أنفس المعارف

كانت الزينة أسبق عهدًا في تاريخ البشر من الملبس، حتى كان بعض المتوحشين يكابدون الألم الأشد في نقش أبشارهم بتصاوير الوشم، ثم يبلغ من قلة احتفالهم بالثياب أنهم يصبرون على نار القيظ وزمهرير الشتاء لا يبتغون منهما مخلِّصًا بالالتفات إلى الملبس، فكان هندي الأوربنوكو الذي لا يبالي براحة بدنه يكدح الأسبوعين ليبتاع صبغة يزخرف بها بشرته، ثم تجد هندية هذه البلاد يهون عليها أن تترك كوخها عارية البدن، ثم يعز عليها أن تبرز للملأ غير منقوشة الوجه. ذلك خلاف ما يبديه أمثال أولئك المتوحشين من تفضيل تافه السلع من خرز وحلي على الأنسجة النافعة، وقد خبرنا السياح عن أولئك المتوحشين ما يدل على استعلاء أمر الزينة في أذهانهم واضمحلال أمر المنفعة؛ وذلك أنهم متى أحرزوا شيئًا من الأقمشة والثياب نكروها، فعادت ذات منظر غريب مضحك؛ كل ذلك طلبًا للزينة. وأعجب من هذا ما أخبرنا به الكبتن سبيك عن خدمة الإفريقيين من أنهم لا يبرحون يختالون في ثيابهم الجلدية والجو صحو، فإذا هطلت السماء طرحوا ثيابهم وراحوا عرايا يرتعدون، فأحوال المتوحشين هذه تدل على أن الملبس إنما نتج من الزينة فهو لها بمثابة الفرع للأصل. فأما أحوالنا نحن فإنما هي من مؤيدات هذا الدليل ومعززات ذلك البرهان، فإن أغلبنا ألهج بجودة النسيج وحُسن التفصيل منه بدفء الثوب وضمانته لراحة أعضائه، أعني أنه مُؤْثِر للمنظر على الفائدة.

ولقد آثر الناس لعقولهم من مواد الحلية مثل ما آثروا لأبدانهم، فرأوا أن أحق المعارف بالعناية وأولاها بالإتقان أقربها إلى الزينة وأجدرها أن يزهَى به، تاركين ما قد يكون به عماد نفعهم وقوام عيشهم، فكان جلُّ ما يهتم به قدماء اليونان فن الموسيقى والشعر والبلاغة والفلسفة التي لم يكد يكون لها بأعمال الحياة مساس، حتى جاء سقراط واعظًا ومعلمًا، فأما المعارف المُعِينة على العيشة فلم تنَل لديهم إلا حظًّا خسيسًا، وهي طبيعة لم ينفرد بها قدماء اليونان دوننا، فلقد يدخل أحدنا المدرسة، ثم يغادرها وقد شحن ذهنه بأشياء قلما يجد في سبيل الحياة محلًّا لاستعمالها، فمن هذه لغتا اليونان والرومان القديمتان، فقد يمضي العمر ولا نجد من أنفسنا حاجة إليهما، وأي حاجة تكون للصانع أو التاجر أو الزارع إلى هاتين اللغتين؟ ولولا التمسك بالعادات والانقياد لأهواء الجمهور لما فاز هاتان اللغتان منا بنصيب، فنحن بذلك نزخرف عقولنا كما نزخرف ثيابنا، فنكون كهندي الأوربنوكو الذي يصبغ وجهه لا لنفع يبتغيه، وإنما اتقاء الذم واللوم، وجريًا على عادة بلاده.

ولقد كان حظ الزينة في العصور الأوَل سواء عند الرجال والنساء، فلما جاءت المدنية خضعت عناية الرجال بزخرف اللباس إلى عنايتهم بمجيئه مريحًا للأعضاء، وعنايتهم بالنافع من المعارف إلى عنايتهم بالمزين المحلي. فأما لدى النساء فلم يبلغ التغير في هذين المذهبين مبلغه عند الرجال، فإن لبس الأشناف والخواتم والأساور وترطيل الشعر وترجيله وتضفيره واستعمال الصبغ وشدة التأنق في جعل اللباس سابيًا للنواظر، واحتمال المرأة تعب الأعضاء طلبًا لموافقة الأهواء؛ كل ذلك يثبت أن رغبة النساء في إعجاب الناس أعلى من رغبتهن في إحراز الدفء والراحة. وكذلك في أمر تعليمهن تجد في تغلب المعارف الكمالية على الضرورية برهانًا على هوان الفائدة وصغرها في جانب الإعجاب بالزخارف والملح. فكم من الوقت يُصرف في تعلمهن الموسيقى والرقص والرسم، فإذا سألت: «لِمَ يتعلمن الألمانية أو الإيطالية؟» قيل لك: «لأنهما من كماليات السيدة.» ولعلك كنت تظن أنهن يتعلمن هاتين اللغتين لقراءة ما كُتب بهما من المؤلفات الجليلة. ثم تراهن يحفظن تواريخ موالد الملوك وأيام أعراسهم وأوقات وفياتهم مما لا يعود بأدنى فائدة؛ فرارًا من سخط الجمهور وطلبًا لإرضائه.

ولكي تدرك سبب تقدم الزخارف على المنافع سواء فيما يتعلق بالعقل والجسم، يجب عليك أن تعلم أن الحاجات الفردية لم تزل في كافة العصور خاضعة للحاجات الاجتماعية، وأن مجموع الأفراد لم يزل منقادًا للحاجة الاجتماعية السائدة يتوجه أينما صرفته. ولا تحسب أن لا حكومات إلا حكومات الملوك والمجالس النيابية، بل اعلم أن مع هذه حكومات غير معترف بها تنشأ في كافة الدوائر الاجتماعية، حيث يلتمس كل فرد السيادة على من حوله، حتى أصبح تنازع الرئاسة علنيًّا عامًّا تُشمر له الذيول، ويُبذل فيه أهم قوى الحياة، ولم يألُ الناس طلبًا لتلك السيادة إما بجمع المال أو بتوخي الترف والرفه، أو بالتأنق في الملبس أو بإبراز المعارف وإظهار الذكاء، مما يحوك ذلك النسيج المكوَّن من القيود المتنوعة الضابطة لحركات الهيئة الاجتماعية.

ولم يكن حب الاستعلاء والتسلط على نفوس الغير قاصرًا على المتوحش الذي يترنح معجبًا بما زان بشرته من الوشم، مزهوًّا بما حلى نطاقه من السلاح، وإلا كان ذلك الحب قاصرًا على تبيع النساء الذي يجعل من رونق لباسه ورِقة ظرفه وغير ذلك من فضائله سلاحًا يصيد به ما يسنح له من ظباء الأنس؛ بل كان حب التسلط سجية لم يبرأ منها الأديب ولا المؤرخ ولا الفيلسوف، الذين يستخدمون معلوماتهم وملكاتهم في هذا الغرض. وليس أحد منا يقنع بتصريف ملكاته وقواه في صمت ووقار، بل لا ينفك أحدنا ذا قلق وتشوُّف أو يلفت الأنظار إلى نفسه ليروعها بما تحلى به من الفضائل إرادة أن تنقاد له النفوس وتذعن. وهذا هو الذي يدعونا إلى التعلم فعدنا لا نهتم بأنفس المعارف، وإنما نهتم بما كان منها ضامنًا لاستحسان العالم وإجلاله لنا وتشريفه إيانا، وما كان أجلب للنفوذ والمنزلة، وما كان أشد روعة في النفوس واستخفافًا لها، وكما أن الإنسان لا يهمه في حياته حقيقة نفسه وقدرها، بل يهمه رأي الناس فيه ومقداره في نفوسهم، كذلك لا يهمه في أمر التعليم القِيمة الجوهرية للمعارف كما يهمه ما لتلك المعارف من التأثيرات العرَضية في نفوس الغير.

ولقد بلغ من ضعف شأن التعليم وانحطاطه عند الناس، أنهم قلما يتناقشون على وجه الإطلاق في المفاضلة بين القيم النسبية للمعارف المختلفة، وهم في المناقشة في هذا الصدد (على نظام منسوق يؤدي إلى نتائج واضحة) أشد تقصيرًا، كأنهم لا يجدون في أنفسهم حاجة إلى تحديد القيم النسبية لمختلف المعارف، فإذا رأيت أحدهم يميل عن هذا العلم إلى ذاك ويعدل بابنه من هذا إلى ذلك، فإنما يفعل فعله لا عن خبرة وفحص أدى إلى اختيار أنفس المعارف وأفضلها، وإنما أتى ما أتاه إما مجاراة للعادة، أو ميلًا مع هوى نفسه، أو عملًا بوهم كاذب. وأهم ما يدور عليه كلامنا الآن هو تعيين القيم النسبية للمعارف، ولا يصح لنا أن نكتفي بقولنا هذه المعرفة مفيدة وتلك عديمة الفائدة، فإنه ليس من موضوع يتوجه إليه الناس، إلا وله بعض القيمة، فليس يعدم المشتغل بعلم الأنساب مثلًا اطلاعًا على بعض العادات والأخلاق القديمة، ولا يفقد الذي يحفظ مقدار ما بين البلاد الشهيرة من المسافات فائدة في بعض أسفاره، إذا حم له التجوال في بعض الأنحاء. حتى الرجل الذي أصبح ولا عمل له إلا استطلاع أنباء الناس قد يحتاج إلى معلوماته لتقرير حقيقة فيما يتعلق بالانتقال الوراثي، غير أنه لا ينكر إنسان أن هذا إضاعة للوقت في غير حقه وانصراف عن النافع الجليل إلى التافه الضئيل، إذ لا نسبة بين النصب المحتمل في تحصيل مثل هذه المعارف الدنيئة وبين ثمراتها وفوائدها، وليس أحد إلا ويؤثر لابنه غير هذه المعارف التافهة، فإذا كان الناس قد فطنوا إلى القيمة النسبية في هذا الشأن وأذعنوا لحكمها، فلماذا لا يفطنون إليها ويذعنون لحكمها في كل حال؟ ولم نكن لنتشدد كل ذلك التشدد لو أن في أعمارنا من الفسحة ما يستغرق كافة المعارف، ولكن الحياة قصيرة يزيدها قصرًا كثرة الأشغال والهموم، فوجب علينا أن نضن بأوقاتنا إلا عن أجلِّ الأعمال فائدة وأكرمها جنيًا. فقبل أن يصرف أحدنا حينًا من الزمن في تحصيل معرفة لا يدعوه إلى تحصيلها إلا اقتفاء العادة ومجاراة أهواء الناس، يجب عليه أن يتدبر فائدة هذه المعرفة ويوازن بينها وبين غيرها من فوائد المعارف الأخرى التي يفيدها الوقت بعينه.

فليكن ما نهتم به في أمر التعليم تقدير القيم النسبية للمعارف المختلفة، وتمييز ما لا بد منه مما نحن واجدون منه بدًّا.

إذا كان الغرض تقدير القيم النسبية للمعارف المختلفة كان أول ما يلزمنا تعيين مقياس للقيم. وما زال أهل كل معرفة يثبتون لها الفضل والقيمة بإظهار مساسها بأحد أقسام الحياة، فإذا سألت الرياضي أو اللغوي أو الطبيعي أو الفيلسوف بيان ما لعمله من الأثر في أعمال الحياة، وما له من داعية الخير والسعادة نزع إليك بالحجة الناهضة، وصدع بالبينة القاطعة، فإذا سألت الذي يجمع خسيس المعلومات كالمشتغل بجمع النقود والأوسمة من كل ضرب وصنف عن فائدتها وتأثيرها في حياة الإنسان بُهت وأُفحم ولم يجد مناصًا من الاعتراف بعدم نفعها.

وليعلم القارئ أن سؤالنا الأكبر هو كيف نعيش ولا نقصد الجهة المادية للعيشة، بل عامة جهاتها ووجوهها؟ فإنما المسألة الكبرى التي تستوعب في أثنائها جميع المسائل الصغرى هي؛ كيف يكون حُسن التصرف في كافة مناحي الحياة تحت ظلال متنوَّع الأحوال ومتلوِّن الحوادث؟ أعني كيف يكون حسن القيام على العقل والبدن والأشغال والعائلة وحسن السلوك مع العشراء والجمهور وحسن الانتفاع بما شرعت لنا الطبيعة من مناهل النعيم وصرف قوانا في أكبر الأشياء عائدة وأجلها حاصلًا؟ أو بعبارة أخرى: كيف نعيش أكمل عيشة؟ ولما كان هذا أهم ما نحتاج إلى معرفته، وجب أن يكون كذلك أهم مقاصد التعليم وأغراضه؛ أي إن واجب التعليم وعمله إنما هو إعداد أنفسنا للعيشة الكاملة، فإذا أردنا أن نحكم على إحدى خطط التعليم، فلا ينبغي أن نقطع فيها حكمًا إلا من جهة إعداد الطالب للعيشة الكاملة ومبلغها في سبيل هذا الإعداد، وهذا يجب أن يكون مقياس قيم المعارف، ثم ينبغي أن يستعمل هذا المقياس في تقدير القيم بإتقان وتثبت، فإذا شرعنا في تربية الطفل جعلنا نصب أعيننا العيشة الكاملة وترفعنا عن اتباع العادة ومجاراة أهواء الناس، وترفعنا كذلك عن جعل غرضنا من التعليم المنفعة المادية المجردة، وربما كان هذا من أشق الأعمال، بل ربما تنقطع بنا الأسباب دون هذه الغاية، فحسبنا أن نقع من هذه الغاية على قرب، على أن في نتائج هذا العمل التي تكاد تجل عن التقدير خير جزاء من صعوبته ونصبه.

ولنبدأ الآن بذكر الأعمال الرئيسة التي تتألف منها الحياة مُرتبة بحسب أقدارها وهي: (١) الأعمال المبذولة في صيانة النفس مباشرة. (٢) الأعمال المبذولة في صيانة النفس بواسطة إحراز المعاش. (٣) الأعمال القائمة بتربية النسل. (٤) الأعمال القائمة بحفظ العلاقات الصالحة من سياسية واجتماعية. (٥) الأعمال المختلفة التي تشغل أوقات الفراغ، وتصرف في سبيل اللذات والشهوات.

