الملحقات

يقول مترجم هذه الرسالة قد اطلعت على جملة فصول بخصوص هذا الكتاب، فرأيت أن أذيل هذه الترجمة بأهمها وأكثرها فائدة؛ إعلامًا بمقامه وتنويهًا بذكره.

الملحق الأول

كان إلقاء هذه الخطبة الفريدة المفيدة على جملة جلسات عقدتها الجمعية الجغرافية الخديوية، أولها في ٢٨ نوفمبر سنة ١٨٩٠، ولما كانت الجلسة الثانية في ١٢ ديسمبر سنة ١٨٩٠، قال الرئيس قبل أن يدعو الخطيب إلى إتمام مقالته، بأنه لم يتيسر له التصريح بالتكلم لمن له ملحوظات على القسم الأول من مبحث الخطيب لكون الوقت كان قد أزف، ولذلك فهو يصرح بالكلام على هذا الموضوع لمن أراده من الحاضرين قبل أن ينتقل الخطيب إلى القسم الثاني من بحثه الجليل، فقام حضرة الكونت زالوسكي أحد أعضاء الجمعية وأحد مديري صندوق الدين العمومي، وطلب أن يتكلم فقال ما تعريبه:

قد قال حضرة أحمد شفيق في القسم الأول من رسالته الذي تلاه علينا إن الديانة النصرانية أشبهت شرائع السلف في الإقرار على مبادئ الاسترقاق وأصوله، بل قد استشهد على قوله بنصوص ونُقول أوردها من الكتاب المقدس.

سيداتي وسادتي: حاشا أن يكون قصدي فتح باب الجدال الديني في هذه الجلسة، فإن هذا ليس محله، ولكن بما أن حضرة الخطيب الموقر لم يتردد في الدخول في موضوع من هذا القبيل في معرض بحث لا علاقة له مباشرة بأعمال الجمعية الجغرافية الخديوية، فأرى من مقتضيات الشرف والكرامة دحض قضية تناقض الديانة المسيحية والوصايا الإنجيلية التي قامت عليها الكنيسة في اشتغالها بإصلاح حالة المجتمع الإنساني منذ قرون عديدة.

فقد وقع حضرة أحمد شفيق في خطأ مبين أرى من الواجب عليَّ التنبيه عليه واستلفات الأنظار إليه، وذلك أنه خلط النصرانية — أعني التعاليم المسيحية النصرانية — بالشرائع التي لاقاها في طريقة دين المسيح في أوساط مختلفة وأعصار متوالية.

قال مؤسس هذه الديانة: «أعطِ لقيصر ما لقيصر، وأعطِ لله ما لله.» وبناء على ذلك التزمت الكنيسة التي هي أمينة ومفسرة لعقائد الإيمان ووصايا الأدب الآتي عن طريق الوحي، بأن ترتضي بشرائع الهيئة الاجتماعية المنظمة لأحوال الناس، كما أنها ارتضت في كل مكان وزمان بالنظامات الحكومية السياسية المتنوعة من ملوكية وجمهورية، ومن مطلقة ودستورية، وبديهي أن الاعتراف بالشرائع المعمول بها وبالحكومات المنظمة المشكلة، لا يعتبر إقرارًا على الأصول والقواعد التي روعيت في سن تلكم الشرائع، وتنظيم هاتيكم الحكومات، وقد صدرت من البابا لاوون الثالث عشر براءة عامة في هذه الأيام الأخيرة تذكر بهذا المعنى، ولم يقصد القديس بولس وغيره من آباء الكنيسة الذين ذكروا لنا بتوصية العبيد بالإذعان والامتثال لحالتهم إلا تخفيف شدائد هذه الحالة عليهم، واتخذ آباء الكنيسة لذلك وسيلة فعالة موافقة للطبيعة وللاعتقاد، وهي أن المساكين الذين صاروا ملكًا لمواليهم وشيئًا من أشيائهم إذا قبلوا وتحملوا مضض الأيام ومحن الزمان وهم صابرون يصيرون أهلًا لسكنى الجنان والتمتع بالنعيم في دار البقاء، فهل يمكن الإنسان أن يعتبر الشفقة التي كان موضوعها العبيد باسم دين مواسٍ كانوا هم في الغالب أول من يقبل عليه ويدين به بمنزلة تثبيت للاسترقاق وتقديس له وإقرار عليه؟ وهل يصح القول بأن الملة التي تقول بأن جميع أفراد الإنسان هم أبناء الخالق، وأنه يجب عليهم أن يعتبروا بعضهم إخوانًا لبعض ليست هي الملة المنفردة بمناقضة الاسترقاق؟ ألا إن النصرانية قد رفعت مقام الإنسانية في أقدس أسرارها إلى أسمى الدرجات ولم تقر قط بجواز الاسترقاق، بل يصح لها أن تطالب بحصة عظيمة من السعي في إلغائه من الوجود، فإنها لم تفتر عن بث محبة الله والقريب (الأخ في الآدمية) في الأفئدة والقلوب، ولا عن التأثير في سريرة الأفراد والأمم، ولا عن المناداة بمبادئ الحرية والإخاء، ولنا في العدد العديد من القوانين الكنائسية والنظامات الصادرة من مقام البابوية دليل صادق وبرهان ناطق بعناية الكنيسة عناية خصوصية بشأن الأرقاء، مثال ذلك من ابتداء سنة ١٨٤٢، رسائل البابا بيوس الثاني وبولس الثالث وأوربانوس الثامن وبنوا الرابع عشر وغريغوريوس السادس عشر، ولذلك ظهر للكنيسة تأثير قوي في بلاد النصرانية، حتى إن هذه البلاد قد أخذت تدريجًا في تخفيف حالة أولئك الأفراد من بني الإنسان المحرومين من حريتهم وشخصيتهم القانونية، حتى آل بها الأمر إلى إعادة حقوقهم الطبيعية الأساسية الأولية إليهم.

وقد رأينا من الذين لم ينكروا العمل الإحساني الذي قامت به الكنيسة فريقًا يلومها على شدة بطئها في إنجازه وكثرة توانيها في إنفاذه، ولكن ألم تكن الكنيسة نفسها منفية مهددة مضطهدة مدة أجيال طوال؟ وهل كان في وسعها أمام العدد العديد من العبيد في الدولة الرومانية وفي ممالك القرون الوسطى وفي المستعمرات لهذا العهد أن تحث على عتقهم وتدعو إلى تحريرهم من غير أن يترتب على صنيعها هذا ارتجاج عام في نظام المجتمع الإنساني؟

ولنذكر أن سبارتاكوس على رأس جيش من الأرقاء قد أزعج رومة وخرب إيطاليا، وأن العنف الذي حصل في أيامنا هذه في تحرير الأرقاء بأمريكا قد أجَّج نيران حرب الانشقاق، ألا إن الكنيسة لو تطرفت في عملها لجعلت الهيئة الاجتماعية تحتفظ منها، ولذلك انتظرت بحزم وحكمة حلول الأجل المحتوم، فوصلت إلى غايتها وهي محافظة على شأنها واختصاصها.

ورب معترض يقول: إن تقدم المدنية وارتقاء الحضارة هو الذي أوجب بالضرورة إلغاء الاسترقاق، ولم يكن للدين في ذلك دخل. فأقول: إني أحترم أفكار غيري احترامًا شديدًا يوجب عليَّ عدم الإفاضة في تصويب فكري، الذي هو فكر المذهب المعبر عنه في ألمانيا بالتاريخي، ومن مقتضى هذا المذهب أن الديانة النصرانية هي الدعامة الأولى للتمدن العصري، ولكن لي الأمل في أني لا أرى أحدًا يناقضني إذا قلت إن نفس سلوك رئيس الأساقفة بالجزائر (يعني الكردينال لافيجري) الذي يجهد نفسه جهدًا كريمًا في الأخذ بناصر أرقاء أفريقيا هو أوفى دليل على ما اتصفت به الديانة النصرانية في هذا الموضوع.

