الباب الرابع

العودة إلى مكة

ولما عُدنا إلى مكة طفتُ حول البيت العتيق سبعة أشواط، طواف الحج، مرددًا الأدعية التي أشرتُ إليها من قبل، وكذلك سعيت بين الصفا والمروة سبعة أشواط.

وإذن فقد قمت بجميع مناسك الحج، جعله الله حجًّا مبرورًا.

فهل عرفتم الآن أيها القراء الكرام، كيف تصدق النية على الحج، وكيف عزمت وقلت: «لا بد من الحج.»

بين الأماكن المقدسة

لم تُتِحْ لي الظروف، وقد كنت كما شرحت لك بين الفوج الأخير من الحجيج، ولم يكن بيننا وبين موعد الحج بالصعود إلى عرفات إلا ساعات معدودات؛ لم تُتِحْ لي الظروف أن أزور الأماكن المقدسة في مكة بعد طوافي ببيت الله الحرام، وقيامي بالسعي بين الصفا والمروة، وهذه أولى مناسك الحج ومن أقواها دعامةً وأركانًا.

والآن وقد عُدتُ إلى مكة بعد إتمام فريضة الحج، رأيت — مدفوعًا بشعور روحي غريب — أن أُسرِع، فأُمتِّع العين، وأُغذِّي الروح بمرأى الأماكن المقدسة التي تتصل بذكريات الرسالة، والتي هي معالم دينية عزيزة لدينا نحن المسلمين أجمعين.

وفي مقدمة هذه الأماكن المقدسة المطهرة التي قصدتُ إليها، المكان الذي وُلِد فيه الرسول .

وقفتُ فيه، وقد امتلأ قلبي بالخشوع وفاض بالإيمان، تمثَّلت في فكري وبدت في مُخيَّلتي أُولى الأضواء المحمدية التي شعَّت على الكون حين ولادة المصطفى، ثم استعرضتُ حياته — صلوات الله عليه وتسليماته — وهو طفل يتيم الأبوين، ولكن في رعاية عمه أبي طالب، ثم وهو غلام، وكيف اشتهر بين قريش بالأمانة والصدق، حتى لقد كان يُسمَّى: بالصادق الأمين. وتمثَّلتُه مراهقًا يمقت الأصنام ويكرهها أشدَّ كراهية. وتمثَّلتُه قُبيلَ النبوة حين كان يخلو إلى نفسه في «غار حراء»، بجوف الجبل، يتعبَّد ويُناجي الواحد الخلَّاق.

هنا تاقت نفسي إلى زيارة ذلك الغار المقدس، فقصدتُ إليه، فإذا به على مسير خمس وعشرين دقيقة بالسيارة، وارتقيت الجبل، وإذا بي أستغرق ثلاث ساعات في ارتقائه حتى صعدتُ إلى قُرب قمته، ونالني من الجهد ما يعدل بالكثيرين عن مواصلة الصعود، فيعودوا أدراجهم، وهناك … وجدتُ الغار!

رأيتُ مكان الخلوة الطاهر الذي كان يجلس فيه الرسول الأمين يعبد الله قُبَيل النبوة، فقلت: «أشهد أن لا إله إلا الله حقًّا، وأشهد أن محمدًا رسول الله صدقًا.» عجبت، بل ذُهلت حين فكرت: كيف كان محمد يقطع هذه المسافة الشاسعة، ويرتقي هذا العلو الشاهق من الجبل كل يوم مرتين، ويفعل ذلك شهورًا.

لكني ذكرت قوة محمد الروحية التي تستهين بالصعاب، ولا تحفل المشقات. كيف لا، وقد أسرى ليلًا إلى المسجد الحرام، وعرَّج على السموات السبع في لحظات!

وفي مقدمة الأماكن المقدسة إعزازًا وتكريمًا: منزل السيدة خديجة زوجة الرسول رضي الله عنها، قصدتُ إليه، ووقفتُ في موضعه، فتمثَّلتُ في ذاكرتي، وبدت في مُخيَّلتي صورةٌ جلية للنعمة والجاه واليسار، وحبِّ استثمار المال في التجارة، وهي أشرف المِهَن ولا مِرَاء.