فأما كون هذا الترتيب صحيحًا مستقيمًا؛ فذلك ما لا يحتاج إلى دليل، وأي شيء يكون أهم من الأعمال التي يتخذها الإنسان لصيانة نفسه وحفظ روحه، ولو أن رجلًا أشبه الطفل جهلًا بالأشياء المحيطة به والحركات المكتنفة لشخصه، لما شككنا في أنه هالك لأول خروجه إلى إحدى الطرقات، مهما بلغ عمله في غير ذلك من أعمال الحياة، ولعل الجهل بأحد هذه الأعمال الأخرى أسلم عاقبة من الجهل بهذا العمل؛ لذلك كانت المعارف المعينة على العمل المذكور رأس المعارف وأولها.

ولما كان العمل للرزق أعظم ما يهم الإنسان بعد صيانة نفسه؛ إذ لا يستطيع الإنسان سبيلًا إلى عيالَة عيالِه إلا بعد كفاية نفسه، حق علينا أن نجعله ثاني العمل لصيانة النفس، ولما سبقت العائلات الحكومات، وكان قوام الحكومات أفرادها، ولم يكن قوام الأفراد حكوماتها وجب أن تقدم الأعمال القائمة بتربية النسل على الأعمال القائمة بصلاح علاقات الإنسان الاجتماعية والسياسية أو بعبارة أخرى حيث كان فضل الأمة على حسب أخلاق أفرادها، وحيث كان أضمن الوسائل لاستقامة هذه الأخلاق، إنما هي تربية الأفراد، وجب علينا أن نعترف بتقدم أمر العائلة على أمر الجماعة؛ ولذلك يجب الاعتراف بفضل المعرفة الحادية بنا إلى أول الأمرين السائقة إلى ثانيهما.

وقديمًا كان كل ما يلهج به المرء من الملاهي نتيجة اجتماع الخلق والتفاف البشر، فإن الشعر والموسيقى والتصوير والتمثيل التي هي أشرف ما يصرف فيه الإنسان أوقات فراغه وألذ ما يشتهي لترويح نفسه، لا يتيسر ارتقاؤها إلا باستحكام عرى الاجتماع واستمساك أواصر المعاشرة، ولم يكن الأمر في هذه الملاهي قاصرًا على استحالة رقيها، إلا مع امتداد عصر الاجتماع ووثاقة أركانه، بل كانت مواضيع هذه الملاهي وموادها إنما يتكوَّن غالبها من الأفكار والعواطف الاجتماعية؛ لذلك كان حسن القيام بواجبات المجتمع الإنساني مقدمًا على العمل في سبيل هذه الملاهي وإحراز فنونها. ومن الوجهة التعليمية كان إعداد الطالب لأول الأمرين مقدمًا على إعداده للآخر.

لذلك يجب أن ترتب أقسام التربية على النسق الآتي: (١) التربية المعدة لصيانة النفس مباشرة. (٤) المعدة لصيانة النفس بواسطة إحراز المعاش. (٢) المعدة لتربية النسل. (٣) المعدة لحفظ العلاقات الاجتماعية والسياسية. (٥) المعدة لفنون الملاهي. ولا نقول: إن بعض هذه الأقسام منفصل عن بعضه انفصالًا تامًّا، وحاشانا أن ننكر أنها مشتبكة الأجزاء، بحيث لو تعلَّم الإنسان أحدها لألمَّ بأطراف الباقي، على أنَّا نراها مع ذلك بينة الفواصل، يطرد نسقها على الترتيب السالف الذكر، إذ كان ما يوازيها من أقسام الحياة يجري كذلك على النسق المذكور.

ولا شك في أن أمنية الناس من التعليم تمام إعداد الطالب في أقسام المعرفة التي ذكرناها، ولما لم يكن ذلك في طاقة الإنسان، وجب علينا أن نبذل لكل قسم من جهدنا على حسب قيمته واستحقاقه، فلا نؤثر أحدها بالانقطاع إليه، وقصر أنفسنا عليه، واستنزاف أيامنا في معاناته، وإن كان من الأهمية بالمكان الأرفع، بل لا ينبغي كذلك أن نقف جهدنا على اثنين من هذه العلوم أو ثلاثة أو أربعة، ولكن يجدر بنا أن نشملها جميعًا بالتفاتنا، ثم يكون أعظم الالتفات للأنفَس قيمة، وأصغر العناية للأرخص قدرًا.

ومع مراعاة ما قدمنا من تنظيم التعليم على النسق السالف والتقدير السابق، يجب علينا أن لا نزال نذكر المسائل الآتية:

وذلك أن المعارف من جهة أقدارها تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ فأولها: ما كان ذا قيمة ثابتة لا ينقص منها الدهر ولا الحوادث، وثانيها: ما يكون ذا قيمة يكون بقاؤها رهنًا ببقاء شيء من الأشياء، والثالث: ما كان لا قيمة له إلا في اصطلاح الهيئة الاجتماعية. فالأول كقواعد العلوم الطبيعية، والثاني مثل الفائدة الجديدة التي نزدادها في لغتنا (الإنكليزية) بتعلم اليونانية واللاتينية، فإن هذه الفائدة لا تدوم إلا ريثما تدوم اللغة الإنكليزية، وأما الثالث فمثل الأسماء المسرودة وأسماء السنين والأشهر والأيام والحوادث العديمة المعاني مع الثمرات التي يسميها أساتذة المدارس علم التاريخ كذبًا وافتراءً، فإن هذه الأشياء مما لا مساس له بأعمال الإنسان البتة، وليس ما يدعو إلى تعلمها إلا اتقاء لوم الجمهور الذي يرى عدم معرفتها جهلًا ضلة منه وحماقة.

ولما كانت الحقائق التي تفيد البشر أجمع طول الدهر أهم من تلك التي تخص قسمًا من الناس لمدة محدودة، وهي كذلك أهم بكثير من الحقائق التي تخص قسمًا من العالم مدة بقاء هوى من أهواء الجمهور، حتى إذا ما انقضى ذلك الهوى سقطت قيمة الحقائق المذكورة، وجب أن تقدم المعارف ذات القيم الثابتة على النوعين الآخرين.

واعلم فوق ذلك أن لكل معرفة تُكتسب قيمتين؛ قيمتها كحقيقة مستفادة، وقيمتها كغذاء للذهن يقوم به صلاحه ويكمل نماؤه.

فخلاصة ما تقدم أن الحياة منقسمة إلى أعمال متسلسلة الأقدار تتوالى قيمها كما تتابع فرائد العقد، وأن المعارف من جهة الفضل ثلاثة أقسام؛ ذات فضل ثابت على العصور وبين كافة الأمم، وذات فضل زائل على القرون بيد أنه خاص بشطر من الناس، وذات فضل عرفي اصطلاحي لا حقيقة له. وأن لكل معرفة مكتسبة قيمتين؛ قيمة ترجع إلى المعلومات المستفادة منها، وأخرى ترجع إلى أثرها في الذهن.

وقد كفينا جزءًا عظيمًا من مئونة القيام بصيانة أرواحنا، فاضطلعت الطبيعة بهذا العمل الجسيم الذي أجلته أن يعهد إلى سوء تدبيرنا وخرقه، فإن الطفل في مهده يخفي وجهه إذا أبصر شخصًا غريبًا، فيبدو بذلك ما ركب فيه من غريزة حفظ النفس بالفرار من المجهول الذي ربما كان ضارًّا، فإذا نما ودرج فقاربه كلب غريب كان في انزعاجه وعدوه نحو أمه تتسابق صيحاته دليل واضح على نمو الغريزة المذكورة، هذا وإن الطفل لا يبرح من ساعة إلى أخرى يستفيد بنفسه من تلك المعلومات التي تساعد على حفظ الروح، فتراه يتعلم كيف يعدل ميزان جسمه، وكيف يحاذر العثرات والمصادمات، وكيف يتعرَّف الشيء الصلب الذي يوجع مسه، والشيء الراسخ الذي فيه متكأ ومعتمد، والخوار الذي يهبط به، وكيف يتعلم أن للإبر وخزات وللنار لدغات، وغير ذلك من الفوائد التي تساعد على اجتناب المهالك والمصائب. فإذا ترعرع واشتد فانصرفت قواه في العدو والتسلق والوثوب وغير ذلك من الألعاب ذات الحذق والألعاب ذات الأيد، رأينا في هذه الحركات النامية للعضلات الشاحذة للحواس المنبهة للعقل إعداد الجسم لحسن التقلب بين ما يحدق به من الأشياء والحركات، وإعداده كذلك لملاقاة جسيم الأخطار التي لا تكاد تخلو منها حياة إنسان، وإذ كان لنا من الطبيعة كل هذه العناية والحياطة، رفع عنا أكثر مئونة التربية الخاصة بصيانة النفس، فلم يبقَ علينا إلا إطلاق سبل الطبيعة في تعليمنا ما ذكرت من الفوائد، وعدم الوقوف في وجهها، كما يفعل بعض المربيات من منع بناتهن مباشرة الألعاب التي تطلبها طباعهن، فيحرمنَهنَّ بذلك ما كنَّ مستفيدات باللعب والمرح من القوة المعينة على أخطار الحياة.

وليس ما ذكرنا جميع ما يندرج في طي التربية المعدة لصيانة النفس مباشرة، فإنه فضلًا عن وقاية الجسم من الأشياء المحدقة والحركات المحيطة به، يجب كذلك حفظه من طوارئ الأمراض والموت التي تنشأ عن الإخلال بقانون الفيسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء)، ولا يكفي لإحراز العيشة الكاملة أن نحاذر الحتوف العاجلة والمهالك المفاجئة، بل يجب كذلك اتقاء العاهات والمهالك البطيئة السريان التي تجلبها مخالفة القوانين الصحية، على أن الطبيعة لم تبخل علينا في هذا الأمر الأخير بالإرشاد والهداية، فقد جعلت من مشاعرنا الجسمية وحاجاتنا إدلاء على ما فيه صلاح أجسامنا وصحتها، حتى إن الجوع والبرد والحر لتستدعي لأجسامنا من الخير ما لا نجد بدًّا من إحضاره.

ولو أن الناس يجيبون مطالب هذه الثلاثة وغيرها من الإحساسات قبل أن تجاوز من الشدة حدها؛ لقلت المضار كثيرًا. فإذا أعقب الإنسان كد البدن أو الذهن استراحة ودعة، وإذا كانت الحرارة والجهد الناشئين من انسداد منافذ المكان، يحملان الإنسان على تفتيح هذه المنافذ لتجديد الهواء، وإذا كان أحدنا لا يأكل حتى يجوع ولا يشرب حتى يعطش؛ إذا كان ذلك كله قلَّ أن ترى معدةً فاسدةً، ولكن قد يبلغ من جهل الناس بقوانين الحياة أن يخفى عليهم أن مشاعرهم هي أدلاؤهم الطبيعية، وأن هذه المشاعر هي كذلك أدلاؤهم الناجحة الأمينة، ما لم يفسدوها بكثرة مخالفتهم إياها، وإذا ارتاب امرؤ في أهمية الاطلاع على قوانين الفيسيولوجيا، وفي أن هذه القوانين من أسباب العيشة الكاملة، فدعه يلتفت حوله وينظر هل يرى كثيرًا من الناس قد نصفوا العمر أو صاروا في شطره الأخير، فبقوا سالمين من الأمراض والعلل؟ فقلما نجد شيخًا هرمًا لا يزال جيد الصحة وجمَّ النشاط، وكثيرًا ما نبصر بين الشيوخ المنهوك القوى والمضعضع الأوصال، وذا العلة المزمنة وصاحب المرض الأليم ممن جلب لنفسه الداء بإغفال الصغائر التي قد يعلمها الإنسان بلا كبير مئونة.

فلا نبرح نجد صاحب القلب المعتل من حمَّى أصابته إثر تعرُّض للهواء، والفاسد البصر من الإفراط في القراءة، والمصاب بالعرج لإلحاحه على ساقه في حين توجعه من ضرر لحقها، والذي أمضى أربع سنين يتقلب على فراش المرض لمواصلته كد الذهن بعد ما أعقبه ذلك ضربانًا في القلب، فانظر كيف يجمع فساد الصحة إلى الوجع والضجر والكآبة وضياع الوقت والمال تعذر مزاولة الأعمال أو استحالتها، وكيف أن فساد الصحة يُحدث في طباع المرء سرعة غضب وتهيج مزرية بحسن تدبير الأطفال، وكيف أنها تصيِّر الإنسان عاجزًا عن تأدية الواجبات الاجتماعية، وكيف أنها كذلك تجعل اللذات والملاهي أثقالًا فادحات، فهل بقي بعد ذلك شك في أن الجرائم الجسمية التي قد يجني علينا الآباء بعضها ونجر نحن باقيها أشد أضرارًا بالعيشة الكاملة من كل ما سواها؟ حتى إنها قد تجعل حياة المرء خيبة وخسارًا وثقلًا، على أن الأصل في الحياة أن تكون نعمة لصاحبها ومتاعًا.

وفضلًا عما ذكرنا من مضارِّ مخالفة القوانين الصحية، فإن لها ضررًا آخر: وهو نقص العمر، فإنه لا صحة لما قد يتوهم البعض من أن الجسم المعتل يرجع مع الشفاء إلى حالته الأصلية، فإن لن تلُمَّ بالجسم علة ثم تزول دون أن تترك به أثرًا باقيًا، وإن كان لا يشعر به ابتداءً ولا يعدم مثل هذا الأثر نقصًا في أعمارنا، فإذا كثرت في الجسم أمثال هذا الأثر، كان ذلك أتلف للصحة وأسرع إلى الأجل، وإذا تذكرنا شدة قصور المتوسط لأعمار الناس عن بلوغ الغاية الممكنة للأجل، علمنا عظم الخسارة، ومتى حسبنا ما يفقد الناس بمخالفة قوانين الصحة، ظهر لنا أن نصف الحياة الإنسانية ذاهب ضياعًا.

