حياة ما بين النجوم

سوف نجد طريقة مناسبة يا بروفيسور، دائمًا ما نفعل.

فيلم «إنترستيللر» (ما بين النجوم) Interstellar

بين أنياب جارجنتو

للأسف الشديد، كان كوكب ميلر أقربَ ﻟ جارجَنتو Gargantau — الثقب الأسود الهائل الذي يدور حوله الكوكب١ — مما اعتقد أفراد المهمة، وبالتالي كان النزول على سطحه يعني مزيدًا من التباطؤ الزمني بالنسبة لهم؛ فكل ساعة يقضونها على الكوكب، ستُعادل سبع سنوات من سنواتنا الأرضية. أضف إلى ذلك الوقت الذي سيقضونه في مدار ميلر حيث سيكون هناك تمددٌ زمني بتأثير الجاذبية أيضًا.
اقترح حينها «كوبر» أنه بدلًا من أن تدور السفينة الأمُّ إندورانس Endurance في مدار كوكب ميلر، فإنها ستأخذ مدارًا أوسع حول جارجنتو نفسِه بعيدًا عن منطقة التمدد الزمني، وبالتالي يقلُّ الوقت المستَهلَك نوعًا ما، لينزل بعضهم على سطح الكوكب. محاولين أخذ د. ميلر من الكوكب بأسرعِ ما يمكن.

أينشتاين والجاذبية

لحوالي ثلاثمائة عام، كانت نظرية نيوتن عن الجاذبية تُعَد أدقَّ وأفضل طريق يُمكِننا به وصفُ حركة الأجسام، بتصوره عن الجاذبية كونها قوَّةً بين أي جسمَين ماديَّين، سواءٌ كان الجسمان كبيرَين أو صغيرين، أرضيَّين أو فضائيين (وليس كما اعتُقِد قديمًا بأن القوانينَ التي تحكم الأجسام الفضائية تختلف عن القوانينِ التي تحكم الأجسام الأرضية.) ثم جاء أينشتاين ليُثبِت أنَّ تصوُّر نيوتن جزء من نظرية أعمَّ.

كانت نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين A. Einstein (١٨٧٩–١٩٥٥م) يمكن تطبيقها في عالم بدون جاذبية، فلا يوجد دور للجاذبية في تلك النظرية؛ لذا نستطيع القول إن نظرية النسبية الخاصة ونظرية نيوتن للجاذبية هما حالتان خاصتان عن نظريةٍ أشملَ لا بد من اكتشافها يومًا ما (فالنسبية الخاصة تصلح للحالات التي لا توجد بها جاذبية، ونظرية نيوتن تصلح للسرعات الصغيرة بالنسبة لسرعة الضوء).٢

بدأ أينشتاين العمل على نظريته الجديدة منذ عام ١٩٠٧م عندما كان عاملًا في مكتب براءات الاختراع، حتى وصل للنظرية الجديدة في عام ١٩١٥م.

افترضَ أينشتاين في نظريته أن المكان والزمان متَّحدان في نسيجٍ كوني أطلق عليه الزمكان Space-time هذا النسيج الكوني قابلٌ للانحناء بواسطة الأجسام الثقيلة؛ فالشمس مثلًا تحني الزمكان حولها، وهذا الانحناء تقع فيه الكواكب التي تدور حولها، وهذا هو سبب الجاذبية برأيه. فهي ليست كما قال نيوتن قوة بين جسمَين، بل هي مجال تكونه الأجسام ذات الكتل الكبيرة Massive objects حولها، وتقع فيه الأجسام الأصغر، حتى الضوء نفسه ينحني عندما يمر شعاعه بتلك المناطق المنحنية. وبكلمات أخرى، الجاذبية هي ما يُحدد شكل الفضاء؛ فهي تُؤثر على الفضاء نفسه، ولا تكون قوةً بطريقة مباشرة بين الجسمَين كما قال نيوتن قبل ذلك.
قال أينشتاين نفسُه بعد ذلك إن اكتشافه لتلك النظرية يُعَد «أعظم اكتشاف في حياته»، وقال العالم الإنجليزي بول ديراك Paul Dirac (١٩٠٢–١٩٨٤م) عن ذات النظرية إنَّها «ربما تُعَد أعظمَ اكتشاف على الإطلاق.»٣ حتى إن الفيزيائي الروسي الكبير ليف لاندوا Lev Landau (١٩٠٨–١٩٦٨م) أسماها «أجمل نظرية» The most beautiful of theories.٤

