الفصل الثاني

الاستخدام القديم ودلالته الحديثة

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ

(يوسف، آية ١٠١)
قلنا إنَّ هرمس هو المراسل فيما بين الآلهة والبشر، وأنَّ الأصل اليوناني للفظة «هرمنيوطيقا» يوحي بعملية «الإفهام» وبخاصة حين تشتمل هذه العملية على اللغة، فاللغة هي الوسيط الأساسي في هذه العملية بلا ريب، هذا الإفهام الذي تتوسطه اللغة هو العنصر المشترك في الاتجاهات الثلاثة الأساسية لمعنى لفظة Hermeneuein ولفظة Hermeneia في الاستخدام القديم، هذه الاتجاهات الثلاثة للفعل «يؤول» في اليونانية هي:
  • (١)

    يعبر بصوتٍ عالٍ في كلمات، أي: «يقول» أو «يتلو».

  • (٢)

    يشرح، كما في حالة شرح موقف من المواقف.

  • (٣)

    يترجم، كما في حالة ترجمة لغة أجنبية.

هذه المعاني الثلاثة جميعًا قد يعبر عنها الفعل الإنجليزي To Interpret، غير أن كلًّا منها يمثل معنًى مستقلًّا من معاني التأويل.

التأويل — إذن — يمكن أن يشير إلى ثلاثة أمور مختلفة نوعًا ما سواء في الاستعمال اليوناني أو الإنجليزي: التلاوة الشفاهية، والشرح المعقول، والترجمة من لغة إلى أخرى، غير أن بمقدور المرء أن يلاحظ أن «العملية الهرمسية» قائمة في الحالات الثلاث جميعًا، ثمة شيء بحاجة إلى العرض أو الشرح أو الترجمة يصبح، بطريقةٍ ما، معقولًا ومستوعبًا، ثمة شيء ما قد تم «تأويله».

(١) التأويل بمعنى «التلاوة»

ينشدُ الشعرَ جديدًا كالصبا
وأنا ناظمه منذ سنين
وأبثَّ فيه من صباه عجبًا
فإذا قلت ارتجالٌ لا تمين١
العقاد
أول الاتجاهات الثلاثة الأساسية لمعنى الفعل «يؤول» هو: «يُعبِّر»، أو «يُدلي»، أو «يقول»، أو «يتلو»، وهو اتجاه يرتبط بالوظيفة «الإعلانية» لهرمس، وما يزال الفعل «يعبر» هنا يحمل معنى «القول» وإن يكن القول في هذه الحالة هو القول الذي يعد في ذاته تأويلًا، من أجل ذلك يلتفت المرء إلى الطريقة التي يعبر بها عن الشيء، أي إلى «الأسلوب» الذي يتم به الأداء، ونحن نستخدم هذا الظل الدقيق لكلمة «تأويل» عندما نشير إلى تأويل مطربٍ لأغنيةٍ ما، أو تأويل قائد أوركسترا لسيمفونية ما، بهذا المعنى يكون التأويل شكلًا من أشكال القول، وبالمثل يكون الإلقاء الشفاهي أو الغناء تأويلًا، وقد كانت كلمة «تأويل» Hermeneia تشير أحيانًا إلى التلاوة الشفهية، تلاوة قصيدٍ ملحمي لهومر على سبيل المثال، وفي محاورة «أيون» Ion لأفلاطون نجد أيون ذلك المؤول الشاب يتلو هومر، ويقوم من خلال تجويده والتلاعب بطبقات صوته بتأويل الشاعر الكبير والتعبير عنه بل وتفسير دقائق معانيه، ويوصل إلى المستمعين أكثر مما يدركه أو يفهمه، وأيون بذلك يصبح، شأنه شأن هرمس، حاملًا لرسالة هوم.٢

كان هومر نفسه، بطبيعة الحال، مبعوثًا من الآلهة إلى الإنسان، كان مؤوِّلًا يبين للناس سبل الرب ويسوغها لهم (على حد تعبير ملتون)، كان هومر إذن مؤوِّلًا بمعنى أكثر بداءة؛ إذ لم تكن الكلمات قبله قد قيلت، (من الجلي أن الأساطير كانت موجودة قبل هومر، ومن ثم يمكننا القول بأنه قام بتأويلها والتصريح بها فحسب)، كان هومر نفسه يُعتبر ملهمًا من قِبل الآلهة، كان هومر من خلال قوله مترجم الآلهة ومفسرهم.

ولعل مسألة القول أو التلاوة الشفاهية بوصفها «تأويلًا» أن تُذكِّر الأدباء ونقاد الأدب بمستوًى دَأَبَ الكثيرون منهم على إهماله والانتقاص من شأنه أو ربما نسيانه كليًّا، غير أن الأدب يستمد الكثير من ديناميته من قوة الكلمة المنطوقة، فمنذ القدم والأعمال العظيمة في اللغة كان المقصود بها أن تُتلى جهارًا وتُسمع، وينبغي أن تلفتنا قوة اللغة المنطوقة إلى ظاهرة مهمة، وهي ضعف اللغة المكتوبة! فاللغة المكتوبة تفتقر إلى «القوة التعبيرية» البدائية التي تتحلى بها الكلمة المنطوقة، صحيح أن التدوين يحفظ اللغة ويحميها من الاندثار (وأنه أساس التاريخ والأدبيات)، إلا أنه يضعفها في الوقت نفسه، وقد أكد أفلاطون على ضعف اللغة المكتوبة، وعجزها في «الرسالة السابعة» وفي «فايدروس»، وما من لغة مكتوبة، إلا تنادي، في صمت، بإعادة تحويلها إلى شكلها المنطوق لكي تسترد قوتها المفقودة، الكتابة «اغتراب للغة» عن قوتها الحية، وليس من قبيل الصدفة أن كلمة «اللغة» ونظيراتها في أغلب اللغات تُشْتَق من «اللسان» ومن «النطق».

للكلمات الشفاهية ما يشبه القوة السحرية، غير أنها حين تصبح أشكالًا مرئية تفقد الشيء الكثير من هذه القوة، وإذا كان الأدب يستخدم الكلمات لكي يرفع تأثيرها إلى ذروته فإن الكثير من هذه القوة يُهدَر عندما نستعيض عن السمع بالرؤية في عملية القراءة، نحن بطبيعة الحال لا نملك أن نعود إلى الوراء حيث كان الأدب نشاطًا شفاهيًّا، ونحن — بطبيعة الحال — لا يليق بنا أن ننكر مزايا الكتابية والاتصال الكتابي، غير أن علينا ألا ننسى أن اللغة في الأصل هي كيان مسموع لا منظور، وأن ثمة أسبابًا وجيهة تجعل اللغة الشفاهية أيسر «فهمًا» من اللغة المكتوبة.