لذلك كانت المعرفة التي تكفينا فَقْد هذا الضائع من الحياة رأس المعارف وأفضلها، ولا نجزم بأن حصول هذه المعرفة لدينا قامع البتة لهذا الشر، فإنه قد تحصل لأحدنا هذه المعرفة، ثم تدفعه الضرورة إلى عدم العمل بها ومجاوزة حدود الصحة، ومعلوم كذلك أنه قد يكفي المرء هذه الضرورة، ولكن تتسلط عليه شهواته، فتحدو به إلى الخروج عن حدود الصحة، فيشتري عاجل لذة خسيسة بآجل نعمة وفيرة على علم منه بما في ذلك من الغبن والوكس. وعلى كل حال فإن المعرفة الصحيحة إذا أُنزلت من النفوس حق منزلتها لم تعدم أثرًا شديدًا ونفعًا جمًّا. ثم لا بد من نشر القوانين الصحية إذا أريد أن يُعمل بها، ونتيجة القول: أنه لما كانت الصحة التامة وآثارها من وفرة النشاط وفرط المرح هي أكبر مواد النعيم والهناء، كانت التربية المُعدة لإحرازها أفضل من كل ما سواها؛ لذلك نقول: إن أهم أركان التعليم يجب أن يكون نظامًا وافيًا من علم الفيسيولوجيا يحتوي على الحقائق الكبرى وتطبيقها على حركاتنا اليومية.

على أنه قد يدهشنا من الكثيرين عَمَاهم أو تعاميهم عن هذا الحق بعد إسفار صبحه، فتجد أحدهم يخجل إذا وقع منه زلل في نطق لفظة من أسماء الخيالات المتعلقة بخرافات قدماء اليونان أو الرومان، ثم لا يستحي أن يكون جاهلًا بأعمال الجهاز الهضمي مثلًا، أو مقياس حركة النبض، أو كيفية انتفاخ الرئتين، فما أفظع تقدم الزخارف في تربيتنا على المنافع.

ولا داعي للاحتفال في إبانة فضل المعارف المساعدة على حفظ الروح بواسطة إفادة المعاش، فإن ذلك مما يسلم به العالَم أجمع بل ربما عده جلُّ الناس الغرض الوحيد للتربية، على أنهم مع هذا الإقرار بخطارة الموضوع لا يبحثون عن أي المعارف أجلب للمعاش وأضمن له، وقد يعرفون للقراءة والكتابة والحساب أقدارها في هذا الصدد، ثم يقف علمهم عند هذا الحد، فبينما تراهم يتقنون الكثير مما لا مساس له بأعمالهم المعاشية، إذا هم يطرحون شيئًا جمًّا مما له التصاق شديد بتلك الأعمال.

وقد يعلم القارئ أن عامة الناس — إلا طبقات صغيرة جدًّا — لا تخرج أعمالهم عن هذه الثلاثة وهي؛ استخراج حاصلات الأرض وتهيئتها وتوزيعها، وبماذا يبلغ الناس الكفاءة في هذه الأعمال الثلاثة؟ إنما يبلغون تلك الكفاءة باستعمال الطرق الملائمة لخواص حاصلات الأرض، أعني بالاطلاع الصحيح الواسع على خواصها الكيماوية والطبيعية والحيوية كما تستدعي الحالة، أو بعبارة أخرى يبلغ الناس الكفاءة في الأعمال المذكورة بواسطة العلوم.

ولنبدأ بذكر علم المنطق الذي هو عقلي محض، والذي يستفيد به الإنسان تعقلًا للأمور وتبصرًا في العواقب طورًا بالبديهة وتارة بالرَّوية، ويتلو هذا العلم علوم الرياضة؛ فأما فرعها المختص بالعدد فهو المدبر لأزمة الأعمال والمصرف لأعنتها، سواء كانت هذه الأعمال مما يختص بتقدير المقادير أو مسائل البيع والشراء أو تصفية الحساب، ولا حاجة بنا إلى إقامة الدليل على فضل هذا الفرع المختص بالعدد.

فأما مسائل البناء والتركيب فإنها تحتاج إلى الفرع الأخص من علوم الرياضة، فهذا النجار ورافع الجسور يستعينان على أعمالهما بقوانين العلائق المسافية.

كذلك المساح الذي يزرع الأرض، والمهندس الذي يبدع صورة المنزل قبل بنائه، والبنَّاء الذي يضع القواعد، والنحَّات الذي ينعم نحت الحجارة ويجيد تقديرها، وغيرهم من العمال الذين يكملون مرافق المنزل، ويتمون آلاته كلهم يعملون بالقوانين الهندسية. كذلك صناعة السكك الحديدية تدور على محور الهندسة التي تكون أيضًا قوام الأعمال الخاصة بالمواني ومستودعات السفن، وخلافها من أشغال المباني التي تستغرق الشواطئ وتنتثر على وجوه البلاد وأشغال المعادن (المناجم) التي تنفسح في بطون الأرض. ولقد استفاضت فوائد الهندسة حتى تناولت الزارع الذي أصبح يستعين بها على بعض أموره.

ولينظر القارئ الآن إلى العلوم التي هي حسية وعقلية معًا، أعني العلوم الحسية العقلية، فإن نجاح الصناعات الحديثة رهين باستعمال أبسط هذه العلوم، وهو علم الميكانيكا، فإنما نحتاج في جميع حاصلاتنا إلى الآلات، والآلات كما تعلم لا تقوم إلا بهذا العلم. فهذا البسكويت الذي تأكله إذا استقريت تاريخه علمت أنه تقلب بين أعمال شتى كان للميكانيكا حظ وافر في إصدارها، فإنما حُرثت الأرض التي أنبتت قمحه بمحاريث قد صُنعت بواسطة الآلات، والآلات كما قدمنا من صنع الميكانيكا، ثم كان حصد القمح ودراسه وطحنه وتحويله بسكويتًا بواسطة الآلات كذلك. وهذه غرفتك التي تحتويك إذا كانت جديدة فربما قد صُنعت حجارتها بواسطة الآلات، وقدر خشب أرضها ونعم بواسطة الآلات، والنضد والكرسي والبساط والستائر كل هذه نتائج الآلات. ثم ثيابك سواء موشية أو ساذجة؟ ألم تُنسج بها بل ربما خِيطت بالآلات؟ والكتاب الذي بيدك ألم تُصنع أوراقه ويُجلد بالآلات، ثم انظر إلى مساس الآلات بأعمال التجارة والنقل والتوزيع في أنحاء البر والبحر، ألا ترى أن نجاح هذه الأعمال رهن بأن تخدمها قواعد الميكانيكا؟ حتى إن المهندس الذي يخطئ تقدير قوى المواد التي يؤلف منها جسرًا يجيء جسره مليًّا بالكسر في حين ما، ثم لا يطيق صاحب الآلة الجيدة لصاحب الآلة الرديئة مزاحمة ولا مطاولة، كذلك يكون صاحب السفينة المبنية على القواعد الحديثة أبعد شأوًا وأمضى نفاذًا في أعماق البحار من صاحب السفينة المشيدة على الطراز العتيق، ولما كانت منزلة الأمة بين غيرها إنما تقاس بحذق أفرادها ونشاطهم، علمنا أن حظ الأمة وقف على مبلغها من علم الميكانيكا.

فإذا انتقلنا من شطر هذا العلم (العقلي الحسي) الخاص بالقوى الكائنة بين أجرام المادة إلى شطره الخاص بالقوى الكائنة بين دقائق المادة؛ أفضينا إلى عدة منافع أخرى لهذا العلم. وإنما الآلة البخارية نتيجة القسم الخاص بالقوى الكائنة بين دقائق المادة مقرونًا إلى القسم الأول، وناهيك بفوائد الآلة البخارية التي تغني وحدها عن الملايين من العمال، ومن القسم الأخير الفرع الخاص بقوانين الحرارة، ولا تنسَ ما أفادنا ذلك من اقتصاد الوقود في جملة صناعات، وكيف أفادنا أيضًا في أمر النفخ؛ استبدال النفس الحار بالنفس البارد، وكيف أفادنا كيفية تهوية المعادن (المناجم)، وكيف كفانا غائلة الانفجار بإرشاده إيانا إلى اختراع مصباح السلامة، وكيف أنه هدانا بواسطة الترمومتر إلى تنظيم أشغالنا، ومن القسم المذكور أيضًا الفرع الخاص بالنور، فهذا قد أفاد الأخفش (القصير النظر)، والهرِم الكليل البصر عيونًا جديدة صحيحة، وأعاننا بواسطة المنظار المعظم على استجلاء غوامض الداء وكشف الزغل والتمويه، ومكننا بواسطة المنار البحري من محاذرة الصخور وأمن الكسر والغرق، وكم أرواح وأملاك كان للبوصلة الحظ في إنقاذها، والبوصلة كما تعلم من نتائج المغناطيس والكهرباء، ومن نتائج الكهرباء أيضًا الآلة الكهربائية التي تسمى إيلكتروتيب Electrotype التي نفعت صناعات شتى، والتلغراف الذي سيكون المنظم للأعمال التجارية والمصدر للحركات السياسية، وزد على ذلك فوائد الطب الجمة التي أصبحت أسباب راحتنا ونعيمنا.

فأما فوائد الكيمياء فأكثر وأزيد، فإن صباغة الأقمشة ونقشها قلما تجيء متقنة مجادة حتى تتحرى فيها القوانين الكيماوية، كذلك يجب تحرِّي هذه القوانين سواء في سبك النحاس والصفيح والزنك والحديد والفضة، وفي تصفية السكر وعمل الغاز وغلي الصابون وصناعة الرصاص والزجاج والخزف الصيني، والحقيقة أنه قلما تجد الآن صناعة إلا ولها بالكيمياء مساس، حتى الزراعة قد لحقها ظل هذا العلم، فعاد الزارع يفيد بقواعد الكيمياء خيرًا كثيرًا، فإذا أضفت إلى كل ما ذكرنا الآن فوائد هذا الفنِّ في أمور شتى مثل صناعة الكبريت، وتطهير مجاري الأوساخ وعمل الخبز بلا اختمار واستخراج الطيب والغالية من القاذورات والآذاء؛ علمت أن فوائد الكيمياء تمس كافة صناعتنا، وأن العلم بها يلزم كل من كانت له بتلك الصناعات علاقة قريبة أو بعيدة.

ومن العلوم المنظورة علم الفلك الذي أنتج صناعة الملاحة، ولا يخفَى ما أفادته هذه الصناعة من التجارة الأجنبية التي تقوَّت جزءًا عظيمًا من أمتنا، وتمدنا بكثير من الضروريات وبأغلب مواد الترف والملاذ.

ومن العلوم المنظورة أيضًا علم الجولوجيا (طبقات الأرض)، وله فضل عظيم في فلاح الصناعات، ويكفي في الإشارة إلى فضل هذا العلم أن نذكِّر القارئ بفوائد الحديد الجمة، والفحم الذي لا تكاد تنفد معادنه، ونذكِّره كذلك بمنافع الكلية التي أنشئت لدراسة المعادن والمجمع الخاص بعلم الجولوجيا.

ومن العلوم المنظورة أيضًا علم الحياة، وهذا العلم وإن خف مساسه بما نسميه الصناعات، إلا أنه شديد المساس بألزم الصناعات لنا وأشدها ضرورة أعني صناعة الطعام. ولما كانت الزراعة لا بد أن تنطبق أعمالها على خواص الحياة النباتية والحيوانية، نتج من ذلك أن العلم المتعلق بهذه الخواص هو بالبداهة أساس الزراعة، وقد قرر الزرَّاع عدة حقائق عن الحياة النباتية والحيوانية بمجرد التجارب قبل أن يوضع علم خاص بحياة النبات والحيوان، فمن هذه الحقائق ملائمة أنواع من السباخ لأصناف من النبات، وأن زراعة بعض النبت في أرض مخصوصة يذهب صلاحيتها لنوع آخر من النبت، وأن الخيل لا تجيد العمل مع خفة الغذاء، ومن مثل هذه الحقائق التي لا يبرح الزارع يستفيدها كل يوم تتألف معلوماته عن الحياة النباتية والحيوانية وعلى مقدارها يكون نجاحه. ولما كانت هذه المعلومات على قلتها وغموضها وصغر شأنها هي جد لازمة للزارع، فما ظنك بأهمية هذه الحقائق إذا صارت كثيرة واضحة جلية على أن علم الحيوان والنبات قد بلغ في هذه الأيام مبلغًا عاد على الزارع بالنعم الجزيلة الجمة.

ومثال ذلك ما أفاد العلم المذكور حديثًا من أن نقص الحرارة ينقص من البدن، فلا يجبر ذلك النقص إلا بزيادة الغذاء، فينتج من ذلك أن توفير الحرارة على الجسم توفير كذلك لمادته، فلا يحتاج إلى زيادة في الغذاء، ولهذه الحقيقة حظ كبير في تسمين الأنعام وتوفير العلف، وإليك مثل آخر وذلك أن تنويع الأطعمة نامٍ للجسد ومسهل كذلك للهضم.

وآخر العلوم التي تمس الصناعات هو علم الهيئة الاجتماعية، وطلاب هذا العلم هم الذين يهتمون بأحوال الأسواق المالية، ويتساءلون عن الأسعار الحاضرة، ويتناقشون في مسائل الحاصلات الزراعية وغيرها كالقطن والغلال والسكر والصوف والحرير، ويتفحصون الدلائل ليستجلوا من غرائب الأمور ما يهديهم في أعمالهم.

لذلك كانت معرفة بعض العلوم لازمة لكل من كان مشتغلًا باستخراج مواد العالم، واستبدال بعضها ببعض (أعني المقايضة والتجارة)، وتوزيعها، ومقدار نجاح المشتغل بإحدى هذه الأعمال مترتب على مبلغه من واحد من هذه العلوم أو أكثر؛ لذلك وجب أن يتخذ لنفسه أساسًا من العلم الموضوع ليبني عليه ما عساه يستفيد عند مزاولة عمله؛ ولأن العلم الموضوع ذا القواعد الموضحة المكتسبة بالتعقل والتفهم والحجة والسبب خير من المعلومات المستفادة بالتجارب، فقد نسمع أحيانًا أن أناسًا كثيرًا تساهموا في حفر معدن فحم فصادفوا خسارًا كبيرًا، ولو كان لهم علم بطبقات الأرض لاستدلوا ببعض العلائم على خلو البقعة التي اختاروها من الفحم، فعدلوا عنها وصانوا أموالهم، وطالما نجد من الناس من يحاولون اختراعات، لو أن لهم بعض الاطلاع على العلم لتبينوا استحالتها.