فأجاب حضرة أحمد شفيق على ملاحظة حضرة الكونت زالوسكي بأنه مستعد لبيان الأصول التي نقل منها ما ألقاه على الجمعية، ثم أراد أن يسترسل في الرد عليه، فرأى الرئيس أن التوسع في الجدال ربما يخرج عن موضوع الخطبة، ودعا حضرة شفيق بك لإتمام تلاوة مبحثه، فأطال حضرته، حتى إذا لم يعد الوقت كافيًا تأجلت تلاوة القسم الأخير إلى جلسة أخرى، ولما حضر فيها حضرة المؤلف أحضر معه نسخًا مطبوعة فيها أسماء الكتب المسيحية التي نقل عنها ما نقل مع بيان أسماء مؤلفيها وتواريخ طبعها والمدائن التي طبعت فيها، وخلاصة ما جاء فيها مما له ارتباط بهذا الموضوع.١

الملحق الثاني

نشرت جريدة الأجبسيان غازت جملة بمناسبة هذه الخطبة جاء فيها:

إن المحاضرة التي ألقاها شفيق كانت كثيرة الفائدة، إلا أنها كانت عدوانية، فالاختلافات والمقارنات اللاهوتية، يلزم اجتنابها في المحاضرات العامة، وبالأخص في البلاد التي يوجد بين سكانها عدد كبير من أديان مختلفة، وفي الحق إن نظرية شفيق كانت في موضعها، ولكنها من الوجهة العملية تختلف كثيرًا عن أحكام القرآن.

ونسي المحاضر أن كل الديانات تبدي كراهتها للاسترقاق، وفي الوقت نفسه لم يفكر في أن الإنسان لا يعمل إلا نادرًا بأحكام الديانة، كما أن المسلمين غير مسئولين عن الفظائع التي يرتكبها النخاسون ومُلَّاك الرقيق، وإذا كان الإنجيل لا يحتوي على أحكام خاصة بالاسترقاق، فإن مرجع ذلك عدم اعترافه بالرق الذي لم يكن له نظام عرفي، ولا باستخدامه في المعيشة الداخلية، وأن الديانة المسيحية كانت تعتبر وجود الرق حالة شاذة من بقايا عادة وثنية تخالف حكمة القانون، فالحواريون ما كانوا يفكرون أن كشف أمريكا يؤدي إلى تجديد هذه العادات العتيقة.

فأجاب عليها المؤلف بفصل بعث به إلى الجريدة المذكورة فنشرته في العدد ٢٨٠٥ الصادر في ٢٢ ديسمبر، وهذا تعريبه:

حضرة مدير جريدة الأجبسيان غازت

تلوت في العدد الصادر في ١٥ ديسمبر جملة تختص بالجلسة الأخيرة التي عقدتها الجمعية الجغرافية الخديوية، لم يتفطن صاحبها أثناء كلامه على خطبتي في الاسترقاق إلى المعنى الحقيقي الذي يُستفاد من أقوالي، ولذلك جئت أرجوكم أن تتكرموا بنشر إجابتي هذه في جريدتكم الغراء.

إن الذي حملني على الشروع في هذا البحث على الاسترقاق إنما هو الخطأ الشائع في أوربا بخصوص الديانة الإسلامية؛ إذ يزعم القوم أن نصوصها تساعد على ارتكاب الفظائع الحاصلة في أفريقيا الوسطى، فلما أقدمت على هذا العمل رأيت من الواجب عليَّ أن أحيط علم الجمهور بخلاصة تاريخية على الاسترقاق منذ الأعصار الخوالي والقرون السوالف، وجرَّني ذلك أيضًا إلى الكلام عليه في الديانة النصرانية، وحينئذ لم يكن قصدي أن أتهم هذه الملة، وإنما ذكرت بعض أقوال آباء وعلماء الكنيسة للإعلام بحوادث وقعت وأمور تمت ليس إلا، فلذلك ليس في هذا المبحث شيء من العدوان، لأن غرضي الوحيد إنما هو — كما لا يخفي — أن أبرهن على أن الديانة الإسلامية لم تعتبر قط بني الزنج بمثابة الحيوان، بل إنها تكثر من وصاية المؤمنين بمعاملتهم بالتي هي أحسن، وإنها تسعى في إلغاء الاسترقاق وتجنح إلى إبطاله.

وتقبَّل يا حضرة المدير مزيد شكراني ووافر احترامي.

