الفصل السادس والعشرون

أزمة

كان بريتشارد أولَ زائر تَوجَّه إلى منزل تافرنيك. كانت الساعة قد أوشكت على الثامنة من صباح الليلة نفسِها. جلسَ تافرنيك، بعينَين غائرتَين ومذهولتَين، على الأريكة وحدَّق عبر الغرفة.

وصاحَ: «بريتشارد! عجبًا، ماذا تريد؟»

وضعَ بريتشارد قبعتَه وقفازاته على الطاولة. كان قد استوعبَ من أول نظرة سريعة بالفعل كلَّ تفاصيل الشقة الصغيرة. كان المعطف والقبعة اللذان كان يرتديهما تافرنيك في الليلة السابقة بجانبه. وكانت المائدة لا تزال مُعَدَّة لإحدى وجبات اليوم السابق. وبصرف النظر عن هذه الأشياء، أكَّدت له نظرةٌ واحدة أن تافرنيك لم يمَسَّ جفنَه النومُ.

سحبَ بريتشارد كرسيًّا مريحًا وجلسَ بروية.

ثم قال: «صديقي الشاب، لقد استنتجت أنك بحاجةٍ إلى المزيد من النصائح.»

نهضَ تافرنيك على قدمَيه. وجفلَ من انعكاس صورته في المرآة. كان شعره مُجعَّدًا، وربطةُ عنقه مفكوكة، وكانت آثار ليلة العذاب الماضية واضحةً للغاية عليه. فشعر أنه في وضع لا يُحسَد عليه.

سألَ: «كيف وجدتني؟ أنا لم أعطكِ عنواني قطُّ.»

ابتسمَ بريتشارد.

وقال: «حتى في هذا البلد، مع القليل من المساعدة، تصبح هذه الأشياء سهلةً بما فيه الكفاية. لقد فكَّرتُ أنك ستكون في أزمة هذا الصباح. كما تعلم، يا تافرنيك، أنا لستُ رجلًا كثير الكلام، لكنك شخصٌ صالح. لقد كنت معي مرتَين في الوقت الذي كنت سأفتقدك إذا لم تكن موجودًا.»

بدا أن تافرنيك قد فقدَ القدرة على الكلام. وعادَ مرة أخرى إلى مكانه على الأريكة. وانتظر ببساطة.

وتابعَ بريتشارد بحماس: «كيف بحق الجحيم تورَّطتَ في حياة هذا الثلاثي الودود، لا أستطيع أن أتخيَّل! أستميحُك عذرًا، أنا لا أقول كلمة واحدة ضد الآنسة بياتريس. كلُّ ما يدهشني هو أنك وهي ما كان يجب أن تجتمعا معًا، أو، حتى إذا اجتمعتما، ما كان يجب أن تتبادلا كلمةً واحدة. كما ترى، أنا هنا لأقول الحقيقة الواضحة. فأنت، من وجهة نظري، نموذجٌ للشاب البريطاني الصلب العنيد من الطبقة المتوسطة. وهؤلاء الأشخاص الثلاثة الذين تحدَّثتُ عنهم، ينتمون — ربما الآنسة بياتريس، بسبب الظروف — لكنهم ما زالوا ينتمون إلى أرض بوهيميا. ومع ذلك، عندما يتغلب المرءُ على مفاجأة كونِك على علاقة حميمة مع الآنسة بياتريس، يُفاجئه شيءٌ أكثرُ إثارةً للدهشة. أنت، رغم الفطرة السليمة التي تظهر في كل مكان في وجهك، كنتَ مستعدًّا في أي لحظة، وفي رأيك أنك مستعدٌّ الآن، لأن تجعلَ من نفسك شخصًا أحمق تمامًا بسبب إليزابيث جاردنر.»

لا يزال تافرنيك صامتًا. فنظر إليه بريتشارد بفضول.

وتابعَ يقول: «اسمع، لقد جئتُ إلى هنا لأقدم لك خدمة، إذا استطعت. على حَدِّ علمي في الوقت الحاضر، هذه الشابة الجميلة لم تخالف القانون ولم تخرج عليه. ولكن انظر يا تافرنيك، لقد خالفَت كلَّ ما هو لائقٌ ومستقيم طَوال حياتها. وتزوجَت ذلك المخلوق المسكين من أجل ماله، ووهبت نفسها عمدًا لإفقاده عقله. إن مأساة الليلة الماضية كانت فَعْلتَها، وليست فَعْلته، رغم أن هذا الشيطان المسكين، سيقضي ما بقي من حياته في مستشفى الأمراض العقلية، وهذه المرأة ستستولي على أمواله لتزدادَ جمالًا بها. والآن، سوف أطلعك على كواليس المشهد يا صديقي الشاب.»