ومن الأماكن المقدسة التي يزورها الحجَّاج: جامع الجن الذي نزلَتْ فيه «سورة الجن»: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ … الآية، وقد قصدتُ إليه وصلَّيتُ فيه ركعتين تحية للمسجد.

ولست أغالي إذا قلتُ إن من الأماكن المقدسة التي ارتحت إلى زيارتها ونعمت روحي بمشهدها: «مسجد بلال»، وهو قائم على جبل أبي قبيس، وبجوار موضع انشقاق القمر، ومتاخم لمكة المكرمة من ناحية الحد اليماني.

وقفتُ أمام هذا الجامع خاشعًا؛ إذ تمثَّلتْ لي هذه الشخصية العظيمة، كما تجلَّت لي عظَمةُ الإسلام في ديمقراطيته، وقد جعل من بلال — وكان عبدَ أمية بن خلف — سيدًا، له من الحقوق ما لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين.

أجل، لقد تمثَّلتْ لي ديمقراطية الإسلام بمعناها الصحيح وروحها الصريح حين ذكرت أن بلالًا كان يجادل ويحاج في حرية تامة، وكان يُؤخَذ بآرائه، وترجح أقواله على أقوال شيوخ قريش، في وقتٍ كانت تعتزُّ فيه القبائل بعصبيتها، وتُفاخِر بأنسابها، وكرَمِ أصلها، وعريقِ مَحْتِدِها! فطُوبى لهذه الديمقراطية الإسلامية الحقَّة!

وبجوار مسجد بلال انشقَّ القمر، فدعوت: «اللهم صلِّ على نبيٍّ هلَّل وكبَّر وانشق له القمر، وبِدِين الله أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، اللهم إني أودعتُ في هذا المكان الشريف الشهادةَ لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة.»

ومن الأماكن المقدسة التي يجدُر بكل حاج زيارتها: «المعلا»، وهي مقابر مكة، وقد أوحتْ إليَّ زيارتها خلودَ العظَمة وبقاءَها، وبدا لي أن أساس الخلود هو العمل الصالح، هو العمل لخير الدين، وخير الوطن، وخير العالم أجمع؛ أيْ لخير الإنسانية.

أجل، نستطيع أن نشهد في مكة والطائف والمدينة قبورَ الكرام الصالحين، والأبطال العِظام الفاتحين الخالدين، والعلماء الأجِلَّاء النافعين، وأن تتمثَّل لك أعمالهم الصالحة، وبطولتهم الفذَّة، وتاريخهم المجيد، وسِيَر حياتهم المليئة بالمفاخر، كما يتمثَّل لك خلودُ عظَمتِهم على مرِّ العصور، وكَرِّ الدهور، وقلَّ أن تجد قبرًا من قبور معارضيهم.

ولائم التعارف

كانت ولائم التعارف التي يُقِيمها كِرامُ العرب من الأعيان وذوي الأدب والفضل من أهل مكة لطوائفِ الحجيج من مصريين وغيرهم من أبناء الأمم الشقيقة الشرقية؛ كانت هذه الولائم تُقام قبل القيام للحج على عرفة، وذلك حين تكتمل وفود حجيج بيت الله الحرام.

أما في هذا العام فقد أقيمت هذه المآدب بعد العودة من منى؛ آخِر مراحل الحج ومناسكه.

وكم تفعل هذه المآدب فِعْلها وأثرها الكريم في نفوس الإخوة المسلمين من كافة الأجناس ومختلف البلدان، فهي تبثُّ روحَ الألفة والتودد، والأُخوَّة المكينة بين أبناء الشعوب الشرقية الإسلامية جمعاء.

حفلات منى

لعلَّ خير الحفلات وأبهاها حفلة منى التي يتفضَّل صاحبُ الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود فيشرفها برعايته وحضوره كلَّ عام، وهي حفلة شبيهة بندوة أدبية عالية، كندوة عكاظ، يتساجل فيها الخطباءُ والشعراءُ الآراءَ والنظراتِ إلى كافة نواحي المجتمع الإسلامي.

