أولى معاركي الأدبية

كان جدي لوالدي — رحمهما الله — من علماء زمانه. وكان يخشى أن يرفع العلم من بيته حين يخفض أو يرفع هو من هذه الدنيا، ولما رأى فيَّ قبسًا من ذكاء توهم أنه سيصير نارًا آكلة، فجعل وكده فيَّ بعد خيبته في بنيه. وأخذ يناقشني في أمور فوق عقلي فكنت أجاريه في شوطه فيتفاءل ويتشاءم مع رياح الأجوبة والأسئلة التي تهب عليه من ناحيتي. فالكلام بيننا أخذ ورد، وكما يكون الحوار بين رجل خنق التسعين وابن أربعة عشر.

كدت أصير ظلًّا لشيخي الزهيري الذي لم يسأم الحياة، فهو يجري معها في المضمار وإن قطع الجري أنفاسه، وأسطع صورة له وأوضحها في ذهني هي لحيته المندلقة على صدره. وكنت إذا أبديت إعجابي بها، وقايست بينها وبين لحى زملائه الآخرين همهم أبي وقال لي: هذا ربعها يا صبي! يا ليتك نظرتها في عزها. حظك قليل، يا سلام، يا سلام عليها.

وقال جدي لوالدي في إحدى ليالي الصيف: أفتكر بمدرسة كبيرة. هذه المديرسات صارت صغيرة على الصبي، ربما طلع منه شيء، من يعلم.

ثم عقدت جلسات عديدة شاركت فيها الوالدة، وأخيرًا أقروا بالإجماع أن يدخلوني أكبر مدرسة في المقاطعة. وكان العهد بالعلم في ذلك الزمان غير العهد به اليوم. ندخل المدرسة في أول تشرين الأول، ثم لا نرى وجه الضيعة قبل منتصف تموز. لا أعياد، ولا مرافع، ولا فرص، ولا ولا. كنا نودع أهلنا جادين غير هازلين، في غيبة لا هوادة فيها.

وإذا عدت صيفًا فلأكون في كنف شيخي أي من مدرسة ثابتة عنيفة، إلى مدرسة متنقلة أعنف. كان — رحمه الله — يذاكرني في كل فن ومطلب. في الإعراب والتصريف، ورواية الشعر والنثر.

وعدت من المدرسة في صيف سنة ١٩٠٠ فرأيت شيخي مهدودًا. ولكن نفسه ما زالت كما كانت ظل يذاكر في كل ما يعلم؛ ويبدي آراء أعجب بها، وأستغرب صدورها من مثله.

ونعيت إلينا في منتصف آب امرأة صاهرنا أحد أبنائها، فقال لي جدي: شكر لي ريس مدرستك جراءتك ووقفتك على المنبر، وأنا أحب أن أسمعك قبل غياب شمسي. هيء مرثاة تقولها غدًا في المحفل، وأحب أن أسمعها لأعطيك رأيي فيها.

وكانت علامة انصرافي من حضرته فتحه كتاب صلواته الخمس — الشحيمة — فدخلت البيت، وأنا أفكر إلى أي كتاب ألتجئ. إلى مجاني الأدب، إلى مجالي الغرر، أم إلى الدرر لأديب إسحق. تلك كانت كتب مطالعتنا في ذلك الزمان، فتأبطتها مع كف ورق وقلم رصاص وقصدت موضع خلوتي وانفرادي. صخرة عالية في القرقفة، تحتها وادٍ عميق استحليتها مقامًا للدينونة، حواليها منطقة تكسوها خضرة السنديان والآس وأشجار برية مختلفة. هناك جلست على مقعدي الذي تعودت أن أقرأ — وأنا عليه — الكتب التي أحبها. قرأت عدة تآبين لأديب إسحق وفيه.

كنت سمعت أن تغاريد الطيور تهيج القريحة فتمنيت لو يجيء الحسُّون ويغرد بالقرب مني، ولكني ما سمعت إلا زقزقة عصافير غير ملهمة، ثم أخذت الحجال تتكلم في الأحراج المناوحة فما نفعتني ولا هاجت قريحتي. فصرت أقول: آه على الحسون، أين الحسون الآن؟ الحسون وحده يوقظ هذه القريحة النائمة. وا خيبتي عندك يا جدي. ها قد مضت ساعة وساعتان ولم أكتب شيئًا. فلأكتب، وكتبت: كذا فليجل الخطب، وقبل أن أتم البيت، قلت: لا. غدًا عيد السيدة، وهذا عيد عظيم في البلاد كلها، وخصوصًا في ضيعة المرحومة، فكنيستهم على اسم السيدة. إذن الأفضل أن أبدأ هكذا:

لبس الرجال جديدهم في عيدهم
ولبست حزن الأمهات جديدا

الآن جرى القلم فلنكتب على خيرة الله، فكتبت: إنني في موقع حرج بين الموت والحياة، تخنقني الزفرات، وتغرقني أمواج البليات، قلبي مصاب بسهام الأحزان، وصرت هدفًا لنوب الزمان.

– غاق، غاق، غاق. هذا غراب ينعق، لعن الله الغربان! وزاد في الطين بلة أنه فرد غراب، وهكذا قطع الغراب مجرى الوحي والإلهام، فطويت ورقتي ودفنتها في عبي. وعدت إلى البيت، فوجدت جدي قاعدًا ينتظر، فحكيت له ما جرى فضحك ضحكة مرة وقال: قريحة تهيجها دقات حجل ويهمدها نقيق غراب ما هي قريحة.

فقلت له: شر الصباح ولا خير المساء. غدًا تسمع ما يعجبك.

فقال: اتكلنا على الله.

فقلت: وربما الليلة.

فقال: إذا فاض النهر، وما طار غراب.