ثم نهضَ تافرنيك على قدمَيه. وبدا أنه قد صار أطولَ قامةً في هذه الغرفة الصغيرة المتهالكة. وضربَ الطاولة الضعيفة بقبضته المشدودة حتى تأرجحَت الأواني الفخارية المرصوصة عليها. كان بريتشارد معتادًا على رؤية الرجال — الرجال الأقوياء أيضًا — تحرِّكهم عواطفُ شتَّى، ولكن بدا أنه يرى أشياءَ مختلفةً في وجه تافرنيك.

صاحَ تافرنيك: «بريتشارد، أنا لا أريد أن أسمع كلمة أخرى!»

فابتسمَ بريتشارد.

وقال: «اسمعني هنا، ما سأقوله لك هو الحقيقة. ما سأقوله لك كنتُ سأقوله في أقربِ وقتٍ في حضور السيدة لو كانت هنا.»

اتخذَ تافرنيك خطوةً للأمام وأدرك بريتشارد فجأةً الرجلَ الذي ألقى بنفسه من خلال تلك الفتحة الصغيرة في الجدار، وحده مقابل ثلاثة، دون أن يفكِّر في الخطر.

وصاحَ تافرنيك بصوتٍ أجشَّ: «إذا قلت كلمة واحدة أخرى ضدها، فسأطردك من الغرفة!»

حدَّقَ بريتشارد في وجهه. كان هناك شيءٌ مدهش في موقف هذا الشاب، وهو شيءٌ لم يستطع إدراكه بالكامل. كان يرى أيضًا أن كلمات تافرنيك كانت قليلةً جدًّا ببساطة؛ لأنه كان يرتجف تحت تأثير عاطفة جياشة.

أعلن بريتشارد ببطء: «إذا كنتَ لن تُنصت، فأنا لن أتحدث. ورغم ذلك، أعتقدُ أنك لا زلت تتمتع بمنطق سليم. ولديك القدرة الطبيعية على الحُكم على الصواب والخطأ، ومعرفة متى يكون الرجل أو المرأة صادقًا. أريد أن أنقذك …»

صاحَ تافرنيك: «صَه!» وتابعَ وهو يتنفسُ بشكل طبيعي أكثر قليلًا الآن: «اسمع يا بريتشارد، لقد أتيتَ إلى هنا قاصدًا أن تفعل الشيء الصحيح … أعرفُ ذلك. أنت شخصٌ جيد، لكنك فقط لا تفهم. أنت لا تفهم نوع الشخص الذي أنا عليه. عمري أربعة وعشرون عامًا، وقد عملتُ من أجل عيشي هنا في لندن منذ أن كان عمري اثني عشرَ عامًا. كنتُ رجلًا، فيما يتعلق بالعمل والاستقلال، في الخامسة عشرة من عمري. ومنذ ذلك الحين وأنا أبذل قُصارى جهدي، وقد عشتُ على الكفاف، وربحتُ القليل من المال حيث لم يبدُ ذلك ممكنًا. لقد شقَقتُ طريقي بصعوبةٍ إلى مناصبَ بدا أنه لا يمكن لأحدٍ أن يفكِّر في إعطائي إياها، لكنني عشتُ طَوال الوقت في ركن صغير من العالَم … مثلما ترى.»

وفجأة رسمَ بإصبعه دائرة في الهواء.

ثم تابعَ: «أنت لا تفهم … لا يمكنك ذلك، ولكن ها هو الوضع. لم أتحدَّث إلى امرأةٍ قط حتى تحدَّثتُ إلى بياتريس. وجعلتْني الصدفةُ صديقها. وبدأتُ أفهم القشور الخارجية من بعض تلك الأشياء التي لم أحلم بها من قبل. لقد ساعدَتني على حقٍّ من نَواحٍ كثيرة. بدأتُ في القراءة والتفكير واستيعابِ أجزاء صغيرة من العالم الحقيقي. كان كل شيءٍ رائعًا. ثم جاءت إليزابيث. التقيتُ بها أيضًا عن طريق المصادفة … لقد جاءت إلى مكتبي من أجل منزل … إليزابيث!»

وجدَ بريتشارد الانخفاضَ المفاجئ لصوت تافرنيك، ولِين ملامحه، شيئًا يكادُ يكون مثيرًا للشفقة.