وقد كانت حفلة هذا العام برياسة شرف صاحب السمو الأمير فيصل، نائب الملك العام في الأراضي المقدسة، فازدانت بتشريفه ورعايته، ولا غرو، فهذا الشبل من ذاك الأسد.

وقد كان صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود في ذلك الوقت في الرياض، عاصمة ملكه، ولكنه بعث بالأرزاق إلى فقراء الحجاز من جيب جلالته الخاص، فوُزِّعتْ هذه الأرزاق على مستحِقِّيها، فلهجَتْ ألسنة عباد الله الفقراء بالشكر والدعاء لمليكهم المحسِن الكريم بطول العمر والبقاء.

بُناة الكعبة

وقبل أن نودِّع مكة المكرمة، نرى من الحق علينا أن نذكر فذلكةً تاريخية عن البيت العتيق وبنائه، هذا البيت الذي هو أول بيت شُيِّد على الأرض، وعلى أرضٍ جعلها الله كلها طُهرًا وبركة وسلامًا، والذي يحجُّ لزيارته مئاتُ الألوف من المسلمين في كل عام من قديم الأجيال.

لقد اختلفت الأقوال في كتب التفاسير فيمَن كان أول مَن بنى البيت، وقد ذكرنا في موضعٍ سابق أحد الأقوال، وهو أن أول بانٍ له كان الملائكة بأمرٍ من الله جلَّ شأنه، وفي بعض أقوال الرواة والمؤرخين: إن أول مَن بنى البيت كان آدم عليه السلام، فقد أمره الله أن يبني بيتًا، وأن يحُفَّ بالبيت كما تحُفُّ الملائكةُ بالعرش في السماء. وقيل إن آدم بنى البيتَ من خمسة جبال: من صخر حراء، وأحجار طور سيناء، ولبنان، والجودي، وطور زينا، وكان أساسه من حراء.

ولما شرع آدم في البناء نزل جبريل بأمر الله، فشقَّ الأرض بجناحَيْه، وأبرز عرقًا صخريًّا يتصل بأعمق أغوار الأرض، ثم أخذت الملائكة تتوافد بالصخور من الجبال الخمسة. وليس من المعروف ما إذا كان آدم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة، أم أن الملائكة هم الذين تولَّوْا عملية البناء، لكن المفهوم أن آدم والملائكة تعاوَنَا معًا، والتعاون بين الملائكة والبشر جائز وقوعه؛ فقد تعاون الملائكة مع المسلمين في موقعة بدر الكبرى.

•••

وثاني من بنى البيت هو إبراهيم عليه السلام، فقد رفع القواعد مع إسماعيل، حتى إذا انتهى إلى موضع الركن قال إبراهيم: يا بُني، ابحث لي عن حجر أجعله عَلَمًا للناس.

فأتى له إسماعيل بحجر لم يَرُقْه، فقال: ابحثْ عن غيره. فلما أتى إسماعيل بالحجر الآخر وجد أباه قد وضع حجرًا جديدًا، فتعجَّب إسماعيل وقال: «مَن أتى لك بهذا الحجر يا أبتاه؟» فقال إبراهيم: «أتاني به مَن لم يكلني إليك.»

وقيل إن «جبريل» عليه السلام نزل ومعه هذا الحجر، وقال لإبراهيم: «خذ هذا الحجر وضعه ليكون مبدأ الطواف.»

•••

وثالث مَن بنى البيت هم قريش؛ إذ تهدَّم بفعل الزمن، ما بين عهد إبراهيم وعام الفيل.