فانظر كيف اطرحت المدارس أغلب العلوم التي هي ألصق المعارف بأعمال الحياة، فلولا ما يستفيده الرجل من مزاولة عمله بعد تركه المدارس باعتقاد أنه أكمل التعلم، لتعطلت صناعتنا التي ما كانت لتوجد لنا لولا المعلومات التي لا تزال تزداد وتتراكم على مر السنين بغير أسباب رسمية، ولو أن الناس لم يتعلموا غير ما تلقوه في المدارس، لبقيت إنكلترا على حالتها في القرون الوسطى أعني عصور الالتزام، وليس لتعليم المدارس أدنى فضل في تلك العلوم التي أمكننا بواسطتها تذليل الطبيعة واستخدامها، حتى أصبح العامل الحقير يتمتع بما لم تنله أعاظم الملوك قبل، وقصارى القول: أن المعارف الحية التي غذتنا بمواد القوة والحياة إنما هي معارف نشأت ونمت في زوايا البلاد وأغفالها الخاملة الخفية، بيد أن المدارس تقضي الزمن في تلاوة الخرافات والكلمات الميتة.

ونذكر الآن ثالث أقسام الأعمال الإنسانية أعني تربية النسل، وكفى برهانًا على شدة إهمال الناس هذا القسم أنه إذا أبادنا الدهر وعفى على عهدنا الجديد، أن ثم نقب أحد الذرية على آثارنا الكتابية، فلم يعثر إلا على مجموعة من الكتب الدراسية، أو لفائف من أوراق امتحاننا، لأدهشه أن لا يجد بين هذه البقايا أقل دلالة على أن تلك الأمة الغابرة مرَّ بخاطرها أن تكون يومًا ما ذات خلف وولد، وكأني بذلك الباحث يقول: «حقًّا إن هذه المعارف لمما يلائم من عزم على البقاء عانسًا (المسن الذي لم يتزوج)، ولقد أرى آثارًا تدل على شغف تلك الأمة بتصانيف الأمم البائدة وتآليف الأمم المعاصرة (حتى كأنما أعوزها من مؤلفات أبناء بلادها ما يستاهل القراءة)، ثم لا أجد كلمة في سبيل تربية النسل، ولا أحسب أن أمة ما يبلغ من جهلها أن تهمل أحق الأمور بالعناية، أو تصل من الحماقة إلى هذا الحد، فلا جرم ربما كانت هذه الآثار من بقايا بعض الكنائس التي لا حاجة لرهبانها وراهباتها إلى أدنى ما يتعلق بأمر الذرية.»

أليس من العجيب أن نعلم حق العلم أن حياة النسل أو موته وصلاح أخلاقه أو فسادها يكون رهنًا بحسن التربية أو سوئها؟ ثم لا نمد الطلبة الذين نعلم أنهم سيكونون آباء بكلمة واحدة في سبيل تربية الولد، إن ذلك هو الداء العضال والمصاب الجلل. أليس من البلاء أن يسلم أمر النشء الجديد إلى تصرف العادات السيئة والغرائز الخبيثة والوهم الكاذب واقتراحات المرضعات الجاهلات وآراء الجدات والأمهات الغبيات؟ أإِذا حاول إنسان مهنة التجارة قبل أن يتعلم شيئًا من الحساب واستعمال الدفاتر، أو أراد أحد أن يشتغل بصناعة الجراحة قبل دراسة علم التشريح، أخذ منا العجب مأخذه وصحنا: «مجنون وايم الله». ثم نبصر الآباء يتكلفون أمرًا عسرًا شاقًّا أعني تربية الولد دون أن يفقهوا من القواعد الجسمية والعقلية والأخلاقية مثقال ذرة، ثم لا يدهشنا ذلك ولا يثير رحمتنا على أولئك الأطفال الأبرياء الذين يذهبون ضحايا جهل الآباء وغرورهم، أليس هذا كما قلت الداهية الدهياء والسوأة السوآء.

وإذا شئت أن تعرف مقدار البلاء الذي يصيب النسل من جهل الآباء بقوانين الحياة، فانظر إلى عشرات الألوف الذين يهلكون بذلك السبب، وأضف إليهم مئات الألوف الذين يبقون ضعفاء موهونين، والملايين الذين يبلغون الشبيبة ولم تبلغ أبدانهم من الصحة المبلغ المطلوب، فترى أحدهم يرسل ابنه في الثوب القصير عاري الساقين حتى يخمش البرد جلده فيعود وكأنه لاحمراره في غلالة حمراء، فيا ليت ذاك الأب درى أن هذا مؤثر في مستقبل حياة طفله إما بالمرض أو بتعويق النمو أو بإضعاف القوى؛ مما يترتب عليه تنغيص عيش الطفل في مستأنف عمره، ثم ترى من الآباء من يقيد أولاده بألوان مخصوصة من الطعام لا يتعدونها، أو يعطيهم من المأكل ما ليس يكفيهم، يفعل ذلك اتباعًا لبعض الآراء المأفونة. ولن يخلو أمر ما من آراء الجهال المدعين، فيعود فعله بالضرر على صحة أولاده، هذا خلاف ما يفعله الآباء من منع أطفالهم اللعب والمرح الذين يبعثون إليه بطبائعهم، وهي غريزة أودعها الله الطفل لخير يريده به، وكلنا يعلم ما يفيده اللعب من تنمية الأعضاء وتقويتها، ولعلك سمعت بهذه القاعدة الشائعة وهي؛ أن العضو ينمو ويقوى مع الحركة، ويضؤل ويضعف مع التعطيل، فإذا حافت بالأولاد عواقب جهل الآباء، قالوا: هذا قضاء وقدر، وأسندوا المصيبة إلى الله — سبحانه وتعالى — وظنوا أن هذه المضار تصيب أولادهم بلا سبب، وهو ظن شائع في العالم. أو قالوا: إن لهذه المضار أسبابًا سماوية وعللًا علوية وهذه غفلة وجهالة، وما أسبابها إلا الإخلال بقوانين الحياة، إلا أن تكون أحيانًا عللًا وراثية، فأي جريمة يجنيها الآباء إذ يتكفلون تربية أبنائهم، فيقصرون في عملهم ألأم تقصير، ويجنون على أولادهم وعلى ذرية أولادهم المرض والضعف والضنى والوجع والضجر والحزن والشقاء والموت.

وليس جهل الآباء وعاقبته في شأن التربية الأخلاقية بأقل منهما في أمر التربية البدنية، فانظر إلى الزوجة الصغيرة الحديثة العهد بزمن الدراسة كيف يكون تخبطها وتعسفها إذا رزقها الله طفلًا، ولا عجب في ذلك فقد قضت في المدرسة حينًا من الدهر لم تشتغل إلا بسفاسف قليلة الجداء، فأما ملكاتها الخاصة بالتبصر والتدبر فأهملت أغلب الإهمال، حتى لم يخطر بذهن الأساتذة أن يمدوها بفكرة واحدة فيما يتعلق بتربية الولد. لا، ولا صادفت الفتاة أثناء الدراسة من المعارف النامية للذهن المقوية للعقل ما يعينها على حسن التصرف في أمر الطفل، على حين جهلها بعلوم التربية وحسب القائمين بتعليم البنات؛ أن تصرف الفتاة زمن دراستها في تعلم الموسيقى وصناعة الخياطة والتطريز وقراءة القصص والتنزه مع أترابها وصواحبها، ومتى أتقنت الغادة هذه الأشياء، فعلى علوم التربية ذيل العفاء، هذه الفتاة تجد نفسها أمام نفس جديدة متفتحة، وهي أجهل الناس بما أمامها من تلك المعضلة التي تصعب على فحول الفلاسفة، هذه الفتاة التي تتكلف علاج النفس الإنسانية هي جد جاهلة بحركات تلك النفس وطبائع هذه الحركات وأعمالها وفوائدها ومضارها، حتى إنها تتهم صالح هذه الحركات بالسوء وفاسدها بالخير، ثم تراها لجهلها بتلك النفس التي تعالج تخطئ وجه الرشاد في مداواتها، فتسيء من حيث تشعر أنها تحسن. ولو أنها في حالات خطئها تترك الطفل وشأنه، لكان أولى وأصلح، فهي في أغلب الأوقات تنهي الوليد عن العمل النافع الصالح، فيكون صنعها ذلك مزراة بفائدة الوليد ونعيمه ومضرة بحلمها وحلمه، ومفسدة لذات بينهما؛ لما يحدث ذلك بين الاثنين من الجفاء والوحشة، وبيان هذا أنها إذا أرادت حمل طفلها على خُلق من الأخلاق الطيبة، اتخذت لذلك وسائل فاسدة ضارة، فإما أن تستدرج الطفل إلى الخُلق المذكور بالرشوة، أو تكرهه عليه بالتهديد والوعيد، أو تسوقه إليه بأن تبعث في نفسه شهوة للصيت والذكر وغرامًا بتملق الناس له ومدحهم إياه، فلا تزيد بذلك على أن تغرس في نفس الوليد خلال لؤم وخسة، وهي النفاق والجبن وحب الذات، ثم هي إذا أوعدت الطفل عقابًا فأخلفت وعيدها وكانت مع ذلك تأمر غلامها بالصدق، لم تزد على أن تعرض لعينه مثالًا في الكذب ووهن العزيمة، وبينما هي لا تبرح توصي ولدها بضبط النفس وكتم الغيظ، إذا هي تحتدم غضبًا لأقل هفواته، فتحل به من العقوبة ما لا يستحق، وفي هذا من سوء التدبير ما فيه، ولعلها قد غاب عنها البتة أن العقوبات الطبيعية هي خير العقاب وأحكمه.

ولولا ما يكون من تغلب عقل الولد متى كبر وبلغ رشده على الآثار السيئة الناشئة من سوء تدبير الأم، ولولا أن نفس الولد تتحول من طبعها، حتى تظهر أخيرًا في الصورة الأخلاقية لنفوس أهل جلدته وجنسه، لفسدت أخلاق النسل كل مفسد.

هذا وقد نرى في التربية العقلية من العسف والجور والإساءة ما نبصره في القسمين السالفين، فإنه ليس من أحد إلا ويسلِّم بأن لخواص الذهن وتنقلاته قوانين محدودة، وإذا كان ذلك فكيف يمكن الأخذ في تربية الطفل على حق دون أن نعرف هذه القوانين؟ أما الآن وقد نرى كافة الآباء إلا النادر وأغلب المعلمين جاهلين كل الجهل بعلم النفس psychology، فلا جرم أن يصبح نظام التربية الحاضر فاسدًا سواء في المادة والطريقة، حتى أصبح المعلمون يمنعون الطلبة من المعارف ما تطلبه عقولهم لشدة حاجتها إليه، ويكرهون في أذهانهم من المعلومات كل مكروهة ممقوتة ينفر منها الذهن لعدم حاجته إليها، وأسوأ من ذلك أن المعلمين إذا استكرهوا الطلبة على مستنكر المعلومات، أساءوا مع ذلك وضع تلك المعلومات وتنسيقها، فقد يظن الآباء والمعلمون أنه ليس للتعليم معنى أكثر من حمل الطلبة على اكتساب المعلومات من صفحات الكتب، فيلقون الكتب في أيدي أطفالهم ليرعوا منها في الوخيم الوبيل جاهلين وظيفة الكتب، وأنها إنما يرجع إليها عند إعواز أقرب وسائل التعلم، وهي تحصيل المعارف من مصادرها، كأن يتعلم الإنسان خواص الذهب مثلًا أو الفضة ببحث أحدهما مشاهدة وسبكًا وتحليلًا، فإذا تعذر ذلك فإلى الكتب مرجعنا، حيث نشاهد الأشياء بأبصار غيرنا، وكأن المعلمين قد غاب عنهم ذلك، فهم يذهبون أول وهلة إلى الكتب لتحصيل المعارف، على حين أنهم بمرأى من مصادرها الأصلية ومعادنها الحقيقية، وكأنما غاب عنهم أن ذهن الطفل بطبيعته متطلع إلى المعلومات دائب في اكتسابها بفضل قوته، مستغنيًا عن معونة الغير، فأولئك الأطفال يستفيدون كل يوم بأنفسهم من المعارف ما لا نكاد نحصيه وكأنما غاب عن هؤلاء المعلمين أيضًا أن للطفل ملكة ملاحظة، هي أبدًا يقظة قلقة متوقدة الحركات، وانهم لغفلتهم وجهلهم لا يزالون يعملون في قدع تطلع هذه الملكة وإخماد حركاتها بصرفهم ذهن الطفل عن ملاحظة الموجودات، ومعاينة الكائنات إلى الكتب والكراسات والأوراق مما ينبو عنه ذوق الطفل، وكان أولى بهم أن يعملوا في زيادة ملكة الملاحظة حدةً ونفاذًا، وما ذلك إلا أن الناس قد ولعوا برموز المعارف دون المعارف نفسها، حتى اطرحوا الأصل وتشبثوا بالرمز وهو وهم باطل قد توارثته الأجيال، فكان لها مضلة ومضرة، ويا ليتهم يعلمون أنه لا يصح أن تجعل الكتب ضمن مصادر المعارف حتى يستوفي الطفل كل المعلومات المتعلقة بجميع الأمكنة التي يغشاها من منزل وطريق وبستان ومزرعة إلى غير ذلك؛ وهذا لسببين؛ أولهما: أن اقتباس المعارف من معادنها بلا واسطة خير من اكتسابها بالواسطة، والثاني: أن فهم الطالب لألفاظ الكتب يكون بمقدار سابق خبرته للموجودات، ثم زد على ذلك الضرر الناشئ من تلقين الأطفال الصغار العلوم العقلية الدقيقة مثل قواعد النحو والبلاغة، وفي ذلك ما فيه من حمل الذهن على الخطة الشاقة الكريهة، وإركابه ظهر كل عوصاء جامحة، هذا خلاف ما يأتيه المعلمون من حرمان الطفل ما يلذ ويألف وتجريعه ما يبغض ويمج كتعليم الجغرافية السياسية بدلًا من الجغرافية الطبيعية، ولا تنسَ المضار الناشئة من تقديم التعاريف والقواعد في التدريس على الجزيئات والتفاصيل، ثم يتخلل جميع الأضرار التي ذكرنا آفة شديدة، وهي حفظ كثير من الألفاظ دون فهم معانيها، وإذا تراكمت على الذهن كل هذه الآفات، فلا عجب أن يصيبه الفساد ويأخذه كل داء نكر.