إدنجتون وشهرزاد

في قصة «صباح الليلة الأولى بعد الألف»، يقول مؤلفها الفرنسي أندريه ميكيل على لسان شهرزاد: «كل ما يفهمه العقل الأصيل يجب أن يكون شائعًا؛ فالمعرفة تُنكر وجودها إن لم تُتقاسَم.»٥

والمعرفة التي لا بد أن يتقاسمها البشر جميعُهم هي ما دفعت بعالم إنجليزي أن يُحاول إثبات صحة كلام آخر ألماني — وهو أينشتاين — بعد حرب عالمية طاحنة تخاصَم فيها إنجلترا وألمانيا، وقتَّلوا مئات الآلاف من بعضهم البعض، في قصة يُضرَب بها المثل في تخطي العلم الحدودَ الوهمية بين البلاد.

في عام ١٩١٩م، وبعد أن تحدى العالم البريطاني الشاب حينها آرثر إدنجتون Arthur Eddington (١٨٨٢–١٩٤٤م) الجمعية الملكية البريطانية، أثبت صحة جزء مهم من نظرية النسبية العامة، وهو الخاص بانحناء الضوء حول الأجسام الكبيرة.

فالجاذبية تجذب أشعَّة الضوء، فتجعلها تنحني إذا مرت بجوارها، هذا بالطبع إن لم تكن كبيرة كفاية لتجذب الأشعة إليها، فلا تستطيع الخروج، كما شرحنا سابقًا.

figure
صورة تُوضح الاختلاف بين مواقع النجوم في السماء بسبب جاذبية الشمس التي تحني الضوء كما تنبَّأ أينشتاين.
قبل أينشتاين كان العلماء بالفعل يعتقدون بوجود انحناء في مسار الأشعة بسبب الجاذبية، لكن تنبَّأت نظرية أينشتاين بقيمٍ أخرى للزوايا التي تصنعها الأشعة المنحنية مع المسار الأصلي لشعاع الضوء (تقريبًا ضِعف قيمة الزاوية التي توقعتها ميكانيكا نيوتن، أي إن الانحراف الناتج نصفه بسبب قوى الجذب النيوتونية، والنصف الآخر بسبب انحناء الفضاء الذي توقعه أينشتاين). وهنا كان دور إدنجتون، حيث سافر (من ضمن عدة رحلات) إلى جنوب أفريقيا عام ١٩١٩م، حيث كان هناك كسوف للشمس ليُحدد مواقع النجوم التي ستظهر له، ويُقارنها بالمواقع الأصلية لتلك النجوم، ويرى ما مدى الاختلاف بين الموقعَين الذي سببته جاذبية الشمس. واختار إدنجتون وقت الكسوف حتى لا يكون لضوء الشمس أيُّ تأثير على قياساته. وبالفعل، قام بتجربته يوم ٢٩ مايو من نفس العام، وكانت الانحرافات التي قاسها متطابقة مع ما قاله أينشتاين بنسبةِ خطأ ضئيلة جدًّا.٦

الثقوب السوداء تُطِل برأسها

مصطلح «الثقب الأسود» هو مصطلح حديث نوعًا ما؛ فقد أطلقه العالم الأمريكي «جون ويلر» Jhon Wheeler (١٩١١–٢٠٠٨م) في عام ١٩٦٩م، كتسمية لفكرة سبقته بحوالي قرنَين.٧
أول مَن توقع وجود الثقوب السوداء هو العالم الجيولوجي الإنجليزي جون ميشيل John Michell (١٧٢٤–١٧٩٣م)، تحديدًا في عام ١٧٨٥م، وقدَّم — حينها — توقعاته للجمعية الملَكية في لندن. وكانت فكرته تعتمد على «سرعة الهروب من الجاذبية» Escape Velocity.
بالنسبة للأرض؛ فإنه يلزم لأي شيء (صاروخ مثلًا) لكي يتحرَّر من جاذبيتها أن يتحرك بسرعة ١١ كيلومترًا في الثانية الواحدة تقريبًا. بينما على القمر يكفي ما يزيد قليلًا عن كيلومترَين لكل ثانية. أما الشمس فيلزمك ٦٢٠ كيلومترًا في الثانية لكي تهرب من سعيرها!٨
تساءل ميشيل؛ ما هي كتلة الجسم الذي لن يستطيع الضوءُ نفسُه أن يهرب منها. فالضوء عنده (كما قال نيوتن قبله) كان عبارة عن جسيمات، وبالتالي يتأثَّر بالجاذبية. ووجد في النهاية أن نَجمًا بحجم الشمس ٥٠٠ مرة ولكن بنفس كثافة الشمس، لن يستطيع الضوء أن يهرب منه. وبالتالي لن يخرج أي ضوء منه؛ لأنه سيجذب شعاع الضوء للداخل، وبالتبعية سيبدو هذا النجم أسود!٩

