الفصل الثالث عشر

بول ريكور

هرمنيوطيقا الارتياب

حتى لا تعود إسقاطاتنا الذاتية تخاطبنا من خارج على أنها آخر.

في كتابه «رمزية الشر» Symbolism of Evil يذهب بول ريكور Paul Ricoeur (١٩١٣م) إلى أن الشر لا يُوصف حرفيًّا على الإطلاق، وإنما يتحدث عنه دائمًا على نحوٍ رمزي أو استعاري فيقال مثلًا: وصمة، وزر، ضلال (زيغ)، غواية، انحراف … إلخ، يبين ريكور أهمية الرموز، والمعنى المزدوج للألفاظ، ومناهج تأويلها، ويقول إن أساطير الخلق والتكوين وأصل العالم هي تفسيرات من الدرجة الأولى لمنشأ الشر في العالم،١ وقد أفضى به اهتمامه برمزية الشر إلى الاهتمام باللغة الرمزية وبالتأويل بصفة عامة، وقد وسع ريكور نطاق الرموز لتشمل رموز الحلم والرموز الثقافية، ومد نطاق التأويل ليشمل جميع تقنيات التحليل النفسي الفرويدي.

وفي كتابه «عن التأويل: مقالات عن فرويد» (١٩٦٥م) يقول ريكور إن اللغة هي ملتقى جميع المداخل الفلسفية، ويبدي اهتمامًا عامًّا «بالفلسفة التحليلية» و«فلسفة اللغة العادية»، لقد كان شغل فرويد الشاغل من وراء أعماله هو وضع «سيمانطيقا» (علم دلالة) للرغبة: كيف تكشف الرغبات عن نفسها في الكلام؟ كيف يتم التعبير عنها؟ وكيف يفشل الكلام في التعبير عنها؟ هذه الصلة بين الرغبة والمعنى هي ما يمنح التحليل النفسي مكانًا بارزًا في أية فلسفة للغة، وخلال هذا الكتاب يؤسس فرويد جدلًا بين اللغة الرمزية التي هي تحريف أو قناع أو تعزيز للوهم وبين اللغة الرمزية التي يمكن أن تكون وحيًا للقدسي أو «المقدس».

والسؤال عن المنهج هنا هو: كيف يظل التأويل فينومينولوجيًّا؟ يقول ريكور إن الفينومينولوجيا التأويلية هي فلسفةٌ تأمليةٌ داخلةٌ ضمن الإطار الأساسي لفينومينولوجيا هسرل، لقد رفض ريكور منذ البداية محاولة هسرل بناء فلسفةٍ ذاتية التأسيس أي قائمة على ذاتها، إنه يرفض أي محاولة ديكارتية أو هسرلية لتأسيس المعرفة والنفس على الوعي المباشر والشفاف، فالحقيقة الأساسية الأولى، الكوجيتو، هي فارغةٌ بقدر ما هي يقينية، «والنفس لا يمكن أن تُفهم إلا عن طريق التفافي يمر بالأعمال (الفنية إلخ) والأفعال والأدب والنظم والمؤسسات، وكل فهم ذاتي يتطلب تأويلًا لنصوص أو بناءات شبيهة بالنص.» بهذه الطريقة تحرر الفينومينولوجيا التأويلية نفسها من المثالية التي ظن هسرل أنها أساسية للفينومينولوجيا.

ولكن بأية طريقة تظل الهرمنيوطيقا نوعًا من الفينومينولوجيا؟ إن الفينومينولوجيا، أولًا وقبل كل شيء: هي التي لم تثبت في رأي ريكور على مبدئها الأساسي وهو «القصدية» Intentionality: أي إن معنى الوعي يقع خارج الوعي، فالوعي خارج نفسه … موجه نحو معنًى، هذا هو ما يتضمنه الكشف المحوري للفينومينولوجيا، ثانيًا: إن الافتراض الفينومينولوجي الأساسي للهرمنيوطيقا هو أن كل سؤال عن أي نوع من الوجود هو سؤال عن معنى هذا الوجود، يترتب على ذلك أن الفينومينولوجيا التأويلية عبارة عن استخدام جميع المناهج التأويلية للهرمنيوطيقا من أجل تحقيق الغاية الأساسية للفينومينولوجيا.

وبعبارة أخرى يرى ريكور أن الهرمنيوطيقا امتداد للفينومينولوجيا، فكل من الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا مكرسان لفهم النفس، وكلاهما منهج تأملي يبدأ وسط الأشياء، باعتبار كل من العالم وخبرتنا البينشخصية كمعطيات، غير أن ريكور يرفض التفسير المثالي لهسرل والذي يعتمد على الفهم الحدسي والمباشر لماهيات الظواهر الذهنية، وهو ينكر أيضًا ذلك الهدف الذي ينشده هسرل وهو تأسيس فينومينولوجيا علمية يمكنها تقديم الأساس التصوري النهائي لكل الفكر، فليس هناك، في رأي ريكور، نقطة بداية مطلقة وليس هناك أسس تدعم ذاتها على الإطلاق، إن اهتمامه الدائم بفهم الفعل البشري والمعاناة البشرية يتطلب التفافًا طويلًا خلال تأويل الرموز والنصوص والآثار والأعمال الفنية والأدبية والمؤسسات والنظم … إلخ التي تتوسط فهمنا للنفس وعلاقتها بالآخرين، أما الفينومينولوجيا فهي التي تفتح مجال الأشياء ذات المعنى، وأما الهرمنيوطيقا (وليس الرد الماهوي أو الترانسندنتالي) فهي المنهج السديد والملائم.

(١) «الاستعارة الحية» و«الزمان والسرد»

امتد المنهج الهرمنيوطيقي عند ريكور من تأويل النصوص إلى إبداع المعنى الشعري والقصصي في كتابَيْه «الاستعارة الحية» La Metaphore Vive (١٩٧٥م) و«الزمان والسرد» Temps et Recit (مجلدات ثلاثة: ١٩٨٣م، ١٩٨٤م، ١٩٨٥م) وقد اعتبرهما ريكور توءمَين رغم الفاصل الزمني الكبير الذي يفصل بينهما، ذلك أن كليهما يضطلع بالتجديد السيمانتي (الدلالي).
تتمثل الدعوى الرئيسية في الكتاب الأول «الاستعارة الحية» في أن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنًى جديدٍ أن يظهر، وبالطريقة نفسها تتبدل الإشارة Reference في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارةٌ ثانية هي تلك التي تحملها الاستعارة، وقد يبدو أن الوظيفة الإبداعية والشعرية للاستعارة تقتصر على تحطيم وظيفتها الإشارية، غير أن هذا في الظاهر فقط، يقول ريكور إنها بالأحرى تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم (أو نعيد وصفه بمعنى أصح) أو جزءًا من العالم كان ممتنعًا على الوصف المباشر أو الحرفي. إن اللغة الشعرية تدفع عالمًا جديدًا إلى الظهور، ذلك هو عالم العمل الشعري، هذا العالم الشعري يندمج بالعالم الحياتي وينصهر بعالم الفعل اليومي ويمثل بالنسبة لي عالمًا ممكنًا، عالمًا بوسعي أن أعيش فيه وأعمل وأعاني، وباختصار، يتيح لنا الإبداع الشعري للاستعارة أن نقول شيئًا ما جديدًا عن عالم خبرتنا المُعاشة.

وفي كتابه ذي الأجزاء الثلاثة «الزمان والسرد»، والذي يُعد من أهم الأسفار التي دُبِّجَتْ في القرن العشرين، يبين ريكور بصبرٍ ودأبٍ كيف يخلق السرد معنى جديدًا؛ إذ يوالف بين عناصر متباينة: الأغراض، المقاصد، الأسباب، المصادفات، الرغبات … إلخ، وينسج وقائع تبدو غير متصلة ويسلكها في حكايةٍ وفي نظامٍ جديد من الانسجام والترابط، وهناك وجه شبه بين الحبكة في القصة وبين العملية الاستعارية من حيث إن كليهما يخلق كلًّا جديدًا، فالحبكة تضطلع بدمج الأحداث المتباعدة والمصادفات العارضة والأفعال الإنسانية بخاصة، وتمزجها جميعًا في قصة مكتملة.

وترتبط خبرة الزمن بالسرد ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم، فكل سردٍ هو زماني في جوهره وصميمه، ويمثل المدخل ذا الامتياز لخبرتنا الزمانية المشوشة والفجة والبكماء، والفكرة المركزية في هذه الثلاثية كلها هي أن الزمن يصبح زمنًا إنسانيًّا بقدر ما ينتظم في روايات، والروايات تتحلى بالمعنى بقدر ما تمثل وجودنا الزمني.

يبدأ ريكور تحليله للزمن والسرد — والاختبار الطويل لفكرته المركزية — بعرضٍ دقيقٍ لصراع القديس أوغسطين مع مفهوم الزمان، وتفسير أرسطو للحبكة الدرامية وكيف تخلف من العناصر المتباعدة كلًّا ذا معنى، ومن الفوضى نظامًا، ومن العناصر المشتتة قصةً مترابطة، وكيف يتحد الزمن والسرد معًا في اﻟ Mimesis Praxeos أو المحاكاة الخلاقة للفعل البشري، وتتعلق المحاكاة بكل من العالم المتخيل والعالم الحقيقي، إنها في القلب من الروايات التاريخية والروايات الخيالية.

وفي بقية هذا العمل الجليل يقوم ريكور باختبار أو تحقق دءوب وطويل من فرضيته، خلال فحص دقيق لإبستمولوجيا التاريخ والأدب، ويذهب إلى أن التاريخ إذا قطع روابطه بتلك الملكة الأساسية لدينا، ملكة متابعة قصة، فهو يفقد عندئذٍ طابعه المميز ويختزل إلى علم من بين غيره من العلوم الإنسانية. وفي الجزء الثاني من «الزمان والسرد» يعرض ريكور لآراء عددٍ من مفكري نظرية الأدب المعاصرين حول وظيفة السرد ويلقي مزيدًا من الضوء على فرضيته من خلال تحليلٍ دقيقٍ لثلاث رواياتٍ شهيرة تسودها جميعًا فكرة الزمن: «السيدة دالواي» لفرجينيا ولف، و«جبل الذهب» لتوماس مان، و«تذكر أشياء مضت» لمارسيل بروست.

