رسالة إلى الشاويش «فرقع»

كانت تسلية المغامرين الخمسة خلال الإجازة الصيفية هي لعب الشطرنج. فإذا أقبل المساء اجتمعوا في غرفة العمليات في منزل «تختخ» وانقسموا إلى مجموعتين؛ مجموعة تضم «تختخ» و«لوزة»، والمجموعة الثانية تضم «محب» و«عاطف» و«نوسة»، وتتبارى المجموعتان في لعب الشطرنج، وترتفع صيحات الإعجاب والغضب منهم عند كل لعبة. وكانت غرفة العمليات مجهزة بلوازم التسلية المختلفة، ولكن الشطرنج كان لعبة «تختخ» المفضلة، وكان يعتبرها رياضة ذهنية، ومغامرة مثيرة. وقد استطاع هو و«لوزة» أن يكسبا أكثر المباريات. وذات مساء، سمعوا جرس الباب يدق، والباب وهو يُفتح، وسمعوا في الدور الأول صوتًا مألوفًا لهم يتحدث إلى الطباخة. وبعد لحظات كان «جلال» يفتح باب غرفة العمليات صائحًا في مرح: أيها المغامرون الخمسة … لقد عُدت.

وقام الأصدقاء جميعًا يستقبلون «جلال» بحماسة؛ فقد اشترك معهم قبلًا في «لغز البيت الخفي». وبرغم أن «جلال» هو ابن شقيق الشاويش «فرقع»، إلا أنهم كانوا يحبون «جلال»، وكان هو أيضًا يبادلهم الحب، خاصة أنه معجب جدًّا ﺑ «تختخ»، ويعتبره أذكى ولد في العالم.

قالت «نوسة» ﻟ «جلال»: هل جئت في زيارةٍ عاجلة، أم ستبقى بعض الوقت في المعادي؟

ردَّ «جلال»: لقد جئت في عملٍ يستغرق بعض الوقت.

نوسة: أي نوع من العمل؟

سكت «جلال» لحظات، ثم أخذ يدير عينَيْه في المغامرين الخمسة، كأنه سيقول لهم شيئًا غير متوقع، فقال «تختخ»: أعتقد أن عندك سرًّا تُخفيه يا «جلال»، فهل تقوله لنا أم لا؟

جلال: كيف عرفت أنني أُخفي سرًّا عنكم؟

تختخ: ذلك واضح من نظراتك، ومن صمتك.

جلال: إنني أحمل إليكم لغزًا جديدًا، ولكنه قد لا يهمكم كثيرًا لأنه خاصٌّ بالشاويش «فرقع».

عاطف: الشاويش «فرقع»؟!

جلال: نعم … إنه لغز خاصٌّ به هو شخصيًّا.

قالت «لوزة» بانفعال: قل لنا بسرعة؛ فقد لعبنا «الشطرنج» حتى تعبنا، ومَلِلنا الجلوس في الغرفة بلا حركة.

جلال: سأقول لكم، وإن كنت أخشى أن يغضب عمي الشاويش.

تختخ: دعه يغضب؛ فقد اعتاد أن يغضب منا بسببٍ وبدون سبب.

جلال: إن المسألة خاصة برسائل مجهولة تصل إليه من شخص، وتَلفِت نظره إلى شيء لا يفهمه.

محب: لقد حللنا لغزًا مماثلًا منذ فترة، هو لغز الرسائل الغامضة فهل هناك رسائل غامضة هذه المرة أيضًا؟

جلال: نعم، وهي رسائل غريبة، ولا يمكن العثور على مرسلها.

تختخ: وما هو دورك في هذه العملية؟

جلال: إن الرسائل لا تأتي بالبريد، إنها تصل بطريقة غامضة إلى أماكن متفرقة في منزل عمي، وقد حاول معرفة الشخص الذي يسلم الرسائل ولكنه لم يستطع، كما لم تستطع الطباخة «سيدة» أن تراقب الباب جيدًا حتى ترى حامل الرسائل؛ لأنها بالطبع مشغولة بالعمل داخل البيت، لهذا طلب مني عمي الشاويش أن أحضر إلى منزله، وأجلس في النافذة العليا أراقب كل من يحضر إلى الباب الخارجي لعلنا نصل إلى معرفة حامل الرسائل المجهولة.

نوسة: هذه مهمة مسلية.

جلال: على العكس، إنها مملة جدًّا، فأنا أجلس طول النهار في النافذة وكأنني سجين، أو مريض لا يستطيع الخروج.

تختخ: وهل قرأت هذه الرسائل؟

جلال: بالطبع؛ فقد أعطاها لي عمي لأقرأها، وحتى الآن وصلت ثلاث رسائل.

تختخ: وما هو المكتوب فيها؟

جلال: الرسالة الأولى تقول: ابحث عن القصر الأخضر. والثانية: هل تعرف القصر الأخضر؟ والثالثة: لا تنسَ القصر الأخضر.

تختخ: ماذا فعل عمك الشاويش؟

جلال: لقد بحث عن هذا القصر، فلم يجد في المعادي كلها قصرًا بهذا الاسم، وهو يعتقد أن أحد السخفاء يدبِّر له مقلبًا لإزعاجه، وليس هناك قصرٌ أخضر ولا أحمر.