في الحقيقة، الثقوب السوداء بهذا الشكل لا تعدو أكثرَ من كونها نجومًا كبيرة فقط، وهو ما يُخالف المعروف الآن؛ إذ إنَّ لتلك الكيانات خصائصَ أخرى غريبة سنعرفها بعد لحظات.

في عام ١٩١٦م، واعتمادًا على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، أوضح العالم الألماني «كارل شوارتزشيلد» Karl Schwarzschild (١٨٧٣–١٩١٦م) أنه لو تركزت كتلة نجم كبير في مكان صغير جدًّا، فإن ذلك النجم سيصنع مجالًا جذبويًّا، ويكون حوله في نسيج الزمكان منطقة تُسمى «أفق الحدث» Event horizon، لا يستطيع أن يعبرها أي شيء للخارج، حتى الضوء!١٠
عندما ينفذ الوَقود النووي من النَّجم فإنه ينهار على نفسه بفعل الجاذبية، ويتضاءل حجمه شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى درجة الثقب الأسود التي أوضحها شوارتزشيلد.١١
لم يستسِغِ الفيزيائيون فكرة وجود الثقوب السوداء ساعتها بشكل كامل؛ إذ كانت تُعَد «تكوينات متطرفة من المادة» الموجودة في الكون بالنسبة لهم. حتى أينشتاين نفسه كتب ورقة علمية في عام ١٩٣٩م، حاول فيها إثبات عدم إمكان تكوُّن الثقوب السوداء من الأساس. ووافقه على ذلك العالم الإنجليزي آرثر إدنجتون الذي أثبت نظرية النسبية العامة كما بينَّا. لكن اليوم نحن نعرف — عن طريق التلسكوبات — أنَّ هناك ملايينَ من تلك الثقوب في الفضاء.١٢ وفي عام ١٩٧٤م أثبت الفيزيائي الإنجليزي الشهير ستيفن هوكنج Stephen Hawking (١٩٤٢م–…) أن الثقوب السوداء ليست «سوداء» بالكامل، بل يصدر منها إشعاعات سُميت إشعاعات هوكنج. وقبلها كان ذات العالِم هو وعالم إنجليزي آخر اسمه روجر بنروز Roger Penrose (١٩٣١م–…) أثبتا رياضيًّا وجود نقطة التفردية Singularity داخل الثقب الأسود.١٣

عودة إلى إنترستيللر

علمنا أن الكتل الكبيرة تحني الزمكان حولها؛ ما يُسبب الجاذبية، وهذا يعني أيضًا أن الوقت في تلك الانحناءات يتباطأ مروره بالنسبة لمناطق لا توجد بها تلك الانحناءات. ويُمكننا القول إن الساعات القريبة من الأرض مثلًا سيمر بها الوقت بطيئًا بالنسبة للساعات الأعلى من سطح الأرض. وهذا بسبب وجود جاذبية أعلى عندما نكون قريبين من سطح الأرض.