أما الجزء الثالث من الزمان والسرد فيقوم فيه ريكور بمراجعة إشكاليات الزمان وجميع المحاولات التي بُذِلَت لحلها في تاريخ الفلسفة، ويعرض للخلافات بين كانت وهسرل، وبين هيدجر والميتافيزيقا حول طبيعة الزمان، ويدرس العلاقة بين خبرة الزمان وبين الزمان الطبيعي، ويدرس حقيقة الماضي التاريخي، ويختم دراسته بشرح لهرمنيوطيقا الزمن التاريخي، ويخلص إلى أن جميع المحاولات الفلسفية قد باءت بالفشل، وأن الروايات الزمانية وحدها هي التي تمنحنا منفذًا تأمليًّا لخبرة الزمن.٢

(٢) هرمنيوطيقا الارتياب عند بول ريكور

المعادلة الصعبة: هرمنيوطيقا «الانفتاح النقدي»، «الشك والرجاء».

الهرمنيوطيقا علمٌ وفن معًا في آن، وهذه العبارة، ببساطتها الخادعة، هي سبب الجدل المحتدم في الزمن الحديث في مجال الهرمنيوطيقا، ذلك المبحث الذي بدأه شلايرماخر (١٧٦٨–١٨٣٤م) بمحاولته انتزاع المعنى من خلال فهم عقل المؤلف، والذي اكتسب دفعةً كبرى مع جادامر ودعوته إلى قيام حوارٍ بين أفقَي النص والقارئ، وانتهى إلى هرمنيوطيقا اليوم التي ترتكز على القارئ وتسند إليه دورًا متعاظم الأهمية في العملية التأويلية.

لم يقنع بول ريكور، رغم أنه يعمل داخل إطار «هرمنيوطيقا القارئ»، إن صح هذا التعبير، بالذاتية الصميمة المرتبطة بهذه الهرمنيوطيقا، فأراد أن يتخذ المسار الضيق والخط الرفيع الممدود بين دعوة الموضوعية (المرتكزة على النص نفسه) وبين البقاء في حالة «انفتاح» معين على ما «يعتمل في باطن النص ولعله كان قمينًا أن يقوله»، تمثل هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور محاولته للإبقاء على كل من الطابع العلمي والطابع الفني للتأويل دون منح أيٍّ منهما منزلةً مطلقة، ذهب ريكور إلى أن حيوية الهرمنيوطيقا يكفلها هذا الدافع المزدوج: الإصغاء والشك، الإذعان والتمرد، يقول ثيسلتون موجزًا ماهية الهرمنيوطيقا عند ريكور:

«الأول يتعلق بمهمة «إزالة الأصنام»، أي أن نصبح على وعي نقدي بأنفسنا عندما نُسقط رغباتنا وبناءاتنا الذهنية على النصوص، وبهذا الوعي النقدي لا تعود إسقاطاتنا الذاتية تخاطبنا من خارج أنفسنا على أنها «آخر»، والثاني يتعلق بالحاجة إلى الإصغاء بانفتاحٍ إلى الرمز وإلى السرد، وبذلك نتيح لأحداثٍ خلاقةٍ أن تحدث «أمام النص» وتمارس تأثيرها علينا.»٣

(٢-١) أبطال الارتياب

في مستهل كتابه «فرويد والفلسفة» يلفت ريكور الانتباه إلى الشخصيات المحورية الثلاث (ماركس ونيتشه وفرويد) الذين حاولوا، كلٌّ من زاويته الخاصة، إزالة الأقنعة وفضح الزيف وكشف الباطن الحقيقي من الظاهر السطحي، ويبدو أن الارتياب الذي مارسه هؤلاء الثلاثة يمثل نماذج شارحةً لهرمنيوطيقا ريكور نفسه، ومن ثم تجدر دراستهم إذا شئنا أن نفهم تأويليته حق الفهم، لقد حاول كل واحدٍ من هؤلاء أن يعثر على المعنى الحقيقي للعقيدة بواسطة نزع المعنى الزائف وتعريته، أما تحليل ماركس للعقيدة فقد أفضى به إلى نتيجةٍ مؤداها أنه بينما تبدو العقيدة معنيةً بموضوعاتٍ رفيعةٍ من السمو الروحي والخلاص الشخصي فقد كانت وظيفتها في حقيقة الأمر هي التعتيم على الأحوال غير الإنسانية للعمل الإنساني، وجعل البؤس الحياتي أكثر احتمالًا، وبهذه الطريقة كانت العقيدة تُستخدم كأفيونٍ للشعوب، وأما نيتشه فقد اعتبر الهدف الحقيقي للعقيدة هو أن ترفع الضعفاء إلى موقع قوة، وتجعل من الضعف فضيلة، وهو هدفٌ يكذِّب هدفها الظاهري، وهو أن تجعل الحياة أكثر احتمالًا بالنسبة للضعفاء والطغام، وذلك بتدعيم فضائل من قبيل الشفقة والكدح والتواضع والود وغير ذلك مما أسماه «أخلاق العبيد»، هكذا أزال نيتشه القناع عن العقيدة وكشف أنها مهرب الضعفاء وملجأ العجزة.٤
وأما فرويد، وقد مارس نفس العملية الارتيابية التي تعمد إلى إزالة الأقنعة وكشف الحقيقي من السطحي، فقد خلص في تحليله إلى أنه بينما تُدرَك العقيدة كمصدرٍ مشروع للسكينة والأمل عندما يواجه المرء مصاعب الحياة فإنها في حقيقة الأمر وهمٌ لا يعدو أن يكون تعبيرًا عن رغبة المرء في «أب-إله»، هكذا قدم رءوس الارتياب نماذج واضحةً للشك في العقيدة والثقافة، وبقي على ريكور أن يطبق المبدأ نفسه على فعل التواصل تحت عنوان «هرمنيوطيقا الارتياب» Hermeneutics of suspicion ولم يكن خافيًا على ريكور أن هؤلاء الارتيابيين الثلاثة لم يكونوا بأية حال من أصحاب «مذهب الشك» Skepticism من أمثال فيرون وزينون الإيلي والأكاديميين الجدد، ذلك أنهم بينما يمارسون هدم الأفكار الراسخة، فقد كان ثلاثتهم في حقيقة الأمر يقومون ﺑ «تنقية الأفق من أجل عالمٍ أكثر أصالة، وحكمٍ جديدٍ للحقيقة، لا من طريق النقد الهدمي فحسب، بل بابتكار فنٍّ للتأويل»، وكان ثلاثتهم في حقيقة الأمر يفضحون الوعي الزائف والفهم الزائف ﻟ «النص» (المجتمع) بتطبيقٍ منظمٍ للنقد الارتيابي؛ لكي يخلصوا من ذلك إلى فهمٍ صادقٍ للأمور في بواطنها وإدراكٍ للحقيقة كما هي دون تنكرٍ ودون أقنعة، لقد كان ثلاثتهم، عند ريكور، يمثلون ثلاثة طرائق متقاربةٍ لكشف الزيف Demystification.٥
عندما تُطَبَّق مثل هذه الهرمنيوطيقا على نصٍّ من النصوص فإنها تفضي إلى إمكان الوصول إلى ما أسماه ريكور «براءة ثانية» Second Naivete والتي يمكن بواسطتها تحقيق هدف التأويل وهو إيجاد «عالمٍ أمام النص، عالمٍ يفتح إمكاناتٍ جديدةً للوجود»، إن من أيسر الأمور وأكثرها رجحانًا عندما يقرأ المرء نصًّا من النصوص (وليكن نصًّا إنجيليًّا)، وبخاصة إذا كان نصًّا مألوفًا، أن يفعل ذلك بتصلبٍ ورضا ذاتي يميل إلى «تجميد» معنى النص تجميدًا لا رجعة فيه، ويبدو أن مقاربة النص بارتياب معين — أي بتساؤلٍ عما إذا كان ما يبدو أن النص يقوله هو مطابقٌ حقًّا لرسالته الحقيقية التي يريد إبلاغها — هو عمليةٌ تأويليةٌ صحيحةٌ وضروريةٌ أيضًا.

ثمة نقطة أخرى أوضحها أساتذة الارتياب الثلاثة وهي أن الارتياب يجب أن يكون مزدوجًا يتوجه إلى المشاركين (المجتمع بصفة عامة أو أفراد المجتمع) وإلى النسق (العقيدة)، كذلك يجب أن يكون الارتياب مزدوجًا في تناول أي نص من النصوص، فعندما أُقارب نصًّا ما يلزمني أن أطبق الارتياب على نفسي (هل أقوم بإقحام معنى ما على النص؟) وأن أطبق الارتياب على النص (هل يقول النص ذلك حقًّا؟) يقول ريكور إن كلا قطبي الارتياب صحيحٌ وضروري إذا شئنا أن نصغي إصغاءً جديدًا لما يريد الرب أن يقوله لنا، والحق أن ريكور لا يعدو في هذا الأمر أن يذكرنا — وإن يكن ذلك بطريقةٍ شائقة من غير شك — بحقيقة «الدائرة التأويلية» العتيدة، علينا أن نقارب النص بطريقة نقدية وارتيابية حتى يتسنى لنا أن نسمع رسالته وبلاغه، وحتى لا ندع فهمنا المسبق وقناعاتنا المسبقة تغشي على الحقيقة وتحجبها.

