لم يكن بد من العودة إلى باكستان قبل طبع الكتاب.

فتولى الإشراف على الطبع وإرسال النماذج إليَّ بالبريد الجوي، الأستاذ محمود الجبالي أيضًا جزاه الله خير الجزاء.

•••

إن من سعادة الجَد أن أحقق أمنية الشاعر الفيلسوف العظيم، وأزيد في ثراء لغة القرآن بترجمة بعض دواوين إقبال إلى العربية.

ويزيدني غبطة، ويشرح صدري، أن أنشر ديوان ضرب كليم حين الذكرى الرابعة عشرة لوفاة شاعر الإسلام النابغة، كما امتلأت نفسي سرورًا، وقلبي نورًا، حينما نشرت بيام مشرق في الذكرى الثالثة عشرة لوفاته، كم رجوت أن أترجم من دواوين إقبال، ولكن ما طمعت قط فيما يسره الله لي من ترجمة ديوانين في أقلَّ من ثمانية أشهر، ونشرهما في سنة واحدة.

والحمد لله على توفيقه، وهو المسئول أن يوفق ويلهم ويسدد، وهو حسبي ونعم الوكيل.

مدينة كراجي
١٥ آذار سنة ١٩٥٢م
١٩ جمادي الثانية سنة ١٣٧١ﻫ

هوامش

(١) وضعت كلمة مرقم لما يسمى الآلة الكاتبة، فاستعملت كلمة راقم لمن يسمى كاتبًا على الآلة الكاتبة، ورقم بدل كتب على الآلة الكاتبة، وقد استعملت هذه الكلمات في جامعة فؤاد الأول فلعل استعمالها يشيع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