الملحق الثالث

رأيت في عدد ٥١٤ من جريدة المؤيد الأغر الصادرة في ٢٨ محرم سنة ١٣٠٩ (٢ سبتمبر سنة ١٨٩١) الجملة الآتية وهي بنصها:
كتاب الرق في الإسلام هذا الكتاب الجليل النفيس هو أحسن وأفضل ما صنِّف في الدفاع عن الديانة الإسلامية، التي قام الكردينال لافيجري وأشياعه باتهامها بأنها هي التي تدعو إلى النخاسة، وتوصي أهلها بارتكاب الفظائع والقبائح التي يرويها عن أواسط أفريقيا، ألَّفه بالفرنساوية حضرة الفاضل البارع أحمد بك شفيق السكرتير الخصوصي لسعادة ناظر الخارجية، وألقاه في جلسات متوالية على الجمعية الجغرافية الخديوية، فكان له أحسن وقع وأعظم تأثير، وقد أتينا على ما صادفه من النجاح والقبول في أعدادنا الماضية، وشرحنا أهم أقواله وملاحظاته، وقد ألحَّ كثير من الكبراء والفضلاء الذين يهمهم إحقاق الحق وتبيان الواقع على حضرة الفاضل الألمعي الأريب أحمد أفندي زكي مترجم أول مجلس النظار، ومترجم شرف في الجمعية الجغرافية الخديوية بنقل هذا السِّفر العديم النظير إلى اللغة العربية، فلبى الطلب وقام بهذا الواجب خدمة للدين والحق، وعما قريب يتجلى للقراء من أبناء العرب، فيرون ما فيه من شوارد الفوائد، وأوابد الفرائد، ويشكرون هذين الفاضلين النجيبين على هذه الخدمة الجليلة.
وإننا نحيط علم حضرات القراء بقليل من كثير من النجاح الفائق الذي صادفته هذه الرسالة الفريدة في بابها عند كبراء الإفرنج الذين يقدرون الأشياء حق قدرها؛ فقد بعث الموسيو ميسمر رئيس الإرسالية الفرنساوية سابقًا المشهود له بكثرة المعارف واتساع الاطلاع يهنئ المؤلف ويقول له: «لقد أفحمت خصمك، وإن الحق لفي جانبك، ولو أنك وضعت على كتابك الذي طبع على حِدةٍ هذا العنوان (رد مسلم على الكردينال لافيجري)٢ لكان نال اشتهارًا فائقًا وسارت بذكره الركبان.» وكذلك الموسيو ريبو أحد نواب فرنسا وناظر خارجيتها، أرسل إليه يشكره شكرًا جزيلًا، ومثله المسيو أندري لوبون (شقيق العلامة الفيلسوف جوستاف لوبون صاحب كتاب تمدن العرب) الموظف في وظيفة ناظر القلم الخاص برئيس مجلس السناتو في فرنسا، فإنه بعث إليه بعبارات الشكر الرائقة، وقد كتب إليه حضرة الموسيو ماسيجلى أحد كبار مدرسي القوانين بمدرسة الحقوق بباريس يقول فيه: «إني أشكرك على لطفك الكثير وكرمك الجزيل في إتحافي بنسخة من كتابك على الاسترقاق، وقد تلوته باهتمام زائد والتفات وافر، وإني أهنئك على إتمام هذا الصنع الباهر … إلخ.» وكتب إليه الموسيو موجل ناظر الإرسالية المصرية بفرنسا حالًا يقول: «إني لأشكرك من صميم الفؤاد على إتحافي بنسخة من بحثك المفيد الجليل الذي تحرَّيت فيه الكلام على الاسترقاق، ولم يكن لي علم به إلا من بضعة سطور رأيتها في بعض الجرائد، أما الآن وقد تلوته من أوله إلى آخره فقد وقفت على مكانته من الأهمية والخطارة، وعلمت مقدار ما استوجبه من البحث والتنقير، ولعمري إن ذلك شيء عظيم وأمر خطير … إلخ.» وكتب إليه الموسيو داجين السكرتير العام لجمعية مقارنة الشرائع ومطابقة القوانين يقول: «قد وصل لنا كتابك على الرق في الإسلام، وإني أهديك الشكر الجزيل على لطفك في إتحافنا بهذا العمل المفيد، وسأحيط به علم أعضاء القسم الفرنساوي من جمعيتنا حتى يعينوا واحدًا منهم ليقدم عنه خلاصة ننشرها في كراسة جمعيتنا … إلخ.» وأرسل له أيضًا العالم الموسيو دوليل ناظر الكتبخانة الأهلية بمدينة باريس يشكره على تفضله بإرسال نسخة من كتابه هذا إلى الكتبخانة المذكورة، وأنه وضعه فيها وسجَّل اسمه في دفاترها، وقد كتب إليه الموسيو بوكارا أحد المفتشين بقومبانية قنال السويس يقول له: «لقد سررت من كتابك سرورًا عظيمًا، فإنه برهن لي على أنك لم تنسني، وقد تلوته بعناية واهتمام، وإنك أصبت في البدء بذكر خلاصة تاريخية وجيزة على الاسترقاق ولكنها جوهرية، وتكلمت عليه عند جميع الأمم في الأزمان القديمة والقرون الوسطى، ثم استنبطت هذه النتيجة التي تدل على أصالة رأيك وإصابة فكرك، وهي أن الاسترقاق عند جميع أمم الشرق كان مقرونًا بتلطف وتعطف لا يجد نظيرهما الإنسان في مدينة رومة أو في بلاد اليونان، وقد أوضحت أن الأرقاء كانت معاملتهم بالحسنى في مصر على الدوام، وأكدت عن صدق الإرادة في تحسين حالتهم في هذا الزمان أكثر مما قد كان، ثم احتججت على دعاوى الكردينال لافيجري الذي يقول: (إن الزنوج عند المسلمين ليسوا من العائلة البشرية.) وإني أجد احتجاجك صحيحًا شرعيًّا، وأستصوب كل الاستصواب ما فعلته في هذا الباب من الدفاع عن دينك وعن مليكك، ويا حبذا لو أن كل فرد من أفراد الفرنساوية يوفق لأن يفعل مثل ذلك بالنسبة لدينه وبلاده!» ثم ختم كتابة بتكرار الشكر وإعادة التهاني على ظهور هذا الكتاب من حيث شكله وموضوعه.

وقد كتب إليه الموسيو بيجوا المستشار الإكرامي في ديوان محاسبة باريس يشكره على إرسال نسخة من كتابه، وأنه تلاه باهتمام كثير، وتحقق بذلك أن دروسه التي تلقاها في فرنسا سيستخدمها في صالح بلاده وفائدة قومه … إلخ. ثم كتب إليه صاحب الدولة رستم باشا سفير الدولة العلية في لوندرة يقول: «وصلني المكتوب الذي تفضلت بتحريره إليَّ في ١٢ الجاري شهر يوليو سنة ٩١ بقصد إرسال جملة نسخ من كتابك (الرق في الإسلام)، ولعمري إنه لا بد أن يأتي خير جسيم ونفع عميم من مثل هذا العمل الذي موضوعه الإثبات على أن الشريعة الإسلامية لا تقر على اصطياد الزنوج الحاصل في بعض أقطار أفريقيا، وإني أشكرك على النسخة التي تفضلت بإهدائها إليَّ، وسيحصل لي مزيد السرور من توزيع النسخ الباقية على الأشخاص وأرباب الجرائد الذين أرى فيهم الاقتدار على بث ما تضمنته بين جمهور الإنكليز، وتقبَّل يا حضرة البك أكيد احترامي وغاية إجلالي.

هذا، وما لبثت هذه الرسالة أن ظهرت في أوربا حتى أقبلت الجرائد الإفرنجية المهمة على تقريظها بما هي أهله، بل إن بعضها، مثل جريدة لاتوركي وغيرها، قد نشرتها برمتها في أعداد متوالية، لأنها لم ترَ وسيلة أفضل من ذلك لإحاطة علم قرائها بما حوته من المواضيع الشائقة والأقوال الصادقة.

الملحق الرابع

وبعد أن ظهر هذا الفصل في جريدة المؤيد جاء إلى المؤلف مكتوبٌ في ٣٠ أغسطس سنة ٩١ من المسيو أرتو روني، وهو من كبار العلماء في فرنسا، وله تآليف مهمة على مصر، وإليك تعريب هذا الكتاب:

سيدي:

لا يسعني إلا أن أقدم لك الشكر والثناء على كتابك (الرق في الإسلام) الذي تفضلت بإتحافي بنسخة منه، هذا وإذا كانت إقامتي في مصر غير طويلة المدى وجب عليَّ أن أتطلع إلى معرفة كل ما يتعلق بهذه البلاد التي لها في فؤادي منزلة سامية قبل أن أبدي أفكاري الخصوصية على ما يجري فيها من الأمور، وعلى ذلك فإني أشهد بأن عملك الذي راعيت في تصنيفه جانب الصدق والأمانة قد جاء موافقًا لكل ما اتصل بي عن هاتيك الديار، وكل ما سمحت لي الظروف بمشاهدته بنفسي، وقد روى لي بعض الذين نزلوا بمصر قبل أربعين سنة مضت أن استرقاق الزنوج ليس إلا ضربًا من الاستخدام، أو شرطًا للعمل يسري على العامل طول حياته، ويجوز فسخ هذا الشرط بالسهولة التامة، ولا يتخلل هذا الاسترقاق شيء ينافي مبادئ الإنسانية، وأن استرقاق المماليك ليس إلا نوعًا من التبني، وكثيرًا ما وصل بالأرقاء إلى مراقي الشرف والسعادة، ولقد بلغني نبأ زنوج يقومون بإطعام مواليهم حينما طعنوا في السن وصاروا من المغضوب عليهم، أو عبثت بهم أيدي الفقر والاحتياج، وما قولك في ذلك النادي الذي دخل فيه أحد أصدقائي وقيل له بخشوع وتبجيل أن انظر إلى هؤلاء الذوات فكلهم من معتوقي الباشا فلان، ويا حبذا لو وُضع كتاب شافٍ مفصل في تاريخ الخمسمائة سنة التي حكمت فيها المماليك على مصر، فإنهم كلهم من الأرقاء قد اختارهم مواليهم من أجمل وأذكى الأطفال الذين جيء بهم من بلاد الشركس أو غيرها.