(٢-٢) الارتياب، والاستعارة، والحكاية الرمزية

تتجلى هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور في فهمه للاستعارة Metaphor على أنها توترٌ أو شد، يرى ريكور أن في صميم الاستعارة يقبع عنصر إثباتٍ وعنصر نفي، عنصر «كمثل» Is Like وعنصر «ليس كمثل» Is Not Like، يشير العنصر الأول إلى الناقل الحرفي المستخدم لتوصيل الاستعارة، بينما يدل الأخير على أن «المشار إليه» أو «المرجع» Referent في الاستعارة لا ينبغي التماسه في الألفاظ الحرفية، هذا «التوتر» من شأنه أنه يُسقط «عالمًا أمام النص»، هذا «العالم» المُسقط هو «المشار إليه» Referent الحقيقي للاستعارة، ويرى ريكور أن معنى الاستعارة وإشارتها هما شيءٌ في انتظار أن يتملكه القارئ الراهن من خلال عملية إضفاء القرينة أو السياق التي يضطلع بها من جديدٍ كل قارئ للنص.٦
بهذا التفاعل مع العالم البازغ أمام النص يلتمس ريكور «إيمانًا استعاريًّا» Metaphor-Faith يتجاوز نزع الأسطورة Demtyhol Gizing، وبراءةً ثانيةً Second Naivet تتجاوز تحطيم الأصنام Iconoclasm (توكيد على عنصر «كمثل» is like) غير أنه يلتمس في الوقت نفسه التوكيد على الجانب النقدي «ليس كمثل»، وبذلك يجعل تأويليته نسقًا مفتوحًا يتجنب أي تصديق ساذج، هذا التوتر بين قطبي الإثبات والنفي، «كمثل» و«ليس كمثل»، يتجلى في مجالات ثلاثة: (١) داخل اللغة الشعرية (٢) بين تأويلات هذه اللغة (٣) بين هذه التأويلات وبين حياة القراء أو المستمعين. وتجد هذه التوترات انفراجًا في اللحظة الحاضرة عن طريق خلق معانٍ جديدة و«مشار إليه» جديدة.
ويحدد ريكور «التعبيرات المقيدة» Limit Expressions حيث ينطبق التوتر الداخلي للاستعارة في أوضح صورة، هذه «التعبيرات المقيدة» تشمل الأمثال Proverbs والأخرويات (ما ورد في أمور الآخرة أو ما قيل عن الساعة) Escatological Sayings والحكايات الرمزية Parables وحين يطبق ريكور هرمنيوطيقا الاستعارة على الحكايات الرمزية يجد عنصر «كمثل» قائمًا في الصيغة السردية للحكاية (النموذج) The Model، ويجد عنصر «ليس كمثل» قائمًا في الطريقة التي تُنتهك بها الصيغة السردية (المقيد) The Qualifier بتدخل «الغرائبي» و«الخارق» وربما «الفاضح»! هذا الازدواج التكويني يفضي إلى التوتر فيما بين «انغلاق» الشكل السردي وبين «انفتاح» العملية الاستعارية، ومرة ثانية يؤدي التوتر إلى إسقاط عالمٍ أمام النص، أي بين القارئ/المؤول وبين النص نفسه، وبه ينكشف «المشار إليه» الخاص بالحكاية ويخرج إلى واضحة النهار، هكذا يتبين أن تعريف ريكور للحكاية الرمزية Parable على أنها «ربط بين شكلٍ سردي، عمليةٍ ميتافيزيقية، وبين «مقيَّد» Qualifier ملائم» هو تعريفٌ متسق مع كلٍّ من تأويليته الارتيابية ككل وفهمه الخاص لكيفية عمل الاستعارة.
والآن بعد أن بينا مدخل ريكور إلى الاستعارة، وبصفة أخص إلى الحكاية الرمزية كجنسٍ أدبي، يمكننا اقتفاء أمورٍ كثيرة، بوسعنا أولًا أن نتبين أن استبصار ريكور الخاص بازدواجية الاستعارة بوصفها تتضمن وجهًا مألوفًا ووجهًا آخر يتخطى المألوف هو استبصارٌ مفيد لنا في مواطن كثيرة، ولعل لوثر الذي أصر على تفسير «كلوا … هذا لحمي، اشربوا … هذا دمي» تفسيرًا حرفيًّا، لعله كان قمينًا أن يغير رأيه في ضوء نظرية ريكور في الطبيعة الثنائية للاستعارة، ولعل الكثيرين من شراح «سفر الرؤيا» Revelation كانوا حقيقين أيضًا بالإفادة من فهم ريكور للاستعارة، كذلك يُعد تطبيق ريكور لهذا المبدأ على الحكاية الرمزية هو تطبيق مفيد غاية الفائدة؛ فكثير من الحكايات الرمزية تتسم فعلًا ببنية «النموذج/المقيد» Model/Qualifier، مما يهيب بالقارئ أن يميز ويدخل في العملية الاستعارية.
وعلى الرغم من هذه الجوانب الإيجابية في فهم ريكور للاستعارة والحكاية الرمزية، فإن هناك جوانب أخرى جديرة بالشك والتساؤل، أولها إصرار ريكور على أن تفاعل القارئ والنص يتسم «بالانفتاح» ولا يمكن، من حيث المبدأ، أن ينغلق، وهو إصرار يرتبط من جهة بمغالاة ريكور في التعويل على القارئ وإسناد دورٍ كبير له في العملية التأويلية، ويرتبط من جهة أخرى بإيمانه بأن «النص المكتوب يغدو، فور كتابته، صوتًا مُمَحَّضًا منفصلًا عن المؤلف وعن موقف المؤلف».٧
ومن الملاحظات المثيرة أنه بينما يتفق كل من يان رامزي (Ian Ramsay الذي أخذ عنه ريكور نموذجه الاستعاري «كمثل/ليس كمثل» واستخدمه في تأويليته الخاصة) وريكور حول وجود توترٍ مقصودٍ مُدخلٍ في الحكاية الرمزية بواسطة «المقيد» Qualifier، فقد خَلُصَ كل منهما إلى نتيجةٍ جد مختلفة بصدد وظيفة «المقيد» في الحكاية الرمزية: أما رامزي فيرى أن وظيفة المقيد هي أن يؤدي، بواسطة عملية منطقية، إلى «الله» الكلمة التي «تكمل» و«تترأس» على اللغة كلها، وأما ريكور فيرى أن وظيفة «المقيد» هي أن يمزق المنطق الخاص بالسرد ويَشْدَه القارئ أو المستمع، وبينما يتفق الاثنان على أن «المقيد» هو الوسيلة التي تُدفع بها اللغة إلى حدِّها وقَيْدها، فقد دعا رامزي إلى نسقٍ مغلق من الهرمنيوطيقا بينما نادى ريكور بنسقٍ مفتوح.

إن التناول الجدلي للنص عند ريكور، بالإضافة إلى رغبته في تجنب الانحياز المطلق إلى جانب النص أو إلى جانب الذات المفسرة، هو ما أفضى به إلى «انفتاحٍ» صميم فيما يتعلق بمعنى الحكاية الرمزية، بل فيما يتعلق بمعنى كل النصوص المكتوبة التي تفصل بيننا وبينها فجوةٌ أو بون، وهو في غمرة اهتمامه بالعثور على المعنى لا في النص نفسه بل أمام النص، فقد فتح مجالًا لنسبيةٍ لا مفر منها لرسالة النص، فإذ بتغير سياق القارئ كذلك يتغير العالم القابع أمام النص، وهكذا يسمح ﻟ «ليس كمثل» أن تسود على حساب «كمثل». يريد ريكور أن يحافظ على التوتر، غير أنَّه في الواقع الفعلي ينفرج التوتر في النهاية لصالح «المعنى الجديد» المتولد في الأفق الحادث بين القارئ والنص، ويصير الأمر، بشكل لا مرد له، إلى اضطرابٍ وتقلقلٍ في رسالة النص مصحوب بنسبية تلك الرسالة.

ولكن إذا كانت بعض نصوص الإنجيل تهيب حقًّا باستجابة القارئ فإن هذه الاستجابة يجب أن تكون مسترشدةً، بل محددة، بالنص نفسه لا بالقارئ، إن النص هو الذي يحكم الاستجابة المناسبة من جانب القارئ، وما كان للقارئ أن يستجيب للنص كيفما اتفق، أضف إلى ذلك أن هناك كثيرًا من النصوص لا تهيب باستجابة القارئ إلا قليلًا، مثل النصوص التاريخية، ومثل النصوص التعليمية كرسائل بولس. القارئ هنا ليس حرًّا في أن يؤسس معنى جديدًا أمام النص على أساس التفاعل الدينامي بين الطرفين، ثمة معنى محدد يتأبى على تعددية المعنى التي ترتكز على استجابة القارئ، وفي ذلك يقول ثيسلتون: «… إلا أن هذه الاعتبارات (المتعلقة بمعطيات النصوص الإنجيلية) تضع علامات استفهامٍ خطيرةً ضد النظريات التي تحاول الاستغناء تمامًا عن المؤلفين أو عن السياقات غير اللغوية للموقف.»

إن هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور هي في الحقيقة مفتوحةٌ أكثر مما يجب، وهي تعمل كدائرةٍ تأويليةٍ أبدية، ولا تدرك أن بوسعنا تأسيس طرائق تأويليةٍ تؤدي لا إلى دائرة لا نهاية لها، بل إلى «لولب» ينتهي بمعنى محدد مطابق للمعنى الذي قصده المؤلف ورمى إليه وعناه، معنى من حقنا أن نبحث عنه وأن نجده.

(٢-٣) الارتياب والإبستمولوجيا

مثلما أدت هرمنيوطيقا الارتياب بريكور إلى أن يحرص على الإبقاء على التوتر بين السيادة المطلقة للقارئ والسيادة المطلقة للنص في عملية استخلاص المعنى، كذلك يمكننا رؤية ظلال هذه الهرمنيوطيقا نفسها بصدد السؤال عن المنهج في عملية اكتساب المعرفة، إن ريكور «ليرتاب» في أية أبستمولوجيا تعتمد بصورةٍ حصرية على «التفسير» Explanation من جهة أو على «الفهم» Understanding من جهة أخرى.
نشأ هذا التمييز كما سبق أن أوضحنا في غير موضع في الخلافات التي دارت رحاها في القرن التاسع عشر حول مفهوم المعرفة والوسائل الكفيلة باكتسابها، فكان الجناح الوضعي يرى أن «التفسير» Explanation الذي يصطنع المنهج العلمي الوضعي هو الكفيل بتأويل الظواهر، بينما ذهب أنصار الإنسانيات إلى أن التفسير العلمي الوضعي لا يملك تقديم وصفٍ شاملٍ للواقع الإنساني وتأويلٍ سديد للخبرة البشرية، ودعوا إلى تأسيس نظرية في الفهم تقيض للأهداف الغائية وللشعور والتخيل دورًا مشروعًا في المعرفة الإنسانية.
رأى ريكور في هذا التعارض بين «الفهم» و«التفسير» (والممثل في مدخل جادامر ومدخل هابرماس في الهرمنيوطيقا على الترتيب) المسارين «الصاعد» و«الهابط» في التأمل الهرمنيوطيقي،٨ أما «انفتاح» جادامر وفتور اهتمامه بالمنهج فيتجلى بوضوح في قوله:
«في اللغة ثمة أولًا وقبل كل شيء كل من «اللغة» Langue و«الكلام» Parole كما ميزهما سوسير، فالكلمة المنطوقة (Parole هي شيء مختلف عن نسق الرموز Langue) الذي يؤلف اللغة … الكلام يوجد في النصوص، نعم بالتأكيد، ولكن النصوص غريبة أو وحشية، كيف يتأتى لهذا الكلام، أي الكلمة المنطوقة، أن تُحفظ حقًّا في النص المكتوب؟ هل هي بكليتها ما نطقه عقلي أو تلفظه ذهني؟ … علينا دائمًا أن نبحث عن المعنى الحقيقي لأي منطوق أو عبارة.»٩

يرى ريكور، بحق، أن مشكلة هرمنيوطيقا جادامر هي أنها لا تقدم منهجًا لاكتساب المعنى الحقيقي: كيف لنا أن نعرف «المعنى الحقيقي لمنطوق أو عبارة؟» إن مدخل جادامر لا يوقف تقدم الإبستمولوجيا الوضعية في منطقة العلوم الإنسانية، إنه مدخل مفرط في الذاتية.