بالفعل قام بعض العلماء بتجربة في جامعة هارفارد عام ١٩٥٩م، محاولين قياسَ الفارق في تدفق الوقت بين قاعدة وقمة برج طوله ٢٢ مترًا، فوجدوا فعلًا أن هناك فارقًا بمقدار ١٫٦ جزء من تريليون جزء من الثانية بين القمة والقاعدة. وبعد ذلك حُسِّنت الدقة والأدوات المستخدمة، وأُعيدت التَّجارِب مرة أخرى لتُثبت مرة بعد مرة تأثير الجاذبية على الوقت.١٤

جارجنتو، صديقنا الجديد، تبلغ كتلته مقدار كتلة الشمس ١٠٠ مليون مرة على الأقل بحسب كيب ثورن (العالِم الذي شارك بالجانب العلمي من الفيلم، وهو المنتج المنفذ)، ويبلغ نصف قطره ١٥٠ مليون كيلومترًا (تساوي تقريبًا المسافة من الأرض للشمس). فكان له ذلك التأثير الرهيب على الوقت. فعاد كوبر ليجد ابنته مورف قد شاخت واستبد بها الزمن، بينما هو لا يزال شابًّا لم يصل للأربعين بعد!

لا يجب أن ننسى أن إنترستيللر فيلم (ورواية لاحقًا) خيال علمي، يخضع كغيره لعوامل أخرى غير عِلمية لغرض الإثارة والحبكة الدرامية؛ لذلك لا بد أن نجد بعض «السقطات العلمية»، كإمكانية الحياة داخل الثقب الأسود كما فعل «كوبر»؛ إذ إن الجاذبية داخل الثقب الأسود مريعة! وتتغير بسرعة، ونتيجة لذلك ستكون هناك قوة هائلة على الجسم الذي سيُمَط بشكل رهيب ليُمزَّق، قبل أن يُطحَن جسمك في نهاية الأمر في نقطة التفردية في قلب الثقب الأسود.١٥ وحتى لو نجوت من تلك «المعجنة»، ستبقى مشكلة عدم إمكانية التواصل مع الخارج كذلك.١٦

الجزر الأسطوانية!

١٢٤ عامًا، كان عمر «كوبر» عندما عاد من رحلته الغريبة، في فيلم ورواية «إنترستيللر» Interstellar. عاد ولكن ليس للأرض؛ إذ غادر البشر أرضنا المسكينة منتشرين في ربوع الفضاء الواسع.
نظر كوبر للأعلى، فلم يجد سماءً، بل جزءًا عُلويًّا من أسطوانة ضخمة، عليها بيوت، حقول، أشجار، وحمَّامات سباحة، الكل مقلوب رأسًا على عقب، إنها محطة «كوبر» كما أخبره الطبيب عندما أفاق، وهي تدور في مدار حول زحل.١٧

ربما كان الحظ الأعظم من الأسئلة التي تعلقت بالفضاء من بداية وجود البشرية على سطح الأرض، ربما كان يتعلق بالأسئلة التي دارت حول وجود كيانات شبيهة بنا أو مختلفة عنا، تسكن تلك النقاط المضيئة أو ذلك القرص الفِضي الذي يتلألأ منيرًا قبة السماء السوداء ليلًا.

ومع تطور البشرية وتتابُع الفتوحات العلمية والفضائية الحديثة ذهبت الأسئلة في اتجاه ربما زاحم الاتجاهَ القديم في سيطرته على عقول البشر: هل سنستطيع يومًا ما السكنَ في الفضاء؟ ربما ساد التفاؤل بعد رحلات أبوللو التي انتهت في سبعينيَّات القرن الماضي، والتي وطئ فيها الإنسانُ لأول مرة جِرْمًا فضائيًّا وهو القمر، تلا ذلك أمنيات عريضة حول إمكانية أن نقطن المريخ وإخوانه من كواكب المجموعة الشمسية في مستعمرات بشرية ومجتمعات معقَّدة كالتي توجد على الأرض.

في عام ١٩٧٦م صدر كتاب يُعَد علامة من علامات المستقبليات في القرن العشرين. وتأمل معي تاريخ صدور الكتاب بعد أعوام قليلة من آخر بعثات أبوللو للقمر (كانت آخر بعثة من بعثات أبوللو في عام ١٩٧٢م)؛ لتعرف سبب حماس الجمهور الأمريكي لهذا الكتاب.

الكتاب كان بعنوان The High Frontier: Human Colonies in Space أو «الحد الأعلى: المستعمرات البشرية في الفضاء». ومؤلفه فيزيائي أمريكي طموح اسمه «جيرارد أونيل» Gerard O’Neill (١٩٢٧–١٩٩٢م). والكتاب يُعَد خريطة مستقبلية لما يجب أن تفعله الولايات المتحدة بعد غزو القمر، في طريقها لاستعمار الفضاء.