وقد شرح العلامة المقريزي كيفية تربية المماليك بقلعة الجبل بما يُشعر بمقدار العناية الفائقة بهم، ومزيد الالتفات إلى شأنهم، فإنهم كانوا يرشحون على حسب قواهم العقلية للقتال أو السياسة أو الفنون والملاهي أو العلم والمعارف، ولذلك بلغ عصر المماليك مبلغًا عظيمًا من الحضارة والفخامة، مع ما كان فيه من انتشار الفوضى والاضطراب، فهم الذين ملئوا القاهرة بهاتيك الآثار الباهرة والقصور الفاخرة التي يؤمها الزوار من سائر الأقطار.

وقد أتيح لي أن أتمتع برؤية هذه المناظر الرائقة منذ ٢٦ سنة؛ أي قبل أن تشوبها شائبة أو يمسها سوء …

وقد استغرب بعضهم أن السلطان قلاوون لم يكثر من تشييد العمائر فقال لهم: «نعم، ولكني أنشأت حولي قلعة من الأحياء، وستكفيني أنا ومن يخلفني غائلة الأعادي.» يشير بالقلعة إلى حلقته وحرسه. وبعبارة أخرى: دائرة المماليك التي حوله.

كل هذه أمور يجمل ذكرها ويحسن إيرادها …

ثم لو أمعنَّا النظر في حالة زنجي قد حصل في القاهرة على عيشة راضية لحق علينا أن نتساءل كم من زنوج غيره قاسوا الأهوال وتجرعوا كأس الحِمام أثناء سيرهم في هذه الطريق التي توصلهم إلى مصر.

وقد وُجد من الخصيان من سعد حظهم وتوفرت لهم أسباب الثروة والهناء؛ مثل خليل أغا الذي ذكرته في كتابك، وقد كان قوي السلطان مسموع الكلمة لدى والدة الخديوي السابق، حتى حصل له ما حصل؛ إذ دس له السم في القهوة تخلصًا من شرِّه وعتوِّه، ولكن كم من الفتيان قد هلكوا حتى توصَّل النخاسون على خصي واحد مثل خليل أغا هذا.

وإنَّا لنعترف بأنه شتان بين الاسترقاق في الإسلام وبينه في المستعمرات بأمريكا … إلخ.

الملحق الخامس

وجاء في الجريدة المذكورة بتاريخ ١٣ ربيع الآخر سنة ١٣٠٩ (٢٥ نوفمبر سنة ١٨٩١) نمرة ٥٥ ما نصه:

الرق في الإسلام

قرأنا في جريدة الريبو بليكان أورليانيز الفرنساوية الصادرة في أول أغسطس سنة ٩١ مقالة ضافية الذيل خصصها محررها للمدافعة عن الدين الإسلامي، وعن نسبته إلى هضم الحقوق الإنسانية بسبب حكمه على الرقيق، وقد أردنا ترجمتها ليطلع عليها قراء جريدتنا الكرام، قالت:

«يحسن بنا أولًا أن نسأل قراءنا الكرام أن يسمحوا لنا بأداء واجب الدفاع والذب عن الديانة الإسلامية المحمدية فيما يختص بالرق؛ كبحًا لجماح الوساوس والأوهام التي علقت بأفكار أتباع بعض الفرق الدينية النصرانية، فإن مصلحة فرنسا السياسية من حيث هذا الموضوع متوقفة على رفض مزاعم الكردينال لافيجرى التي أخذ يبثها في كل ناحية وصقع، والتحرس من نفثات المرسَلين الإنكليزيين.

وليس بخافٍ على أحد أن إنكلترة لم تسْعَ في إلغاء الرقيق ولم تظهر نفسها في مظهر العدو الألد لهذه العادة الممقوتة إلا بسبب قلة اليد العاملة في مستعمراتها، وأن الكنيسة الكاثوليكية لما تحركت عواطفها الدينية بعامل التشيع والتعصب، جعلت مطمح أنظارها ومرمى نواياها إلغاء الاسترقاق من قارة أفريقيا، وكان لها من دراهم رعاياها التي امتلأت بها خزائنها أعظم نصير شد أزرها على مقاومة شريعة لها في بناء التمدن الحالي اليدُ البيضاءُ، وقد رميت زورًا وإفكًا بما هي براء منه، حتى إن الكردينال لافيجري زعم (أن المسلمين يعتقدون أن الزنجي ليس من العائلة البشرية والهيئة الاجتماعية الإنسانية، بل هو واسطة بين الإنسان والحيوانات العجم، وأنهم يعلِّمون هذه المعتقدات لأطفالهم ويبثونها في أذهانهم، بل ربما برهنوا لهم على أنه أخس مقامًا من تلك الحيوانات).

ولقد تحققنا بالبراهين الدامغة أن الكردينال لافيجري قد استعمل في دعواه هذه طرق الغش والتدليس، ولكي يجتذب تعضيد الفرق الدينية ماديًّا وأدبيًّا قد برقش راية دعوته بصبغة الدين، فنهج منهجًا مناقضًا لطريقة تمثيل الحقائق بالصفة التي حقها أن تكون عليها، وربما عادت هذه الخطة بالعواقب الوخيمة على فرنسا التي يصح أن يطلق عليها أنها دولة إسلامية.

ولو نظرنا الآن إلى نتائج مساعي الكنيسة الكاثوليكية في طريق إبطال الرق لرأيناها على الضد مما كانت تومئ إليه مقدماتها، فإن جذوة الاسترقاق قد التهبت بدلًا عن أن تخمد، واتسع نطاق دائرته عن ذي قبل، ولا غرابة في ذلك، لأن هذا المذهب الذي قام بالدعوة إليه نصراء الإنسانية غير مطابق لمقتضيات الطبيعة التي قضت أن يكون في الخليقة سيد حر وعبد رقيق، ولنا في تعاليم القديس توماس الذي اجتهد في نشرها البابا ليون الثالث عشر أعظم برهان على ما نقول، فإنه كان يقول لتلامذته: «إن فطرة الوجود قضت بأن يكون بعض الجنس البشري ملكًا للبعض الآخر.» وكان يستند لذلك على النواميس الطبيعية والإلهية التي حتمت أن يكون موجودٌ أقلَّ من موجودٍ ماديًّا وأدبيًّا، فيكون ذلك تابعًا لهذا.

وهذا المسيو بوافييه أسقف مدينة مان قد استحسن في كتابة المسمى (بالنظامات الإلهية) عادة الاسترقاق، وصرَّح بأن الرقيق تجارة محللة، ولم يجسر أحد من علماء الدين أن يثير على كلامه غبار الاعتراض، وكذلك لم نجد من دافع عن العبيد أو ذَبَّ عن حقوقهم، حينما كان ملوكنا في القرن الثامن عشر يشترعون وجوب حرمان العبيد من التمتع بالمزايا والامتيازات التي يتنعم البيض في بحبوحتها.

وليس — على ما أظن — لكنيستنا دخل في إبطال الرق بأملاكنا الفرنساوية أو بالأملاك الأخرى التابعة للدول المختلفة، بل الفضل كل الفضل للثورة الفرنساوية التي جعلت المساواة من ضمن مبادئها وخصصت لها سطرًا في قائمة مشروعها الإنساني.

أما المنهاج الذي اتبعه في شريعته النبي العربي محمد بن عبد الله مما يختص بالرقيق، فكان مناقضًا لمشروع الكنيسة على خط مستقيم، وذلك لأنه في العصر الذي بعثه الله فيه برسالته إلى الخلق كان يصعب عليه التعرض لأمر حلا في أذواق الشرقيين عمومًا، ومالوا إليه كل الميل، فبقي مستمرًّا مقبولًا، ولكن كم من آية في القرآن الشريف أوصت بحسن معاملة الأرقاء وحضَّت على عتقهم، وأمرت السادة أن يعلِّموهم ويرقوا أذهانهم ويدلوهم على ما به سعادتهم في المستقبل، وأن يعتبروهم كأعضاء من عائلاتهم.