قال تافرنيك ببساطة: «لا أعرفُ كيف أتحدَّث عن هذه الأشياء. هناك أدبياتٌ تم الوصول إليها من قِبَل الكتاب المقدس إلى الآن، ممتلئةٌ عن آخرها بهذا الشيء وحده. إنه قديمٌ قِدمَ التلال. أعتقدُ أنني الرجل العاقل الوحيد في هذه المدينة الذي لا يعرف شيئًا عنه؛ لكني لم أعرف شيئًا عنه حقًّا، وكانت هي أولَ امرأة. أنت تفهم الآن. لا أستطيع سَماع كلمة ضدها … لن أفعل! قد تكون ما تقولُه. إذا كان الأمر كذلك، فعليها أن تُخبرني بذلك بنفسها!»

«هل تقصد أنك ستُصدِّق أيَّ قصة تحب تأليفها؟»

أجابَ تافرنيك: «أقصدُ أنني ذاهبٌ إليها، وليس لديَّ أيُّ فكرة على الإطلاق عما سيحدث — هل سأصدقها أم لا.» وواصلَ حديثه مستعيدًا شخصيتَه الحقيقية بعد أن انتهَت ضغوط الكلام غير المألوف: «أستطيع أن أرى ما هو رأيك بي. سأخبرك بشيءٍ سيُبين لك أنني أدركُ الكثير. أعرفُ الفرق بين بياتريس وإليزابيث. منذ أقلَّ من أسبوع، طلبتُ من بياتريس أن تتزوجني. كانت هذه هي الطريقةَ الوحيدة التي استطعتُ التفكيرَ فيها، الطريقة الوحيدة لقتل الحُمَّى.»

سأل بريتشارد بفضول: «وبياتريس؟»

أجابَ تافرنيك: «رفضَت. برغم كل شيء، لماذا عساها أن توافق؟ ما زال لديَّ طريقٌ طويل لشقِّه بعد. ولا أستطيع أن أتوقَّع من الآخرين أن يُؤمنوا بي كما أومن بنفسي. كانت لطيفةً لكنها رفضَت.»

أشعلَ بريتشارد سيجارًا.

وقال: «اسمع يا تافرنيك، أنت شابٌّ صغير، والحياة لا تزال أمامك والحياة شيء كبير. أَفرِغ عقلك من تلك الأفكار الرومانسية، وشمِّر عن ساعِدَيك وانطلِقْ في طريقك. أنت لستَ من هؤلاء الضعفاء الذين يحتاجون إلى همساتِ امرأةٍ في آذانهم لتحفيزهم على المضيِّ قُدمًا. يمكنك العمل بدون ذلك. إنه مجرد فصلٍ في حياتك — مرور هؤلاء الأشخاص الثلاثة. منذ بضعة أشهر، لم تكن تعلم شيئًا عنهم. دَعْهم يذهَبوا. وعُدْ إلى حيث كنت.»

ثم ضحكَ تافرنيك لأول مرة — ضحكة بدَت طبيعية.

وقال: «هل سبقَ لك أن وجدتَ رجلًا يمكنه فعلُ ذلك؟ تعطي الشمعة ضوءًا جيدًا في بعض الأحيان، لكنك لن تظنَّ أنها صاحبةُ الإضاءة الأعلى أبدًا بعد أن ترى الشمس. لا تهتمَّ بأمري يا بريتشارد. ومع ذلك، فسأبذل قُصارى جهدي، ولكنَّ هناك شيئًا واحدًا لن يُغيِّره شيءٌ أبدًا. سأجعل تلك المرأة تحكي لي قصتها، وسأنصت إلى الطريقة التي تقولها بها لي. أنت تعتقد أنني أحمقُ فيما يتعلق بالنساء. وأنا كذلك بالفعل، ولكن لديَّ نعمة عظيمة مُنِحَت للحمقى … إنهم يستطيعون أن يُفرِّقوا بين الصدق والكذب. نوع من الموهبة الفطرية على ما أعتقد. سوف تُخبرني إليزابيث بقصتها وسوف أعرف، عندما تُخبرني إياها، ما إذا كانت كما تقول أنت، أم كما بدت لي.»

مَدَّ بريتشارد يده.

وقال: «أنت نوعٌ غريب يا تافرنيك. أنت تأخذ الحياة بجِدية زائدة. كلُّ ما أتمناه أن تحصل منها على كلِّ ما تتمنَّى. الوداع!»

فتحَ تافرنيك النافذة بعد أن غادر زائرُه، ومالَ عليها بضعَ دقائق، سامحًا للهواء العليل بالدخول إلى الغرفة المغلقة المكتومة. ثم صعدَ إلى الطابق العلوي، واغتسل وبدَّل ثيابه، وحاولَ تناول طعام الإفطار، ثم اطلع على خطاباته بدقة منهجية. وفي الساعة الحادية عشرة، انطلقَ في رحلته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