انظر إلى فعل القراءة الجهرية، إنَّ التعبير الشفاهي ليس استجابة سلبية للعلامات الماثلة على الصفحة (شأن الفونوغراف إذ يؤدي تسجيلًا)، إنه عمليةٌ إبداعية، أداء، كالعملية التي يقوم بها عازف البيانو وهو «يؤوِّل» مقطوعةً موسيقية، سل أي عازف بيانو يُجبك أن المقطوعة بحد ذاتها هي مجرد «قشرة»، وأن «معنى» الجمل الموسيقية لا بد من «فهمه» حتى يتسنى تأويل الموسيقى، وقل الشيء نفسه عن قراءة اللغة المكتوبة، إن المؤول الشفهي ليس أمامه من العمل الأصلي إلا قشرة: مخطط عام للأصوات لا إشارة فيه للنغمة، ولا للنبر والتشديد، ولا الوضع الجسماني، غير أن عليه أن «يُعيد إنتاج» ذلك في صوتٍ حي، هنا أيضًا لا بد لمن يعيد الإنتاج من أن يعي معنى الكلمات لكي يُعبر، ولن يكون بمقدوره أن يؤدي جملةً واحدة ما لم يدرك معنى القول، والسؤال الآن هو: كيف تتم هذه العملية الغامضة، عملية فهم المعنى؟ تمثل هذه العملية مفارقةً ملغزة: فأنت لكي تقرأ لا بد لك من أن تفهم مقدمًا ما سيُقال، ولكن هذا الفهم ينبغي أن يأتي من القراءة! ها هنا تبدأ في البزوغ تلك العملية «الديالكتيكية» المعقدة التي يشتمل عليها كل فهم حين يقوم بإدراك معنى جملة من الجمل، وفي الاتجاه المقابل يقدم التشديد والوضع اللذين لا يكون للكلمة المكتوبة معنًى بدونهما، للتأويل الشفهي إذن جانبان: فمن الضروري أن تفهم شيئًا ما لكي تعبر عنه، إلا أن الفهم نفسه يأتي من القراءة المؤولة، من التعبير.

والآن، ماذا تحمل هذه المسألة من متضمنات أدبية ونقدية؟ ماذا تحمل بالنسبة للقائمين بمهنة «التفسير الأدبي» وبالأخص بالنسبة لمعلمي الأدب؟ إنها أولًا تشير إلى الحاجة إلى إعادة النظر في مسألة الخلفية التاريخية والسيكولوجية وأهميتها في التفسير، أي إعادة النظر في دور المعطيات السياقية، التاريخية والنفسية، بالنسبة للفهم الأدبي، إن للنص «وجوده» الخاص في الكلمات نفسها، في ترتيبها وفي مقاصدها، وفي مقاصد العمل بوصفه موجودًا من نوع معين، فإذا صح ذلك ألا يكون من شأن الناقد الذي لا يتسلط على النص، بل يستسلم لوجود العمل، أن يساعد على استعادة ما فقده النص حين تحول إلى كلمات مكتوبة؟ ألا يقوم الناقد حين يُخرج أدواته التصورية (سواء كانت تتصل بالشكل أو المضمون) بتشييد سياق من المعنى (دائرة تأويلية) سوف ينبثق منه أداء شفاهي أكثر كفاءة، حتى لو تخفى ذلك في قراءة صامتة أكثر عمقًا تأويليًّا؟ إن هذا التوجه لا يتناقض، بل ينسجم، مع ما يصبو إليه «النقد الجديد» New Criticism من صيانة الوجود الخاص بالنص نفسه وحمايته من عبث التقول عليه ومن «هرطقة إعادة الصياغة»، ذلك أن «النقد الجديد» يريد أن يُمكن للنص أن يتحدث. لا شك أن النقد الجديد، في ضوء ذلك، سوف يتفق معنا على أن النقد المسعف حقًّا هو ذلك النقد الذي يهدف إلى قراءةٍ شفهيةٍ أكثر كفاءةً للنص نفسه، قراءة تسمح للنص أن يوجد مرة ثانية بوصفه حدثًا شفاهيًّا ذا معنًى يحدث في الزمان، وجودًا يمكن لطبيعته وتكامله الحقيقي أن يتألق ويضيء.

من شأن التأويل الشفاهي أن يُساعد النقد الأدبي على أن يستحضر في نفسه هدفه الخاص ومقصده الصميم عندما يتخذ، بطريقة واعية، تعريفًا ﻟ «وجود» العمل الأدبي، لا على أنه شيء تصوري سكوني، ولا على أنه «ماهية» لا زمانية تحولت إلى شيء على هيئة تصور متجسد في تعبير لفظي، بل على أنه كائن يحقق وجوده كحدث شفاهي في الزمان، يجب على الكلمة ألا تعود كلمةً (أي شيئًا بصريًّا وتصوريًّا) وأن تصبح «حدثًا»، فوجود العمل الأدبي هو «حدث» لفظي يحدث كأداء شفاهي. إن النقد الأدبي الحق يتحرك في اتجاه التأويل الشفهي للعمل الذي ينصب عليه، وليس ثمة من تناقض بين «الوجود المستقل» للعمل الأدبي الذي ينادي به «النقد الجديد» وبين هذا المبدأ، فالوجود المستقل، هو، على العكس، ينسجم مع مبدأ التأويل الشفهي ويتفق معه تمام الاتفاق.