أما مدخل هابرماس فهو على العكس مفعم بالعلم الوضعي ويفضي بالفعل إلى إبستمولوجيا المناهج، وبينما يتفق ريكور مع هابرماس في كثير من الجوانب (شغفه بعلم اللغة مثلًا وهو يضاهي محاولة ريكور نفسه تأسيس «سيميولوجيا ترانسندنتالية»)، فإنه يختلف معه وينسب إليه خطأ الخلط بين مشكلة «الفهم» ومشكلة «فهم الآخر»، لقد ظن أن معنى الرسالة لا بد أن يكون هو المعنى الذي وضعه أشخاص آخرون هناك، فهذا أيضًا هو في حقيقته تناول ذاتي وغير نقدي لمشكلة المعنى.

أراد ريكور في مدخله الخاص إلى الهرمنيوطيقا أن يتجنب كلًّا من القصور المنهجي عند جادامر (وما يصاحبه من نقص الموضوعية) والقصور النقدي عند هابرماس (الذي تسرع بالخلط بين المعنى وبين النص نفسه)؛ لذا فقد حاول ريكور جهده أن يؤسس منهجًا يتسنى للمرء بواسطته أن يكشف الغطاء عن البُنى الأنطولوجية للمعنى، وربما ينجح أيضًا في تقديم تأويلٍ ما لذلك الوجود في العالم الذي يتفتح أمام النص.١٠
ذهب ريكور إلى أن السيميولوجيا Semiology، وهي أداة لغوية تحاول كشف المعنى على أساس النص وحده (وبمعزلٍ عن نية المؤلف)، يمكن أن تمهد سبيلًا إلى المشاركة في مقاصد المتحدث والاستقلال في نفس الوقت عن الإشارات الخاصة التي كانت بالفعل في ذهنه، ومن خلال هذا المنهج الجدلي وهذا التفاعل المتبادل بين النص/الرمز وبين القارئ «سيكون لدينا نوع من العرفان يتم فيه للذات أن تمتلك الحقيقة بكلتا الطريقتين: المشاركة والنقد الموضوعي».
وإذا كان ريكور محقًّا فيما أخذه على تأويلية جادامر من إفراط في الذاتية، فإن المرء ليستشعر أن محاولة ريكور تجنب الذاتية عن طريق «المشاركة» في مقصد المتحدث مع رفضه في الوقت نفسه وضع هذه المشاركة مع إشارات المؤلف، هي محاولة مفرطة في الذاتية بنفس الدرجة! والحق أن المرء لا يسعه في نهاية المطاف سوى أن يسلم بأن مقصد المؤلف لا بد أن يقوم على المشعرات المعطاة من لدن المؤلف في نصه بوصفها «المشار إليها» Referent الخاص بعباراته، وإلا فإن مصير المعنى و«المشار إليه» هو «التعويم» والتسيب والانفلات من المراسي إلى حيثما يشاء المؤول أن يذهب، ذلك هو وجه الأمر بغض النظر عن أية نظرية (سيميوطيقية) لغوية تُستخدم لتبرير انشقاق عبارات النص عن المعنى والمشار إليه الأصلي الذي عناه المؤلف وقصده وانتواه.

قد أراد ريكور أن يتجنب الذاتية المرتبطة بإبستمولوجيا «الفهم»، غير أنه في واقع الأمر لم يتمكن من تجنب هذه الذاتية؛ وذلك لأنه التمس الموضوعية والمنهج النقدي لا في التوجه إلى مقصد المؤلف وتأسيسه بالإصغاء المرهف للمؤلف، وهو يعبر عن نفسه في النص بل في تحليل لغوي لا شخصي، ومن المؤسف أن ريكور بإزاحته للمؤلف من الطريق قد عزز ذاتية المؤول وضمن لها السيادة حتى خلال استخدام أداة «علمية» (السيميوطيقا).

(٢-٤) الارتياب والأيديولوجيا

كان لهرمنيوطيقا ريكور الارتيابية تأثيرٌ بعيدٌ يتجاوز الحدود المباشرة لدينامية «القارئ/النص»، ويتجلى هذا التأثير في اللاهوت التحرري بمختلف ألوانه (عند الزنوج وعند المذهب النسائي وفي أمريكا اللاتينية، وبخاصة عند جوان سيجندو بالأوراجواي الذي أقام لاهوته التحرري على هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور)، لم تكن حركة سيجندو موجهةً لتأسيس «نسقٍ» لاهوتي، وإن كان ذلك محتمًا، بقدر ما كان اهتمامه مُنصبًّا على تأسيس «منهج» لاهوتي، فإذا كان منهج المرء اللاهوتي باطلًا فإن بنيته اللاهوتية الفوقية القائمة على المنهج ستكون أيضًا باطلةً لا محالة، ويذهب سيجندو إلى أن المنهج اللاهوتي هو صنيعة الأيديولوجيا، ومن هنا انجذابه للهرمنيوطيقا التي تتناول الأيديولوجيا بطريقةٍ ارتيابيةٍ أي نقدية، هكذا برزت أهمية الأدوات التحليلية للارتياب، والمصممة لنبذ العادي والمبتذل والمذاهب الهروبية التسكينية والتفسيرات الزائفة، وقد أعمل سيجندو المقولات الفرويدية عن التحول النفسي المرتكزة على هرمنيوطيقا فضح الزيف وكشف الأقنعة والتي ترمي إلى جعل الفرد يقبل الواقع ولا يهرب منه، أي يدرك أن الأشياء ليست كما تبدو في الظاهر، فأسس «مبدأ الواقع» Reality Principle الخاص به، يقتضي ذلك قدرًا من التواضع يسمح بفك شفرة المعنى الخفي وراء معنى ظاهر عندما يجري تأويل أيديولوجيا المجتمع (النص) على نحوٍ ارتيابي.

في ضوء هذا التحليل يُعاد تأويل جميع المقولات اللاهوتية، من قبيل الخطيئة والإيمان والنعمة والكنيسة والآخرة، تأويلًا متسقًا مع مبدأ كشف الأقنعة وفضح الزيف المتأصل في الأطر الأيديولوجية التقليدية التي تعمل على الإبقاء على الأوضاع الظالمة واستغلال الفقراء وقمعهم، وتدعيم هذه الأوضاع، يقول سيجندو: إنَّ عقيدة «خطيئة العالم»، تلك العقيدة الباعثة على الاغتراب، هي أيديولوجيا، ويترتب على ذلك أن «التحرر يعني إذن أن نختار أن نمارس ارتيابًا أيديولوجيًّا لكي نكشف اللثام عن البنى الأيديولوجية اللاشعورية التي تدعم الطغيان وتخدم مصالح أقلية متسلطة متمتعة بكل الامتيازات»، إن اللاهوت التحرري يهيب بهرمنيوطيقا الارتياب لأنه يرى أن لاهوتيي أوروبا وأمريكا الشمالية قد تأثروا في تأويلهم للكتاب المقدس بالعقلية الرأسمالية تأثرًا زائدًا.

هكذا تتجلى مرة أخرى مزايا هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور، وعيوبها أيضًا، وتعبر عن نفسها في هذه المنطقة من الخطاب اللاهوتي، لا شك في وجاهة استبصارات اللاهوت التحرري وسدادها فيما يتصل بفعل الأيديولوجيا، ونزوع أي أيديولوجيا إلى الإبقاء، دون نظر، على الوضع الراهن والمحافظة على مصالح المستفيدين من الوضع، ها هنا تضطلع هرمنيوطيقا الارتياب بدورٍ كبيرٍ في كشف التأويلات الزائفة أو المحرفة للمجتمع أو النص، سواء كان الارتياب موجهًا إلى نقد الأيديولوجيا بشكل مباشر أو نقدها بشكل غير مباشر من خلال الشك في نصوص الإنجيل التي درجنا على فهمها داخل قضبان أيديولوجيةٍ ثابتة دون تفطن ودون نقد.

ولكن لسوء الحظ فإن اللاهوتيين التحررين إذ يفشلون في تأسيس نقدٍ مشروعٍ في حدود رسالة الإنجيل نفسها، عن وعيٍ ودراية، فإنهم يقعون ضحية أيديولوجيا غير إنجيلية (ذات لونٍ ماركسي في الغالب!) وينتهي بهم المطاف إلى مجرد استبدال أيديولوجيا بأخرى! هكذا يتجمد هذا المنظور الجديد، وتلقي ظلال الشك على أي تأويلٍ يتفق أنه يناقض تأويل المرء فيما يتعلق برسالة الإنجيل. إن ما نحتاج إليه حقًّا هو هرمنيوطيقا ارتيابٍ وارتيابٌ في هذا الارتياب أيضًا! ذلك أن بِمَيْسُور أي قارئ/مؤول أن يستبدل فهمًا للنص قائمًا على نقد ارتيابي بفهم آخر، خاطئ بنفس الدرجة، أقحمه على النص قارئٌ يجلب إلى النص، ربما دون أن يدري، مصالحه الخاصة وتحيزاته وفهمه اللاهوتي المسبق.