ينتج مما قدمنا أن التربية البدنية والأخلاقية والعقلية مختلة فاسدة، ولعل أعظم أسباب فسادها هو جهل الآباء وأغلب المعلمين بالمعارف التي يتوقف عليها صلاح التربية، وأناس قد خلت أذهانهم وقلوبهم من كل فكرة وشعور فيما يتعلق بأمر التربية، هل كان ينتظر لهم غير ما هم فيه من فساد الأخلاق والعقول والأبدان؟ أيطلب أحدهم صناعة الخياطة أو التجارة فيسعى سعيه للإحاطة بقواعدها، ثم يروم أن يكون ذا أولاد يربيهم فلا يرى أن يتعلم أدنى شيء مما عساه يعينه على ذاك العمل الكبير المئونة الجسيم الخطر؟ حقًّا؛ إن ذلك هو الجنون بعينه؟ أرأيت لو أن أبًا أفضى به الجهل بقوانين التربية الأخلاقية إلى كسب عداوة أولاده فنفروا منه وهجروا منزله؛ فكان ذلك سببًا إلى شقائهم وخيبتهم، أما كان الأجدر به أن يعير علم الأخلاق ناحية من نفسه ولو استدعى ذلك عدم حفظه ديوان الشاعر اليوناني إيسكلاس؟ وإذا رأيت أمًّا تنوح على غلام ذهب ضحية الحمى، وتكاد تجنُّ كلما ذكرت قول الطبيب لها والغلام في سكرة الموت: «هذه يا سيدتي عاقبة تحميل الغلام من أثقال الدراسة ما لا يطيق.» أإِذا رأيت هذه الأم تلتهب أحشاؤها على غلامها الذاهب قتيل جهلها وقسوتها، أتحسب أنها ستجد عزاءً وصبرًا في إتقانها اللغة اللاتينية أو الإيطالية؟

ومما قدمنا ينتج أن ثالث أعمال الحياة لا يستقيم بدون معرفة قوانين الحياة؛ أعني القواعد الأوَّلية في الفيسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) والبسيكولوجيا (علم النفس). ولعل هناك من يسخر بقولنا هذا، على أنَّا لا نكلف الآباء توغلًا في العلمين المذكورين وإحاطة بخفاياهما، ولو فعلنا ذلك لكان حمقًا منا وسخافةً، وإنما نوجب تعلم القواعد الأصلية الرئيسة. والخلاصة أن نموَّ الطفل جسمًا ونفسًا لا يقوم إلا بقوانين معينة، وأن إهمال هذه القوانين البتة سائق لا محالة إلى الموت، وأنه إن لم يكثر من اتباع القوانين المذكورة، فلن يسلم الجسم والنفس من الأضرار الخطيرة، وأنه لا يستطاع الوصول بالنفس والجسم إلى أكمل حالات الصحة والعافية إلا بتمام اتباع تلك القوانين، فهل يصح للآباء بعد كل هذا أن يفرطوا كل التفريط في أمور التربية؟

قد صرنا الآن إلى رابع أقسام الأعمال الإنسانية أعني ما يجب على الإنسان للمجتمع، فلنتبين ما هي المعارف التي ترشح الرجل لأداء تلك الواجبات، ولا أحسب مدارسنا قد بالغت في إهمال تلك المعارف بعد علمنا أنها تهتم بعلم التاريخ.

ولكن المعارف التي تتألف منها دروس التاريخ تكاد تكون عديمة الفائدة من حيث القدرة على إرشاد الطالب إلى الواجبات الاجتماعية، فقلما تجد من تلك الدروس التاريخية ما يوضح المبادئ الصحيحة للأعمال السياسية، وكيف ينتظر أن يكون في سِيَر الملوك (وهذا جل ما يتعلمه الطلبة) إيضاح للعلوم الاجتماعية؟ أم كيف يرجى أن يكون فيما يتلقاه الطلبة من أقاصيص الملوك ودسائس بطاناتهم ومكايد أعوانهم وأحاديث ظلمهم وغصبهم وما شاكل ذلك؟ كيف يرجى أن يكون في هذا مفسر لتدرج البلاد وترقيها؟

يتعلم الطلبة أنه كان بين ملكين من الملوك شقاق أدى إلى معركة عظيمة، وأن هذه أسماء قوَّاد أحد الجيشين وتلك أسماء قوَّاد الآخر، وأن الجيش الأول نظم على هذا النسق والثاني رتب على ذاك النظام، وأن هذا تألف من كذا فرسان وكذا مشاة وكذا رماة، وذلك تكوَّن من كذا وكذا وكذا، وأنهما التقيا هكذا وافترقا كذلك، وأن أحدهما استعلى على الآخر في هذه الساعة وتضعضع في تلك، وأنه بعد سجال الحرب تمَّ النصر لذلك الجيش، ووقعت الهزيمة في ذاك، وأن هذا عدد القتلى في أحد الفريقين، وذلك عدده في الأخرى. فأي هذه التفاصيل يرجى أن يكون عونًا للطالب على فهم المبادئ الاجتماعية وأداء واجباتها، وربما قال قائل: «أتدري ما تقول يا هذا؟ تلك وقائع شائقة وحوادث ممتعة وأقاصيص لاذَّة.» فأقول: نعم هي شائقة ممتعة لاذة، ولكنها عديمة الفائدة قليلة الثمرة، بل ربما كان لها قيمة كبيرة في نفس الغوي الذي أغرمه بها شهوة خادعة، وكم أناس أضلتهم الأهواء الباطلة فأعظموا كل حقيرة تافهة منهم طلاب الآثار القديمة الذين يشترون الأحجار الخسيسة والخرق البالية بأوزانها من الذهب، فهل يرى القارئ أن نجعل أذواق أولئك الضالين موازين لقيم الأشياء؟ كلا، وإذا سلمنا بذلك سلمنا أيضًا بأن وُلوع الناس ببعض المعارف التاريخية ليس حجة على فضل تلك المعارف، وأنه ينبغي لتقدير قيمتها أن نزن فائدتها ونقيس نفعها. فهب أن أحدًا جاءك فقال: إن قطة جارك ولدت؛ أفيكون لهذا الخبر فائدة؟ فهو وإن كان حقيقة إلا أنها حقيقة عديمة الفائدة — حقيقة لا تأثير لها في أعمال حياتك — حقيقة لا تعينك على إدراك كنه الحياة الكاملة — إذا علمت ذلك فاجعل هذا المقياس مقياسًا للمعارف التاريخية المعطاة في المدارس، تحصل على عين النتيجة التي حصلت عليها في أمر القطة، فهذه المعارف التاريخية عديمة النتائج؛ ولذلك كانت حقائق لا تفيد في وضع قوانين للحياة، ووضع القوانين للحياة هو أهم فوائد الحقائق.

وأغلب ما وضع المؤرخون خالٍ من تلك المواد التي هي أحق بأن تدعى تاريخنا، أعني ما يرجع إلى ترقي الأمم وتدرجها في سلم المدنية. وقد أدرك المؤرخون ذلك حديثًا، فأخذوا يهدون إلينا ما يحق إهداؤه، والسبب في ذلك أنه لما كان الملك في العصور السالفة هو الفرد الذي كأنما قد اجتمع في شخصه العالم بأسره، وكان سائر الأمة كالهباء المنثور أو أحقر؛ لذلك كانت شئون الملك زينة التاريخ القديم وغرته وصدره المحلى، وكانت أحوال الأمة منبوذة حيثما أنفق في زوايا التاريخ وأركانه، فلما انعكست الحال على الزمن فأصبحت الأمة ذات الشأن الأعظم واضمحل أمر الملك، وجه المؤرخون اهتمامهم إلى رقي المجتمع، وعادوا يبحثون عن أسباب نماء الأمم وتقلب أطوارها.

فمما نحتاج إليه من هذه المباحث موضوع الحكومة وتكونها ومبادئها وعقائدها وآفاتها، ولا داعي إلى الإفاضة في تواريخ الأشخاص الذين دبروا أزمتها وأفعالهم الشخصية، وليكن البحث غير قاصر على الحكومة الكبرى بل شاملًا كافة فروعها وشعبها، ثم نحتاج كذلك إلى شرح مفصل للحكومة الدينية وتكونها وسلطتها وعلاقاتها بالحكومة المدنية والشعائر والعقائد والأفكار الدينية لا تلك التي يؤمن بها جهرًا وتجحد سرًّا، بل التي يعتقدها الضمير وتمعن أصولها في أعماق السريرة، ثم نحتاج أيضًا معرفة ما لكل طبقة من السلطة على ما دونها، ومظاهر تلك السلطة في الألقاب والتحيات والخطاب، ثم نحتاج كذلك إلى معرفة العادات التي كانت تدبر حركات العيشة داخل المنزل وخارجه، وفيها تلك العادات الخاصة بعلاقة الذكور والإناث وعلاقة الآباء والأبناء، وكذلك نحتاج إلى معرفة الخرافات ما عظم منها وما حقر، ثم يجيء بعد ذلك تفسير نظام الأشغال وانقسامها، وتنظيم الصناعة والعلاقات بين المستخدِم والمستخدَم ووسائل توزيع الحاصلات، وسبل المواصلات، وإيضاح تاريخ الصناعات وارتقائها، ثم يلي ذلك درس حالة الأمة العقلية في أطوارها المختلفة، من حيث مقدار التعليم ونعته والارتقاء في العلوم وكيفية التفكير الشائعة ومبلغ الأمة من الفنون مثل البناء والتصوير والرسم والخياطة والموسيقى والشعر والأقاصيص الموضوعة، ولا يهمل وضع وصف مفصل لعيشة الأمة اليومية وطعامهم ومساكنهم وملاهيهم، ثم يختم كل هذا بوصف الأخلاق العملية والاعتقادية لجميع طبقات الأمة كما تبدو في عاداتهم ومبادئهم وأمثالهم وأفعالهم.

هذه هي الأشياء التي يلزم تفسيرها في إيجاز واختصار ليتمكن الإنسان من فهم الائتلاف الكائن بين وجوه الحياة الاجتماعية، وكيف تغيرت هذه الوجوه على الزمن في أطوار وتبدلت في نماء وتهذب حتى بلغت مبلغها الحالي. تلك هي المعارف التاريخية التي تنفع الطالب وتفيده وتدبر معاملاته، ويصح أن تلقب تلك المعارف بعلم الاجتماع الوصفي.

على أن تحصيل هذه المعارف التاريخية النافعة لا يكون عظيم الفائدة حتى يحرز الطالب مفتاح تلك المعارف، وما مفتاحها إلا علم الحياة وعلم النفس، وهاك تفسير هذه الحقيقة، فاعلم أن المجتمع مؤلَّف من أفراد، وما عمل المجتمع إلا مجموع أعمال الأفراد؛ لذلك كان الباحث عن أسباب المسائل الاجتماعية لا يجد تلك الأسباب إلَّا في أعمال الأفراد، ولكن أعمال الأفراد تتوقف على قوانين طباعهم، فلا يتأتى لك فهم تلك الأعمال حتى تفهم هاتيك القوانين، ثم هذه القوانين إذا أنعم إيضاحها، علمت أنها نتائج قوانين الجسم والنفس؛ لذلك كان علماء الجسم والنفس ترجمان علوم الاجتماع، أو كما قلنا قبل هما مفتاح تلك العلوم.

ونتكلم بعد ذلك عن القسم الخامس من أعمال الحياة، ذلك المشتمل على ملاهي الإنسان وملاذه التي يملأ بها أوقات فراغه، والآن إذ فرغنا من النظر في أي التعاليم أحسن لوقاية النفس ثم لإحراز الرزق ثم لأداء الواجبات الأبوية ثم لتدبير المعاملات الاجتماعية والسياسية، بقي علينا أن ننظر أي التعاليم أحسن لما يخرج عن هذه المسائل من أغراض الحياة، مثل الاستمتاع بالمناظر الطبيعية والكتابات الأدبية والفنون الجميلة على اختلاف أصنافها. وعسى بعض الناس وقد رآنا نقدِم على هذه الممتعات ما هو ألصق بالمصالح البشرية وأمس لها، مراعين في ترتيب أعمال الحياة قيمها الواقعية؛ يتهمنا بالميل إلى إغفال هذه الممتعات التي هي أقل لزومًا من سائر أعمال الحياة، ولا أرى خطأ أكبر من تهمتنا بهذه التهمة، ونحن أشد الناس اعترافًا بقيمة الفنون الجميلة وملاذها، واعتقادًا بأن خلو الحياة من محاسن الشعر والموسيقى والرسم والتصوير وما تحرك هذه في النفس من العواطف يذهب بنصف لذة الحياة وفتنتها، وما أبعدنا من اعتداد هذه الفنون والمناعم قليلة الأهمية، مع اعتقادنا بأنه سيكون لها في مستقبل الحياة البشرية قسم أوفر وحظ أجزل، ومتى ذُلت القوى الطبيعية للإنسان فاستخدمها في صالحه، ومتى كملت له وسائل استنتاج الحاصلات، ومتى بلغ العمل منتهاه في السهولة والخفة وسرعة الإنجاز، ومتى نظمت التربية بحيث ترشح الإنسان للكفاءات الضرورية في وقت أقصر، فتزيد له أوقات الفراغ؛ حينئذ تنال المحاسن الطبيعية والفنية بحقها نصيبًا أكبر من الذهن البشري.

ولكن القول بأن التهذيب في الفنون الجميلة هو من وسائل السعادة الإنسانية؛ خلاف الزعم بأنه من ضروريات هذه السعادة، ومهما بلغت أهمية التهذيب في الفنون الجميلة، فلا بد أن ينزل ذاك التهذيب وراء التربية التي هي ألصق بالواجبات اليومية. وآداب اللغات وسائر الفنون الجميلة كما قدمنا ليست إلا نتيجة الأسباب التي تقوم بها الحياة الفردية والاجتماعية. ونحن نرى غارس الزهر يغرس النبات ابتغاء زهرته، ولا يرى للجذور والورق قيمة سوى أنها سبب إلى طلوع الزهرة، ولكن بينما ترى الزهرة هي الغاية المنشودة والشيء الذي هو أنفس قيمة من سواه وأجل قدرًا، فإن صاحب الغرس لا يزال مع ذلك يرى أن الجذور والورق أعظم فائدة وأكثر أهمية؛ لأنه عليها يترتب طلوع الزهرة، فصاحب الغرس يبذل أقصى الجهد في القيام على غرسه وتعهده له؛ حتى يكون غرسه صحيحًا زاكيًا، ويعلم أنه من الحماقة أن تدفعه شدة حرصه على طلوع الزهرة إلى إهمال الغرس.