ولمبدأ التأويل الشفهي وقوة الكلمة المنطوقة أهميته أيضًا في مجال النصوص المقدسة، ومن المأثور عن القديس «بولس» وعن «مارتن لوثر» قولهما: «إنَّ الخلاص يأتي خلال الآذان.» لقد كُتبت رسائل بولس لكي تُقرأ قراءةً جهرية لا قراءة صامتة، والحق أن علينا أن نُذكِّر أنفسنا بأن القراءة الصامتة السريعة هي ظاهرة حديثة أتت بها الطباعة، بل إن عصرنا هذا المتعجل الملول قد جعل من «القراءة السريعة» فضيلة، وكم نبذل من جهد لكي نطمس القراءة نصف الجهرية التي يتعلم بها الطفل القراءة، رغم أن هذه الطريقة كانت طبيعيةً تمامًا في العصور القديمة، ويذكر القديس أوغسطين أنَّ هذه هي الطريقة التي كان يقرأ بها.٣
وقد ينبغي على علم اللاهوت المسيحي أن يتذكر أنَّ لاهوت «الكلمة» ليس لاهوت الكلمة المكتوبة بل الكلمة المنطوقة، إن النصوص المقدسة (وبخاصة في لاهوت بُلتمان) هي Kerygma أي رسالة يجب أن تُبلَّغ وتُعلن، ومن شأن الجهود المبذولة لنشر الكتاب المقدس في أرجاء المعمورة أن تهزم نفسها إذا ما تم النظر إلى الكتاب المقدس على أنه عقد أو وثيقة قانونية أو تفسير عقلي تصوري للعالم؛ ذلك أن لغة الكتاب المقدس تعمل في وسط مختلف تمام الاختلاف عن كتيب إرشادي لبناء شيء ما أو عن نشرة معلومات، وكلمة «معلومات» هي كلمة ذات دلالة، فهي تشير إلى استخدام للغة مختلف عن الاستخدام الموجود في الكتاب المقدس، إنها تخاطب الملكة العقلية ولا تخاطب جُماع الشخصية، بمقدورنا أن نقرأ المعلومات قراءةً صامتة دون أن نخسر شيئًا، فنحن لا يلزمنا أن نستحضر خبرتنا الشخصية أو نخاطر بأنفسنا لكي نفهم المعلومات، أما الكتاب المقدس فهو ليس معلومات، إنه … رسالة، بلاغ، وقد قُصد به أن يُقرأ جهارًا وأن يُسمع، وما هو بمجموعة من المبادئ العلمية، إنه واقع من نوع مختلف عن واقع الحقيقة العلمية، واقع ينبغي فهمه على أنه قصةٌ تاريخية … حدثٌ يجب أن يُسمع، والمبدأ العلمي غير الحدث التأويلي، ومعقولية المبدأ غير معقولية الحدث، بهذا المعنى الأعمق لكلمة «تاريخي» ينبغي أن نفهم الأدب واللاهوت، إن العمليات التأويلية المناسبة للعلم لتختلف اختلافًا بعيدًا عن العمليات التأويلية الملائمة للأحداث التاريخية، أو الأحداث التي يحاول اللاهوت أو الأدب أن يفهمها.
هكذا، أفضى بنا الاتجاه الأول لمعنى كلمة «تأويل» في الاستخدام القديم (التأويل بوصفه تلاوة) إلى تقرير بعض المبادئ الأساسية للتأويل، سواء الأدبي أو الثيولوجي، لقد ردنا إلى الشكل والوظيفة البدائيين للكلمة بوصفها صوتًا حيًّا ممتلئًا بقوة العبارة المنطوقة ذات المعنى، فاللغة وهي تبزغ من العدم ليست علامات بل أصوات، وهي تفقد شيئًا من قوتها التعبيرية (ومن ثم شيئًا من معناها) عندما تُرد إلى صورٍ بصرية، أي عندما تنتقل من البُعد الزماني للوجود وتقطن في بُعده المكاني الصامت؛ لذا كان لزامًا على التفسير اللاهوتي والأدبي أن يحول الكتابة إلى كلام، وإن مبادئ الفهم التي تمكننا من هذا التحويل تُعد من الهموم الكبرى لنظرية التأويل الحديثة.٤

(٢) التأويل بوصفه تفسيرًا (أرسطو)

الاتجاه الثاني لمعنى «التأويل» في الاستخدام القديم هو «أن تشرح»، وهو اتجاه يؤكد البعد التفسيري للفهم وليس مجرد البعد التعبيري، فالكلمات، بعد كل شيء، لا «تقول» شيئًا ما فحسب، بل تفسره أيضًا وتشرحه وتوضحه، قد يعبر المرء عن موقف ما دون أن يشرحه، وإذا كان «التعبير» عن الموقف هو في ذاته تأويلًا كما أسلفنا، فإن تفسيره أو شرحه هو أيضًا شكل من أشكال التأويل، فلنتناول الآن بعض أبعاد هذا الشكل الثاني (والأكثر وضوحًا) من أشكال التأويل، ونعرض لدلالاتها الحديثة.

انظر إلى الرسائل الملغزة التي كان يفضي بها وسيط الوحي في دلفي، لم تكن هذه الرسائل تفسر نصًّا موجودًا سلفًا، بل كانت «تأويلات» لموقف (وكانت الرسائل نفسها تتطلب تأويلًا!) لقد كانت «تبوح» بشيءٍ ما أو «تقوله» أو «تعبر عنه» (وهو البعد الأول والأكثر بداءة للمعنى)، غير أنها كانت في الوقت نفسه تفسيرًا لشيء ما، شيء لم يكن مفسرًا من قبل، كانت صياغة لفظية ﻟ «معنى» الموقف، أو شرحًا للموقف في كلمات (قد تخفي بقدر ما تكشف)، الكلمات هنا تقول شيئًا ما عن الموقف أي عن الواقع، والمعنى هنا ليس مخبوءًا في أسلوب القول أو طريقته، فليس هذا بالأمر المحوري في هذا البعد من التأويل، إنما هو تفسير بمعنى أنه يقول شيئًا ما عن شيء آخر، إذن على حين أن رسائل الوحي كانت بمعنى أوَّل «تقول» أو «تعلن»، فهي بوصفها تفسيرًا كانت تتحرك تجاه لحظة ثانية للتأويل، كانت تفسر شيئًا ما وتشرحه وتعلله.

في رسالته «عن التأويل» Peri herneneias يُعرف أرسطو التأويل بأنه «إقرار» أو «إعلان» Enunciation، قد يومئ هذا التعريف إلى الاتجاه الأول للمعنى (يقول أو يعلن)، غير أن المتعمق في النص لن يخفى عليه الاتجاه الثاني أيضًا، فالهرمينيا عند أرسطو تشير إلى العمل الذي يقوم به الذهن؛ إذ يضع العبارات التي تتصل بصدق شيء ما أو بكذبه. التأويل بهذا المعنى هو العملية الأولية للفكر إذ يصوغ حكمًا صادقًا عن شيء ما، وفقًا لأرسطو، إذن، لا يُعَدُّ الدعاء والطلب والسؤال عبارة، بل شيئًا مشتقًّا من عبارة، أو هو شكل ثانوي من الجمل ينطبق على موقف يكون فيه الذهن قد أدركه سلفًا في شكل عبارة (الفكر بطبيعته، عند أرسطو، يدرك المعنى كعبارة)، مثال ذلك أن العبارة الأصلية (أو التأويل) «الشجرة بنية اللون» تسبق أي جملة تعبر عن رغبة أو استخدام لها، «التأويلات» إذن ليست جملًا تهدف إلى استخدام أو غرض أو نفع، كما هو الحال في الدعاء أو الطلب، بل هي عبارات حول شيء ما يتصف بأنه حق أو باطل (صادق أو كاذب)، ويُعرفها أرسطو بأنها «الكلام الذي ينطوي على صدق أو كذب»، يترتب على هذا التعريف أن الخطابة والشعر يقعان خارج رسالته عن التأويل لأن كلًّا منهما يهدف إلى تحريك المستمع والتأثير فيه.
و«الإعلان» أو «الإقرار» (التأويل) Enunciation عند أرسطو ينبغي ألا يختلط بالمنطق، فالمنطق ينطلق من مقارنة العبارات المعلنة، أما الإعلان فهو صياغة العبارات ذاتها وليس عملية الاستدلال من الأشياء المعلومة إلى المجهولة، وبصفة عامة يقسم أرسطو العمليات الأساسية للفكر إلى:
  • (١)

    فهم الأشياء (الموضوعات) البسيطة.