وكانت قريش كلما حاولت القيام بعملية البناء، وقفتْ حائلًا دونَ طريقِها حيَّةٌ هائلة، كانت إذا نفثَتْ أماتت، وإذا نفخَتْ قتلت، فلم يكن في استطاعةِ أحدٍ الدنو منها. وقد اجتمعت قريش عند «مقام إبراهيم»، وهو المكان الذي كان إبراهيم يقف عليه وهو يبني البيت، وكان يرتفع من نفسه كلما ارتفع البناء، وسألت قريش ربها أن يكفيهم شرَّ هذه الحية حتى يتمكَّنوا من بناء بيته، وقد استجاب الله تعالى دعاءَهم، فما هي إلا فترة يسيرة حتى رأوا نسرًا هائلًا يهبط من السماء، وينقضُّ على الحية في وَكْرها، ثم ينطلق بها إلى «أجياد»، وهناك قتلها.

وأخذت قريش في بناء البيت، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبلغ الحُلُم، وكان يحمل الأحجار إلى البنَّائين، وحدث بينما كان يحمل حجرًا أن انكشفت عورته، فسمع مَن يقول له: خمِّر عورتك.

فلم يُرَ عريانًا من بعدُ طيلةَ حياته الشريفة.

وما إن بلغت قريش في بنائها موضع الركن حتى دبَّ دبيبُ الشقاق فيما بينهم، واختلفوا على مَن ينال شرف رفع الحجر إلى موضعه، ومَن أحق منهم بهذا الشرف، وأخيرًا اتفقوا على تحكيم أول داخل البيت، فكان محمدًا، وكان يُسمَّى بالأمين.

وقالت قريش: «لقد ارتضيناك حكمًا يا «محمد»، فاحكم بمَن هو أحقُّ من القبائل بشرف وضع الحجر إلى مكانه!»

ووضع الحجر في ردائه، وأمرهم أن يشتركوا جميعًا في رفع الرداء حتى ينالوا الشرف جميعًا، فرفعوا الرداء وبه الحجر، ثم تسلَّمه الرسول ووضعه في مكانه. وكان يُقبِّل الحجر، ولكن عمر رضي الله عنه كان كلما قبَّله يقول: اللهم إني أعرف أنك لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيتُ محمدًا قبَّلك، ما قبلتك.

•••

ورابع مَن بنى الكعبة هو عبد الله بن الزبير، ابن أخت عائشة رضي الله عنها، وقد سمعها مرة تقول: سألت رسول الله عن الجدار: أمن البيت هو؟ قال: نعم. قالت عائشة متعجبة: وما السبب في عدم إلحاقه بالبيت؟ فقال الرسول: إن قومكِ قصرت بهم النفقة. وعادت عائشة فسألته: ولِمَ بابُ الكعبة يا رسول الله مرتفع؟ قال: فعلتْ قريش ذلك ليُدخِلوا مَن شاءوا ويمنعوا مَن شاءوا، ولولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بشرك لَهدمتُ الكعبة وألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدتُ فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتْها حين بنت الكعبة.

ولما كان رسول الله قد حضر هدمَ الكعبة وبناءَها، فقد كان يعرف أنها كانت أكثر مساحةً بستة أذرع؛ إذ إن قريشًا اقتصرت في النفقات.

وعلم عبد الله بن الزبير هذا الحديث، فوعاه وحفظه، حتى إذا نادى بنفسه أميرًا ووهنت الكعبة من حريق غزوة أهل الشام لمكة المكرمة، قال عبد الله بين الزبير لقريش: اهدموا البيت معي! فامتنعوا، وخرجوا إلى منى مخافةَ أن ينتقم الله منهم إذا هم تعاوَنوا مع ابن الزبير على هدمها.

وهدم ابن الزبير الكعبة وبناها على النحو الذي رسمه رسول الله في حديثه مع عائشة.

وعادت قريش إلى مكة المكرمة، فتعجَّبَتْ كيف أن عبد الله بن الزبير ما زال على قيد الحياة وأنه لم يمسَسْه سوء! فلما علمَتْ أن ابن الزبير ما هدم الكعبة وبناها إلا عملًا بحديثٍ نبويٍّ شريف، ندمَتْ على أنها لم تشترك مع عبد الله بن الزبير في هدم الكعبة وبنائها على النحو الذي رسمه رسول الله في حديثه.