ولتجنب التأويل الْمُبْتَسَر والخاطئ هناك عاملان يجب أن يكونا في حالة نشاطٍ دائم؛ أولًا: اتخاذ موقف ارتياب موصول، ارتياب في الارتياب، و«انفتاح» مستمر على طريقة ريكور، ثانيًا: وبنفس الدرجة من الأهمية، الحركة الصحيحة تجاه تحديد رسالة النص الإنجيلي، هنا نجد أن هرمنيوطيقا ريكور تتخبط ولا تسعفنا بشيء؛ وذلك بسبب اعتقاده الخاطئ بأن النص والمؤلف ينفصلان فور الكتابة، وأن قصد المؤلف من ثم لا يمكن، حتى من حيث المبدأ، الوصول إليه، الأمر الذي أدى إلى التماس المعنى في عالمٍ يتفتح «أمام النص».

تحت هذه الظروف التأويلية لا فكاك من الوقوع في النسبية والذاتية اللتين تفتحان المجال للقارئ أن يملي على النص ما يريده، ويفرض على النص المعنى الذي يحبذه، وهكذا ينتهي الأمر بهرمنيوطيقا الارتياب، التي جهدت لكي تخلق توازنًا بين «التفسير» و«الفهم» أو بين العلم والفن، إلى أن تسقط لا محالة في جانب الفن، والانفتاح الأبدي واللاحسم الذي يميز الفن، إن هرمنيوطيقا الارتياب هي بحاجة ماسة إلى أن تكملها وتوازنها هرمنيوطيقا أخرى تدرك أن النصوص المكتوبة تمثل تعبيرات صحيحة عن مقصد مؤلفها، وأن بالإمكان وضع مبادئ ترشد القارئ إلى هذا المقصد، وعلى الهرمنيوطيقا كعلمٍ وفنٍ معًا أن تكون أكثر من دائرةٍ تأويلية أبدية لا تنتهي، وأن تسعى نحو الانغلاق الذي ينتهي به مسار اللولب، لا شك أن هرمنيوطيقا الارتياب تسهم بنصيبٍ في هذا المسار، بيد أنها غير قادرةٍ بمفردها على إتمام هذه المهمة.