  • (٢)

    عمليات التجميع والتقسيم.

  • (٣)

    عمليات الاستدلال من الأشياء المعلومة إلى الأشياء المجهولة.

يتناول «الإعلان»، وفقًا لأرسطو، العمليات الثانية فحسب: أي عمليات البناء والتقسيم الخاصة بوضع العبارات التي تنطوي على صدقٍ أو كذب، الإعلان إذن ليس بالمنطق ولا هو بالخطابة ولا الشعر، بل هو شيء أكثر أوليةً: إنه إقرارٌ بصدق شيءٍ ما (أو كذبه) بوصفه عبارة.

والآن، ما جدوى هذا التعريف الضيق (والمحدد رغم ذلك تحديدًا مثمرًا)؟

أولًا: من الأهمية بمكان أن الإعلان ليس هو «فهم الأشياء البسيطة» بل يتناول العمليات التي تشتمل على بناء عبارة صادقة، إنه يعمل على مستوى اللغة، غير أنه ليس منطقًا بعد، فالإعلان يصل إلى الصدق الخاص بشيء ما ويجسده كعبارة، والغاية من العملية ليست تحريك المشاعر (الشعر) أو الحث على اجتراح فعلٍ سياسي (الخطابة)، بل الغاية هي جلب الفهم إلى العبارة.

ينتمي «الإعلان»، من حيث هو تعبير عن صدق شيء ما كعبارة قضوية (أي تعبر عن قضية)، إلى العمليات العليا والخالصة للعقل، العمليات النظرية لا العملية، العمليات المنصبة على الصدق والكذب (الحق والباطل) وليس الفائدة أو المنفعة، ولكن أليس هذا هو الاتجاه الأول للمعنى، أي التعبير أو القول، وليس الاتجاه الثاني أي التفسير؟! ربما، ولكن ينبغي على المرء أن يلحظ أن الإعلان عند أرسطو ليس رسالة من السماء بل عملية للفكر العقلي، وهو بهذه الصفة يشرع في التحول غير الملحوظ إلى تفسير! فالمرء لكي يجد قيمة الصدق في عبارةٍ ما يكون في الوقت نفسه بصدد التجميع والتقسيم، وحين يفكر في القول كعبارة يكون العنصر العقلي مفصحًا عن نفسه، ويكون الصدق بصدد التحول إلى شيء سكوني ومعلوماتي، إنها عبارة حول شيء ما وتطابق ماهيته، فالصدق «تطابق» Correspondence والقول «عبارة» Statement، لقد تحول صدق «الواقعة» دون أن نلحظ إلى الصدق السكوني للمبادئ والعبارات.

على أنَّ أرسطو كان محقًّا حين وضع لحظة التأويل في موضع سابق على عمليات التحليل المنطقي، وهو أمر يلفت انتباهنا لخطأ في الفكر الحديث؛ إذ يسارع بلصق التأويل تلقائيًّا بلحظة التحليل المنطقي، صحيح أن العمليات المنطقية هي أيضًا تأويل ولكن علينا أن نتذكر «التأويل» الأساسي والأسبق. من دأب العالم مثلًا أن يسمي تحليله للبيانات المعطاة تأويلًا، ولكن من الصواب أيضًا أن يسمي رؤيته للمعطيات تأويلًا، بل إنه في اللحظة التي تصبح فيها البيانات عبارة يكون التأويل في حقيقة الأمر قد تم! كذلك الحال بالنسبة للناقد الأدبي، فهو يسمي تحليله للعمل تأويلًا، ولكن من الصواب أيضًا أن يطلق اسم «تأويل» على طريقته في رؤية العمل نفسه.

ولكن «الفهم»، الذي يعمل كأساس للتأويل، يقوم هو نفسه بتشكيل هذا التأويل سلفًا وتكييفه، إنه تأويل مبدئي ولكنه قد يكون الفاصل والحاسم في كل ما سيأتي لأنه يهيئ المسرح للتأويل اللاحق، بل إن المفسر الأدبي حين يلتفت إلى القصيدة ولسان حاله يقول: «هذه قصيدة، ولسوف أفهمها بأن أفعل كذا وكذا» يكون، في حقيقة الأمر، قد أتم مهمته وبالتالي يكون قد شكل رؤيته للقصيدة، لقد أتم سلفًا، بمنهجه الذي وقع عليه اختياره، تشكيل معنى «الموضوع» Object، والحق أن المنهج Method والموضوع Object لا يمكن أن ينفصلا: لقد خطط لنا المنهجُ مقدمًا ما سوف نراه! لقد أنبأنا ماذا يكون الموضوع بوصفه موضوعًا؛ لهذا السبب يُعد كل منهجٍ تأويلًا بحد ذاته، غير أن أحد التأويلات فحسب، والموضوع الذي يُرى بمنهجٍ آخر سيكون موضوعًا آخر.

إذن التفسير ينبغي أن ننظر إليه داخل سياق تأويلٍ أكثر بداءة، هو ذلك التأويل الذي يحدث حتى في الطريقة التي نلتفت بها إلى الموضوع، من المؤكد بالطبع أن التفسير سوف يتوقف على أدوات التحليل الموضوعي التي لجأنا إليها، غير أن اختيار الأدوات المعنية هو في ذاته تأويلٌ لمهمة الفهم، من ذلك يتبين أن التحليل في الحقيقة ليس هو التأويل الأساسي بل هو صورة مشتقة، ذلك أن هناك تمهيدًا للمسرح قد تم بتأويلٍ أساسي وأوَّلي قبل أن يبدأ التحليل في تناول البيانات، وبينما الطبيعة الاشتقاقية للمنطق (لأنه يعتمد على القضايا) واضحة كل الوضوح، فإن الطبيعة الاشتقاقية للتفسير هي أقل وضوحًا وإن لم تكن أقل واقعية.

ثمة استعمال لافت ودال لكلمة «تأويل» Hermeneuein ورد في «العهد الجديد»، لوقا ٢٤: ٢٥–٢٧؛ إذ يظهر المسيح بعد أن قام من الأموات:
فقال لهما: أيها الغبيان والبطيئا القلوب (كذا) في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟ ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر (يؤول Diermeneusen) لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب.

