مطاردة في الظلام

أحاط الرجال ﺑ «ناعسة» وقد امتلأت نفوسهم بالدهشة والغضب، وكان أكثرهم غضبًا «موسى» الذي انفجر في الرجال صائحًا في وحشية: أين ذهبت الفتاة الأخرى؟ إنكم تتآمرون ضدي … أين الفتاة الأخرى؟ أين؟ أين؟

لم يستطِع أحد من الرجال الإجابة، وأخذوا يتبادلون النظرات وكأنهم بدلًا من أن يروا «ناعسة» رأوا الشيطان نفسه!

تقدَّم خال «ناعسة» منها قائلًا في تهديد: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ أين الفتاة الأخرى؟

لم تردَّ «ناعسة»، بل وقفت تنظر إليهم في ثبات، وكأن الأمر لا يعنيها.

تقدَّم خال «ناعسة» منها ثم أمسك كتفها وأخذ يهزها بشدة صائحًا: انطقي وإلَّا كسرت عظامك … أين الفتاة الأخرى؟ كيف دخلت إلى هنا؟

ظلت «ناعسة» صامتة، تنظر إلى الأمام في ثبات، بينما الرجال حولها يتصايحون، وقد فقد «موسى» أعصابه.

قال «تختخ» للأصدقاء هامسًا: ستتعرَّض «ناعسة» لعذاب شديد، ويجب أن نجد طريقةً لإنقاذها!

وكان «محب» يُمسك بالحبل الذي كان «زنجر» مربوطًا به، فأوحى له بفكرة سرعان ما قرَّر تنفيذها، فصعد بخفة النمر على إحدى البوصات القوية التي كانت تحيط بالرجال والنار، وبسرعة ربط طرف الحبل في قمتها، ثم نزل مسرعًا وقال للأصدقاء في صوت منخفض: تعالَوا نجذب الحبل بشدة، سوف تنثني البوصة كالقوس، ثم نتركها مرةً واحدة، فتهبط على الرجال والنار كالصاعقة … وسوف تجد «ناعسة» فرصةً للهرب.

أخذ الأصدقاء يجذبون الحبل بشدة، وأخذت البوصة القوية تنثني شيئًا فشيئًا حتى كادت تُلامس الأرض …

وفجأةً ترك الأصدقاء الحبل، فهوت البوصة كالصاعقة على الرجال والنار … فأصابت رجلين إصابةً مباشرةً فوقعا، ثم سقطت على النار فنثرتها في كل اتجاه … وكانت فرصةً مواتيةً فقد أطلقت «ناعسة» ساقيها جارية، وأطلق «تختخ» صفارةً نبهتها إلى مكانهم، وانطلق الجميع يجرون بأقصى سرعة … ولكن «زنجر» لم يجرِ معهم … لقد أحسَّ أن ثمة ثأرًا بينه وبين «موسى»؛ فانطلق في الظلام كالوحش وانقض على «موسى» يعضه ويمزق يدَيه ووجهه بأظافره … كان «زنجر» أسود اللون فلم يكن أحد يرى منه سوى أسنانه البيضاء، فأطلق «موسى» صرخة رعب وأخذ يجري، ودبَّت الفوضى في المكان كله … فلم يعرف أحد ماذا حدث … في حين انطلق الأصدقاء يجرون بأقصى سرعة … وبعد لحظات كان «زنجر» يلحق بهم في الظلام بعد أن أتم انتقامه من الذين سجنوه!

قال «تختخ» وهم يجرون بأسرع ما يستطيعون: لن نعود إلى قاربنا … إن في إمكانهم مطاردتنا بواسطة اللنش وسوف يلحقون بنا … ومن الأفضل أن نستولي نحن على اللنش.

ناعسة: ولكن من الذي يقوده؟

تختخ: إنني أستطيع … فقد تمرَّنت على إدارته وقيادته عندما كنا في «أبو قير» في مغامرة سابقة.

أسرع الأصدقاء في الطريق إلى مكان اللنش، وكانوا قد حدَّدوا المكان عندما سمعوا صوت الموتور عند حضور «موسى» وقد كان الطريق قصيرًا، فلم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى كانوا أمام ميناء صغير يرقد فيه اللنش، ولكن مفاجأةً قاسيةً كانت في انتظارهم … فقد كان هناك حارس على اللنش يحمل بندقية!

توقَّف الأصدقاء عند طرف الغابة وقد أصابهم اليأس، خاصةً وقد سمعوا من بعيد أصوات رجال العصابة الذين بدءوا مطاردتهم.

قالت «نوسة» في صوت لاهث: من الأفضل أن نجري إلى القارب.

محب: إن المسافة بعيدة إلى القارب، وهم أسرع منا في الجري، وسوف يتمكَّنون من الوصول إلينا، وحتى إذا لم يصلوا لنا على البر، فسوف يتمكَّنون من اللحاق بنا في البحيرة؛ فاللنش البخاري أسرع من القارب الشراعي، خاصةً في هذا الريح الساكن.

قال «تختخ»: لا حل إلَّا بالاستيلاء على اللنش … وسآخذ معي «محب» ونستولي عليه.

عاطف: كيف؟! إن الرجل مسلح!

تختخ: سآخذ «زنجر» أيضًا.

