علي أبو الفتوح

خل عَنْكَ الهَوَى وخَلِّ الأماني
كلُّ حَيٍّ إِلَّا المُهَيْمِنُ فَانِ
وﭐنْثُر ﭐلدَّمْعَ حَوْلَ رَمْسِ فَقِيدٍ
خَلَّفَ الشَّرْقَ بَاكِيَ ﭐلأَجْفَانِ
خَلَّفَ الْعِلْمَ والمَعَاهِدَ تَنْعِي
بَيْنَ حالِ ﭐلْوَسْنَانِ واليَقْظَانِ
في سبيلِ العُلَا غَمَامٌ تَوَلَّى
رصَّعَتْهُ كواكبُ المِيزَانِ
كيف ولَّى بَحْرُ العُلُومِ وأَبْقَى
ماءَ دَمْعِ العُيُونِ أَحمر قاني
أَيْنَ بَدْرُ العُلَا ﭐلذِّي قد وَرِثْنَا
عَنْهُ ما في ﭐلْحَشَا من النِّيرانِ
أَيْنَ رَبُّ الأَقْلَامِ يوم نِدَاءٍ
كَعَوَالِي ﭐلرِّمَاحِ يَوْمَ الطِّعَانِ
أَيْنَ من نَالَ في قَصيرِ زَمَانٍ
ما تَنَاهَى عن قُدْرَةِ الإِنْسَانِ
أَيْنَ من أَصْلَحَ الإِدارةَ في مِصْـ
ـرَ فَبَاتَتْ تَمُوجُ بٱلعُمْرَانِ
أَيْنَ من قام بٱلمَعَارفِ فينَا
فَنَهَضْنَا بٱلعِلْمِ والعِرْفَانِ
كم ديارٍ للعِلْمِ عنها تَخَلَّى
هَاطِلُ الغَيْثِ فٱرتَوَتْ بالأَمَانِي
جَادَهَا الغيثُ فارْتَوَى الغُصْنُ حَتَّى
عَمَّ مَاءُ ﭐلحياةِ بٱلعِيدَانِ
أَيْنَ وَلَّى ذاكَ الهَتُونُ وَخَلَّى
مِصْرَ تَخْشَى طَوَارِئَ ٱلحَدَثَانِ
فَاتَهَا والشَّبَابُ لمَّا تَقَضَّى
بل ذَوَى غُصْنُهُ قُبَيْلَ الأَوَانِ
مَدَّ رَوْضُ العُلُومِ مِنْهُ يَمِينًا
ثُمَّ أَبْدَى له مَزِيدَ ٱمْتِنَان
وتَدَانَتْ إِليه مصرُ وقالَتْ
أَنْتَ قلَّدْتَنِي عُقُودَ ﭐلْجُمَانِ
لستُ أَنْسَى نَدَاكَ ما ٱهتزَّ غُصْنٌ
بنسيمٍ وما بَدَا النَّيِّرانِ
إِنَّ تُرْبِي حِيَالَ جِسْمِيَ أَدْنَى
أَنْ يُوَارِي جَلَالَهُ النُّورَاني
فٱسكُنِ الْخُلْدَ حيثُ تَبْقَى عزيزًا
بين حُورِ ٱلْجِنَانِ وﭐلوِلْدَانِ
وٱتْرُكِ الأَرْضَ لاهيًا من عليها
وترفَّعْ عن رُؤْيَةِ الثَّقَلانِ
إيهِ يا مِصْرُ قَدْ فَقَدْتِ عظيمًا
كادَ يُعْلِيكِ فَوْقَ هَامِ ﭐلزَّمَانِ
إيهِ يا شَعْبُ قد نَبَا بِكَ دَهْرٌ
مِنْهُ مُدَّتْ إِلى حَشَاكَ يَدَانِ
فأمالَتْ من عرشِ رَوْضِكَ غُصْنًا
كان من أَصدقائه الفَرْقَدَانِ
باتَ جَمْعُ ﭐلزُّهورِ يَنْعِيهِ حُزْنًا
وﭐدْلَهَمَّ ﭐلدَّيْجُورُ بٱلأَغْصَانِ
أَيُّها الطَّالِبُونَ لِلْعِلْمِ جُودُوا
كيفَ لم يَرْعَكُمْ قَرِيضٌ رَعَانِي
من ثَوَانِي يَرَاعِهِ فَوْقَ طِرْسٍ
فَدُمُوعُ ﭐلحزينِ تأْبى الثَّوَانِي
كيفَ لا يَنْدُبُ النَّجِيبُ أَبَاهُ
كَيْفَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِٱلهَوَانِ
حَوْلَ دُورِ التَّهْذيب سالَتْ دُمُوعٌ
من جُفُونِ الفَتَيَاتِ والفِتْيَانِ
يندُبُ الكلُّ حظَّ مِصْرَ وَيَشْكُو
جَوْرَ دَهْرٍ يُسِيءُ للإِحْسَانِ

•••

كلمَّا شَبَّ من بنِيهَا هُمَامٌ
مُخْلِصُ القَلْبِ صَادِقُ ﭐلوجْدَانِ
أَسْرَعَ ﭐلدَّهْرُ نَحْوَهُ فَرَمَاهُ
بِسِهَامِ المُخَاتِلِ ﭐلخَوَّانِ
يا رَجَاءَ العُيُونِ في أَرْضِ مصر
لَيْسَ بِدْعًا إِذا بكا الهَرَمَانِ
ليتَ كنَّا يومَ الرَّحيلِ فِدَاءً
يا فقيدًا قد فاز بالرِّضْوَانِ
كم ليُمْنَاكَ من أَيادٍ علينا
كنُضَارٍ بَدَا لنا مِنْ جُمَانِ
غابتِ الرُّوحُ عَنْكَ للعَرْشِ تَسْعَى
تَتَهَادَى فَرَائد الإِيمانِ
جادَ مثواكَ يا عَلِيُّ غَمَامٌ
دائبُ الصَّوْبِ مُفْعَمٌ بالْحَنَانِ
أَيُّها الراحلُ المُشَيَّعُ مِنَّا
نَمْ هَنيئًا في طيِّبَاتِ الْجِنَانِ
أَنتَ في جَنَّةِ النَّعِيمِ مُقِيمٌ
وَفُؤَادِي عَلَيْكَ في النِّيرانِ!
كلُّ قَلْبٍ لِفَقْدِكَ اليومَ يبكي
آسِفًا نَادِبًا صُرُوفَ الزَّمَانِ
وَاشْكُرِ الله قَدْ تَرَكْتَ رجالًا
مِنْكَ نَالُوا محبَّةَ الْأَوْطَانِ
وتعطَّفْ على ذَويهِ بِصَبْرٍ
يا قَدِيمَ الْوُجُودِ وَالْغُفْرَانِ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