لاحظ أن المسيح يهيب بملكاتهما العقلية: «أما كان ينبغي؟» ثم يكشف معنى النصوص بأن يضعها في سياق آلام الفداء التي كابدها، ويضع هذه الآلام في سياق نبوءات العهد القديم، ولاحظ أيضًا أننا الآن لسنا بصدد مسألة استخدام العهد الجديد للعهد القديم على أهميتها الكبيرة بحد ذاتها، فلندع المشكلة الثيولوجية جانبًا ونسأل ماذا يتضمن هذا المثال بالنسبة لمسألة التأويل بوصفه تفسيرًا، إن الفقرة المقتبسة مثال واضح للتفسير؛ لأن يسوع كان يقوم بأكثر من مجرد تكرار النصوص القديمة أو إعادة سردها، لقد كان «يفسرها»، ويفسر نفسه في ضوئها، يتضمن التأويل هنا جلب عاملٍ خارجي، هو المسيح؛ لكي يعزز به «معنى» النصوص القديمة، فالنصوص لا تصبح ذات معنًى إلا في وجود هذا العامل، ومن الجهة الأخرى فإن المسيح مهتم بالمثل أن يبين أنه في ضوء النصوص فقط يكون لآلامه معنًى بوصفها تحققًا تاريخيًّا للنبوءة القديمة عن المسيح المنتظر.

ماذا يعني ذلك من الوجهة التأويلية؟

يعني ذلك أن «المعنى» هو مسألة «سياق» Context، فالإجراء التفسيري يقدم ساحةً لكي يجري عليها الفهم، ولا يتحلى الحدث بالمعنى إلا في سياق معين، وفضلًا عن ذلك فإن المسيح حين يربط بين موته وبين الآمال المتعلقة بالمسيح المخلص إنَّما يربط هذا الحدث التاريخي بآمال المستمعين ومقاصدهم الشخصية، عندئذٍ تصبح دلالته دلالة مخلصٍ شخصي وتاريخي، فالدلالة هي علاقةٌ بالمستمع: مشروعاته الخاصة ونواياه، والدلالة ليست شيئًا يملكه يسوع في ذاته خارج التاريخ وخارج علاقته بمستمعيه، وبإمكاننا القول بأن الموضوع لا تكون له دلالة خارج علاقة ما بشخص ما، وبأن العلاقة تحدد الدلالة، فإن تتحدث عن موضوعٍ ما بمعزلٍ عن ذاتٍ مدركة هو خطأٌ تصوري ناجم عن مفهومٍ واقعي قاصرٍ حول إدراك العالم، وحتى لو سلمنا بهذا المفهوم فهل يُعقل أن نتحدث عن معنى ودلالة بمعزلٍ عن ذواتٍ مدركة؟ وإذا كان اللاهوتيون مغرمين بالتوكيد على الجانب العلائقي للمسيح بوصفه «لنا» أو «من أجلنا» Ppro Nobis فإن بوسع المرء أيضًا أن يؤكد أن كل تفسير، من حيث المبدأ، هو «لنا»، ذلك أن كل تأويل تفسيري يفترض مقاصد معينة لدى أولئك الذين يتوجه إليهم التفسير، وبعبارة أخرى يمكننا القول بأن كل تأويل تفسيري يظهرنا على أن التفسير هو شيء سياقي، أو شيء «أفقي» (أي متعلق بأفق معين Horizonal) فلا بد للتفسير من أن يكون قائمًا داخل أفق من المعاني والمقاصد المُسلم بها أصلًا، وفي مجال الهرمنيوطيقا يُطلق على هذه المنطقة من الفهم المفترض اسم «الفهم المسبق» Pre-Understanding، ولعل من المفيد أن يسأل المرء ما هو الفهم المسبق اللازم لكي نفهم النص المعطى، لقد زود يسوع مستمعيه بالعنصر الضروري لفهم النصوص النبوئية، وكان هذا جزءًا من التفسير الضروري، ولكن فوق ذلك فقد كان عليه أن يفترض وجود فهمٍ مسبق لديهما لما تكونه النبوءة ولما يمكن أن تعني لهما قبل أن يمكنه أن يفسر نفسه لمستمعيه، وقد يسأل سائلٌ ما هو أفق التأويل الذي يقطن فيه النص الأدبي العظيم، ثم كيف يرتبط به الأفق الخاص بعالم الشخص نفسه من آمال ومقاصد وتأويلات مسبقة، هذا الالتحام بين الأفقين ينبغي أن يُعد عنصرًا أساسيًّا في كل تأويل تفسيري.
وحتى ذلك الشكل من التأويل الأدبي الذي يهدف إلى أكمل تأويل شفاهي ممكن لن يسعه أن يهمل الأبعاد التفسيرية للتأويل، بل إن رسم الأفق الذي ينجم فيه الفهم هو أساس التأويل الشفاهي المؤثر بحق (يجب ألا ننسى أن التأويل الشفهي هو الشيء الذي نفعله جميعًا عندما نقرأ نصًّا ونحاول أن نزوده بخفايا معانيه وظلالها الدقيقة، ولا يلزم هنا أن تكون قراءتنا على الملأ، ولا حتى أن تكون جهرية!) إن المؤوِّل لكي «يؤدي» النص فلا بد له من أن «يفهم» النص: لا بد أن يفهم الموضوع والموقف سلفًا قبل أن يتسنى له أن يدخل في أفق معانيه، وليس قبل أن يخطو في الدائرة السحرية لأفق النص يمكن للمؤوِّل أن يفهم معناه، هذه هي «الدائرة التأويلية» Hermeneutical Circle الملغزة التي بدونها لا يمكن لمعنى النص أن يبزغ.

ولكن الأمر هنا ينطوي على تناقض:

فكيف يمكن للنص أن يُفهم إذا كان الشرط اللازم لفهمه هو أن نكون على فهمٍ أصلًا بما يتحدث عنه؟!

والجواب أن فهمًا جزئيًّا، بطريقةٍ ما وبعمليةٍ دياليكتيكية، يُستخدم لفهم المزيد، تمامًا مثل استخدام قطعٍ من لغز الصور التركيبية لاكتشاف ما هو ناقص منها، ولعل المشكلة الأساسية للتأويل هي كيف يمكن لأفق الشخص أن يتلاءم مع أفق العمل: من جهة لا بد من توافر قدر معين من الفهم المسبق للموضوع وإلا فلن يحدث تواصل على الإطلاق، ومن جهة أخرى ينبغي لهذا الفهم المسبق أن يتغير أو يتعدل في عملية الفهم، ووظيفة التأويل التفسيري في المجال الأدبي يمكن أن تُرى، في هذا السياق، على أنها محاولة للارتكاز على الفهم المسبق من أجل فهم النص.