يبدأ أونيل كتابه بالحديث عن القدرات والإمكانيات التي أصبحت متاحة للبشرية بعد مئات السنين من التقدم، والتي تُؤهلهم لبناء مجتمعات فضائية ضخمة عما قريب، محاولًا بذلك تقريبَ ذهن القارئ للاحتمالات المستقبلية التي يُناقشها في الكتاب. ثم يُتبعها بالمخاطر التي تنتظر كوكبنا، من زيادات كبيرة جدًّا في أعداد السكان، والمعدلات الكبيرة لتلوث الغلاف الجوي، وما قد ينجم عن ذلك من كوارث تُحتِّم علينا البدء من الآن في التفكير لإيجاد مخارج لهذه الأزمات المنتظَرة، ربما بتركِ الكوكب كله.

ربما مَن قرأ رواية — أو شاهد فيلم — إنترستيللر، ربما هاله — وغالبًا لم يُصدق — شكل الأسطوانة التي يعيش عليها البشر المستقبليون، بأبنيتها المقلوبة! والحقيقة أن موضوع الأسطوانات البشرية هذا مطروح بجدية في أكثرَ من بحث علمي، منهم كتاب أونيل محل الحديث، من ضمن ما ذكر من طرقٍ لاستعمار الفضاء (حيث عددٌ من المنشآت التي يراها ممكنة في الفضاء).

مواصفات وتحسينات

يقترح أونيل في كتابه عدة نماذج لتلك الأسطوانات، منها أسطوانة يبلغ طولها حوالي ٢٠ ميلًا (٣٢ كيلومترًا)، وقطرها أربعة أميال (٦٫٤ كيلومترًا) ومساحة سطحها ٤٠٠ ميل مربع (حوالي ١٠٠٠ كيلومتر مربع)، وتكفي عدة ملايين من البشر.١٨ والمشترك بين كل النماذج أنها تدور حول محورها لتنتج جاذبية على سطحها الداخلي، تُحاكي الجاذبية الأرضية عن طريق قوة الطرد المركزي الناتجة عن دوران الأسطوانة حول محورها.

وقوة الطرد المركزية هي نفس القوة التي نشعر بها عندما تمر السيارة التي نركبها خلال طريق مُنحَنٍ، فنشعر أن أجسادنا تميل للحركة في عكس اتجاه مركز الدوران. وتُحدد تلك القوة بسرعة السيارة، نصف قطر الانحناء الذي تدور فيه السيارة، وكذلك بكتلة السيارة.

في حالة «أسطوانات أونيل» O’Neill Cylinders١٩ — كما سُمِّيت — سيتم ضبط كل تلك المتغيرات لينتج لنا قوة تُعادل قوة الجاذبية الأرضية؛ حتى لا يشعر سكانها بفارق جذبوي بين البيئة التي يسكنونها وبين البيئة الأرضية. وعلى طول محور الأسطوانة ستكون الجاذبية مساوية للصفر، وهو ما يسمح بممارسة أنشطة من الصعب ممارستها في ظروف الجاذبية العادية كنوع من أنواع الترفيه داخل ذلك المجتمع الجديد.٢٠ كذلك يمكن إقامة صناعات جديدة تستغل عدم وجود الجاذبية. مثلًا صناعات السبائك (وهي عبارة عن خليط من معدنَين أو أكثر)، فيُمكن أن تنتج أنواعُ سبائكَ جديدة خلال امتزاج بعض العناصر والتي لا تمتزج في ظروف الجاذبية العادية.٢١
figure
الصورة لنظام الشمس-الأرض، وتوضيح لنقاط لاجرانج.

بكل تأكيد ستكون هناك أطنان من الأسئلة حول ذلك البناء الضخم الذي سيحوي بشرًا. نحن هنا نتحدث عن بناءٍ لا بد أن يكون مستقرًّا لأقصى درجة ممكنة، مُحاكٍ بطريقة كبيرة جدًّا لبيئة الأرض.