وانسلَّ الثلاثة في الظلام، وقد وضع «تختخ» يده على رأس «زنجر» حتى لا ينبح، وأخذ يُحدِّثه قائلًا: والآن أيها الصديق الشجاع أمامك فرصة العمر لتنقذنا جميعًا …

كان الكلب الذكي يسمع وكأنه يُدرك مهمَّته … وأخذ الثلاثة يقتربون زحفًا على الأرض من أحد جانبَي اللنش.

وقال «تختخ» هامسًا: سأنزل أنا إلى الماء، وأُحدث صوتًا فيه، وسوف يلتفت الرجل إلى ناحية الصوت، فعليك أنت و«زنجر» القفز إلى اللنش والاشتباك مع الرجل، وسأحضر بسرعة للَّحاق بكم … ولكن حذار أن تكون في مرمى البندقية. اترك «زنجر» يهجم أولًا.

انسلَّ «تختخ» في الظلام إلى الماء، وأخذ يعوم في هدوء في حين كان «محب» و«زنجر» يتسلَّلان في صمت إلى قرب اللنش.

كان الحارس يحمل بندقيةً على كتفه، ويدور فوق القارب ذهابًا وإيابًا … فانتظر «تختخ» حتى أصبح ناحيته ثم ضرب الماء بذراعه ضربةً قوية … التفت الرجل إلى مصدر الصوت صائحًا: من هناك؟!

اقترب «تختخ» من جانب اللنش حتى أصبح يستطيع ملامسته، ثم ضرب الماء مرةً أخرى … انحنى الحارس على جانب اللنش وهو يُسدِّد بندقيته إلى مصدر الصوت صائحًا مرةً أخرى: من هناك؟!

في هذه اللحظة كان «محب» و«زنجر» قد أصبحا فوق اللنش، وقبل أن يتمكَّن الحارس من تسديد بندقيته إليهما، كان «زنجر» قد قفز قفزةً واحدةً فوقه وألقى بثقله عليه نابحًا في وحشية؛ فسقطت البندقية من يده في الماء، بينما الكلب القوي يُنشب أنيابه في ذراعه وصدره.

أسرع «تختخ» يصعد فوق اللنش ويُطلق صفارةً قوية، تحرَّك على أثرها «عاطف» و«نوسة» و«ناعسة» من الغابة جريًا إلى اللنش، وانقض الجميع على الرجل الذي أصابه الرعب، عدا «تختخ» الذي أسرع إلى ماكينة اللنش محاولًا إدارتها.

في تلك الأثناء كان رجال العصابة قد وصلوا إلى طرف الغابة وسمعوا أصوات الصراع الدائر على اللنش، فأطلقوا سيلًا من الرصاص شقَّ الظلام كأنه خيوط من النار، وكان «تختخ» يُحاول إدارة الماكينة … ورجال العصابة يتقدَّمون واللحظات تمضي، والأصدقاء يقفون على جانب اللنش وقد أصابهم الخوف … كانوا قد استطاعوا شد وثاق الحارس وأخذوا ينظرون في الظلام إلى الأشباح التي تجري في اتجاههم.

قربت المسافة بين رجال العصابة وبين اللنش، وبدأ الرصاص يُصيب جسم اللنش فصاح «محب»: انبطحوا جميعًا!

وبسرعة أطاع الأصدقاء الأمر، وانبطحوا خلف كابينة اللنش، وعندما لم يبقَ سوى أمتار بين رجال العصابة واللنش … دارت الماكينة … وضغط «تختخ» على البنزين بكل قوة فانطلق اللنش كالسهم مبتعدًا … بينما أصوات اللعنات والطلقات تتعالى من رجال العصابة الذين لم يتردَّدوا في إلقاء أنفسهم في المياه خلف اللنش في محاولة أخيرة للَّحاق به …

ولكن «تختخ» كان قد سيطر على اللنش تمامًا واستطاع أن يمرق به مبتعدًا … وأحسَّ الأصدقاء أنهم انتصروا فارتفعت منهم صيحات الفرح مختلطةً بنباح «زنجر» الذي أحسَّ أنه شارك في هذا الانتصار!

ظلت طلقات الرصاص تُدوي في ظلام الليل الساكن في اتجاه اللنش، ولكن شيئًا فشيئًا كان اللنش يخرج من مدى الطلقات … وأدرك رجال العصابة أنهم قد خسروا المعركة.

انطلق اللنش في الظلام دون أن يُحدِّد «تختخ» الاتجاه الذي سيسير فيه، وكان همه أن يبتعد عن الجزيرة وعن الغابة الملعونة التي شهد فيها الأصدقاء ساعات من أحرج لحظات حياتهم.

وعلى شاطئ الجزيرة كان الرجال يقفون في ذهول وبينهم «موسى» الذي مزَّق «زنجر» ملابسه وجلده فكان يصيح كالمجنون: كيف ينتصر علينا هؤلاء الأولاد؟! سنذهب جميعًا إلى السجن … يجب أن نفعل شيئًا!

قال أحد الرجال: إنني متأكِّد من أن بعض الرصاصات أصابت اللنش وفتحت ثقوبًا فيه، وسوف يغرق بهم … وعلينا أن نبحث عن القارب الذي وصلوا فيه إلى الجزيرة؛ فقد نستطيع الوصول إليهم. إن الفجر قد بدأ يظهر وسوف نراهم!

لم يكد الرجال يسمعون هذا حتى أسرعوا يجرون على الشاطئ كالمجانين للبحث عن القارب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