ومسألة العتق — كما لا يخفى — مما حتمه الدين الإسلامي على كل من تملَّك عبدًا من العبيد، بحيث إن من يخالف ذلك يكون قد عرَّض نفسه للعقاب في الدار الآخرة، ولا يحتاج العتق في الشريعة الإسلامية إلى أصول معقدة وعقود مشكلة كما هو الشأن في القانون الروماني، بل يكفي في وقوعه صدور لفظ دالٍّ عليه من فم المالك ولو على سبيل المزاح.

ولقد جاءت طريقة إبطال الرق الآن موافقة كل الموافقة للشريعة الإسلامية، ولذلك رضيها وعضدها الملوك والأمراء المسلمون؛ مثل سلطان زنجبار والخليفة الأعظم أمير المؤمنين وغيرهما، لأنها لم تخرج عما أمرت به الديانة الإسلامية، فأي ذي مَلَكة وعقل يعضد لافيجري في مزاعمه التي قام بنشرها بعد أن علم أن الدين الإسلامي غايته من الرق إنقاذ العبيد من حضيض التوحش إلى ذروة التمدن!

ولهذا نكرر القول بأن المنهج الذي سار عليه في دعوته هذه يجلب الأخطار العظمى على البلاد الفرنساوية، لأننا — كما لا يخفى — شديدو الارتباط مع أربعة ملايين من المسلمين في بلاد الجزائر فقط، فضلًا عن البلاد الأخرى، فلو نهضنا الآن لإثارة الدين النصراني على الدين الإسلامي لهيجنا خواطر المسلمين وغرسنا في قلوبهم بذور الحقد والضغينة علينا، وعرضنا أنفسنا للمكائد التي تَكبَّدنا في السابق تأثيراتها السيئة.

يستنتج من جميع ما تقدم أنه لا يجمل بنا أن ندع أرباب الدين وقسس الملة المسيحية يتداخلون في أمور سياسية لا تعنيهم، وليس لها أدنى ارتباط بواجباتهم الدينية التي حقها أن لا تتجاوز جدران الكنيسة وزواياها، ولا أن نتركهم يرتبكون مع أقوام نسعى نحن في تحسين علاقاتنا معهم، وهم يبذلون الجهد في تكدير صفوها متذرعين بالنصرة للدين، وتكدير صفو العلاقات بيننا وبينهم في الحالة الحاضرة مما يعود علينا بالضرر.

هذا، وليتحقق القراء الكرام من أن جميع ما نسب للديانة الإسلامية من التهم والفظائع التي تنفر من سماعها الطباع وتأباها الأفكار السليمة، ليس لها خيال من الصحة أو ظل من الحقيقة، بل كلها أكاذيب وأباطيل يدحضها التاريخ.

ولم يكن الرق بالحالة التي هيجت أهل أوربا وأشعلت جذوة غضبهم وسخطهم إلا في البلاد السودانية التابعة للأمم النصرانية، أما في البلاد المستنيرة بنور القرآن الشريف، فهو أقل شدة وأقرب إلى المبادئ الإنسانية، فإذا أردنا — والحق يقال — أن نسعى في ملاشاته بالكلية، فالاستعانة بالوسائل الدينية لا تجدي نفعًا.

ويجب على فرنسا تجاه هذه المسألة أن تختطَّ طريقًا غير تلك الطريق العقيمة، ولن تبلغ أمانيها من ذلك إلا بنشر المبادئ المحمدية بين رعاياها المسلمين، وبهذه الواسطة تنبثُّ هذه المبادئ في عقول الوثنيين المجاورين لأملاكها ومستعمراتها، فتهدأ أمواج الاسترقاق وتسكن زوابعه.» ا.ﻫ.

الملحق السادس

رأيت فصلًا نشرته جريدة الأوبسرافوتور الفرنساوية تحت عنوان: «الإسلام والاسترقاق في عددها الصادر بتاريخ ١٠ نوفمبر سنة ١٨٩١، وهذا تعريبه:

إننا لنهتم في فرنسا اهتمامًا شديدًا بإلغاء الاسترقاق من بلاد السودان، وقد عملنا أعمالًا كثيرة لقمع هذه العادة البربرية التي ترتبت عليها النخاسة، ولا نزال نأتي بأعمال كثيرة بسبب انتظام إرسالياتنا، وتعضيد جنودنا بأفريقيا لها تعضيدًا قويًّا.

ولكنا لم ننفرد بهذا العمل الإنساني، بل هناك أمم أخرى اقتدت بنا، ونسجت على منوالنا.

ولذلك نرى من المفيد النافع أن نقف على اجتهاد غيرنا في هذا الباب، فأما نحن فقد أسعدنا الحظ فاطلعنا على الخطبة التي ألقاها أحمد شفيق بك السكرتير الخصوصي لسعادة ناظر الخارجية على الجمعية الجغرافية الخديوية، وقد طبعها حضرته في كراسة على حدتها عنوانها «الرق في الإسلام»، وليس حضرته مجهولًا عندنا، فقد أرسلته حكومته منذ نعومة أظفاره إلى باريس، فدأب على الاجتهاد حتى تحصل على أجل الأتعاب، وسبر غور المعارف التي يمكن إتحاف وطنه بها، واستفادة أهليه منها، وقد رجع إلى بلاده وهو الآن فيها في وظيفة سامية، وترك بين ظهرانينا حسن الذكرى، وجميل الأحدوثة، ولذلك فهو إنما يزيد في ميلنا لمصر وانجذابنا نحوها، ولو أننا نأسف على رؤيتها غير مستقلة تمام الاستقلال، ويجعلنا ننظر بزيادة الاهتمام إلى مليكها الحالي، وقد وفاه حقه من المدح والشكر، وعطر الأندية بما هو خليق به من آي الحمد والثناء.

نعم إن النخاسة قد أُلغيت من مصر من سنين عديدة، ولكن أحمد شفيق بك أخذ على نفسه أن لا يبقي للاسترقاق فيها رسمًا ولا اسمًا، غير أنه آلى على نفسه أن يبتدئ بدحض ما شاع في أوربا من أن الديانة الإسلامية تساعد على النخاسة، فوفى هذا العمل حقه من العناية والدقة في مؤلَّفه الذي نشير إليه.

وذلك لأنه ابتدأ بذكر خلاصة تاريخية على الاسترقاق عند جميع الأمم، وفي جميع الأعصار، ثم دخل في الموضوع فأثبت أن الديانة المحمدية لا تقر على هذه العادة، بل تسعى في إلغائها مرة واحدة، ولذلك سرد الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، ثم الحوادث التاريخية، ومنها ينتج أن «الديانة الإسلامية قد حصرت من غير شك ولا مراء حدود الاسترقاق، وعملت على إنضاب منبعه؛ إذ حتمت شروطًا وفرضت قيودًا لا بد منها لوقوع الاسترقاق، وبيَّنت الطرق، وأوضحت الوسائل التي بها يكون الخلاص من ربقته».

ثم قال: «فإن شريعتنا المحمدية قد سعت في تقويض دعائم الاسترقاق وتدمير معالمه … وهل كان من الموافق المبادرة بتحريم أمر امتزجت به عادات العالم كله منذ ما وُجد الاجتماع الإنساني وتوالت عليه الأيام والأعوام والشهور والدهور؟ ألا إن ذلك كان يجر وراءه بلا شك انقلابًا عظيمًا في نظام الاجتماع، وفتنة كبيرة في نفوس الأقوام، فلهذا جاءت شريعة الإسلام بهذه الغاية من طريق آخر تزول أمامه الصعوبات، وتتذلل العقبات، بدلًا من تهييج العقول، وإثارة الخواطر والأفكار بإلغاء الاسترقاق مرة واحدة، فخوطب المسلمون بأن يتقربوا إلى الله تعالى بعتق العبيد المساكين في ظروف كثيرة وأحوال متنوعة.