وكانت الوالدة تسمع هذا الحديث وكأنها مرتبكة في حل رموزه، فأشارت بمدراها كصاحبة ابن أبي ربيعة، وقالت: أيش؟ فقلت: ماش، بحياتك يا أمي أجلي زجاجة القنديل. وقصي فتيلته. بالك مشغول بحديثي مع جدي. غدًا تسمعين ما يرضيك. فانكبت على إصلاح هندام المصباح وهي تردد ضاحكة: ما صبح إلا فتح.

•••

وقعدنا على المصطبة قدام الباب وأصغى جدي ليسمع تأبيني لأم أنطون، فما أسمعته قولي: إنني في موقف حرج بين الموت والحياة، تغرقني أمواج البليات، حتى ضحك وقال: لأ، لأ، كثرتها يا ابني. طيب قل، فأتممت: يحق لي ذرف الدموع، وندب هاتيك الربوع، ولعن الدهر الخئون، لأجل ما يبقره مخلب المنون.

والتفتُّ بجدي فرأيته يهز برأسه، فقلت: ما بك، إن كانت لا تعجبك أمزقها.

قال: كمل — عافاك — ولكنك زدت العيار. بعدئذ أعطيك رأيي.

فقلت:

والدهر نقاد على كفه
جواهر يختار منها الجياد

فقال: يختار منها؟ قلت: الجياد.

قال: مليح.

ومضيت في قراءتي: هي الدنيا غرور، وما بها من سرور، ولكن تعزوا بالمقول، واذكروا كلام الرسول، حين يقول: إن الذين يموتون بالرب لا ينبغي أن تحزنوا عليهم كسائر الناس الذين لا رجاء لهم.

فاهتز جدي وبان الرضا في وجهه وقال: عال، عال.

وكانت الوالدة كامنة وراء الزاوية تتنصت، ولما رأت براعتي وضعت أصبعها في أذنها، وأسرعت إلى جارتنا تبشر بفصاحة ابنها، فطار الخبر في الضيعة أن مارون عامل خطبة متينة لأم أنطون.

قال جدي: كمل. فقلت: إن المرحومة كانت شجرة مثمرة بحقول الصلاح، تصطاد السانح والبراح.

قال جدي: ما قالوا البراح، قالوا البارح.

فقلت: والسجعة. فقال: أهي فرض؟ طيب، اعملها هكذا: حط محل بحقول الصلاح بالحقل الصالح فتستقيم لك السجعة.

فأعجبني منه ذلك، ودونت ما قال. ومضيت حتى قلت: كانت المرحومة درة نفيسة وعلطميسًا كليسة.

فاستغرب ما قلت وصاح: آخ، آخ، آخ، ما معنى علطميس؟ لفظة ثقيلة ما شاء الله! أكثر من رطل.

قلت: قال معلمنا: إن معناها العفيفة الحسنة القوام.

فقال: ومن يفهمها من الناس؟ إذا سمعوا كلمة علطميس حسبوا أنك تسبها. اضرب عليها. ثم ما معنى كنيسة؟

قلت: المرأة الحسناء المستورة قال: بعيد الشبه ألف مرة، المرأة كنيسة؟ ثم ما دخل الحسن في التأبين؟ هل أنت تتغزل؟ وهذي احذفها.

فحذفتها وأنا أقول: بقي لفظة صار من الواجب حذفها. قال وما هي؟ قلت: كانت المرحومة عجنجرة.

قال: وماذا قال معلمك التيس عن عجنجرة؟

قلت: قال المكتلة، الخفيفة الروح.

قال: يا ابني أم أنطون مكتلة؟ يا جدي، أعمى أنت؟ أم أنطون جلد على عظم.

قلت: إذن أشطب على هذا، وجررت القلم فوقها. ورحت أقرأ حتى بلغت قولي:

ولو كان النساء كمن فقدنا
لفضلت النساء على الرجال

قال: وهذا كذب، لا تفضل امرأة على الرجال مهما كانت.

فقلت: ومريم العذراء؟

فارتبك جدي وكزَّ على أسنانه، وقال: اقرأ قدامك، كمل. احذف البيت. هذا كثير على واحدة مثل أم أنطون.

فقلت: ولا شك أنها ذهبت من دار الأتراح، لتحل في الضراح.

فصرخ: أيش هو الضراح؟ ما كفاك أنك قتلتنا بالسجع حتى تهلكنا بهذه الألفاظ الوحشية.

فقلت: الضراح هو البيت المعمور في السماء الرابعة. فصرخ: وهذا أيضًا من فضل معلمك؟ ليتني أعرفه لأحش لحيته ولو وقعت في (الحرم) من ذات الفعل. لا يا جدي. اكتب اكتب: ولا شك أنها ذهبت من دار الفناء لتلقى ربها في دار البقاء.

فكتبت ما أملاه وقرأت: إن فقيدتنا الجليلة أم صالحة قديسة، وستحل — ولا شك — بالمكان المعد لها من قديم الأجيال.

فرقصت لحية جدي الدبكة، ودفعني بيديه الثنتين فاستلقيت على ظهري، وصرخ: قم عني يا بغل، أنت بابا حتى تثبت قديسين؟ القداسة! قضينا تسعين سنة بالصلاة والصوم وخوف الله، وقلبنا يدق خوفًا من تلك الساعة. وأنت تثبت أم أنطون قديسة بشطحة قلم! هذا رثاء؟! هذا طق حنك. سجع ومزع. كلام فارغ مثل رأس الذين علموك.

فلملمت قوامي المسفوح، ونهضت متأثرًا من تلك الخيبة المرة ومن هاتيك الساعة طلقت الغريب والسجع، وهجرت الغلو، واعتصمت بالواقع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