تذييل

محاورة أيون١١
سقراط : مرحبًا يا أيون، هل أنت من أهل مدينة إفيسوس؟
أيون : لا يا سقراط، بل من إبيدوروس حيث حضرت مهرجان أسكليبوس.
سقراط : وهل يقيم الإبيدوريون مسابقات قصيدٍ ملحمي في المهرجان؟
أيون : نعم ويقيمون مسابقاتٍ لكل ضروب الأداء الاستعراضي.
سقراط : وهل كنت من بين المتنافسين؟ وهل فُزت؟
أيون : لقد فزت بالجائزة الأولى على الجميع يا سقراط.
سقراط : مبروك، وآمل أن تشرفنا أيضًا في الباناثينيا.
أيون : وسوف أفعل بعون السماء.
سقراط : كثيرًا ما أحسد مهنة الراوي يا أيون، ذلك أن عليك أن ترتدي دائمًا أبهى الثياب، وأن جزءًا من فَنِّكَ أن تبدو في أجمل صورة، كما أن عليك دائمًا أن تكون في صحبة العديد من الشعراء المجيدين، وبخاصةٍ هومر وهو أفضلهم وأكثرهم ألوهة، وإن «فهم» هومر، وليس مجرد حفظ كلماته عن ظهر قلب، لشيءٌ يُحسد عليه المرء حقًّا، ولن يتسنى لإنسانٍ أن يكون راوية قصائد ملحمية ما لم «يفهم» المعنى الذي يرمي إليه الشاعر؛ لأن الراوية ينبغي عليه أن «يؤول» عقل الشاعر لمستمعيه، وما كان له أن يؤوله حق تأويله ما لم يعرف ما يعنيه، وإن كل ذلك لمن أدعى دواعي الحسد والغبطة.
أيون : لقد أصبت كبد الحقيقة يا سقراط، فما زال «التأويل» هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد، وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هومر أفضل من أي شخص آخر: فلا ميترودوروس من لامبساكوس، ولا ستيسيمبروتوس من ثاسوس، ولا جلوكون، ولا أي شخص كان، يعرف عن هومر ما أعرفه كمًّا أو كيفًا.
سقراط : إنني سعيدٌ أن أسمع ذلك منك، وما أظنك تحجب عني هذه المعارف.
أيون : بكل تأكيد يا سقراط، وإن عليك حقًّا أن تسمع كيف أقدم هومر تقديمًا متقنًا … أرى أن من اللائق أن يكللني الهومريون بتاجٍ ذهبي.
سقراط : ستكون لدي فرصةٌ لسماع إتحافاتك الهومرية في وقتٍ آخر، أما الآن فأود أن أسألك سؤالًا: هل يمتد فنك إلى هزيود وأرخيلوخوس أو يقتصر على هومر وحده؟
أيون : يقتصر على هومر، فهو في ذاته كافٍ تمامًا.
سقراط : هل هناك من شيءٍ يتفق فيه هومر وهزيود؟
أيون : نعم، هناك الكثير فيما أرى.
سقراط : وهل أنت أقدر على تأويل ما يقوله هومر أو على تأويل ما يقوله هزيود عن هذه الأشياء التي يتفقان فيها؟
أيون : بوسعي أن أؤوِّل الاثنين بنفس الإجادة في المواضع التي يتفقان فيها.
سقراط : ولكن ماذا عن المسائل التي لا يتفقان فيها؟ مسألة الألوهية مثلًا، فلدى كل من هومر وهزيود في هذا الأمر ما يقوله.
أيون : بالضبط.
سقراط : تراك أقدر يا أيون، أم نبي صالح، على تأويل ما يقوله هذان الشاعران في الألوهية، لا حين يتفقان فحسب بل حين يختلفان؟
أيون : النبي.
سقراط : ولكن كيف لك أن تحوز هذه المهارة في هومر فقط دون هزيود ودون سائر الشعراء؟ ألا يتحدث هومر في نفس الموضوعات التي يتناولها بقية الشعراء؟ أليست الحرب هي قضيته الكبرى؟ ألا يتحدث عن المجتمع الإنساني وتعاملات البشر، الأخيار منهم والأشرار، الحاذقين والحمقى؟ وعن الآلهة إذ يخاطب بعضهم بعضًا وإذ يخاطبون الجنس البشري، وعما يحدث في السماء وما يحدث في العالم السفلي، وعن أطوار الآلهة والأبطال؟ أليست هذه هي الموضوعات التي يتغنى بها هومر؟
أيون : بالضبط يا سقراط.
سقراط : أَوَلَا يتغنى بقية الشعراء بالشيء نفسه؟
أيون : بلى يا سقراط، ولكن ليس بطريقة هوميروس.
سقراط : ماذا، بطريقةٍ أسوأ؟
أيون : نعم، أسوأ بكثير.
سقراط : ويتغنى هومر بطريقةٍ أفضل؟
أيون : إنه أفضل بما لا يُقاس.
سقراط : ولكن بالتأكيد، أي عزيزي أيون، فحيث تجري مناقشةٌ ما في علم الحساب يتحدث فيها عديدٌ من الأشخاص بينهم واحدٌ يتحدث على نحوٍ أفضل من الباقين، فهناك شخصٌ ما، لديه القدرة على أن يحكم أيهم هو المتحدث الجيد؟
أيون : نعم.
سقراط : وذلك الذي يحكم من المتحدث الجيد سيكون هو الشخص الذي يحكم من المتحدث الرديء؟
أيون : هو نفسه.
سقراط : وسيكون هذا الشخص هو عالم الحساب؟
أيون : نعم.
سقراط : حسن، وفي مناقشاتٍ حول الغذاء الصحي حيث يتحدث عديدٌ من الأشخاص بينهم واحدٌ يتحدث على نحوٍ أفضل من الباقين، أيكون ذلك الشخص الذي يميز المتحدث الجيد شخصًا آخر غير الذي يميز الرديء، أم الشخص نفسه؟
أيون : الشخص نفسه بالطبع.
سقراط : ومن هو هذا الشخص، وما اسمه؟
أيون : الطبيب.
سقراط : وبصفة عامة، في جميع المداولات التي تدور حول موضوعٍ بعينه ويتحدث فيها أشخاص عديدون، ألن يكون مميز الجيد من المتحدثين مميزًا أيضًا للرديء منهم؛ إذ لو كان لا يعرف الرديء فإنه لن يعرف الجيد حيث تجري مناقشة الموضوع نفسه؟
أيون : حقًّا.
سقراط : أليس الشخص نفسه حاذقًا في كلا الأمرين؟
أيون : بلى.
سقراط : وأنت تقول إن هومر وبقية الشعراء، أمثال هزيود وأرخيلوخوس، يتحدثون في نفس الأشياء، وإن لم يكن على نفس النحو، فهناك من يتحدث بإجادة، وهناك من يُقَصِّر عن هذه الإجادة؟
أيون : نعم، وأنا مصيبٌ في هذا القول.
سقراط : وإذا عرفت المتحدث الجيد فستكون قمينًا أن تعرف أيضًا من هم أدنى حديثًا؟
أيون : هذا حق.
سقراط : إذن، يا صديقي العزيز، هل يمكن أن أكون مخطئًا إذا قلت إن أيون حاذقٌ في هومر وفي بقية الشعراء على حد سواء ما دام هو ذاته يعترف أن الشخص نفسه سيكون حكمًا جيدًا على جميع المتحدثين في المسائل نفسها، وأن جميع الشعراء تقريبًا يتحدثون فعلًا في المسائل نفسها؟
أيون : لماذا إذن يا سقراط أفقد انتباهي وأخلد إلى النوم ولا أحوز على الإطلاق أية أفكارٍ ذات أدنى قيمة، عندما يتحدث أي شخص عن أي شاعر آخر، فإذا ما ذُكر هومر قُمت من فوري وكلي انتباهٌ ولديَّ الكثير لكي أقوله؟
سقراط : السبب واضح يا صديقي، بوسع أي إنسان أن يدرك أنك تتحدث عن هومر دون أي فن أو معرفة، فلو كنت قادرًا على أن تتحدث عنه وفقًا لقواعد الفن لكان تسنى لك أن تتحدث عن بقية الشعراء، فالشعر كلٌّ (لا يتجزأ).
أيون : نعم.
سقراط : وعندما يكتسب أي شخصٍ أي فنٍّ آخر ككل، فإن لنا أن نقول عنه نفس الشيء، هل تود أن أفسر لك ما أعنيه يا أيون؟
أيون : أود ذلك حقًّا يا سقراط، وكم يسعدني أن تفعل، فأنا أحب أن أسمعكم أيها الحكماء وأنتم تتكلمون.
سقراط : بحسبك، لسنا حكماء ولستَ محقًّا في أن تدعونا حكماء، إنما أنتم الحكماء معشر الرواة والممثلين، وكذلك الشعراء الذين تتغنون بأشعارهم، أما أنا فواحد من سواد الناس يتكلم الحقيقة فقط، انظر مليًّا كم هو عاديٌّ ومبتذلٌ ذلك الذي قلته، شيء يمكن أن يقوله أي إنسان: وهو أنه عندما يكتسب إنسانٌ معرفةَ فنٍّ بكليته فإن بحثه في الجيد والرديء يكون أمرًا واحدًا بعينه، ولننعم النظر في هذه المسألة، أليس فن التصوير كلًّا (لا يتجزأ)؟
أيون : بلى.
سقراط : وهناك العديد من المصورين الجيدين والرديئين قديمًا وحديثًا؟
أيون : نعم.
سقراط : فهل عرفتَ قط أي شخص كان حاذقًا في تبيان مناقب ومثالب بوليجنوتوس بن أكلاوفون وعاجزًا مع ذلك عن نقد بقية المصورين، فإذا ما صدر عمل أي مصور آخر تحير وأَبْلَسَ وأخلد إلى النوم، حتى إذا ما تعين عليه أن يدلي برأيه في بوليجنوتوس (أو أي من كان هذا المصور) وعنه فقط، نهض وانتبه ولديه الكثير لكي يقوله؟
أيون : لا والله لم أعرف هكذا شخصًا قط.
سقراط : أو هل سمعت في حياتك عن أي مثَّالٍ كان ماهرًا في عرض مناقب دايدالوس بن مينيون، أو إيبيوس بن بانوبيوس، أو تيودوروس الساموسي، أو أي مثَّال آخر، فإذا ما صدرت أعمال المثالين بعامةٍ ارتبك ونام ولم يجد ما يقوله؟
أيون : كلا ولا عرفت هذا.
سقراط : وإذا لم أكن مخطئًا فأنت لم تصادف قط أيًّا من عازفي الناي أو عازفي القيثار أو المغنين على القيثار أو رواة الملاحم كان بمكنته الحديث عن أوليمبوس أو ثاميراس أو أورفيوس أو راوية إيثاكا، فإذا ما انتقل إلى الحديث عن أيون من إفيسوس ارتبك وتحير ولم تكن لديه أي فكرةٍ عن مزاياه وعيوبه؟
أيون : ما يكون لي أن أكذِّبك يا سقراط، غير أني أعي في قرارة ذاتي، ويؤيدني الخلق جميعًا، أنني أجيد الحديث فعلًا عن هومر ولديَّ ما أقوله عن أكثر من أي شخص آخر، غير أني لا أتحدث عن الباقين بنفس الإجادة، فقل لي لم كان ذلك؟
سقراط : أدري يا أيون، وسوف أشرح لك سبب ذلك في تصوري: إن موهبتك في الحديث بامتيازٍ عن هومر تكمن في الحجر الذي يسميه يوريبيدس المغناطيس ويُعرف عادةً بحجر هيراقليا، هذا الحجر لا يجذب الحلقات الحديدية فحسب، بل يسبغ عليها قوةً مماثلةً لجذب حلقاتٍ أخرى، وأحيانًا ما تصادف عددًا من قطع الحديد وحلقاته يتدلى بعضها من بعضٍ مكونةً سلسلةً طويلةً جدًّا، وجميعها يستمد قوة جذبه من الحجر الأصلي، وبطريقةٍ شبيهة تقوم إلهة الشعر بنفسها بادئ ذي بدء بإلهام بعض الأشخاص، ومن هؤلاء الملهمين تتدلى سلسلةٌ من الأشخاص الآخرين الذين مسَّهم الإلهام، ذلك أن جميع الشعراء المجيدين، الملحميين منهم والغنائيين، يؤلفون قصائدهم الجميلة لا بواسطة الفن بل لأنهم ملهمون وممسوسون، ومثلما يفقد المهووسون الكوريبانتيون صوابهم عندما يرقصون، كذلك لا يكون الشعراء الغنائيون بكامل رشدهم أن يؤلفوا أناشيدهم الجميلة، بل يقعون تحت سيطرة الموسيقى والوزن فيمسهم الإلهام، ومثلما تفعل العذارى الباخوسيات إذ تستدر الحليب والعسل من الأنهار عندما تكون تحت تأثير ديونيسوس (لا عندما تكون في كامل صوابها)، كذلك تفعل روح الشاعر الغنائي، كما يقول الشعراء أنفسهم، فهم ينبئوننا أنهم يجلبون أغنياتهم من ينابيع معسولة، يتخيرونها من بساتين إلهات الشعر ووديانها، إنهم كالنحل يرنقون من زهرةٍ إلى زهرة، وإن قولهم الحق، فالشاعر شيءٌ لطيفٌ ومُجنَّحٌ وقديس، ولا يتأتى له الخلق إلا بعد أن يمسه الإلهام ويغادر حواسه ولا يعود بعقله، فإذا لم يبلغ هذه الحالة فهو بلا حول ولا قدرة على أن يتفوه بنبوءاته.