كذلك فن التشييد والتصوير والرسم والموسيقى والشعر، يمكننا أن نسميها أزهار الحضارة، ولكن مع الفرض بأن هذه الفنون هي من النفاسة بحيث تفضل الحضارة التي هي أصلها ومنجمها (وهو ما لا يكاد يقرر)، فلا ينكر أن هذه الفنون لا تنمو وتستقيم إلا بعد صلاح الحضارة واستقامتها، وأن التربية التي تؤدي إلى حضارة صحيحة مستقيمة هي أهم التربية وأفضلها.

بناءً على ذلك يظهر لنا جليًّا فساد نظام تعليمنا الذي يهمل الغرس حرصًا على الزهرة، ويصرفه الزخرف عن الجوهر، فبينا تراه لا يمدنا بالمعارف اللازمة لحفظ الأرواح، ثم لا يمدنا من المعارف اللازمة لإحراز الرزق إلا بالنزر اليسير واكلًا الجزء الأوفر من تلك المعارف لمساعي الإنسان في مستقبل العمر يستفيده كيفما تشاء الظروف والحوادث، وبينا ترى ذاك التعليم لا يمدنا بأقل المعارف اللازمة لحسن أداء الواجبات الأبوية، ثم لا يمدنا في سبيل الواجبات الاجتماعية، إلا بكمية من المعارف الخارجة عن الموضوع مما لا مساس له بالاجتماعيات، فإذا أمدنا بمعارف اجتماعية أداها لنا مبهمة مغلقة؛ ترى التعليم المذكور مع كل هذا يغدق عليك المعارف الخاصة بالتزيين والزخرفة والصقل والتهذيب والتذهيب وما شابهها، ونحن مع تسليمنا بالفوائد الكمالية المستفادة من إتقان اللغات الحديثة بوسائل القراءة والحديث والسياحة، لا نقر بأن تلك الفوائد الكمالية جديرة أن يضحَّى في سبيلها ما كان يستفيده الطالب بدلها من معارف هي أحق وأوجب. وهب أن الاشتغال بنفائس التآليف الأدبية يفيد الطالب صحة في التعبير ورشاقة في الإنشاء؛ فليست الصحة والرشاقة مما يوازن بالمعارف التي تدبر تربية الأطفال، ثم هب أن قراءة الشعر المكتوب باللغات المنقرضة تهذب الذوق، فإن تهذب الذوق لا يعادل الخبرة بقوانين الصحة. والكماليات على العموم والفنون الجميلة وكل ما يكون زهرة الحضارة؛ يلزم أن يؤخر عن منزلة التعليم والنظام الذي تقوم عليه الحضارة نفسها، وبما أن هذه الكماليات لا تشغل من حياتنا إلا أوقات الفراغ، كذلك يجب أن لا تشغل من التعليم إلا أوقات فراغه، وبعد معرفة مقدار الفنون الجميلة وتمييز درجتها والاعتراف بوجوب تعليمها منذ يُشرع في تربية الطفل، نبحث في أي المعارف أفيد في هذا الصدد، أيها أصلح للقسم الخامس من أعمال الحياة؟ والجواب عن هذه المسألة مثله عن المسائل السابقة، فإن منتهى الرقي في جميع الصناعات على اختلاف أصنافها مؤسس على القواعد؛ ولولا القواعد العلمية لم يخرج للناس من المصنوعات ما هو غاية في الإتقان والجودة، ولا وجد في الناس من يعجب بتلك الكتابات حق الإعجاب ويقدرها حق القدر، والقواعد العلمية — باعتبار معناها المتعارف الآن — ربما لم يحرزها المشاهير من أرباب الصناعات الجميلة، ولكن هؤلاء المشاهير كان لهم من دقة النظر ما يستلزم الإحاطة بأصول العلم الابتدائية التي هي مبادئ العلم وأحط درجاته، ثم نرى هؤلاء المشاهير قد تخلفوا بمسافات عن غاية الحذق والكمال لقلة أصولهم العلمية وقلة سدادها. وكون القواعد العلمية هي من أساس الصناعات الجميلة تثبت صحته متى ذكرنا أن المصنوعات الجميلة تمثل مظاهر ظاهرة، أو مما يجيش في ضمير الصانع؛ ولذلك تكون جودة هذه المصنوعات على قدر مطابقتها لقوانين تلك المظاهر، ولا تتأتى هذه المطابقة إلا إذا عرف الصانع القوانين المذكورة، وإليك البرهان على ذلك.

يجب على طلاب فن التصوير (صناعة التماثيل) أن يتعلموا مواقع العظام والعضلات البشرية من جسم الإنسان ومواصلها وحركاتها، وهذا جزء من القواعد العلمية، وقد أدركت ضرورته لمنع تلك الأغلاط التي يأتيها المصورون الجاهلون بالقواعد العلمية، ومن الضروري في هذا الصدد أيضًا شيء من العلم بالقواعد الميكانيكية، ولما كانت تلك القواعد قلما يعلمها المصورون كثرت في التصوير الأغلاط الميكانيكية؛ مثال ذلك كل تمثال لا يضمن ثباته في مركزه وبقاؤه في وضعه إلا إذا كان مسقط العمود النازل من مركز الثقل — أو كما يسميه علماء الهندسة الاتجاه — واقعًا على قاعدة الاعتماد، فترى أن الرجل الذي يقف الوقفة المسماة «وقفة الراحة»؛ وهي أن يشد إحدى رجليه ويرخي الأخرى — لا بد أن يقع خط الاتجاه داخل قدم رجله المشدودة، ولكن المصورين الجاهلين بقانون التوازن كثيرًا ما يخطئون تصوير تلك الوقفة، حتى يقع خط الاتجاه بين القدمين، وإلى أمثال تلك الأغلاط يسوقهم الجهل بقانون الاندفاع، فهذا تمثال دنسكوبولس الذي يتفانى الناس في استحسانه، تراه موضوعًا بحيث لا مناص من انكبابه على وجهه متى رُفع المسند.

والحاجة في صناعة الرسم إلى المعارف الفنية — التجريبية إن لم تكن العلمية — أبين وأظهر، فانظر إلى سوء صناعة الصور الصينية وقلة إتقانها تجده ناشئًا من الغفلة عن قوانين المظاهر والإساءة في رسم المناظر الطولية والهوائية. ثم أي سبب تراه في رداءة ما يرسمه الصبي إلا بُعده من الحقيقة وخلافه للأصل، وهو عيب ناشئ من الجهل بكيفيات تغير المناظر بتغير أحوال الأشياء. وإذا أردت أن تدرك أن ارتقاء صناعة الرسم وقف على زيادة الخبرة بكيفية حدوث التأثيرات والآثار الطبيعية، فانظر إلى الكتب والموضوعات التي يدرسها طلاب هذا الفن أو إلى انتقادات الكاتب راسكين، أو انظر إلى الصور التي كانت تُرسم قبل ظهور أكبر الرسامين رفائيل، وأدق الملاحظات إذا هي لم تؤيدِ بالعلم كانت خليقة أن لا تعصمنا من الخطأ. وليس من رسام إلا يسلِّم بأنه قلما يلاحظ اختلاف المظاهر. وهذا المستر ج. لويز على فطنته وبصيرته في فن الرسم قد ساق الجهل بالقواعد العلمية إلى هذه الغلطة في إحدى صوره، وذلك أنه كان يرسم شعرية (نافذة ذات شباك أو باللغة العامية ذات شيش)، فرسم ظل الشباك في الصورة على الحائط المقابل ولكنه جعل حدود هذا الظل خطوطًا محكمة الاستقامة، ولو أنه عليم بقوانين الظل وهيئاته لما وقع في هذه الغلطة. وقد ساقه الجهل بالقواعد العلمية الرسام الشهير المستر روزتي إلى الغلطة الآتية؛ وهي أنه لحظ انحلال الضوء الشمسي (إلى ألوانه السبعة) على إحدى هيئاته المخصوصة، إذ تمر أضواء مخصوصة على بعض السطوح المغطاة بالشَّعر (بفتح الشين)، ولما كان جاهلًا بقوانين الضوء أخطأ تقليد هذا الانحلال فأظهره — في مرسوماته — على سطوح وفي أوضاع لا يتأتى أن يظهر فيها حقيقة. ولعله أدعى للاستغراب إذا قلنا: إن الموسيقي يحتاج إلى القواعد العلمية، ولكن لا يلبث ذلك الاستغراب أن يزول متى بيَّنا أن الموسيقى إنما هي تمثيل راقٍ خيالي للغة الشعور والعواطف، فإن تنوعات الصوت على حسب اختلاف العواطف في النوع والقوة هي أصل ذلك الفن، ولا يُنكر أن في هذه التنوعات الصوتية شيء من الصدفة ومخالفة القواعد؛ ولكنها على العموم خاضعة لبعض القوانين العامة للقوى البشرية، وعلى حسب هذه القوانين تترتب معاني هذه التنوعات الصوتية؛ ولذلك لا تكون النغمات والمراجيع الموسيقية مؤثرة إلا إذا انطبقت على هذه القوانين العامة، ومن الصعب جدًّا إيضاح هذه القضية؛ ولكن حسبنا أن نضرب مثلًا هذه الأغاني التي أمست آفة المجالس، فنقول: إنها مما تحرَّمه قواعد العلم، فإن هذه الأغاني تزري بالقواعد العلمية وتعقها، من حيث إنها توقع على نغمات الموسيقى أقوالًا ليست من قوة التأثير وتحريك العواطف، بحيث تستدعي التعبير الموسيقي، نعم هذه الأغاني مزرية بالقواعد العلمية، من حيث إنها تستعير من النغمات الموسيقية ما ليس له أدنى نسبة إلى الأقوال المنطوقة. وهب أن بعض هذه الأقوال يخرج في أنغام مؤثرة فإنه لا يزال سيئًا؛ لأنه تأثير كاذب، ومعنى كاذب أنه مخالف للقواعد العلمية.

وهذه الحقيقة بعينها مطردة في أمر الشعر، فإن منشأ الشعر هي التعبيرات الطبيعية المختلفة التي تنبعث من شدة التأثر وتحرك العواطف، فقوافيه واستعاراته ومبالغاته إنما هي صفات الحديث المفعل (الكلام المبعوث عن شعور ثائر) مبالغًا فيها؛ لذلك لا يكون الشعر جيدًا إلا إذا طابق قوانين الحركة العصبية التي يجري عليها الحديث المنفعل، فيجب في هذه الصناعة التي إنما هي جمع لصفات الحديث المنفعل مع تجسيم تلك الصفات وتشديدها؛ أن تراعى قواعد التناسب، وأن لا يعطى الكلام نصيبه من المزايا الشعرية جزافًا، فيجب أن يقلل من الأساليب الشعرية متى كان الكلام أقل انفعالًا، وكلما زاد الانفعال زيد من الأساليب المذكورة، فإذا بلغ الانفعال منتهاه بلغت الأساليب غاية الكثرة، والإخلال بهذه القواعد مفضٍ إلى الاضطراب والفساد، وما لكثرة الإساءة في تلك الصناعة سبب إلَّا قلة مراعاة القواعد المذكورة.

وليس الأمر في إتقان الصناعات الجميلة قاصرًا على فهم القوانين الخاصة بالمظاهر التي يصورها الصانع، بل يجب على ذلك الصانع كذلك أن يفهم ما سيكون لمصنوعاته من الوقع والأثر في نفوس من تُعرض عليهم؛ وهذا من مباحث علم النفس، والآثار التي تحدثها مصنوعات الصانع في النفوس تترتب على طباع الأذهان المعروضة عليها هذه المصنوعات، وبما أن هناك صفات مشتركة بين جميع الأذهان، فيلزم أن يقابل هذه الصفات المشتركة قواعد عامة تتوقف عليها الإجادة في الصناعات الجميلة، وهذه القواعد لا يتأتى للصانع إجادة فهمها وحسن اتباعها إلا إذا أبصر كيف تنتج تلك القواعد من قوانين الذهن. وما سؤالك عن مقدار جودة صورة من الصور إلا كسؤالك عما عسى أن تحدثه تلك الصورة من التأثيرات في أذهان الناظرين وعواطفهم، وسؤالك عن مقدار جودة الرواية التمثيلية وحسن تأليفها كسؤالك؛ هل نُظمت مواقفها بحيث تحسن إلفات الحاضرين وتبرأ من كد طائفة ما من العواطف فوق الطاقة؟ كذلك في ترتيب الأقسام الرئيسة لقصيدة ما أو قصة خيالية وفي تركيب أي جملة، يكون حسن التأثير متوقفًا على الحذق والبصر بحسن تصريف مدارك القارئ وحسن تحريك قواه الذهنية، فترى كل صانع يجمع أثناء مدة التعلم وما بعدها ذخرًا وافرًا من الملاحظات والآراء التي ينظم بها عمله، فتتبع أصول هذه الآراء تجدها إنما نبتت من قواعد علم النفس، ولا يكون عمل الصانع منطبقًا على تلك القواعد حتى يفهمها ويفهم نتائجها.

ونحن براء من الاعتقاد بأن قواعد العلم وحدها تجعل الإنسان صانعًا، أو من القول بأن قوانين المظاهر الخارجية والنفسية تقوم مقام المدارك الطبيعية، وإنما الإنسان يولد بفطرته شاعرًا أو صانعًا ما، فإذا لم يولد كذلك فليس في الكون ما يجعله الصانع المنشود، وإنما نقول: إن الطبيعة في أي الصناعات والسليقة في أي الفنون لا تستغني عن المعارف المنظمة أعني قواعد العلم، السليقة تصنع شيئًا كثيرًا، ولكنها لا تصنع كل شيء، وحتى تقترن السليقة بالعلم لا تدرك الغاية القصوى.