أول شيء سنُفكر فيه غالبًا هو موقع تلك الأسطوانة الضخمة، نحن نريد موقعًا مستقرًّا بقدر الإمكان، وفي هذا استغل أونيل فكرة سبقته بحوالي قرنَين، حيث وضَّح الرياضي الإيطالي الشهير لاجرانج Lagrange (١٧٣٦–١٨١٣م) في عام ١٧٧٢م أنه في أي منظومة تتكون من جسمَين يدوران حول بعضهما، توجد خمس نقاط يمكن أن نضع فيها جسمًا أصغرَ من الجسمَين الأولين، بحيث تكون قُوى الجذب والقُوى الطاردة المركزية متلاشية، ويتم بذلك الحفاظ على موقع الجسم الثالث ثابتًا بالنسبة إلى المنظومة التي تتكون من الجسمين الأولَين.٢٢
بعض هذه النقاط يستغلها البشر فعلًا لوضع الأقمار الصناعية؛ مثلًا النقطة L1 وضع البشر فيها مرصدَ SOHO Solar & Heliospheric Observatory (مرصد الشمس وغلافها) وأُطلق عام ١٩٩٥م، وهو مخصَّص أصلًا لدراسة الشمس وغلافها.
لكن للأسف النقاط L1, L2, L3 نقاط غير مستقرة (Unstable) يكفي قدر ضئيل من الانحراف للجسم الواقع عندها لجعل المنظومة تنهار، وعلى الرغم من أن البشر وضعوا فيها أقمارًا صناعية، إلا أن ذلك لا يمنع تدخل البشر من وقت لآخر لمنع الانهيار.
أما النقاط L4, L5 فهي نقاط مستقرة (Stable)، ويقترح أونيل أن تكون الأسطوانة حول أيٍّ من هاتين النقطتَين، ولكن في منظومة الأرض-القمر. وتنقل المواد التي ستستخدم في بناء الأسطوانة من أجرام أخرى كالقمر أو من النيازك؛ إذ إن نقلها من الأرض سيكون أصعبَ بكثير. ووضع أونيل تكلفة مبدئية لذلك البناء المهول، فوجده سيتكلف حوالي ثلاثين مليار دولار (بأسعار السبعينيَّات طبعًا).٢٣

ماذا عن ضوء الشمس؟ فهو ضروري جدًّا للحياة، سواءٌ للبشر أو للنباتات. فكيف يمكن الحصولُ عليه بنفس الانتظام الذي نحصل به عليه هنا على الأرض؟

يقترح أونيل أن تكون الأسطوانة عبارة عن ستِّ مناطق: ثلاث مناطق مأهولة، وثلاث مناطق زجاجية بطول الأسطوانة (المنطقة ستكون بطول عشرين ميلًا، وبعرض ميلين، وبجبالٍ طولها يصل إلى عشَرة آلاف قدم)، وهناك مرايا عملاقة مثبَّتة عن طريق كابلات خارج الأسطوانة الكبيرة، تقوم بعكس أشعة الشمس داخل الأسطوانة من خلال المناطق الزجاجية، ويُتحكَّم بتلك المرايا بحيث نستطيع بها أن نُحاكيَ دورة الليل والنهار في الأسطوانة، بحيث تكون منطبقة كليًّا على جدار الأسطوانة الزجاجي في حالة الليل.٢٤

أما عن الطاقة فتُجمَع هي الأخرى من الشمس عن طريق ألواح شمسية على أحد أطراف الأسطوانة مدة ٢٤ ساعة في اليوم، ولتحقيق هذا الغرض، لا بد أن يكون محور الأسطوانة موجَّهًا دائمًا نحو الشمس.

ولمزيد من التوازن، يرى أونيل أن تُستخدَم أسطوانتان متوازيتان يدور كلٌّ منهما في عكس اتجاه الآخر، وهذا سيُوفر علينا استخدام صواريخ لموازنة الأسطوانة الواحدة، ولهاتين الأسطوانتَين فائدةٌ أخرى؛ وهي أنه باستخدام المرايا العاكسة للضوء يُمكننا جعلُ كل واحدة منهما في فصل مختلف عن الآخر، فيستطيع أحد سكان الأسطوانة الصيفية أخذ عطلة شتوية سريعة في الأسطوانة الأخرى!٢٥

الجدران السميكة للأسطوانات والجو الاصطناعي المماثل لجو الأرض سوف يحميان السكانَ من الإشعاعات الفضائية والنيازك التي قد تُهاجم تلك المستعمرات المستقبلية.