•••

وحدث أنه لما هُزِم عبد الله بن الزبير وقُتل، كتب الحَجَّاج إلى عبد الله بن مروان يخبره أن عبد الله بن الزبير وضع البناءَ على أساسٍ أقَرَّه العدولُ من أهل مكة.

لكن عبد الملك بن مروان ردَّ على الحجاج بقوله:

أما بعد؛ فلسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقِرَّه، وأما ما زاده فيه من الحجر فرُدَّه إلى بنائه، وسُدَّ البابَ الذي فتحه، والسلام.

وقد فعل الحَجَّاج بما أمر به عبد الملك بن مروان، ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى علم ابن مروان أن ابن الزبير سمع من عائشة حديثًا عن الرسول فأرسل عبد الملك إلى الحارث بن عبيد الله، أحد الصحابة الأجِلاء، يسأله: هل عنده نبأ هذا الحديث؟

فقال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال عبد الملك: قُل الحديث. قال: «قال رسول الله ما معناه: إن قومكِ قد استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثةُ عهدِهم بالشرك، أعدتُ ما تركوا منه، فإن بدا لقومكِ من بعدي أن يبنوه فهلُمِّي لأُريكِ ما تركوا منه. فأراها قريبًا من سبعة أذرع.»

فقال عبد الملك: لو كنت سمعت هذا الحديث قبل أن أهدم البيت لتركتُه كما بناه ابن الزبير.

•••

ومن الروايات الصحيحة: أن هارون الرشيد أراد أن يُرجِع البناءَ إلى ما بناه عبد الله بن الزبير، ولكن الإمام مالك (صاحب المذهب المشهور) منعه من ذلك قائلًا: ناشدتُك الله يا أمير المؤمنين، ألَّا تجعل البيتَ ملعبةً للملوك، لا يشاء الواحد منهم إلا نقْضَ البيت وبناءَه، فتذهب هيبته من صدور الناس.

قُبيل مغادرة مكة

استولى على نفسي شعورٌ من الحسرة، وجثم على صدري كابوسٌ من الانقباض حينما كنت أطوف بالبيت الحرام طواف الوداع.

نعم، إن الطواف ببيت الله يُبهِج النفوس، ويشرح الصدور، ويُزيل الكروب، ولكن معرفتي أن هذا الطواف هو آخِر طواف في عامي هذا وسأُودِّع مكة بعده، جعلت الحسرة تنتابني وتستولي على كل ما في نفسي.

وأيُّ حسرة وَايْمُ الحق، وسأبتعد إلى حينٍ عن هذا الجو المُطهَّر المُقدَّس الذي لا تسمع فيه لغوًا ولا كِذَّابًا، بل لا تسمع فيه إلا ذكر الله يتردد على كل لسان، ولا يحيط بك إلا الطُّهر والإيمان، وكل ما يُشعرك بمخافة الواحد الديَّان، ولا ترى فيه إلا الفضائل ومكارم الأخلاق.

أجل، بلد لا تصل إلى أذنَيْك فيه كلمة نابية أو لفظ كريه، بلد لا تقع عيناك فيه على منظر يجرح الشعور ويؤلم الإحساس، بلد لا ترى فيه امرأة سافرة كما ترى في مصر، امرأة تكاد تكون متجرِّدة من الثياب، فالنحور والصدور والأذرع والسيقان، وكل ما ينبغي أن يكون محجوبًا عن عيون الرجال، تكشف عنه في مصر ربَّاتُ الحِجَال.

ولكن في ذلك البلد الطاهر مكة، وسائر بلاد الحجاز، لا ترى المرأة إلا وقد ائتزرَتْ بمئزر أبيض فضفاض، لا يبدو منه إلا العينان تستدِل منه على موضع قدمَيْها وخطوهما.

وكيف أوازن بين بلاد الحجاز، وهي الأراضي المقدسة، وبين مصر وغيرها من البلاد التي تجري فيها الأحكام على سنن قوانين الغرب دون نصوص الشريعة الإسلامية السَّمِحة.

فاللهم الطف بنا، إنك أنت اللطيف الرحيم الرحمن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