تختخ: وهل لك ملاحظات على هذه الخطابات؟

جلال: ليس لي ملاحظات، سوى أن هذه الخطابات مكتوبة بطريقة غريبة؛ فليست مكتوبة بخط اليد، ولا على الآلة الكاتبة، ولكنها عبارة عن كلمات مقطوعة من كتاب أو من جريدة أو من مجلة، وكل كلمة ملصقة بجوار الأخرى … حتى المظروف، مكتوب عليه «الشاويش علي» بنفس الطريقة.

محب: وهكذا لا يمكن الوصول إلى كاتب الخطابات كما فعلنا في لغز الرسائل الغامضة؛ فقد استطعنا الوصول إلى الكاتب المجهول بمعرفة خطه.

تختخ: ليس هناك شيء مستحيل الوصول إليه، كل ما هنالك أنني أريد الاطلاع على هذه الخطابات، وسواء أكان الكاتب يمزح مع الشاويش، أم وراء ذلك لغز هامٌّ فسوف نستطيع الوصول إليه.

جلال: في إمكاني أن أُحضر لكم خطابًا أو اثنين للاطلاع عليهما وإعادتهما إلى عمي.

تختخ: إذن سوف ننتظرك غدًا في نفس الموعد.

وخرج «جلال»، وبقي المغامرون الخمسة يناقشون جميع الاحتمالات التي تؤدي إلى معرفة كاتب الخطابات، فقال «تختخ» في النهاية: أفضل حلٍّ أن نعثر نحن على القصر الأخضر، فسوف يعرفنا ماذا يريد كاتب الخطابات منه، وبهذه الطريقة نصل إلى الكاتب.

وانتهى اجتماع الأصدقاء، وخرج الأربعة «عاطف» و«لوزة»، و«محب» و«نوسة»، وبقيَ «تختخ» وحيدًا يفكِّر في القصر الأخضر، حتى حان موعد العَشاء فنزل ليتعشَّى مع والدته فقد كان والده غائبًا.

قالت والدة «تختخ»: لقد وعدتني يا «توفيق» بمساعدتي في إقامة السوق الخيرية التي تشترك فيها معي بعض صديقاتي، ولكنك نسيت كل شيء.

تختخ: آسف جدًّا، ولكني لم أنسَ، لقد اتفقت مع الأصدقاء على أن نقوم غدًا بتنظيف الجراج، وغرفة السطوح، لتخزين الأشياء التي ستُرسلها صديقاتك، وسوف نبدأ من الغد في العمل ونعدكِ أن ينتهي كل شيءٍ في خلال بضعة أيام.

الوالدة: شكرًا … وهذه أول مرةٍ على كل حال تقومون فيها بعملٍ نافع بدلًا من المغامرات والألغاز وغيرها.

تختخ: بهذه المناسبة، ألم تسمعي قط عن قصرٍ يُدعى القصر الأخضر في المعادي؟

الوالدة: القصر الأخضر! لا أذكر قصرًا بهذا الاسم أبدًا.

تختخ: شيء غريب.

الوالدة: ما هو الشيء الغريب؟

تختخ: ألا يكون هناك قصر أخضر في المعادي.

وأخذَت والدة «تختخ» تنظر إليه في دهشة، وهو مستغرقٌ في التفكير، وفجأةً صاح: لقد وجدته … وجدته … وجدته …

الوالدة: ما هو الذي وجدته؟

تختخ: القصر … القصر … لقد وجدت القصر.

الوالدة: من الأفضل لك أن تذهب لتنام، ولا تضيع وقتك في البحث عن القصور الخضراء والحمراء والصفراء … ولا تنسَ أن تقوم غدًا بتنظيف الجراج وغرفة السطوح كما وعدت.

أنهى «تختخ» عشاءه مسرعًا، ثم قفز إلى غرفة العمليات، وبدأ يكتب مذكراته عن اللغز الجديد في دفتره الصغير، حيث اعتاد أن يكتب كل المعلومات الهامة عن الألغاز.

وكان «جلال» قد عاد إلى بيت عمه الشاويش «فرقع»، وكانت مفاجأة مؤلمة له أن وجد أحد الخطابات المجهولة قد وصل في أثناء تغيُّبه عن البيت، وتأكد أن عمه لن يغفر له خروجه دون إذن، ولكنه قرر أن يكون شجاعًا ويعترف لعمه بكل شيء. وعندما عاد الشاويش ووجد الخطاب ثار وأخذ يسب ويلعن، بينما وقف «جلال» صامتًا.

قال الشاويش: لقد ذهبت إذن إلى هؤلاء الأولاد وأخبرتهم بكل شيء؟

جلال: نعم … وأنا أعتقد أنهم سيساعدونك في الوصول إلى الكاتب المجهول، كما فعلوا في لغز الرسائل الغامضة.

الشاويش: هذا كلام فارغ، فلن يتمكنوا من عمل أي شيء، وسوف أصل قبلهم إلى هذا المجنون الأبله، وأضعه في السجن.

وبعد أن قرأ الشاويش الخطاب وضعه مع بقية الخطابات على مكتبه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