حين ننظر في الاتجاهين الأولين للتأويل (القول والتفسير) نجد تعقد العملية التأويلية والطريقة التي تتأسس بها في الفهم قد بدآ في الظهور، أما التأويل القولي فيذكرنا بالطبيعة الأدائية للقراءة، ولكن حتى الأداء الخاص بقراءة نص أدبي يتطلب أن يكون المؤدِّي «فاهمًا» للنص أصلًا، وهذا يتضمن التفسير، ولكن هنا أيضًا يتأسس التفسير على فهم مسبق، بحيث يتعين على المؤدي قبل أن يظفر بأي تفسير ذي معنى أن يدخل الأفق الخاص بالموضوع والموقف، يتعين عليه في فهمه الخاص أن يمسك بالنص وأن يمسك به النص، إن موقفه في هذا اللقاء، والفهم المسبق للمادة الذي يجب أن يجلبه معه إلى الموقف، أي المشكلة الكلية لدمج أفق فهمه بأفق الفهم الخاص بالنص؛ هذا هو التعقد الدينامي للتأويل، وهذه هي «المشكلة الهرمنيوطيقية» The Hermeneutical problem.
والنظر في عناصر المشكلة التأويلية الآنفة الذكر لا يعني الارتداد إلى «النزعة السيكولوجية» Pychologism كما يمكن للبعض أن يظن؛ لأن المنظور الذي يمكن فيه لتهمة النزعة السيكولوجية (وللموقف المضاد للنزعة السيكولوجية وهو مفترض مسبقًا في الاتهام) أن يكون لها أي معنًى هو منظور يفترض منذ البداية انفصال الموضوع وعزلته ثم ينظر بازدراء إلى الاستجابة «الذاتية» كما هو الحال في المجال الغائم للمشاعر، غير أن العرض الذي قدمناه هنا لم يتناول المشاعر، بل تناول بنية الفهم وآلياته، والشروط التي في ظلها يمكن للمعنى أن يبزغ في التفاعل المتبادل بين القارئ والنص، وكيف أن كل تحليل يفترض مسبقًا تعريفًا للموقف مُشكَّلًا سلفًا، في إطار مثل هذه الاعتبارات تتجلى لنا حقيقة الملاحظة المأثورة عن جورج جورفيتش: أن الموضوع والمنهج لا يمكن فصلهما على الإطلاق، وهي بطبيعة الحال حقيقة لم تألفها الطريقة الواقعية في النظر والتفكير.٥

(٣) التأويل بوصفه ترجمة

لا يقل هذا البُعد الثالث من معاني لفظة Hermeneueim عن سابقيه إيحاءً ودلالة بالنسبة للهرمنيوطيقا ونظرية التأويل، «أن تؤول»، في هذا البُعد، يعني «أن تترجم».

حين يكون النص من لغة القارئ نفسها، فقد يدق الفارق بين عالم النص وعالم القارئ ويخفى على الملاحظة، أما حين يكون النص بلغةٍ أجنبية فلن يخفى التعارض بينهما في المنظور وفي أفق الرؤية، غير أن مشكلات المترجمين من لغة إلى أخرى، كما سوف نرى، لا تختلف بنيتها عن مشكلات الناقد الأدبي الذي يعمل داخل حدود لغته الخاصة، وهي أقدر على أن تُظهرنا على جلية الموقف القائم في أية عملية تأويل لأي نص من النصوص.

لا تعدو الترجمة أن تكون شكلًا من أشكال التأويل، وصورة من صور الإفهام، فالعملية التأويلية الأساسية قائمة بتمامها في عملية الترجمة، فالمرء، في عملية التأويل، يأتي بشيء أجنبي أو غريب غير مفهوم ويسلكه في وسيط لغته الخاصة، والمترجم شأنه شأن الإله هرمس، يتوسط بين عالمٍ وآخر، ليس فعل الترجمة مسألةً آلية بسيطة من إيجاد مرادف، كما تفعل أجهزة الترجمة فلا تأتي نواتجها المضحكة إلا دليلًا بينًا على أن الترجمة ليست مرادفةً آلية وما كان لها أن تكون؛ ذلك أن المترجم هو وسيط بين عالمَيْن مختلفَيْن لا عالمَيْن متناظرَيْن أو مترادفَيْن، تظهرنا الترجمة على حقيقة كبرى هي أن اللغة ذاتها تنطوي على تأويل شامل للعالم، وعلى المترجم أن يكون حساسًا لهذا التأويل الشامل حتى وهو يترجم التعبير الفرد، وليس كالترجمة شيءٌ يخبرنا كيف تقوم الكلمات فعلًا بتشكيل نظرتنا للعالم، بل في تشكيل إدراكنا ذاته، إنما اللغة مستودع للخبرة الثقافية، ونحن نوجد في هذا الوسيط وخلاله … نحن نعيش في اللغة ونرى بعينيها!

ولنأخذ ترجمة الكتاب المقدس كمثال لمشكلات الترجمة بعامة، لقد انحدر إلينا الكتاب المقدس من عالمٍ بعيد من حيث الزمان والمكان واللغة، عالمٍ غريب ينبغي علينا أن نستجوبه (ويستجوبنا!) ينبغي على أفق فهمنا، بطريقة ما، أن يلتقي، ويلتحم، بأفق الفهم القائم في النص، فالتوسط هنا ليس مجرد توسط من خلال اللغة، بل من خلال التاريخ أيضًا؛ إذ تفصلنا عن «العهد الجديد» فجوة زمنية من ألفي عام، وعلى «العهد الجديد» الآن أن يخاطبنا بكلمات من عالمنا، من وسيطنا الذي نرى به الأشياء، فكيف لنا أن نأمل في فهم أحداث جرت في سياق مختلف جذريًّا عن مجتمعنا المدني الحديث وما يعج به من صراعات دولية ووسائط اتصال وفضائيات وإنترنت وأسلحة ذرية وجرثومية … إلخ؟ هل ينبغي علينا أن نحافظ على الأداء الحرفي للعهد الجديد، أو أن نعرض ما يمكن أن يناظره أو يكافئه في الأزمنة الحديثة؟ فإذا قال القديس بولس مثلًا في إحدى رسائله «حيوا بعضكم بعضًا بقبلةٍ مقدسة» حيث كانت القبلة تحية مألوفة في ذلك الزمن، فهل ينبغي أن نترجمها في النسخة المعاصرة «حيوا بعضكم بعضًا بمصافحة ودية بجمع اليدين»؟