والقواعد العلمية كما أسلفنا ليس لزومها قاصرًا على الإجادة في الصناعة، بل هي كذلك لازمة لتبصير الإنسان مزايا المصنوعات الفنية وإدراك أسرارها، فما سبب التفاوت بين الطفل والرجل في إدراك محاسن الصور، إلا أن يكون معرفة الرجل بتلك الحقائق الطبيعية والحيوية التي تمثلها هذه الصور. ولماذا يفضُل الرجل المهذب الرجل الجلف بكثير في فهم الشعر الحسن؛ إلا لأن الأول أصبح لفضل علمه بأعمال الحياة وأشيائها يرى في ذلك الشعر شيئًا جمًّا قد غاب عن مدارك الغبي الجاهل. وإذا ثبت أن فهم المصنوعات رُهن بشيء من سابق الاطلاع على ما تمثله هذه المصنوعات، ثبت كذلك أنه لا يكمل فهم المصنوعات المذكورة إلا إذا كمل فهم الأشياء التي تمثلها، ولكل حقيقة تنشرها التحفة الفنية لذة جديدة في نفس الفاطن، وهي لذة تفوت الجاهل بتلك الحقيقة. وعلى قدر الحقائق التي يمثلها الصانع تكون الملكات التي يقرعها ذلك الصانع والمعاني التي ينبه إليها واللذة التي يبعثها، ولكن لا سبيل إلى الشعور بتلك اللذة حتى يعلم الناظر أو السامع أو القارئ الحقائق التي يمثلها الصانع، ومعرفة هذه الحقائق هي من العلم بالقواعد العلمية.

ثم لا يفوت على أحد أن الأمر في القواعد العلمية (قواعد العلوم الطبيعية) ليس قاصرًا على كونها من لوازم التصوير والرسم والموسيقى والشعر، بل إن العلوم الطبيعية هي في ذاتها شعرية، وليس الرأي المستفيض الذي يقضي بأن الشعر والعلوم الطبيعية هما نقيضان إلا خديعة وتمويه. ولا ريب في أن قوة اليقين وقوة الانفعال تنفي إحداهما الأخرى، حتى إن حدة القوى المفكرة تميت العواطف، وحدة العواطف تميت القوى المفكرة؛ فلذلك كانت هذه الحركات المختلفة متضادة متنافرة، ولكن حقائق العلوم الطبيعية ليست لذلك السبب مجردة من المزايا الشعرية، ولا أن تعلم تلك العلوم مزرٍ بتمرين الخيال وحب البدائع الطبيعية والصناعية، (أو كما يقول الغربيون: حب الجميل) كلا، بل العلوم الطبيعية تفتح لنا كنوز الشعر، حيث لا يبصر الجاهل بتلك العلوم إلا خلاء خاويًا، وقد رأينا المشتغلين بالمباحث العلمية الطبيعية أعظم إدراكًا للمزايا الشعرية المودعة في مباحثهم، ومن غاص في مؤلفات هاج ميلر في فن الجولوجيا، أو قرأ كتابات المستر لوير عن السواحل البحرية، علم أن العلوم الطبيعية أجدر أن توقِد في الذهن ملكة الشعر من أن تخمدها، ومن تأمل حياة غايتي (أكبر شعراء أوروبا في الأعصر الحديثة، وهو ألماني) علم أن ملكة الشعر وملكة العلم الطبيعي قد تجتمعان عند الإنسان في تعادل وتكافؤ، أليس من الحماقة بل شبيه بالكفر الاعتقاد بأنه كلما أنعم الإنسان درس الطبيعة قل احترامه إياها؟ أتظن أن قطرة الماء التي لا تزيد في نظر الجاهل على كونها قطرة ماء، تفقد شيئًا من جمالها في عين الطبيعي الذي يعلم أن أجزاء تلك القطرة مشدودة معًا بقوة لو أنها أُطلقت بغتة لأحدثت وميضًا من البرق؟ وشظية الثلج التي لا يرى فيها الجاهل أكثر من أنها شظية ثلج، ألا تبعث خواطر أسمى وأجل في ذهن المبصر فيها من خلال المجهر (ميكروسكوب، منظار معظم) الأشكال البلورية العجيبة المختلفة؟ والصخرة المستديرة ذات الخدوش هل تظن أنها تهيج من شاعرية الجاهل مثلما تهيج من شاعرية الجيولوجي (العالِم بطبقات الأرض)، الذي يعلم أن تلك الصخرة كان يمر عليها سيل جارف منذ مليون عام؟ والحقيقة أن الذين لم يباشروا العلوم الطبيعية عميان عن أغلب الجمال والفتنة والسحر التي تحدق بهم، ومن لم يجمع في شبابه النبات والحشرات لم يدرك نصف الجمال الذي تلبسه الحقول والرياض، ومن لم يلتمس المتحجرات لم يكَد يدرك الأسرار الشعرية التي تحدق بالأماكن المشتملة على تلك المتحجرات، ومن أقام على ساحل البحر بلا مجهر ولا وعاء لحفظ الأسماك ينقصه أن يعرف أكبر ملاذ السواحل، ولقد يحزننا أن نرى الناس يعنون بالتوافه ثم لا يعنون بأجل المظاهر، لا يعنون بفهم بناء السماوات، بل ينعمون الاهتمام بمناقشة ممقوتة تتعلق بدسائس ماري ملكة الإسكوت، ويبذلون أقصى العناية في انتقاد قصيدة يونانية، ثم يمرون لا يعرجون على تلك القصيدة الجليلة التي نظمتها يد الله من طبقات الأرض.

فقد ثبت كذلك أن القواعد العلمية هي أصلح المرشحات لهذا القسم الخامس من أعمال الحياة، وثبت أن الفنون الجميلة مؤسسة بالضرورة على القواعد العلمية، وأن النجاح في هذه الفنون يتوقف على العلم بهذه القواعد، وكذلك ثبت أن حسن انتقاد المصنوعات وإدراك أسرارها متوقف على العلم بتكوين الأشياء أعني بالعلوم الطبيعية، وأن هذه العلوم لا تقتصر على كونها من وسائل الفنون الجميلة على اختلاف أصنافها، بل هذه العلوم هي في ذاتها — لمن أنعم النظر — ذات مزايا شعرية.

قد نظرنا في قيم المعارف من حيث فوائدها في الإرشاد، وننظر الآن في قيمها النسبية من حيث تأثيرها في الأذهان، ونحن مضطرون إلى الإيجاز في بحث هذا الموضوع، ولا حاجة والحمد لله إلى الإطالة والإسهاب، فاهتداؤنا إلى معرفة خير المعارف لأحد الغرضين قد هدانا بطبيعة الحال إلى خير المعارف لثانيهما، ولا جرم إذا اعتقدنا أن تحصيل المعارف التي هي أنفع لتنظيم أعمال الحياة يتضمن مع ذلك أنفع تمرين لتقوية الملكات الذهنية، ولو احتيج إلى نوع من التربية لإفادة المعارف ثم إلى نوع آخر لتمرين الذهن، لكان ذلك منافيًا لما امتازت به الطبيعة والحكمة الإلهية من حسن الاقتصاد والتوفير، ولم نزل في جميع أنحاء الوجود نجد الملكات تستفيد قوة ونماءً بتأدية الوظائف المفروض عليها أداؤها، لا بتأدية الأعمال الموضوعة (عكس الطبيعية) التي يخترعها الإنسان لترشيح الذرية إلى الوظائف المذكورة. فالهندي الأحمر يستفيد سرعة العدو وخفة الحركة اللتين يترتب عليهما براعته ونجاحه في الصيد والقنص بمطاردته الوحش، فتراه بمزاولة حركات حياته المتنوعة وأعمالها المختلفة يكتسب من توازن القوى الجسمية ما لم تكن لتفيده الألعاب الموضوعة، فإن حذقه في مطاردة الوحش والعدو الذي استفاده بعد طول الدربة والملابسة؛ يتضمن من دقة الإدراك ما لا يفيده التمرين الموضوع الصناعي، وكذلك في جميع الأحوال.

فمن المتوحش الساكن في جنوب أفريقيا الذي أفاده نظر الأشياء البعيدة التي يطاردها أو يفر منها وتحقيق أشخاصها حدة بصر، حتى عادت عينه مثل التلسكوب (المنظار المقرب) — إلى الحاسب الذي مكنه عمله اليومي من جمع الأعداد الكثيرة ريثما تسرد له — نجد أن الغاية القصوى لملكة ما إنما تبلغ بأداء تلك الواجبات التي تنوطها بها ظروف الحياة وأحوال المعيشة. ولا شك ذلك القانون صحيح كذلك في أمر التربية حتى تكون التربية التي هي أرشد وأهدى كذلك هي أنمى للذهن وأشحذ وأمضى، وإليك البرهان:

من المزايا التي تُنسب إلى الانهماك في حفظ اللغات (واللغات كما هو معلوم من أكبر أركان برنامج التربية المعتادة) أن ذلك الانهماك مقوٍّ للذاكرة، وقد يدعي أن تلك المزية من خاصيات الألفاظ، والحقيقة أن العلوم الطبيعية أوسع مجالًا لتمرين الذاكرة، فليس من الأعمال السهلة أن يذكر الطالب كل ما يعلم عن النظام الشمسي، وأصعب من ذلك ذكر كل ما يعلم عن تركيب المجرة — البياض المعترض في السماء، وعدد المواد المركبة التي يكثرها علم الكيمياء يومًا فيومًا — أكبر من أن يعدده إلا كبار الأساتذة. ثم تذكر التركيبات والجاذبيات الجوهرية المختصة بتلك المواد المركبة، لا يتأتى إلا أن يقف الإنسان عمره على دراسة الكيمياء. ثم في تعدد المظاهر التي تبديها الطبقات الأرضية والمظاهر المخصوصة بما يكتن في تلك الطبقات من المتحجرات؛ مادة عظيمة يلزم الطالب لمعرفتها أعوام كد واجتهاد، وفي كل قسم من الأقسام الرئيسة لعلم الطبيعة مثل الصوت والحرارة والضوء والكهرباء من الحقائق ما يرعب لكثرته من حدَّث نفسه بدراسة كل هذه الأقسام. فإذا انتقلنا إلى العلوم الجوهرية زادت الحاجة إلى جهد الذاكرة، حتى إن التشريح البشري يضطر الطبيب الجديد إلى استظهار تفاصيل هذا العلم ست مرات إلى أن يرسخ أخيرًا في ذاكرته. وقد أحصى علماء النبات ما ميزوه من أجناس النبات، فوجدوه ٣٢٠ ألف جنس، بيد أن عدد أجناس الحيوان قد بلغت عند علماء الحيوان مليوني جنس، وقد بلغ من كثرة تراكم الحقائق أمام رجال العلم الطبيعي أنهم أصبحوا لا يستطيعون مزاولة هذه الحقائق حتى يتقاسموها بينهم بدأ وعودًا، إلى أن صار الواحد منهم لا يتقن إلا فرعًا يختص به، ثم لا يعلم عن الفروع المتعلقة بفرعه إلا علمًا عامًّا، وعن غير هذه الفروع إلا معرفة ابتدائية. فلا شك إذن في أن درس العلوم الطبيعية ولو بمقدار معتدل يعطي مجالًا كافيًا لتمرين الذاكرة، وأقل ما في الأمر أن درس هذه العلوم لا يقل في تقوية الذاكرة عن اللغات.

ثم لاحظ أنه بينما العلم الطبيعي يكون على الأقل معادلًا للغات في تمرين الذاكرة إن لم يكن أفضل، فإن له فوق ذلك فضلًا آخر؛ وذلك أن في تعلم اللغات تكون العلائق الكائنة بين الأفكار المراد تثبيتها في الذهن مقابلة لحقائق هي في الغالب من المصادفات، أما في تحصيل العلم الطبيعي فإن علاقات الأفكار المراد تثبيتها في الذهن مقابلة لحقائق معظمها لازم، ولا ريب أن علاقات الكلمات بمعانيها هي من وجهة واحدة طبيعية، وذلك أن تلك العلاقات يمكن تتبع تاريخها إلى حد معين في الماضي، وإن كان يندر الاهتداء إلى أصولها ومنابعها، وأن قوانين هذا التاريخ تكون أحد فروع العلوم العقلية، أعني علم الاشتقاق، وبما أنه ليس من المدعى في تحصيل اللغات على الطريقة المعتادة أن هذه العلاقات الطبيعية بين الألفاظ ومعانيها يبحث عن أصولها وتترسم مواطئها وتوضح قوانينها، يجب إذن التسليم بأنها علاقات عرضية، ولكن العلاقات التي يعطيها العلم الطبيعي هي علاقات سببية، وسيفهمها الطالب كذلك متى أجيد تعليمه إياها. فبينما ترى اللغات تفهمنا العلاقات غير المعقولة، تجد العلم الطبيعي يفهمنا المعقولة، بينا تجد اللغات لا تمرن إلا الذاكرة تجد العلم الطبيعي يمرن الذاكرة والفاهمة.

ثم لاحظ كذلك أن من مزايا العلم الطبيعي على اللغات في تمرين الذهن — أن العلم الطبيعي يقوِّي ملكة الحكم، وقد أحسن الأستاذ فاراداي في خطبة له عن التربية العقلية إذ يقول إن أشيع العيوب العقلية هو ضعف ملكة الحكم، قال ذاك الأستاذ: «لم يقتصر المجتمع الإنساني على جهله من حيث تربية ملكة الحكم. حتى أضاف إلى ذلك الجهل بأنه جاهل بذلك.» والأستاذ المذكور ينسب هذا النقص إلى فقد التربية العلمية، وهذا ما لا ريب فيه، فإن الحكم الصحيح على الأشياء المحدقة بنا والحوادث والنتائج؛ لا يتسنى إلا بمعرفتنا كيف تترتب المظاهر المحيطة بنا بعضها على بعض، ومهما كان مبلغنا من معرفة اللغات فإنه لا يكفل لنا بصحة الاستنتاج فيما يتعلق بالأسباب والنتائج، ولا تستفاد ملكة الحكم الصحيح إلا من التعوُّد على استنتاج النتائج من المقدمات، ثم تحقيق هذه النتائج بالملاحظة والتجربة، ومن فوائد العلم الطبيعي العظيمة أنه يستلزم تعويدنا ذلك الاستنتاج.