وحث النبي كثيرًا على السعي في نيل هذه الغاية الجليلة، ولذلك جاءت قواعده في العتق في غاية السعة ونهاية اليسر، بحيث يتسنى دائمًا للرقيق أن يجد فيها طريقًا يساعده على الخلاص من الاستعباد إذا طلب ذلك، بل ولو لم يطلبه.»

ونحن نعد أنفسنا من السعداء لقولنا وإثباتنا أن ديانة غير ديانتنا تنظر إلى هذه المسألة التي تشغلنا الآن بمثل العين التي ننظرها نحن بها، وهذه السطور القليلة التي أتينا على سردها تجعلنا نتعشم أن يكون لنا في المسلمين عضد ونصير لا خصم خصيم.

وفضلًا عن ذلك، فإن ما قاله حضرة أحمد شفيق بك يؤيده كتاب القبطان بانجر على الديانة الإسلامية، وقد ظهر هذا الكتاب حديثًا، فقد روى هذا السائح المقدام ما يدحض ظن الظانين بأن تعصب المسلمين هو العائق الأكبر للمسيحيين عن افتتاح أفريقيا، ويؤكد أنه في جملة مرار أصاب منهم مساعدة وعناية يشكرون عليها.

ولذلك فإنا نهنئ من صميم الفؤاد حضرة أحمد شفيق بك على البيانات والإيضاحات التي أوردها، ونعضده على المهمة الجليلة التي أخذ فيها.

موريس بوتري

الملحق السابع

وقد جاء إلى المؤلف من حضرة صاحب العطوفة قره تيودوري أفندي سفير الدولة العلية في بروسل عاصمة البلجيكا في ١٢ نوفمبر الماضي ما تعريبه:

عزتلو عزيزي:

لا شك أنك لا تستغرب عندما تعلم بأن تصنيفك الذي أظهرت فيه البراعة، وراعيت فيه جانب الذمة قد حاز ما يحق له من القبول التام عند كل من يهتم بهذه المسألة الخطيرة التي شُغل الناس بالجدال فيها الآن.

أما أنا فقد درسته درسًا مدققًا، وإني أبادر ببثك آيات التهاني الفائقة الصادرة من صميم الفؤاد، ومما جعلني مبتهجًا مسرورًا من تلاوته أن القواعد والأصول التي دافعتُ عنها بنفسي أثناء المناقشة التي وقعت لي شخصيًّا مع الكردينال لافيجري وفي نفس المؤتمر الذي عُقد أخيرًا في بروسل — قد صادفت في كتابك تأييدًا وتعضيدًا مع الآيات البينات والحجج الدامغات والشواهد التي لا تُعارَض والبراهين التي لا تُناقَض، فإن هذه الدلائل غير داخلة في معلوماتي عن الديانة الإسلامية، لأن معلوماتي هذه هي بالطبع والضرورة غير مستكملة، وقد كان في هذه الدلائل دحض لجميع المطاعن الصادرة لا عن حق ولا يقين مع مناقضتها (أي المطاعن) للدين المسيحي نفسه تمام المناقضة، ولو أن القائم بها هو من أمراء الكنيسة، وقد تابعه أشياعه من غير ما روية ولا إمعان، فقذفوا بها على ديانة يجهلون أصولها وقواعدها، وأنت تعلم أنهم من بعد ذلك التزموا بتعديل خطتهم وتقليل وطأتهم، وهذا أحسن ما يجب عليهم.

وإني لمسرور لعلمي بأنك مشتغل بتصنيف كتاب وافٍ في هذا الموضوع، وأنتظره بفروغ صبر، لأن فتاوى العلماء والقضاة والدلائل الأخرى التي قلت بأنك ستوردها فيه يكون بها سد لأفواه أولئك الذين يدَّعون بخدمة الله والكنيسة، ويجعلون مصالحهم وفوائدهم فوق ذلك كله، وأنا على يقين من أنه لا تقوم لهم بعد ذلك قائمة، ولا يبدون أدنى اعتراض، وإني أكون لك شاكرًا إذا تفضلت بإتحافي بنسخة من بعد طبعه، ولا شك أن ذلك يكون قريبًا إن شاء الله، وإني أشكرك على ذلك مقدمًا من جميع جوارحي.

وقبل أن أختم هذا الكتاب يلزمني أن أحيطك علمًا بأني قد اطلعت باهتمام زائد على محاضر الجمعية الجغرافية الخديوية التي تكرمت بإرسالها إليَّ، وخصوصًا كتابك الذي بعثت به إلى جريدة الأچيبسيان غازت، فهو لا يصح الجدال فيه مطلقًا، وأذكر لك من هذا القبيل أمرًا قد وقع لي، وهو أن الحكومة البرتغالية قدمت مذكرة على (إلغاء الاسترقاق والنخاسة في الأراضي البرتغالية)، وقد جاء فيها من الأغلاط الفاضحة والأوهام الفاحشة أنه «مع احتلال الإنكليز القطر المصري فما زال به سوق للأرقاء، وفيه يشتري الوالي نفسه وأكابر البلاد وأغنياؤها الأرقاء الذكور لتشغيلهم في أعمال الفلاحة، والطواشية لحراستهم، والإماء لحريمهم» (فتعجب)، ولكني أبطلت ذلك ودحضته بالحجج والبراهين حتى ذهبت أمثال هذه الأقوال أدراج الرياح، بحيث إن هذه الجملة قد أُسقطت هي وما يماثلها تلقاء احتجاجي الذي مزجتُ فيه بين الشدة والحق، فلم يظهر لها أثر في المجموعة النهائية المتضمنة أعمال المؤتمر، وهذا أمر محتم عليَّ تحتيمًا لا مناص لي من القيام به، وقد أديته وفزت في ذلك بالسعادة، وإني لأكون ممتنًا شاكرًا إذا سنحت الفرصة فبلغتْ هذه الأحوال المسامع الخديوية العلية.

ثم إني أكرر عليك الشكر والثناء على ما تكرمت به من إرسال كتابك الجليل … إلخ.

الملحق الثامن

لا يخفى أن القرآن الشريف قد تُرجم إلى أغلب اللغات الإفرنكية كلها، بل إن له في بعضها ترجمتين، وقد اتفقوا على أن أحسن ترجمة بالنسبة لبقية التراجم هي الترجمة الإنكليزية ثم الفرنساوية، ولبعضه في الألمانية ترجمة منظومة بالشعر، أقول: وقد استخدم الموسيو لابوم أحد علماء فرنسا الترجمة الفرنساوية التي عُني بها الموسيو كازمرسكي، فرتب القرآن على نمط منطقي بحسب المواضيع، خلاف الترتيب المعهود، فجعل جميع الآيات التي لها صلة وارتباط ببعضها في باب واحد، مثال ذلك: جميع أحكام التوحيد وكل ما يتعلق به تراها بعددها وعدد سورها في المصحف في الباب الذي عنوانه (التوحيد)، ومثلها كل ما يتعلق بالكرم والمروءة والقتال والديانات والقصص والطلاق والميراث والمعاملات وغير ذلك.

وقد نقلت عنه جميع الآيات المختصة بالرق وبالخدمة وألحقتها بهذه الرسالة؛ ليتيسر الرجوع إلى التفاسير بكل سهولة، وإطلاع الطالب فيها على التفاصيل التي يريدها.