غير أن هذا المثال يقدم مشكلة صغيرة بالقياس بالسؤال الأعمق عن الطريقة التي تختلف بها النظرة الكلية للعالم في زمن «العهد الجديد» عن النظرة العلمية الحديثة، هذه بالتحديد هي المسألة التي حاول اللاهوتي الألماني رودلف بلتمان R. Bultman أن يواجهها في مشروعه عن «نزع الطابع الأسطوري» في الكتاب المقدس، Demythologizing يشير بلتمان إلى أن رسالة الإنجيل تقوم في سياق التصور الكوزمولوجي للسماء من فوق والأرض في الوسط والعالم السفلي من تحت — أي عالم المستويات الثلاثة — ويذهب بلتمان، في حله لهذه المسألة، إلى أن رسالة «العهد الجديد» لا تعتمد على كوزمولوجيا العهد الجديد التي لا تشكل إلا السياق لرسالة عن الطاعة الشخصية والتحول إلى «إنسان جديد»، و«نزع الأسطورية» هو محاولة لفصل الرسالة الجوهرية عن الميثولوجيا الكوزمولوجية التي لا يمكن للإنسان الحديث أن يقبلها.
ولكن مهما تكن مزايا «نزع الأسطورية» كحل للمأزق التأويلي فإن المشروع نفسه يشير إلى مشكلة كبرى: كيف يتسنى لنا أن «نفهم» العهد الجديد؟ ما الذي نحاول أن نفهمه؟ إلى أي مدًى ينبغي علينا أن ندخل في العالم التاريخي لفكر العهد الجديد وخبرته قبل أن يتسنى لنا أن نؤوله؟ هل بمكنتنا على الإطلاق أن نجد نظائر ومكافئاتٍ من أجل فهم العهد الجديد؟ أيكون من الجائز أن يتغير عالمنا خلال قرن من الزمن تغيرًا هائلًا بحيث لا يعود ممكنًا لأحدٍ أن يفهم العهد الجديد؟ إننا لنجد اليوم أن النشء الصغير في المجتمعات الحضرية يجد صعوبة أكثر مما نجد في فهم هوميروس؛ لأن المكونات البسيطة للحياة في زمن هومر (القوارب، الأحصنة، المحراث، الحراب، الفئوس، زقاق النبيذ …) هي في أغلبها مفردات لم تعد تُرى إلا في الكتب أو المتاحف، ليس معنى ذلك أن هومر سوف يبلى ويندثر وشيكًا، بل إن الجهد اللازم لفهمه سيكون أكبر وأصعب كلما مضينا في ميكنة أسلوبنا في الحياة.٦

ومشكلة «نزع الطابع الأسطوري» ليست وقفًا على اللاهوت، فهي قائمة، بشكل قد يقل إلحاحًا ولكن لا يقل دلالة، في محاولة فهم أي عمل قديم عظيم: كيف نفهم مثلًا أي مسرحية لسوفوكل ونحس لها أي معنًى يخصنا إذا كانت آلهة الإغريق قد ماتت ولم تحل محلها وتقم بعملها علاقاتٌ بشرية بديلة، فنحن في زمن ماتت فيه الآلهة القديمة ولم يولد فيه الإله الجديد (العلاقات البشرية) بعد! أتكون المسرحية اليونانية نصبًا لإله ميت أو مجموعة آلهة؟ أم تُراها، على حد قول أحد النقاد عن «الفردوس المفقود» لملتون «نصبًا لأفكار ميتة»؟ ما هي الطريقة التي ينبغي أن تُترجم بها المسرحية الإغريقية إلى اللغة الحديثة؟ أو ما هي الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها الألفاظ القديمة؟ كيف يمكن أن نحول دون أن تبدو الأعمال القديمة مجرد كوميديات للأخطاء؟ لعل الكثيرين من أساتذة الآداب القديمة كانوا في حقيقة الأمر «ينزعون الطابع الأسطوري» فيما كانوا يبررون أهمية العمل الأدبي لنا بالنظر إلى دلالته الإنسانية الدائمة التي لا تزول.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه «الدلالة الإنسانية» يجب تأويلها للأُذُن الحديثة (المرحلة التفسيرية للتأويل)، وفي سبيل ذلك علينا أن نكون أكثر وضوحًا حول ما نعنيه بأن شيئًا ما هو ذو «دلالة»، إن التناول النقدي الأدبي الذي يجعل همه حصر الصور البلاغية بأصنافها المختلفة، أو التركيز على «الشكل» في العمل الأدبي، أو تحليل الموضوع الرئيسي داخل عملٍ ما أو بين عدة أعمال، إنما هو تناول يغفل مسألة «الدلالة»، فالتناول الذي يرى العمل كموضوع بمعزل عن الذوات المدركة هو تناول يتجنب آليًّا السؤال عمَّا يشكل الدلالة الإنسانية للعمل، وكل نقد يغفل السؤال عن الدلالة الإنسانية للعمل ويصرف كل طاقته في تمرينات معقدة حول تحليل الصور البيانية أو الشكل أو الموضوع الرئيسي، لن يعدو أن يكون نشاطًا كسولًا لحلقة مغلقة من أساتذة الأدب أو تزجية فراغٍ لثلة مغتربة من الأدباء المتعطلين، إن تحليلهم وتشريحهم الدقيق ليفقد جدواه إذا «مات الأدب»؛ مات لأن مفسريه مأخوذون بمعرفة بِنيته الخاصة ونشاطه المكتفي بذاته عن كل دلالة إنسانية نابضة حية، فالأدب أيضًا يمكن أن «يموت صبرًا» إذا طال حرمانه من الصلة الحقيقية الواضحة بالقارئ، هكذا يتبين أن أمام التأويل اللاهوتي والأدبي أحد خيارين: إما أن يكون متصلًا بنا ودالًّا بالنسبة لنا اليوم وإما أن يذوي ويموت.