كثيرة هي الأقوال البليغة التي يتحدث بها الشعراء عن أفعال البشر، غير أنهم، مثلك أنت نفسك عندما تتحدث عن هومر، لا يفرغون قولهم بوساطة أي قواعد فنية، إنهم، ببساطة، مدفوعون إلى نطق ما تمليه عليهم آلهة الشعر دون غيره، وعندما يُلهمون فإن واحدهم سوف ينظم أناشيد «ديثيرامب» (أمدوحة ديونيسوس) Dithyrambs، والآخر أناشيد مديح، وغيره أناشيد جوقة، وسواه أشعارًا ملحمية أو «عمبقية» Iambic، والمجيد منهم في لونٍ من هذه الألوان الشعرية غير مجيدٍ في أي لونٍ آخر: ذلك أن الشاعر إذ يتغنى لا يتغنى بواسطة الفن بل بقوةٍ إلهية، أما إذا صح أنه قد تعلم بواسطة قواعد الفن لقد كان حقيقًا أن يعرف كيف يقول في كل ألوان الشعر لا في لونٍ واحد؛ لذا فقد سلب الله الشعراء عقولهم واتخذهم وكلاء له، مثلما يتخذ أولياءه وأنبياءه الصالحين، لكي نعرف نحن المصغين إليهم أنهم لا يتكلمون من تلقاء أنفسهم تلك الكلمات النفيسة في حالة غيبوبة، بل إن الله نفسه هو المتكلم، وإنه يخاطبنا من خلالهم، ويقدم تينيخوس الخالقيدي مثالًا لافتًا لما أقوله: إنه لم يكتب أي شيء يستحق الذكر سوى أنشودة الحمد Paean الشهيرة التي يرددها كل فم، والتي هي واحدةٌ من أرفع ما سطره قلمٌ على الإطلاق، إنها، ببساطة، من خلق آلهة الشعر كما يقول هو نفسه، فبهذه الطريقة يبدو أن الله يثبت لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه القصائد الجميلة ليست بشريةً أو من صنع الإنسان، بل إلهية ومن صنع الله، وأن الشعراء ما هم إلا مترجمو الآلهة الذين يتلبسونهم مرارًا، أليس هذا هو الدرس الذي أراد الله أن يلقنه عندما غنى بلسان أسوأ الشعراء أجمل الأغنيات؟ ألستُ محقًّا في ذلك يا أيون؟
أيون : بلى، حقًّا، يا سقراط، إنني لأشعر أنك على حق؛ لأن كلماتك تمس روحي، وأنا على قناعةٍ بأن الشعراء المجيدين، بواسطة إلهامٍ إلهي، يترجمون لنا أقوال الآلهة.
سقراط : وأنتم، معشر رواة الملاحم، مترجمو الشعراء؟
أيون : في هذا أيضًا أنت على حق.
سقراط : أنتم إذن مترجمو المترجمين؟
أيون : بالضبط.
سقراط : وددت لو تجيبني بصراحة عما سأسألك فيه: عندما تمارس أعظم تأثيرٍ على الجمهور لدى تلاوتك لفقرةٍ مثيرة من مثل ظهور أوديسيوس طافرًا يتبينه مقاضوه ويصوِّبون السهام إلى قدمه، أو وصف أخيل وهو يندفع إلى هكتور، أو أحزان أندروماخ أو هيكوبا أو بريام، هل تكون آنذاك في رُشدك وصوابك؟ ألا تكون خارجًا عن طورك وكأن روحك في وجدٍ تجوس بين الشخصيات والأماكن التي تتحدث عنها سواء كانت في إيثاكا أو في طروادة أو حيثما كان المنظر الذي تعرضه القصيدة؟
أيون : إن هذا الدليل ليمس شغاف قلبي يا سقراط، فلا بد أن أعترف صراحة أن عينيَّ في رواية المأساة تغرورقان بالدموع، وأنني حين أعرض للرعب ينتصب شعري انتصابًا ويخفق قلبي.
سقراط : حسنًا يا أيون، وماذا ترانا نقول في شخصٍ في تقريبٍ أو احتفال، مرتديًا بزة المهرجان ومكللًا رأسه بتيجان ذهبية لم يخلعها عنه أحد، عندما يبدو متصدعًا هلعًا في حضور أكثر من عشرين ألف وجهٍ ودود، دون أن يتعرض له أحد أو يمسه بأذى، أيكون هذا الشخص برشده وصوابه؟
أيون : بالطبع لا يا سقراط، أؤكد لك أنه ليس في رشده أو صوابه.
سقراط : أَوَتدري أنك تمارس تأثيرًا شبيهًا بذلك على معظم المتفرجين؟
أيون : كل الدراية، فأنا أرمقهم من فوق المنصة وأشاهد مختلف انفعالات الشفقة والتعجب والصرامة مرتسمةً على محياهم عندما أتحدث، وإن عليَّ أن أوليهم كل انتباهي؛ ذلك لأني إذا جعلتهم يبكون فأنا نفسي سوف أضحك في النهاية، وإذا جعلتهم يضحكون فسوف أبكي، عندما يحين وقت المكافأة.
سقراط : أتعرف أن المشاهد هو آخر الحلقات التي تتلقى تأثير المغناطيس الأصلي بعضها من بعض على حد قولي؟ أما رواية الملاحم، مثلك، والممثل، فهما من الحلقات الوسطى، وأما الشاعر نفسه فهو أولى الحلقات، خلال هذه كلها يهز الله أرواح الناس في أي جهةٍ يشاء ويجعل الواحد منهم يتدلى من الآخر. هناك إذن سلسلة ضخمة من الراقصين والأساتذة ومن دونهم من الجوقة، المتدلين كأن من الحجر، على جانب الحلقات التي تتدلى من إلهة الشعر، ولكل شاعرٍ إلهة شعرٍ معينةٌ يتدلى منها ويقال: إنَّه ممسوسٌ بها، وهو نفس الشيء تقريبًا الذي أقوله، لأنه ممسوكٌ بها، ومن هذه الحلقات الأولى، أي الشعراء، يتعلق آخرون، بعضهم يستمد إلهامه من أورفيوس، وبعضهم من ميوسايوس، لكن الغالبية العظمى تمس وتمسك بهومر، أنت يا أيون واحدٌ من هؤلاء، وأنت ممسوسٌ بهومر، وعندما يردد أحدٌ كلمات شاعرٍ آخر تخلد إلى النوم ولا يكون لديك ما تقوله، فإذا تلا أحدٌ ترنيمةً لهومر نهضت من فورك وقفزت روحك بداخلك وامتلأت بما يُقال، فليس بالفن أو بالمعرفة عن هومر تقول ما تقوله، بل بإلهامٍ إلهي ومس، تمامًا مثلما يتمتع المستمعون الكوريبانتيون برهافةٍ بتلك النغمة المقيضة للإله الذي هم ممسوسون به ولديهم الكثير من الرقصات والكلمات لذلك دون غيره، وأنت يا أيون عندما يُذكَر اسم هومر يكون لديك الكثير لتقوله، ولا شيء لديك لتقوله عن بقية الشعراء، وأنت تسأل: «لم هذا؟» والجواب أنك تمجد هومر لا بالفن بل بإلهامٍ إلهي.
أيون : هذا جميل يا سقراط، ومع ذلك فإن بي شكًّا في أن بلاغتك سوف تسعفك في إقناعي بأني لا أمجد هومر إلا عندما أكون مجنونًا ممسوسًا، وإذا أُتيح لك أن تسمعني وأنا أتحدث عنه فأنا على يقينٍ من أنك لن ترى الأمر على هذا النحو بأية حال.
سقراط : سيسعدني كثيرًا أن أسمعك، ولكن ليس قبل أن تجيب عن سؤالٍ عليَّ أن أسأله: في أي جزءٍ من هومر تتحدث بإجادة؟ فمن المؤكد أنك لا تجيد كل الأجزاء.
أيون : أؤكد لك يا سقراط أنَّه لا يوجد جزء لا أجيد الحديث فيه.
سقراط : من المؤكد أنك لا تجيد الحديث في هومر عن الأشياء التي ليس لك بها علم.
أيون : وماذا يوجد في هومر مما ليس لي به علم؟
سقراط : رويدك، ألا يتحدث هومر في مقاطع كثيرةٍ عن الفنون والحرف؟ عن قيادة العربات مثلًا، فلو أنني تذكرت شيئًا من الأبيات لرددتها جميعًا.
أيون : إنني أتذكرها، وسأرددها.
سقراط : قل لي إذن ما يقوله نستور لابنه حيث يوصيه بالاحتراس أثناء الالتفاف في سباق الخيل تكريمًا لباتروكلوس.
أيون : يقول: «انحرف برفق في العربة المصقولة على يسارهم وحفز الحصان على الجهة اليمنى بالسوط والصوت، وأرخ العنان، وعندما تبلغ المراد دع الحصان الأيسر يقترب؛ حتى لا يتأتى لمحور العجلة المتقنة أن تمس الطرف أقل مس، وتجنب أن تعلق بالحجر.»
سقراط : كفى، والآن يا أيون: من الذي يملك الحكم الأصوب على سداد هذه الأبيات: سائق العربات أم الطبيب؟
أيون : سائق العربات طبعًا.
سقراط : أيكون ذلك بحكم حرفته أم لأي سبب آخر؟
أيون : بل بحكم حرفته.
سقراط : ويكون الله قد قَيَّضَ كل صنعة أو فن لكي يحوز معرفةً بعملٍ معين، فالذي نعرفه بفن الملاحة لا نعرفه بفن الطب؟
أيون : بالطبع لا.
سقراط : ولا نحن نعرف بفن النجارة ما نعرفه بفن الطب؟
أيون : بالطبع لا.
سقراط : ويصدق ذلك على جميع الفنون؛ فالذي نعرفه بأحد الفنون لا نعرفه بفنٍ آخر. ولكن دعني أسأل سؤالًا سابقًا: أنت تُسلم بأن هناك ألوانًا من الفنون متباينة فيما بينها؟
أيون : نعم.
سقراط : وتُسلم معي بأنه إذا كان هناك فن يضطلع بصنف من المعرفة وفن آخر يضطلع بصنف آخر؛ فهما إذن فنانانِ مختلفان؟
أيون : نعم.
سقراط : نعم بالتأكيد؛ لأنه إذا كان موضوع المعرفة هو نفس الموضوع لما كان هناك معنى لقولنا بأن الفنون مختلفة — إذا كان كلاهما يقدم نفس المعرفة — أنا أعرف مثلًا أن هناك خمسة أصابع وأنت تعرف الشيء نفسه، وإذا لزم أن أسأل إن كنت أنا وأنت قد ألممنا بهذه الحقيقة بمساعدة فن الحساب، لوافقتني في ذلك؟
أيون : نعم.
سقراط : قل لي إذن ما كنت أريد أن أسألك: هل يمكن تعميم ذلك؟ هل ينبغي أن يختص كل فن بموضوعٍ بعينه من المعرفة وتختص الفنون الأخرى بموضوعات أخرى؟
أيون : هذا ما أراه يا سقراط.
سقراط : ومن ثم الذي لا يمتلك معرفةً بفنٍّ معين لن يملك حكمًا صائبًا على أقوال ذلك الفن وأفعاله؟
أيون : صحيح تمامًا.
سقراط : إذن من سيكون الحَكَم الأفضل على الأبيات التي كنت تتلوها من هومر، أنت أم سائق العربات؟
أيون : سائق العربات.
سقراط : وذلك لأنك راوية ملاحم لا سائق عربات.
أيون : نعم.
سقراط : وهكذا كل معرفة مختلفة هي معرفة عن أمور مختلفة؟
أيون : حقًّا.
سقراط : أنت تعرف المقطع الذي تُوصف فيه هيكاميد خليلة نستور بأنها قدمت شراب البوسيت١٢ إلى ماتشاون الجريح، عندما يقول: «مصنوع بالنبيذ البرميني، وقد بَشَرَتْ جبن حليب الماعز بمبشرةٍ من البرونز، ووضعت بجانبه بصلةً تضفي شهيةً للشراب.» وبعد، فأي فن هو الأقدر على الحكم على سلامة هذه الأبيات وملاءمتها لمقتضى الحال: فن رواية الملاحم أم فن الطب؟
أيون : فن الطب.
سقراط : وعندما يقول هومر: «وهبطت في الأعماق مثل قطعة من الرصاص المربوطة بطرف خيط الفادن التي وضعت في قرن ثور يطوف في الحقل، تندفع حاملةً الموت فيما بين الأسماك النهمة.» فأي فن سيكون أقدر على الحكم على سلامة التعبير في هذه الأبيات: فن الصياد أم فن رواية الملاحم؟