ولو أمكنَنا وضعُ أسطوانات صغيرة حول الأسطوانات الكبيرة، بحيث تكون هذه الأسطوانات الصغيرة مخصصةً للزراعة، سنحصل على ميزة كبيرة جدًّا؛ فبتعريض تلك الأسطوانات لكميات مختلفة من الضوء والحرارة القادمة من الشمس عن طريق المرايا، نستطيع بذلك استنبات محاصيلَ من مواسم مختلفة في نفس الوقت.

بعض الصعوبات

تُعَد مشكلة الأمان من أكثر المشاكل التي تواجه وجود تلك المنشآت فعليًّا. نحن نعتمد كليًّا على الدوران المنتظم للأسطوانة لكي نحصل على جاذبية مماثلة لجاذبية الأرض، وأي اختلال بسيط في دوران الأسطوانات سينجم عنه حوادثُ كارثية.

المشكلة الأخرى والتي لا يبدو لها حلٌّ قريب هي مشكلة المواد المستخدَمة في البناء. اقترح أونيل موادَّ من القمر تُقذَف من هناك بقاذفات كهرومغناطيسية (وهو جهاز اقترحه آرثر كلارك كما سنُبين في فصل «ساحر الفضاء»)، ثم استبدلت تلك الفكرة بتعدين النيازك واستقدام المواد منها، وفي كلٍّ من الحالتين يبقى الموضوع صعبًا جدًّا؛ ليُؤجَّل بذلك هذا المشروع الضخم ما لم نحلَّ هذه المشكلات بطرق أخرى.٢٦

ومع صعوبة تحقيق حلم أسطوانات أونيل بالشكل الذي اقترحه، ربما تأتي تصميمات وخطط مستقبلية تأخذ من فكرة أونيل منطلقًا لأفكار أكثر قابلية للتحقيق، أو إيجاد طرق غير تقليدية للمشكلات التي واجهت وجود تلك الجزُر الفضائية. وكل ما أنا متأكد منه أن العلم — كما هو دأبه — سيُقدم جديدًا. جديدًا ربما يسكن بسببه أحفادُنا تلك الأسطوانات العملاقة، يلعبون هناك في جاذبية صفرية قرب محور الأسطوانة، ويتمتعون بطقس متحكَّم فيه كليًّا.

ربما كانت راما، هي أشهرَ نماذجَ لتلك الأسطوانات في الخيال العلمي، وذلك في رواية «موعد مع راما» Randezvouz with Rama لساحر الفضاء، البريطاني الرائع «آرثر كلارك»، ذلك العالم الضخم الذي يكتشفه البشر في المجموعة الشمسية، ويذهبون إليه محاولين — بفضول — استكشافه.
روعة الرواية تكمن في كمية التفاصيل العلمية، والتفاعلات البيئية من رياح وعواصف وبروق ورعود بداخلها.٢٧ حتى إن «كريستوفر نولان» Christopher Nolan نفسه — مخرج فيلم إنترستيللر — قال إن راما كان لها تأثير بالغٌ على تصميمه لمحطة «كوبر» الأسطوانية، بشمسها الاصطناعية وأبنيتها المقلوبة!٢٨

وختامًا، ربما كان إنترستيللر الفيلم (والرواية) به كثير من التفاصيل العلمية، لكن لا بد لكل مَن شاهده أن يتساءل: هل ستكون نجاة البشرية في المستقبل البعيد في خروجها من الأرض؟ هل سنهجر وطننا الأزرق، لنتجهَ لكوكب آخر نُكمل عليه مسيرة الحضارة البشرية؟ مجرد التفكير أنه في يوم ما سينظر أحفاد أحفادنا للسماء، محاولين تبيُّنَ شكل كوكب الأرض الذي لا يعرفون عنه شيئًا، مجرد التفكير بذلك يُصيبني بالدُّوار!