على أساتذة الأدب ومعلميه أن يكونوا خبراء في «الترجمة» أكثر مما هم خبراء في «التحليل»، ذلك أن مهمتهم هي أن يحولوا ما هو غريب وملغز وغير مألوف إلى شيءٍ مفهوم، شيءٍ «منا»، شيء «يتحدث لغتنا»، ليس معنى ذلك أن يحقنوا الأعمال القديمة بمقويات حديثة أو أن يُلبسوا «تشوسر» رداءً من الإنجليزية المعاصرة، إنما يعني أن يدركوا مشكلة تضارب الآفاق المختلفة وصراعها، وأن يتخذوا خطوات ملموسة لمواجهتها، لا أن يضربوا عنها صفحًا وينصرفوا إلى ألعابهم التحليلية، ثمة «رؤية للعالم» World View قابعةٌ في صميم القصيدة ومفترضةٌ مسبقًا في أسطرها وداخلةٌ من ثم في فهمها وتقديرها، ولا بد للناقد من أن يستل هذه النظرة ويأخذها مأخذ الجد وألا ينصرف عنها باعتبارها من أغاليط النقد التاريخي البائد.٧
من الشروط الأساسية مثلًا لفهم «الأوديسة» أن ندرك منذ البداية أن الأشياء الطبيعية، في «رؤية العالم» القابعة في الأوديسا، هي أشياء حيةٌ قاصدةٌ مريدة، وأن العالم هو مدى من الأرض والماء بقدر ما يمكن للمرء أن يرى، وأن كل عملية طبيعية هي من فعل كائن خارق للطبيعة، وأن الآلهة هي مجموعة من سراة الكائنات فوق البشرية التي لها كل ما للبشر من مواطن ضعف وإن تكن تعمل وفقًا لصيغة عليا من الدستور الخلقي الخاص بالبطل اليوناني. ليس قبل أن نلج إلى هذا العالم الغريب عن عالمنا، يمكننا أن نلتفت إلى ذلك الرجل الحُوَّل القُلَّب، مُلاعب الموت وغازل الحكايا التي كاد يخدع بها راعيته «أثينا»، ذلك الباحث النهم عن المعرفة المغامرة؛ أوديسيوس، لا بد أن يعلم كل مُحلِّل للنصوص أن هناك «حسًّا بالواقع» يتبطن كل نص وأن «حس الواقع» هذا هو مفتاح فهم النص، ومن ثم فإن حس الواقع وطريقة «الوجود-في-العالم» الممثَّلة في العمل ينبغي أن تكون في بؤرة اهتمام أي تأويل أدبي يريد أن يكون مُجديًا، وأن تكون الأساس لكل قراءةٍ للعمل تريد أن تفهم دلالته الإنسانية، وبعبارة أخرى يمكننا القول بأن ميتافيزيقا العمل (تعريفه للواقع) وأنطولوجيا العمل (طبيعة الوجود-في-العالم) هما أمران أساسيان لأي تأويل يريد أن يجعل الفهم الحقيقي للعمل أمرًا ممكنًا.٨

الترجمة — إذن — تجعلنا على وعي بالتعارض القائم بين عالم فهمنا الخاص وبين عالم الفهم الذي يمضي فيه العمل، وإذا كان الحاجز اللغوي يبرز هذا التعارض ويجعل وجود هذين العالمين أكثر وضوحًا، فإن وجودهما قائم في أي تأويلٍ لعملٍ مكتوبٍ بلغتنا نفسها، بل قائم، في حقيقة الأمر، في أي «حوار» أصيل وبخاصة إذا كان طرفا الحوار يفصلهما فاصل جغرافي، بل إننا في الأدب الإنجليزي لَنَجِدُ فجوة المائة عام كافيةً لأن تخلق تحولًا ما في اللغة بحيث يعيش كل من وردزورث وبوب وملتون وشكسبير وتشوسر في عالم تاريخي ولغوي مختلف.

إن فهم شاعر مثل «وردزورث» — على سبيل المثال — يتطلب جهدًا من التخيل التاريخي ومن «الترجمة» لكي نَطَّلِع على عالم إنجلترا في زمنه، وهي على مشارف التصنيع (وإن تكن ريفية بعد في صميمها وجوهرها)، كذلك رؤية إيطاليا في زمن دانتي والولوج إلى عالمها في فهم «الكوميديا الإلهية»، فالأمر هنا ليس مجرد ترجمة لغوية (وإن كانت اللغة تنبئنا بالكثير)، إنه مسألة ترجمة تاريخية، وحتى مع أرقى ترجمة إنجليزية يمكن تصورها تبقى هناك مشكلة الفهم التي يتضمنها الالتقاء بأفقٍ آخر مختلف من فهم الوجود الإنساني، وإذا كان «نزع الأسطورية» هو اعتراف أو إدراك لهذه المشكلة في مجال تأويل الإنجيل، فإنه، من حيث المبدأ، قائم في أي قراءة للوثائق التاريخية أو النصوص الأدبية، حتى لو لم يعمد هذا النوع إلى تجريد النص الأصلي من وقعه الدرامي المباشر، وصفوة القول أن استقصاء «نظرة العالم» المضمرة في اللغة نفسها ثم في استخدام اللغة في عمل أدبي هو تحدٍّ أساسي يواجه التأويل الأدبي.

والحق أن «الهرمنيوطيقا الحديثة» ستجد في الترجمة وفي نظرية الترجمة ذخرًا كبيرًا يفيدها في استكشاف «المشكلة التأويلية»، بل إن الهرمنيوطيقا في مراحلها التاريخية الأولى كانت دائمًا تشمل الترجمة اللغوية، سواء بوصفها تأويلًا للفلسفة الكلاسيكية أو تأويلًا للكتاب المقدس. إن ظاهرة الترجمة هي لب لباب الهرمنيوطيقا: في الترجمة يواجه المرء الموقف التأويلي الأساسي الخاص بتجميع معنى النص والتعامل بالوسائل النحوية والتاريخية وغيرها من أدوات فك رموز النص القديم، غير أن هذه الأدوات، كما قلنا آنفًا، هي مجرد تجسيد أو تصريح بما هو متضمن في كل مواجهة لنص لغوي حتى في لغتنا ذاتها، فهناك دائمًا عالمان: عالم النص وعالم القارئ، وبالتالي فهناك حاجة دائمًا لهرمس لكي «يترجم» من أحد العالمين إلى الآخر.

وبعد، فلم يكن عبثًا عرضنا المستفيض للأبعاد الثلاثة لمعنى الهرمنيوطيقا في الاستعمال القديم، فما تزال الدلالة الثرية للجذور اليونانية للفظة ترفد التعريفات الحديثة للهرمنيوطيقا، فتركز هذه التعريفات تارة على هذا الاتجاه وطورًا على ذاك، وحسنًا تفعل الهرمنيوطيقا حين تستلهم المعاني القديمة، وتعود مرارًا وتكرارًا إلى دلالة الاتجاهات الثلاثة لمعنى التأويل: التلاوة، والتفسير، والترجمة.

١  أي لا تكذب، ولا يجانبك الصواب.
٢  أرفقنا بهذا العمل تذييلًا يتضمن ترجمةً كاملة جديدة لنص محاورة «أيون» لأفلاطون؛ وذلك لأهميتها المحورية في مبحث التأويل من جهة ولقصرها ووجازتها من جهة أخرى.
٣  Palmer, R. E. Hermeneutics. Northwestern University Press, 1969. pp. 18, 19.
٤  Ibid., p. 20.
٥  Ibid., 20–26.
٦  Ibid., p. 28.
٧  Ibid., 29-30.
٨  Ibid., 30.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