هذه هي الآيات الواردة في القرآن الشريف كله بخصوص الرق والخدمة، وعددها ٢٣٤ آية:
  • سورة محمد ٤٧ – آية ٤: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارهَا.
  • سورة النحل ١٦ – آية ٧١: وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ.
  • سورة النساء ٤ – آية ٣٦: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا و… و… وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا.
  • سورة التوبة ٩ – آية ٦٠: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ و… و… وَفِي الرِّقَابِ
  • سورة النور ٢٤ – آية ٣٣: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَردْنَ تَحَصُّنًا.
  • سورة المجادلة ٥٨ – آية ٣: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا.
  • سورة المجادلة ٥٨ – آية ٤: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْريْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
  • سورة البقرة ٢ – آية ٢٢١: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ.
  • سورة النساء ٤ – آية ٢٤: حرمت عليكم … و… وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
  • سورة النساء ٤ – آية ٢٥: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْر مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ.
  • سورة المؤمنون ٢٣ – آية ١–٦: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ.
  • سورة المعراج ٧٠ – آية ٢٩ و٣٠ و٣٥: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَأُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ.
  • سورة الأحزاب ٣٣ – آية ٥٠: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرجٌ ۗ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رّحِيمًا.
  • سورة المائدة ٥ – آية ٨٩: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارتُهُ إِطْعَامُ عَشَرةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
  • سورة الزخرف ٤٣ – آية ٣٢: وَرفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا.
  • سورة النور ٢٤ – آية ٣٢ و٣٣: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِوَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَردْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رّحِيمٌ.

الملحق التاسع

ترجمة حياة الكردينال لافيجري

قد وقفت على فصول كثيرة بشأن هذا الرجل والكلام عليه، وبعضها بمدحه وبيان فضائله، والآخر بذمه وذكر مثالبه، وقد أحببت أن أورد شيئًا من أقوال الطرفين لإحاطة القراء الكرام ليكونوا على بينة من أمره.

كتب الموسيو شارل سيمون ترجمة حياة الكردينال لافيجري في صدر كراسة عنوانها «محاربة الاسترقاق»، وهي الكراسة نمرة ٢٢٠ من ضمن الكراسات الأسبوعية التي تصدرها باسم المكتبة الأهلية الجديدة Nouvelle Bibliothèque Populaier قال فيها ما خلاصته:

ولد شارل مارسيال المان لافيجري في مدينة بايون في ٣١ أكتوبر سنة ١٨٢٥، وأراد أبوه أن يخرجه في علم القوانين، ولكن أمياله اتجهت إلى الكهنوت، فدخل بمدرسة سان سولبيس، ثم عين أستاذًا للتاريخ الكنائسي في مدرسة السوربون بعد أن نال رتبة الدكتورية في اللاهوت، واشتهر بفصاحة التعبير وحسن الإلقاء.

ولما وقعت الفتن في سنة ١٨٦٠ في بلاد الشام أرسل في مأمورية إلى بلاد المشرق، وفي سنة ١٨٦٣ عين أسقفًا لمدينة نانسي في فرنسا، وبعد ذلك بأربع سنوات أنشئت لأجله وظيفة رئيس الأساقفة في مدينة الجزائر، ومن ذلك العهد ظهرت أعماله وشاعت فضائله، ولما انعقد مجمع رومة في سنة ١٨٧٠ كان من أول القائلين بعصمة البابا، وترشح للانتخاب بالنيابة عن مقاطعة البيرنات السفلى، فلم ينجح وخاب خيبة سياسية أخرى في الانتخابات التي وقعت سنة ١٨٧١، وفي عام ١٨٧٤ أسس إرسالية الصحراء والسودان، ثم نظم طائفة الآباء البيض في الجزائر، وبعد ذلك في طرابلس وفي تونس، وهو من أكابر رجال هذا العصر، بل قليل منهم من تنجذب إليه النفس وتميل نحوه العواطف مثله، وفي ملامحه اللطف والطيبة والثبات، وهو من البلاغة والفصاحة بمكانة قلَّ أن يناظره فيها غيره، وقد أتى بكثير من الأعمال الخيرية التي تخلد له الشكر مدى الدهر، وقد اكتسب رتبة الدكتورية في الآداب وفي الحقوق وفي اللاهوت وهو من أفاضل الأدباء وأكابر المحققين، ولو أنه اشتغل بالأمور الدنيوية لكان الآن متربعًا في أرقى المناصب وأسنى المراتب، لأنه جمع صفات السياسة والكياسة والدراية والتنظيم والترتيب وصدق العزيمة وثبات المقصد، وغير ذلك من جميل الخلال.

ولا تسل عما أتاه هذا الرجل من الأعمال لتقدم أفريقيا، فإنه يجلُّ عن الحصر، ويكاد يغيب عن الذكر، ولذلك فلا غرابة في أن العرب الذين خدمهم الكردينال خدمات فائقة في مدة القحط الذي وقع سنة ١٨٦٧ سموه المرابط الأكبر والوالي الأعظم، وجاهروا بأنه إذا كان غير المسلمين لا بد من دخولهم جهنم (في الكوشة) بنص القرآن فلا شك أن الكردينال لافيجري مستثنى من ذلك، وقد ساعد على توطيد أركان السلام في تونس أكثر من جيش فيه ١٠٠٠٠٠ مقاتل.

هذا هو رأي غامبتا، ومما يزيده اعتبارًا أن غامبتا ما كان يخفي عداوته وكراهته للأعمال الكاثوليكية، وقبل مجيء الكردينال لافيجري إلى تونس لم يكن بها مستشفيات ولا مدارس ولا تكايا للفقراء، بل ولا مقبرة للنصارى، فلم تمضِ سنتان حتى بدَّل الأوضاع وأذهب الأحقاد، وهدَّأ الخواطر، وجمع الكلمة، وأسس كثيرًا من العمائر الخيرية والوطنية والدينية، وجمع لها المال اللازم بنفسه من أفراد الناس، وقام في جميع أنحاء تونس بالتأسيس والعمارة والترميم والتعليم والتنظيم، وبعث بالإرساليات الدينية إلى أواسط أفريقيا، وشاد كنيسة كتدرائية (جامعة) مؤقتة في تونس في ظرف ستين يومًا فقط، وبنى المدرسة الجميلة المعروفة بمدرسة سان شارل، وأوجد جبانة وديرًا في مدينة تونس، وأقام كنيسة كتدرائية في قرطاجة، وأكثر المدارس المجانية والمستشفيات والملاجئ الخيرية في كل مكان، وجال في أقطار أفريقيا كنهر يفيض بالخيرات والبركات، ولكن الصنيع الذي يخلد ذكره على مدى الأدهار هو مشروعه الفائق الفاخر الذي غايته منه إحداث العقبات في طريق النخاسين، وإشهاره الحرب العوان عليهم، وقد فاز في ذلك فوزًا عظيمًا؛ إذ جعل الملوك والأمم تنضم إلى لوائه في هذا الجهاد، ولهذا المقصد ألقى خطاباته الطنانة الرنانة التي سارت بذكرها الركبان في جميع أقطار أوربا، وهي في غاية البلاغة لما صورته من الأفكار السامية والحقائق التي تتصدع لها الأفئدة. ا.ﻫ. ملخصًا.