١  جارجنتو في فيلم إنترستيللر، هو ثقب أسود فائق الكتلة يدور حوله كوكبا «ميلر» و«مان»، ونجم نيوتروني غير معروف. بالنسبة للاسم، يُعتقَد أنه أُخِذ من رواية نُشِرت في القرن السادس عشر اسمها «حياة جارجنتو وبنتاجرويل» وتتحدث عن عملاقَين هما جارجنتو وابنه بنتاجرويل، ومؤلف الرواية هو «فرانكويس رابيلايس» Francois Rabelais.
Interstellar wiki, Gargantau, http://interstellarfilm.wikia.com/wiki/gargantau.
٢  Amir D. Aczel, God’s Equation, Dell Publishing, New York, 1999, p27, 28.
٣  Lillian E. Forman, Einstein Physicist & Genius, 2009, ABDO Publishing, p60.
٤  Carlo Rovelli, Seven brief lessons on physics, Penguin, Chapter 1.
٥  أندريه ميكيل، صباح الليلة الأولى بعد الألف، ترجمة أحمد عثمان، كتاب العربي ٩٦، ص٨١.
٦  ألبرت أينشتاين، نظرية النسبية الخاصة والعامة، ترجمة رمسيس شحاتة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٠.
٧  Stephen Hawking, The theory of everything … the origin and fate of the universe, New Mellinium Press, US 2003, p45.
٨  مِن هذه المعادلة يُمكنك حسابُ سرعة الهروب من الجاذبية من أي نجم أو كوكب؛ حيث G هي ثابت الجذب العام، M هي كتلة النجم أو الكوكب، وr هي المسافة من مركز جاذبية النَّجم إلى الجسم.
٩  Jim Alkhalili, Black Holes, worm holes and time machine, Institute of Physics Publishing-Bristol and Philadelphia, pg83, 84, 85.
١٠  ستيفن هوكنج، الكون في قشرة جوز، ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي، سلسلة عالم المعرفة، العدد ٢٩١، مارس ٢٠٠٣، ص١٠٥.
١١  يمكنك معرفة الخطوات التفصيلية لتحوُّل النجم إلى ثقب أسود بالرجوع إلى الكتاب التالي، صفحات ٨٥ و٨٦.
Jim Alkhalili, Black Holes, worm holes and time machine.
١٢  Michio Kaku, Physics of the Impossible, 2008, Doubleday publishing, New York, p. xiii.
١٣  نقطة التفردية هي نقطة لا نهائية الكثافة توجد داخل الثقب الأسود، وعندها تنهار كل القوانين الطبيعية التي نعرفها. مصدر:
Stephen Hawking, The theory of everything … the origin and fate of the universe, New Mellinium Press, US 2003, p56.
١٤  Kip Thorne, The Science of interstellar, W. W Norton & Company, p47.
١٥  Jim Alkhalili, Black Holes, worm holes and time machine, Institute of Physics Publishing-Bristol and Philadelphia, pg90.
١٦  Jhonathan O’Callaghan, Five things interstellar got wrong, and the points it got right, dailymail.com/sciencetech/article-2828836, 10-11-2014.
١٧  Greg Keyes, Interstellar novel, Titan books, London, p143.
١٨  Gerard K. O’Neill, The High Frontier: Human Colonies in Space, p122.
١٩  يُسميها أونيل في كتابه أيضًا باسم جزر ٣ Island 3؛ إذ إنه اقترح منشأَين آخرَين في الكتاب أخذ الرقمَين ١ و٢.
٢٠  نيكولا برانتزوس، أسفار في المستقبل، أكاديميكا إنترناشونال: ٢٠٠٩، ص٦٢.
٢١  High socities … Space settlements of tomorrow, The Unisco courier magazine, November 1984, p20.
٢٢  Neil J. Cornish, The Lagrange Points, Nasa, http://map.gsfc.nasa.gov/mission/observatory_l2.html, July 2012.
٢٣  نيكولا برانتزوس، أسفار في المستقبل … ص٦٣.
٢٤  Gerard K. O’Neill, The High Frontier …, p124.
٢٥  Gerard K. O’Neill, The High Frontier …, p123.
٢٦  Liam Ginty, Living In Space 5: The Structures Amidst the Stars, Space Safety Magazine, www.spacesafetymagazine.com/space-exploration/space-colonization/living-space-5-structures-amidst-stars/ June 18, 2014.
٢٧  آرثر كلارك، موعد مع راما، ترجمة إيمان فتحي سرور، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.
٢٨  CONRAD QUILTY-HARPER, A GUIDE TO THE SCIENCE BEHIND INTERSTELLAR, GQ Magazine, www.gq-magazine.co.uk/article/interstellar-science-guide-relativity-time-dilation-black-hole-gargantua, Monday 3 November 2014.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١