ولم يقف فضل العلم الطبيعي على غيره عند تمرين الذهن، بل هو أفضل المعارف كذلك من حيث الرياضة الأخلاقية، فإذا كان لتعلم اللغات تأثير فإنما هو تأييد احترام آراء السلف والخضوع لها. إذ يقول الأستاذ أو المعجم (القاموس) للطالب: «معاني هذه الألفاظ هي كذا وكذا»، ويقول النحو: «القاعدة في هذه المسألة هي كذا وكذا.» فيقبَل الطالب هذه الأقوال قضية مسلمة، وقد اعتاد ذهنه الخضوع للتعليم الاستبدادي؛ ونتيجة ذلك ميل إلى قبول كل ما تقرر بلا بحث. وعكس ذلك الصورة العقلية التي تنتج من تعلم العلم الطبيعي، الذي لا يزال يرجع الطالب إلى التفكير الذاتي، فإن حقائق العلم الطبيعي لا يسلَّم بها بناءً على أقوال الحجج: (الرجال الذين تؤخذ أقوالهم حججًا) وحدها، ولكنها مباحة للتجربة العامة. كلا بل ليسأل التلميذ أحيانًا أن يصل بنفسه إلى النتائج، ثم يعرض على نظره كل جزء من أجزاء الفحص، ولا يطلب إليه التسليم بأي شيء دون أن يسلِّم بصحته، ثم يزيد ثقته بقواه مطابقة نتائجه للحقيقة متى كان استنتاجه صحيحًا، ومن ثم ينشأ ذاك الاستقلال الذي هو من أنفس عناصر الخلق، ولم تقف فوائد العلم الطبيعي الأخلاقية عند هذا، فإن تعليم العلم المذكور متى أجري (كما هو الواجب) على منهج الفحص الحر كان تمرينًا على المثابرة والإخلاص. وقد قال الأستاذ تندال عن البحث الاستنتاجي إنه يحتاج جهدًا وصبرًا وقبولًا لما تجلو لنا الطبيعة في تواضع وصحة اعتقاد، وإنما أول شروط النجاح هو القبول في إخلاص ورضاء باطراح الأفكار السالفة — مهما كانت مألوفة — متى خالفت الحق، وكن واثقًا أن تلك الصفة الشريفة وهي التي لا يُسمع عنها في الدنيا كثيرًا ما يستشعرها المخلص في طلب العلم الطبيعي.

ثم نقرر أخيرًا (وسيعجب القارئ من هذا التقرير) أن للعلم الطبيعي فضلًا على المعارف المعتادة في مدارسنا من حيث التهذيب الديني، ولا نستعمل لفظتي طبيعي وديني هنا بالمعنى الضيق المعتاد؛ بل بأسمى وأوسع معانيهما. والعلم الطبيعي مناقض لا شك للخرافات التي تغتصب اسم الدين، ولكن لا يناقض جوهر الدين الذي تلتف عليه هذه الخرافات وتخفيه. وكذلك يوجد في شيء كثير من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة، ولكن العلم الصحيح الذي فات المعلومات السطحية ورسب في أعماق الحقيقة براء من هذه الروح.

قال الأستاذ هكسلي في ختام خطب له: «العلم الطبيعي الصحيح والدين الصحيح توأمان يذهب انفصال أحدهما من الآخر بحياة الاثنين، وعلى قدر موافقة العلم للدين يكون نجاح العلم ونماؤه، وكذلك الدين يكون نموه وفلاحه على قدر رسوخ أصوله في بطون العلم. ومآثر الفلاسفة الجليلة أجدر بأن تكون ثمار الروح الدينية التي وجهت أذهانهم إلى أقوم مناهج التفكير، من أن تكون ثمارًا لتلك الأذهان ذاتها، ولعل الحقائق آثرت أن تلقي بمقاليدها إلى صبر هؤلاء الفلاسفة وحبهم وصحة نياتهم، وآثرتهم على أن تلقي بهذه المقالد إلى ملكاتهم النظرية والاستدلالية.

وليس العلم الطبيعي منافيًا للدين، بل المنافي للدين هو ترك ذاك العلم، هو الامتناع من دراسة المخلوقات المحيطة بنا، وإليك مثلًا حقيرًا؛ إذا كان أحد الكُتاب لا تزال الناس تمدحه وتثني عليه بأبلغ عبارات الشكر والتمجيد، وإذا كانت مواضيع هذا الحمد والثناء هي حكمة مؤلفات ذاك الكاتب وجلالها وجمالها، وإذا كان مادحو تلك المؤلفات يكتفون بالنظر إلى ظواهرها، فهم لم يفتحوها قط ليفهموا ما تحتويه أي قيمة تكون لذاك الثناء والمدح، بهذه — إذا قست الأمور — حال البشر عمومًا إزاء هذا الكون وصانعه، كلا بل الأمر أسوأ، فلم تكتفِ الناس بالمرور على هذه الأشياء التي يصفونها بالعجب والجمال، دون أن يتأملوها، بل تراهم كثيرًا ما يذمون الصارفي بعض أوقاتهم في مشاهدة الطبيعة، متهمين إياهم بتضييع الوقت في التوافه، بل يحتقرون من أظهر اهتمامًا والتذاذًا بغرائب صنع الله؛ لذلك نكرر القول بأن مخالفة الدين ليست في دراسة العلم الطبيعي، بل في ترك دراسته. فالتوجه للعلم الطبيعي عبادة صامتة، هي اعتراف صامت بنفاسة الأشياء التي تعاين وتدرس، ثم بقدرة خالقها، فليس التوجه للعلم تسبيحًا شفهيًّا، بل هو تسبيح عملي، ليس هو باحترام مدعًى، بل احترام أثبتته تضحية الوقت والتفكير والعمل.

وليست مطابقة العلم الطبيعي للدين قاصرة على ذاك الوجه، بل هما يتطابقان من حيث إن العلم يستوجب الاحترام الشديد والإيمان المحض بتلك الحركات المنتظمة التي تصحب جميع الكائنات، فطالب العلم الطبيعي يؤمن بعد كثرة التجارب بالعلاقات الثابتة التي تربط جميع المظاهر الكونية، ويؤمن بالعلاقة الثابتة بين السبب والمسبب، ويؤمن بلزوم النتائج الحسنة أو السيئة، فبدل الاعتقاد بالعقاب والثواب اللذين تدلي بهما إلينا التقاليد والخرافات، واللذين لا يبرح الإنسان يؤمل ويخشى رغمًا من عقوقه وعصيانه، تجد طالب العلم الطبيعي يرى أن الله — سبحانه وتعالى — أودع عقابه وثوابه في نظام هذا العالم، وأن مخالفة ذاك النظام مصحوبة أبدًا بسوء العاقبة. نعم، تجد طالب العلم الطبيعي يعلم أن القوانين الطبيعية التي خُلقنا لنخضع لها هي قوانين محتومة نافعة، ويعلم أن اتباع تلك القوانين مصحوب أبدًا بارتقاء العالم في معارج الكمال والسعادة؛ لذلك تجد طالب العلم الطبيعي لا يبرح يتشبث بالقوانين الطبيعية، ويلتهب غضبًا لإهمالها، فهو بتأييد مبادئ الكون الأبدية ولزوم طاعتها يدل على صحة تدينه.

وآخر وجوه المطابقة بين العلم الطبيعي والروح الدينية؛ أن العلم هو المعرفة الوحيدة التي تعرفنا حقيقة أقدارنا وعلاقاتنا بأسرار الوجود، فبينما يرينا العلم جميع ما يمكن معرفته، يرينا كذلك الحدود التي لا يستطاع مجاوزتها، ولا يعلم ما وراؤها، ولا يسلك العلم طريق الاستبداد في تفهيم الإنسان استحالة إدراك السبب الأول «الله»، ولكنه ينهج بنا الصراط الأوضح في تفهيمنا هذه الاستحالة، بإبلاغنا جميع أنحاء تلك الحدود التي لا تستطاع إجازتها. والعلم كذلك يرينا (بكيفية لا تعادل ولا تبلغ) صغر العقل الإنساني إزاء ذاك الذي يفوت العقل الإنساني، فبينا ترى العلم يقف أمام التقاليد وآراء الرجال وقفة المترفع المتكبر، إذا به يضرع ويعنو أمام ذاك الحجاب المنيع الذي يستر مالك الملك، فأكرم بذلك من كبر صحيح في تواضع صحيح! وليس غير طالب العلم المخلص (ولا نعني بذلك الذي لا يعرف إلا حساب المسافات وتحليل المركبات، وجامع الأجناس، بل نعني ذاك الذي يتخذ أسافل الحقائق سلمًا إلى الأعالي، حتى يبلغ الحقيقة العليا)؛ نقول ليس غير طالب العلم المخلص يعلم فرط تباعد القوة العامة (التي تتخذ الطبيعة والحياة والفكر مظاهرها) من العلم، بل من الإدراك الإنساني.

والخلاصة أن العلم الطبيعي هو أنفس المعارف من جهة الرياضة الذهنية، ومن جهة الإرشاد إلى أكمل العيش، وتحصيل معاني الأشياء هو من جميع الوجوه خير من تحصيل معاني الألفاظ، ودراسة المظاهر المحيطة هي من حيث التربية الذهنية والأخلاقية والدينية أنفع بكثير من دراسة القواعد النحوية.

فيكون جواب السؤال الذي بدأنا به وهو: أي المعارف أنفس؟ يكون جواب ذلك: العلم الطبيعي. فإنه الأفضل من جميع الوجوه، بلى إن العلم الطبيعي لأفضل المعارف من حيث المحافظة على الروح والحياة والصحة، من حيث الارتزاق، من حيث حسن القيام على الذرية، من حيث فهم الحياة القومية ماضيها وحاضرها مما لا يستطيع الإنسان تدبير أعماله بدونه، من حيث الإجادة في صناعة المصنوعات الجميلة على اختلاف أصنافها وإدراك محاسنها، ومن حيث الرياضيات الذهنية والأخلاقية والدينية، فقد تسهل بفضل ما أعملناه من الفحص ذلك المبحث، وانحل ذاك المشكل الذي توهمناه في بادئ الأمر غاية في الاعتياض والارتباك، ولا لزوم لتقدير قيم الأعمال الإنسانية المختلفة، وقيم ما يلزم من المعارف لترشيحنا لتلك الأعمال؛ إذ نجد أن دراسة العلم الطبيعي (في أعم معانيه) أفضل مرشح لجميع هذه الأعمال، ولا لزوم للفصل بين ما يُنسب من النفاسة والقدر للمعارف ذات القيمة العظيمة الاصطلاحية، وما يُنسب إلى المعارف التي وإن كانت أقل قدرًا إلا أن قدرها ليس اصطلاحيًّا بل حقيقيًّا، إذ نجد أن كل معرفة ثبت لها الفضل الأكبر من جميع الوجوه لا بد أن تكون أفضل المعارف حقيقة، فليس قدرها رهنًا بآراء الناس، ولكنه ثابت ثبات علاقة الإنسان بالكون، فالعلم الطبيعي للزوم حقائقه وخلودها تجده يهم كافة البشر في عموم الأزمنة، ولا يزال الناس سواء في الحاضر أو الغابر أو المستقبل يحتاجون لتنظيم أعمالهم إلى فهم علم المعيشة بفروعه الثلاثة البدني والعقلي والاجتماعي، ثم يحتاجون إلى فهم سائر العلوم كمفاتيح لعلم المعيشة.

ونحن نرى أن دراسة العلوم الطبيعية مع تقدمها على سائر الدراسات أهمية وفضلًا؛ أقلها حظًّا وأخسها نصيبًا عند الناس في هذا الوقت الذي يُفتخر فيه بارتقاء التربية، فبينا تجد أن المدنية لم تكن لترقى لولا العلوم الطبيعية ترى هذه العلوم لا تكاد تنال في نظام التعليم الحالي (الذي يسمونه متمدنًا) مكانًا مرضيًا، وبينا تجدنا نعترف بما أسدى إلينا ارتقاء العلوم الطبيعية من تقويت الملايين حيث لم تكن الألوف تجد الكفاية، ترى أن القليل من هؤلاء الملايين من يعترف بفضل تلك العلوم التي هي أسباب معاشهم. وبينا ترى المعرفة — المستمرة النماء — المبينة لخواص الأشياء وعلاقاتها (أعني العلوم الطبيعية)، لم يقتصر فضلها على تصيير القبائل الرحالة أممًا ضخمة كثيفة، حتى أمدت أفراد تلك الأمم من أسباب الهناء واللذة بما لم يكن يخطر لأسلافهم العراة على بال، أو يدخل في أذهانهم؛ ترى هذه العلوم مع ذلك لا يفسح لها في نظام التعليم العالي إلا مع التكره والتبرم والاستثقال، ولم نكن لولا ازدياد علمنا باطراد علائق الأشياء ونتائج المظاهر ووضع القوانين الثابتة؛ ليطلق سراحنا من أغلال الخرافات الفاحشة، بل لولا العلوم الطبيعية لكنا لا نزال نعبد الأباطيل، ولكنا نتقرب إلى المعابيد الشيطانية بذبح القرابين. ومع كل هذا تجد أن العلوم الطبيعية التي أبدلتنا من الأفكار السخيفة المأفونة نظرًا بعيدًا في عجائب الكون وروائعه، تقابل من أهل الدين بالمعارضة والإنكار والطعن.

وإذا شبهنا المعارف المختلفة بما جاء في بعض الحكم الشرقية، لكان العلم الطبيعي مثل المرأة التي تراها مع خفائها في زوايا النسيان تنطوي على مزايا وفضائل مجهولة، فهي الموكول إليها جميع أعمال المنزل، ولم تنَل المرافق والمناعم إلا بفضل حذقها وعقلها وإخلاصها، فهي مع قيامها بكفاية سائر العائلة وقضاء حوائجهم؛ تجدها تنبذ وراء الظهور حتى يخلو الجو لأخواتها المتكبرات، فيزهين أمام العالم بزخارفهن الحقيرة التافهة، ولكن لم تلبث الحال أن تتغير، فبينا ترى هؤلاء الأخوات المتكبرات قد نبذن في زوايا الإهمال، إذا بالعلم الطبيعي استوى على عرش الملك بما له من التربية العليا في القيمة والحسن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١