أيون : بالطبع يا سقراط فن الصياد.
سقراط : ها أنت ذا، هبك سألتني: «ما دمت أنت يا سقراط قادرًا على أن تعزو مختلف المقاطع في هومر لما يناظرها من فنون، فإني أود أن تخبرني أي المقاطع ينبغي أن يحكم على جودتها نبيٌّ أو «فن النبوءة»؟» سترى عندئذٍ كيف أجيبك إجابةً فوريةً وصحيحة، فهناك العديد من مثل هذه المقاطع، وبخاصة في الأوديسا، هناك، على سبيل المثال، المقطع الذي يقول فيه ثيوكيلمينوس نبي بيت ميلامبس للمدعين: «أيها الرجال البائسون، ماذا أصابكم؟ إن رءوسكم ووجوهكم وأرجلكم مطمورةٌ في الظلام، وصوت النواح يتفجر، وخدودكم المبللة بالدموع، والردهة ملأى والمحكمة مكتظةٌ بالأشباح الهابطة في ظلام إيريبوس، والشمس تبددت من السماء، وسديمًا مشئومًا يخيم وينتشر.» وهناك مقاطع كثيرةٌ كهذه في الإلياذة أيضًا، وعلى سبيل المثال ذلك المقطع في وصف المعركة قرب المتراس (السور الواقي)، حيث يقول هومر: «وبينما هم متلهفون على عبور الخندق إذ أتاهم نذيرٌ: نسرٌ محلقٌ كبح الناس على شماله، وقد حمل في براثنه تنينًا ضخمًا مضجرًا بالدم، ما يزال حيًّا ولاهثًا، ولم يَكُفَّ عن النضال رغم ذلك؛ لأنه انثنى إلى الخلف وضرب الطائر الذي يحمله بالعنق على صدره، فتركه النسر من ألمه يسقط منه إلى الأرض وسط الجموع، أما النسر فقد صرخ صرخةً مدوية وحُمل بعيدًا على أجنحة الريح.»
هذا هو صنف الأمور التي أؤكد أنه ينبغي على النبي أن ينظر فيها ويقررها.
أيون : وأنت محقٌ تمامًا يا سقراط في هذا القول.
سقراط : نعم يا أيون، وأنت أيضًا على حق، ومثلما اخترت لك من الإلياذة والأوديسة مقاطع تصف عمل النبي والطبيب والصياد، فهل تختار لي أنت يا أيون، يا من تعرف هومر أكثر بكثيرٍ مني، مقاطع تتعلق بالرواية وفن الرواية، والتي ينبغي أن يكون الراوية أقدر على فحصها والحكم عليها من أي شخص آخر؟
أيون : كل المقاطع، بالتأكيد، يا سقراط.
سقراط : ليست كل المقاطع بالتأكيد يا أيون، هل قد نسيت ما كنت تقوله؟! يليق بالراوية أن يتمتع بذاكرةٍ أقوى من ذلك.
أيون : كيف، ما الذي نسيته؟
سقراط : ألا تذكر أنك أعلنت أن فن الراوي مختلفٌ عن فن سائق العربات؟
أيون : بلى أذكر.
سقراط : إذن وفقًا لما خلُصت إليه أنت نفسك فإن الراوية، وفن الراوية، لن يعرف كل شيء.
أيون : لا بد أن أستثني أشياء معينةً يا سقراط.
سقراط : تريد أن تقول إنك ستستثني كثيرًا جدًّا من موضوعات الفنون الأخرى، فإذا كان لا يعرف كل هذه الموضوعات، فأيًّا منها يعرف؟
أيون : سيعرف ما ينبغي على الرجل وينبغي على المرأة أن تقوله، وما ينبغي على الحر وعلى العبد أن يقوله، وما ينبغي أن يقوله الحاكم والمحكوم.
سقراط : هل تعني أن راوية الملاحم سيعرف أفضل من الرُّبان ما ينبغي أن يقوله حاكم زورقٍ تتقاذفه الأمواج؟
أيون : لا، فالربان أفضل من يعرف.
سقراط : أم سيعرف الراوية ما ينبغي أن يقوله حاكم المرضى أكثر من الطبيب؟
أيون : لا، لن يعرف.
سقراط : ولكنه سيعرف ما ينبغي على العبد أن يقوله؟
أيون : نعم.
سقراط : هب العبدَ راعي أبقار، فهل سيعرف الراوية أكثر من الراعي ما ينبغي أن يقوله لكي يُهدئ الأبقار الهائجة؟
أيون : لا، لن يعرف.
سقراط : ولكنه سيعرف ما ينبغي أن تقوله غازلة الصوف عن عمل الصوف؟
أيون : لا.
سقراط : لكنه سيعرف على أية حالٍ ما يجب أن يقوله القائد العسكري عندما يوصي جنوده؟
أيون : نعم، هذا هو صنف الأشياء التي سيعرفها الراوية بالتأكيد.
سقراط : حسن، ولكن هل فن الراوية هو فن القائد العسكري؟
أيون : إنني متيقنٌ أنني أعرف بالضرورة ما ينبغي أن يقوله القائد العسكري.
سقراط : عجبًا، نعم يا أيون لأنك قد يكون لديك معرفةٌ بفن القائد العسكري بالإضافة إلى معرفة راوية الملاحم، كما أنه قد تكون لديك معرفةٌ بالفروسية بالإضافة إلى عزف القيثار، وعندئذٍ ستعرف متى تُحسن أو تُساء سياسة الأحصنة، ولكن إذا ما سألتك: بمساعدة أي فن يا أيون تعرف إن كانت الأحصنة تُساس كما ينبغي: بمهارتك كرجل فروسية أم بمهارتك كعازف قيثار، فبم تجيب؟
أيون : بمهارتي كرجل فروسية ولا ريب.
سقراط : وإذا حكمت على عازفي قيثار ستعترف بأنك حَكَمٌ عليهم كعازف قيثار لا كرجل فروسية؟
أيون : نعم.
سقراط : وفي حكمك على فن القائد العسكري، هل تحكم كقائدٍ أو كراوية ملاحم؟
أيون : لا يبدو لي أن بينهما فرقًا.
سقراط : ماذا تعني؟ هل تريد أن تقول إن فن الراوية وفن القيادة العسكرية هما شيء واحد؟
أيون : نعم هما الشيء نفسه.
سقراط : إذن فالراوية الجيد هو أيضًا قائدٌ عسكري جيد؟
أيون : بالتأكيد يا سقراط.
سقراط : والقائد العسكري الجيد هو أيضًا راويةٌ جيد؟
أيون : لا، أنا لا أقول ذلك.
سقراط : لكن تقول فعلًا إنه من يكنْ راويةً جيدًا يكنْ أيضًا قائدًا عسكريًّا جيدًا.
أيون : بالتأكيد.
سقراط : وأنت أفضل راوية هيليني؟
أيون : الأفضل غير مدافع.
سقراط : وهل أنت أفضل قائدٍ عسكري يا أيون؟
أيون : ثق تمامًا من ذلك يا سقراط، وهومر هو معلمي.
سقراط : ولكن يا أيون لماذا بحق السماء تتجول أنت يا أفضل القادة العسكريين وأفضل الرواة في هيلاس كراوي ملاحم بينما بمقدورك أن تكون قائدًا عسكريًّا؟ أتظن أن الهيلينيين يريدون راوية ملاحم مكللًا بالذهب ولا يريدون قائدًا عسكريًّا؟
أيون : على رسلك يا سقراط، السبب أن أهل بلادي إفيسوس هم خدم أثينا وجنودها، وليسوا بحاجةٍ إلى قائدٍ عسكري، وأنتم وأسبرطة لستم بحاجةٍ إليَّ؛ لأنكم ترون أن لديكم ما يكفي من القادة العسكريين من بينكم.
سقراط : يا أخي الطيب أيون، ألم تسمع قط عن أبولودوروس من سيزيكوس؟
أيون : من تراه يكون؟
سقراط : هو الذي، رغم أنه أجنبي، كثيرًا ما اختاره الأثينيون قائدًا عسكريًّا لهم، وهناك فانوسثينيس من أندروس، وهيراقليدس من كلازومينيا اللذان عيَّنهما الأثينيون لقيادة جيوشهم وعينوهما في مناصب أخرى، رغم أنهما أجنبيان، بعد أن ثبتت جدارتهما، ألن يختاروا أيون من إفسوس ليكون قائدهم العسكري ويكرموه، إذا ما أثبت جدارته؟ أليس الإفيسوسيون أثينيين في الأصل، وإفيسوس ليست بالمدينة الهينة؟ ولكن، حقًّا يا أيون، إذا صح قولك بأنك تستطيع بالفن والمعرفة أن تمجد هومر، فأنت لا تَبَرُّ بي ولا تصدقني الوعد، وبعد كل تضلعك في معرفة أشياء عديدةٍ ومجيدة عن هومر، ووعودك بأن تعرضها عليَّ، فما عدوت أن خدعتني، وما كان لك أن تعرض الفن الذي أنت سيده، ولا أن تفسر لي طبيعة هذا الفن رغم توسلاتي المتكررة، فأنت متعدد الأشكال، بالضبط مثل بروتيوس، وأنت الآن تداور وتناور وتَخُبُّ في كل لون، وتتخذ، كدأب بروتيوس، طرائق الخلق جميعًا في آنٍ واحد، ثم تَروغ مني في نهاية المطاف متخفيًا في صورة قائدٍ عسكري؛ كيما تتجنب عرض معرفتك الهومرية المكتسبة، فإذا صح أن لديك فنًّا، كما كنتُ أقول في تكذيب وعدك بأنك ستعرض هومر، فأنت إذن تضللني ولا تصدقني، أما إذا لم يكن لديك فن (وهو ما أعتقده)، بل تفوه بكل هذه الكلمات الجميلة عن هومر دون وعي، تحت تأثيره الملهم، هنالك أبرئك من التضليل وأقول بأنك ملهمٌ فقط، فبأي الصفتين تفضل أن تُعرف: التضليل أم الإلهام؟
أيون : شتان بين الخيارين يا سقراط، والإلهام هو الصفة الأنبل بما لا يُحَدُّ.
سقراط : إذن يا أيون سأفترض لك الخيار الأنبل، وأنسب إليك في تمجيدك لهومر الإلهام وليس الفن.
(تمت)
١  Encyclopedia of Phenomenology, Eds. Lester Enbree et al., Kluwer Academic Publishers, 1997, p. 611.
٢  Encyclopedica of Phenomenology, p. 613.
٣  Antony Thisleton, New Horizons in Her-Antony Thisleton, meneutics. Grand Rapids: Zondervan, 1992, p. 26.
٤  David Stewart, The Hermeneutics of Suspicion, Journal o Literature and Theology 3 (1989): 301.
٥  Pauk Ricoeur, Freud and Philosophy, p. 33.
٦  Erin White, Between Suspicion and Hope: Paul Ricoeur’s Vital Hermeneutics, Journal of Literature and Theology 5 (1991).
٧  Thisleton, New Horizons, p. 69.
٨  Paul Ricoeur, Ethics and Culture: Hebermas and Gadamer in Dialogue, Philosophy Today 17 (1973): 152–165.
٩  Gadamer, The Hermeneutics of Suspicion, in Hermeneutics: Questions and Prospects, eds., G. shapiro and A. Sica (Amherst: University of Massachusetts Press, 1984), p. 63.
١٠  Paul Ricoeur, Explanation and Understanding: On Some Remarkable Connections Among The Theory of the Text, Theory of Action, and Theory of History. In The Philosophy of Paul Ricoeur: An Anthology of His Work, eds., C. Reagen and D. Stewart (Boston: Beacon Press, 1978), pp. 149–166.
١١  هذه ترجمة جديدة لمحاورة أيون عن الترجمة الإنجليزية المُعتد بها بقلم Benjamin Jowett ولهذه المحاورة ترجمتان عربيتان، على حد علمي، إحداهما للدكتور صقر خفاجة والأخرى للدكتور شوقي داود تمراز، غير أني رأيت أن أضيف هذا الجهد إيثارًا لاتساق العمل ووحدة الأسلوب من جهة، وإسهامًا ﺑ «تأويل» جديد للمحاورة من جهة أخرى، باعتبار الترجمة «تأويلًا» للعمل و«فهمًا» معينًا له و«صهرًا» لأفقه بأفق جديد.
١٢  حليب ساخن مع نبيذ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