وقد رأيت في معجم المعاصرين Dictionnairo des contemporains ما تعريبه:
لافيجري هو من أحبار فرنسا، وقد تحصل على رتبه الدكتورية في اللاهوت، واشتهر في التعليم وصار مدرسًا للتاريخ الكنائسي في مدرسة باريس العليا Faculté de Paris، وقد وُظف في وظائف شرف كثيرة في معية البابا برومة، ثم بعد ذلك صار عضوًا في المجلس الإمبراطوري للمعارف العمومية، ثم عُين رئيسًا لأساقفة الجزائر، فأسس فيها مدارس أيتام كثيرة، وخصصها لأولاد العائلات العربية التي برح بها الفقر، وعضتها أنياب الاحتياج، وقد حاول نشر الديانة النصرانية فيما بين أولاد أهالي الجزائر فناوأته الحكومة الحربية فيها، وعارضته معارضة شديدة استوجبت وقوع جدال هائل بينه وبين المارشال ماكماهون (سنة ١٨٦٨)، وهو حائز لنشان أوفيسيه دولا ليجيون دونور، وله كتب ابتدائية، وله كتب كنائسية.
وقد اطلعت على أشياء كثيرة تخالف ذلك بالمرة، ولو أن أغلب الساخطين على الرجل يعترفون بفضله وسعة اطلاعه، فمن ذلك خطبة ألقاها بمدينة شنتو Cento من أعمال إيطاليا في يوم ٣٠ أغسطس سنة ١٨٩١، حضره الأستاذ بالوني المدرس الآن في المدرسة الطليانية بمصر القاهرة، فاستخلصت منها ما يأتي، قال في سياق كلامه:
لافيجري يساعد على إزالة أطلال قرطاجنة، وتبديد معالمها، ليأخذ ما يجده فيها من المخلفات والآثار القديمة، ويرسلها إلى فرنسا، وأنه يسعى لنوال غاية سياسية، مالية ولذلك استحوذ على الأرض التي لإرسالية الكبوشيين Capucins، وقد تأسست هذه الإرسالية في مدينة تونس منذ ٣٠٠ سنة، ثم طرد الأسقف سونر ليأخذ مركزه لنفسه، واجتهد في وضع يده على الأرض المخصصة للمقبرة القديمة التي باسم سانت أنطوان، وهي ملك المستعمرة الكاثوليكية في تونس ملكًا مؤبدًا، ثم طرد من بقي من رهبان الإرسالية المذكورة واستبدلهم بآخرين من الفرنساويين، وطردُهُ للكبوشيين من تونس ليس من السياسة في شيء، ولكنه عمل يخالف الأدب والدين مخالفة فاضحة، وقد اشتهر هذا الرجل في علاقاته مع النساء بما ينافي قواعد الأدب وواجبات الحشمة بالمرة، وما زال الناس في رومة يذكرون الاسم الذي أطلق عليه فيها أيام كان نازلًا بها في صباه، فقد عرف عند الخاص والعام بأنه زير النساء coureur de femmes في ميدان إسبانيا، وأنه ليطلب لنفسه أن يرتقي إلى البابوية فيكون أكبر أكابر النصرانية، ويقال إنه إذا نال هذه الغاية جعل مركزه في أفريقيا، وجنوده من القساوسة الذين يقال عنهم إنهم يسعون في إلغاء النخاسة قد أوغلوا في الصحراء، واقتربوا من أبواب بلاد التكرور (بلاد النجر) حيث تقع هذه التجارة حقيقة، ولكن هناك أمرًا لا يفهمه الإنسان في أعمال هذا الكردينال التي يتخذها ضد الاسترقاق، وذلك أنه يجتهد في تحرير الأرقاء في البلاد الشاسعة القاصية على يد قسوس قد سلحهم بالبنادق والمدافع، ومع ذلك نستغرب منه في تونس التي نراه فيها حاكمًا مطلق التصرف يمكنه بكلمة واحدة تحرير عدد عديد من الأرقاء والإماء، وخصوصًا الإماء، فإنهم ما زالوا في دور الأغنياء ومنازل الكبراء، إذ إنه يترك الفخر في البحث على إنقاذ الأرقاء في الحاضرة (تونس) نفسها إلى قنصل إنجلترة، وهو القادر على تمام ذلك من غير اتخاذ الرهبان المجندين ومن غير استعمال البنادق والمدافع، ولا أقول ذلك جزافًا، بل إنني بنفسي أخذت من قنصلاتو إنجلترة جارية من ضمن ٢٩ جارية أعتقها القنصلاتو مرة واحدة، ولا شك أن أوربا تجهل ذلك، ولافيجري يسكت عمن يخبره بمثل هذه الأمور، ولا غرابة؛ إذ إن تحرر الأرقاء في تونس لا يستوجب إنفاق الدرهم والدينار ولا يستلزم جمع القناطر المقنطرة لأجل الاستحصال على الممالك الأفريقية، بحجة إنقاذ الأرقاء من ربقة الاستعباد.

وقد قابلت كثيرين من الذين عرفوه أيام إقامتهم الطويلة بتونس، فأخبروني عما يأتي بعضه:

هذا الرجل يشتري الأرقاء من أواسط أفريقيا، ثم يأتي بهم لتونس، ومن هناك يرسلهم إلى مالطة فيجبرهم على تغيير الإسلامية واعتناق الديانة النصرانية، وبعد أن يعلمهم فيها ويصيرهم أساقفة يدعوهم «الآباء البيض» ويبعث بهم إلى أواسط أفريقيا ثانية لأجل إلزام أقرانهم وإخوانهم بترك ديانتهم والاقتداء بهم في التمذهب بالنصرانية، وقد اشترى عربات لدفن الموتى وخيولًا وبغالًا ثم باع ذلك كله بأثمان باهظة إلى القومسيون البلدي في تونس فأصاب من ذلك ربحًا عظيمًا. ومما يحكى عنه أيضًا أنه منذ ست أو سبع سنوات كان له كروم يقوم بها رجل من الفلاحين، ويعتني بشأنها، فطرده ووضع قسيسًا في محله، ولجهل هذا بأمور الزراعة والعناية بالكرم فَسَدَ العنب، ولم يأتِ بالخمر المعتاد الحصول عليه، فغضب لافيجري على القسيس المتفلِّح وعاقبة بعقوبة غريبة؛ إذ ألزمه برعي الغنم والمواشي في ضواحي سيدي بوسعيد في المرسى. وأسس مدرسة سان شارل ثم باعها للحكومة في تونس بربح عظيم جدًّا، وله في الجزائر مزروعات من الخرشوف والكروم يستغلها كأنه رجل من الأهالي ليس منقطعًا للدين وخدمته.

وأهم المزايا التي في هذا الرجل أنه على درجة عظيمة من الفهم والعرفان، وأنه متحصل على رتبة الدكتورية في اللاهوت والطب والحقوق والعلوم والفلسفة، وإذا خطب خلب الألباب وتملَّك العقول ولعب بالأفكار كيفما شاء، وفي وجهه سماحة وبشاشة تغران الإنسان ولا تخبرانه بما انطوى عليه من سوء المقاصد ورذيل السجايا، والحق أنه تاجر لا خادم للديانة، وإذا عاداه أحد أشهر عليه الحرب العوان، وواصل عليه الطعان حتى لا يكون له مخلص منه ولا مناص. وقد أرسل رجلًا من أشياعه إلى مالطة وعينه في وظيفة دينية على شرط أنه يخصص له نصف وظيفتها ودخلها، فتم الأمر، ولكن الرجل كان معه تعليمات سياسية أخرى، فلم يتبصر في كيفية إنفاذها، ومما يدل على ذلك أنه قام ذات يوم على مائدة جمعت كثيرًا من الناس، ثم رفع الكأس قائلًا لتحيَ الجمهورية الفرنساوية، فطردته الحكومة الإنكليزية منها.

وقد رويت لي أشياء كثيرة أجتزئ عنها، ففيما سبق كفاية.

هوامش

(١) انظر مجموعة الجمعية الجغرافية الخديوية الصادرة في مارس سنة ١٨٩١ نمرة ٦ من السلسلة ٣ صحيفة ٤٧٠. ا.ﻫ. مترجم.
(٢) وقد استصوبت هذا الاقتراح فزدته في عنوان هذه الطبعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